الرئيس الأمريكي في حربه على العراق يهدر كافة القيم والمُثل

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الرئيس الأمريكي في حربه على العراق يهدر كافة القيم والمُثل

المستشار محمد المأمون الهضيبي- المرشد العام للإخوان المسلمين

مقدمة

قال الله تعالى:

(أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ*الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسمُ اللهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)(الحج:40)

الفظائع والأعمال الوحشية التي تُرتكب في حق الشعب العراقي منذ أن حُشدت جحافل جيوش وترسانات أسلحة الدمار الشامل حول العراق، ثم صدرت لها القرارات بتدمير وتخريب العراق وإهلاك وتشريد أهله تتواصل وتتصاعد، ولا تكفُّ ولا تتوقف وسائل الإعلام من فضائيات وصحفٍ وإذاعات على مدى الأربع والعشرين عن نشر أهوالها ومآسيها.

المئات من القتلى العراقيين الأبرياء تُسفك دماؤهم!، وتَتفحم أجسادهم!، الدمار والتدمير طال المستشفيات كما طال الشوارع والأسواق والبيوت والمؤسسات، من خلال قصفٍ بالصواريخ لا يهدأ ولا يرحم، وغارات بالطائرات تحصد العراقيين.

الألوف من الأطفال والنساء العزل الأبرياء.. يجري حصارهم، وتجويعهم وإرهابهم وإصابتهم في مقتل بوحشية، لا يعرف أصحابها الرحمة أو الإنسانية.. وتحت وابل من قصف المدافع والرصاص، يستهدف إذلال وإبادة شعب أعزل.

صيحات الرفض والاستنكار للفظائع والمجازر والأعمال الوحشية التي يرتكبها جنرالات وجيوش الغزو الأمريكي وطائراته وصواريخه، تنبعث وترتفع في كل مكان تندد بسياسته العدوانية، وتعلن انحيازها لحق الأبرياء في الحياة والأمن.. وفي العواصم الأوربية ومدن أمريكا نفسها، وفي أقطار العرب والمسلمين.. ملايين المتظاهرين الساخطين في كل مكان تطالب بوقف الحرب والمجازر وسحب جيوش العدوان الهمجي.. والتأكيد على حق الشعب العراقي في الحياة الآمنة الحرة داخل دياره.. وحقه ودوره في تغيير أو اختيار نظام حكمه.. وإحلال العدل والسلام في أرضه.. ولكن تبقى أمريكا في مواجه العالم.. متحدية منظماته الدولية.. سافرة في تحديها لدول كبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، مستخفة بها.. مهدرة كافة القوانين الدولية، معتمدة قرارها الفردي في سحق شعب العراق الأعزل، واستخدام كافة وسائل القوة والبطش والإرهاب والقمع والقتل؛ لإبادة الألوف وتشريد الملايين من أبنائه..

الحرب الأمريكية البريطانية على العراق تجسِّد إهدار كل القيم والمُثل... واستباحة الحرمات.. ومصادرة حق الإنسان في العراق في العيش آمنًا.. فقد نحَّى الرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء البريطاني- في صلف- كلَّ الشرائع والقوانين.. وقوَّضا معالم ومعاني العدل والإنصاف، ويبدو الرئيس الأمريكي وكأنه يعيد للذاكرة قولة فرعون حين طغى وبغى وأهلك الأطفال واستحيا النساء.. مناديًا في قومه (مَا أُرِيكُمْ إِلاَّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرَّشَاد) (غافر: من الآية29).

وقوله (أنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى)(النازعـات: من الآية24) وعلى من يبقى من أهل العراق أن يركع اليوم.. كما على من يبقى من العرب والمسلمين.. إن لم يتحركوا اليوم ليردوا الهجمة الأمريكية الشرسة.. أن يركعوا في الغد.

أمريكا وبريطانيا يقفان في وجه العالم.. في إصرار على مواصلة حرب لا تعي ولا تعرف غير تدمير قطر عربي، واغتيال شعبه، والعجيب أنه لا يفتأ المسئولون في الدولتين يعلنون أن الحرب على العراق حرب نظيفة لا تطول المدنيين، ولا تمس بِنْية العراق التحتية.. ولكنها تستهدف حاكمًا مستبدًا من أجل تحرير شعب العراق.

من العجيب أيضًا أن تعلن أمريكا.. في الوقت الذي تجتزُّ فيه أسلحتها رقاب أبناء الشعب العراقي.. أن جيوشها وأسلحتها تقاتل عدوًا لا يعرف القانون، وأنه سيظل يشعل جذوة الحرب من خلال جيوشه الجرارة، وأسلحته الرهيبة؛ حتى يحقق النصر!.

وأعجَبُ من هذا وذاك أن ينتظر من أبناء الشعب العراقي أن يركعوا مستسلمين، ينتظر منهم أيضًا أن يمدوا الرقاب في رضا لأسلحة الإبادة الأمريكية؛ كي تجتزها، كما ساد واشنطن ولندن ظنُُّ- قبل إشعال لهيب الحرب الوحشية على العراق- أن أهل العراق سيقابلون جحافل الغزاة بالزهور والرياحين، فرحين مسرورين بمقدمهم.. ومن منطق متكبر متغطرس يجافي كل القيم والمثل، ولا يعترف بحق الشعوب العربية والإسلامية في الأمن والحرية والاستقلال والعيش في كرامة في ديارها.

يرى الذين أشعلوا نار الحرب على العراق أن أي مقاومة للاستعمار الأمريكي، أو أية عملية استشهادية قام بها أحد العراقيين بعد أن صار لا يملك سلاحًا إلا حياته في مواجهة هذا الطغيان.. إنما هي في فهمهم وعُرفهم إرهاب.. تمامًا كما صوروا أشكال المقاومة المتواضعة- التي لا يمتلك الفلسطينيون غيرها في التعبير عن رفضهم للاحتلال اليهودي لديارهم، وسفكهم لدمائهم- أعمالاً إرهابية يجب أن يُقلعوا عنها؛ ليحظوْا بالجلوس على موائد التفاوض مع الكيان الصهيوني الغاصب في ظل الرعاية الأمريكية التي آلت على نفسها دعم الكيان الصهيوني الغاصب، وتأكيد تفوقه؛ ليغتال الشعب الفلسطيني، ويسلبه أرضه ودياره، ويجتزّ رقاب أبنائه.

الحرب الوحشية على شعب العراق.. فضحت كل المزاعم والوعود الكاذبة التي أطلقتها وتطلقها الإدارة الأمريكية؛ لتبييض أو تجميل وجه الاستعمار الأمريكي الجديد.. كما فضحت الأهداف والغايات الأمريكية، وأكدت أن الولايات المتحدة خاصةً في عهد "بوش" جعلت المصالح الأمريكية فوق كل القيم والفضائل.. وأن أية سبل تحقق الوصول إليها هي سبل تحظى بالرضا والقبول.. ولو أدت إلى إهدار دماء الشعوب.. أو تخريب وتدمير الأقطار..

القوة والغطرسة والمصالح والأهداف

وإذا كان الرئيس "بوش الأب" كان قد أعلن مع بداية التسعينات أن القرن العشرين هو قرن أمريكي.. وجاء "كلينتون" من بعده؛ ليعلن أن القرن الـ 21 هو قرن أمريكي.. فقد جاء "بوش الابن" مع بدء رئاسته؛ ليضع النقاط على الحروف، ويجهر بالسياسات وبالأهداف والغايات والمصالح، ويعلن من خلال وثائق أمريكية رسمية أعدها له مستشاروه ورموز إدارته:

* أن ممارسة القوة ولو على حساب أرواح ودماء الآخرين.. هي الوسيلة لحماية المصالح وتحقيق الغايات.

* أن استقرار العالم إنما يجب أن يكون بالشكل الذي يحترم مصالح وأهداف أمريكا.. وأن ضرب النُظُم المارقة أمر وارد.

* أن القيم الأمريكية قيم يجب نشرها..

* وأن السياسات الاقتصادية في العالم التي يجب اعتمادها هي السياسات التي تخدم الأهداف والقيم الأمريكية.

وعلى دويّ الانفجارات التي تهز وتدمر العراق، وأنهار من دماء الضحايا العزل التي تروي أرضه، تتكشف وثائق جديدة وتقارير قُدمت للرئيس الأمريكي "بوش" اعتمدها من قبل؛ لتكون بمثابة المبادئ والخطوط الرئيسية التي تحكم سياسته، وتكشف في نفس الوقت عن حقيقة ما يجري ويحدث الآن في العراق، وما سيجري في الغد في غير العراق من دمار وتدمير.

ومن ذلك تقرير رئاسي قُدِّم للرئيس الأمريكي في يناير 2001 طالبه باعتماد سياسية تؤكد على "دعم الكيان الصهيوني؛ باعتباره الركيزة لضمان الأمن الإقليمي مع كفالة تفوقه، والسعي لتشجيع التغيير في العراق.. وهو تغيير لا يمكن أن يتم بوسائل سياسية".. ثم يقول التقرير: "يجب على الرئيس إعادة نظر واسعة النطاق في السياسة الخارجية إزاء العراق؛ بُغية توضيح طبيعة التهديد الذي يشكله العراق والردود الأمريكية المحتملة.. ويجب على أمريكا أن ترد بقوة عسكرية واسعة النطاق.. إذا استخدم العراق أسلحة الإبادة الشاملة، وإن كان من المُرجّح أن يكون ثمة دعم عالمي أقلٍّ للتدخل العسكري الأمريكي في العراق.

يعني هذا أن هناك التزام واتباع لسياسة مرسومة وفي غطرسة وغرور.. وهي سياسة تهدف من خلال الوثائق والتقارير والأبحاث التي أفرزتها إلى تأكيد الهيمنة الأمريكية، والانفراد بحكم وإدارة العالم.. واستغلال الثروات والموارد التي يذخر بها عالمنا العربي والإسلامي.. ولأنها سياسة مصالح تنطلق من منطق القوة والهيمنة والغرور، وتغلّب الأهداف والغايات على ما فيه مصلحة الآخرين أو حقهم في الحياة ولو في أرضهم وديارهم، فليس ثمَّة التزام بالقيم أو المثل، ولكن اعتماد القوة وسيلة لتحقيق المصلحة.. وفرض الرأي.. والتزام الآخر بهذا الرأي.. مع إعلانه الخضوع والاستسلام.. وإلا فهو العدو الذي يشن الرئيس الأمريكي وإدارته عليه الحرب؛ لتدمير دياره بالصواريخ واجتياحها بالجيوش.

صيحات الوعيد والتهديد والتي تتسم بالغطرسة مع إنذارات السحق والإبادة لشعب العراق.. تصاحبها تصريحات التحذير والخداع لتمرير أو تبرير سياسات أو مواقف.

لقد وُجهت الإنذارات للعراق بالتخلص من أسلحة الإبادة المزعومة في أيام.. وأُنذر نظام الحكم فيه بمغادرة بغداد في ثمانٍ وأربعين ساعة.. أما فيما يتعلق بالموقف الأمريكي إزاء القضية الفلسطينية، فإن قيام دولة فلسطينية للفلسطينيين على جزء من ديارهم.. يستغرق سنوات.. ويستلزم ويُوجب على الشعب الفلسطيني التخلي عن أي شكل من أشكال المقاومة مهما كان متواضعًا.. ولو تعرض للذبح.. أو أُرغم على التهجير.. أو جرى قصفه وهدم دياره، كما أن الدولة أو الدويلة المزعومة لا حدود لها.. ولا تحديد لها على أرض الواقع.. إنها لا تعدو الوعود الخادعة.

وزير خارجية الرئيس الأمريكي "كولين باول"، وجذوة الحرب في العراق تزداد اشتعالاً واتساعًا وتدميرًا وهلاكًا، لا يتورع أن يعلن من قبيل تخدير المشاعر أو الاستخفاف بالعقول، "أن إحراز تقدم في عملية السلام في الشرق الأوسط أصبح ممكنًا من جديد.. ونحن اليوم في مرحلة أمل، في وقت يمكن أن يكون إحراز تقدم فيه ممكنًا"، ولكنه يضيف أن الإرهاب الذي يقوم به الفلسطينيون لا يتلاءم مع مفهوم السلام الذي يدعو إليه الرئيس "بوش" في المنطقة"، وباول يقول هذا في الوقت الذي يواصل فيه الكيان الصهيوني ارتكاب المجازر، وسفك دماء الفلسطينيين، كما تواصل فيه الأساطيل والجيوش والصواريخ الأمريكية المجازر وحرب الإبادة في العراق، بينما أعلن وكيل الخارجية الأمريكي في وضوح "أن أمريكا تأمل أن يكون الاعتراف بإسرائيل أول إجراء تقوم به الحكومة القادمة في العراق".

وفي صَلَفٍ يوجِّه "باول" إنذاراته لسوريا متوعِّدًا إياها، وكأنه يوجِّهُها لكل العرب حول العراق للضغط عليهم؛ لإحكام الحصار حول العراق في انتظار نفس المصير الذي يواجهه العراق، فيقول: إن سوريا تواجه خيارًا الآن حاسمًا، وبإمكانها أن تواصل الدعم المباشر للجماعات الإرهابية وللنظام المحتضر في العراق.. أو السير في طريق مختلف وأكثر أملاً.. إن سوريا تتحمل مسئولية خيارها، وتبعات ذلك "أن أمريكا تطالب بسلوك يتسم بقدر أكبر من المسئولية من جانب دول أخرى يُحتمل أن تثير مشاكل مثل إيران.. إن الموقف حانَ للمجتمع الدولي كي يصر على أن تتوقف إيران عن دعمها للإرهاب، ويجب على طهران أن تكف عن السعي للحصول على أسلحة دمار شامل وسبل إنتاجها!.

حقائق تغيب عمن أشعلوا نار الحرب على العراق

منطق المعتدين.. الذي يجافي العدل والإنصاف، ويهدر القيم والمثل والشرائع، ويضع المصالح الأمريكية وحدها فوق كل الاعتبارات، ويعتمد القوة سبيلاً للهيمنة وتحقيق المصالح.. غَيَّب عنهما كثيرًا من الحقائق المهمة.. بل وجعلها تبني الآمال العريضة على الخيال والأوهام:

1) كان الظن عند المعتدين أن الحرب لن تستغرق إلا أيامًا معدوداتٍ، تفتح بعدها مدن وقرى العراق الأبواب أمام جيوش الغزو والاستعمار.. لتجد الطرق مفروشةً بالورود والرياحين.. وغاب عنهم أن الشعوب العربية والإسلامية مهما أصابها أو لحق بها من استبداد أو ظُلم حكامها.. لن ترضى باستبدال استبداد داخلي باستبدادٍ أمريكي، يستبيح ويدنس الأرض والديار، ويسعى لاستعمار الأوطان ومصادرة الحقوق والإرادات، ونهب واستغلال الموارد والثروات.. وطمس الهوية مع استغلال أجواء الحرب؛ لتصفية قضية فلسطين والقدس والأقصى.. ومن ثَم كانت مقاومة شعب العراق الباسلة ووقفته الصامدة.. وارتباك واهتزاز الجيوش الجرّارة.. واعتماد جنرالات الحرب الصواريخ والطائرات؛ لتدمير مدن وقرى العراق بعد أن عجزت الجيوش عن المواجهة على ساحة الأرض والبشر. رغم تفوقها في السلاح والعتاد.

2) غاب عمن أشعلوا نار الحرب على العراق، وقد اعتمدوا منطق القوة وسيطر عليهم الغرور والغطرسة، قيمةُ وفاعليةُ العامل البشري والعقائدي على ساحة العرب والمسلمين، وهو عامل يرجِّح الكِّفة.. ويضمن لأصحابه النصر إذا استقامت الوجهة وخلُصت النوايا.. وركن الناس إلى جنب ربهم، يحركهم ويوجههم الإيمان، مانحًا لهم الثقة والاطمئنان.. والقدرة على التحمل والتصدّى لجبروت الطغاة.. وغزو الاستعمار الجديد البغيض، ولو اعتمد أسلوب المجازر.. وذبح الرقاب.. وهدم وتخريب وتدمير المدن والقرى.

3) أيضًا غاب عمّن اعتمدوا الحرب الرهيبة سبيلاً لتدمير وإبادة شعب العراق، ومن قبله الشعب الفلسطيني المسلم، أن الطغاة طرقوا أبواب بغداد في غزوات سابقات.. واجتاحوا الديار.. وجعلوا من شوارعها أنهارًا طفت فيها الدماء.. ولكن استعاد أهل بغداد قوتهم بعد أن انتعشت في قلوبهم جذور الإيمان، وتحركت في نفوسهم روح العزة والكرامة.. وأكّدوا ووثَّقوا الصلة بينهم وبين ربهم، وأعدو العدة وأخذوا بالأسباب.. فانحسرت جيوش الطغيان والعدوان.

4) إن وقفة الشعب العراقي الباسلة-ووحدة قواه وطوائفه المختلفة وتحركها لمواجهة الغزو الاستعماري الأمريكي الهمجي وجيوشه الجرارة، من منطلق فهمها الشرعي بتأجيل خلافات الداخل لحين طرد الغزاة أولاً، ورفضها لتغيير الحاكم في بلدها بواسطة قوى خارجية- هي تجسيد لإيمان الشعوب العربية والإسلامية، وفهمها الصحيح والتزامها شرع ربها حين تواجه محن الغزو.. فلا تلين أمام غطرسة الدخيل.. ولا تتراجع أمام بطش وجبروت المستعمرين المتجردين من كل القيم.. كما تجسِّد حقيقةٍ أدركها ويدركها كلُّ عربيٍ ومسلمٍ.. وهي أن صواريخ الرئيس الأمريكي لا تفرق بين جميع طوائف الأمة.. ولكن تدفع كل أبناء العراق ليكونوا صفًا واحدًا في وجه الغزاة المجرمين.. وتدفع كافة العرب والمسلمين ليمتثلوا لقول ربهم ويتمثلوه (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَّرْصُوصٌ)(الصف:4).

بقيت حقيقة مهمة وخطيرة قلناها من قبل، وسنظل نؤكد عليها في كل وقت، ونود أن تدركها كل حكوماتنا حق الإدراك، وهي أن سعي الرئيس الأمريكي لابتلاع العراق اليوم والتنكيل بشعبه بشنِّ حرب وحشية، والسيطرة على أرضه وثرواته.. إنما هو جزء من خطة أو مرحلة من المراحل.. سيعقبها شنُّ حرب على الآخرين لمحاولة إسقاط العروش والسلاطين.. والتنكيل بالشعوب، والسيطرة على الأرض والثروات.. مع التقاء في المصالح والسياسات مع الكيان الصهيوني.. الأمر الذي يُوجب بل يحتم تصحيح المواقف والسياسات، وإصلاح البيوت والحكومات.. وإزالة الخلافات والفجوات على المستوى الرسمي والشعبي، والامتثال لأمر الرب- سبحانه وتعالى- بتطبيق والتزام كتابه، وسنة نبيه-عليه الصلاة والسلام- امتثالاً لقول إمام وزعيم وقائد هذه الأمة -عليه الصلاة والسلام- "تركت فيكم ما إن تمسكتم به من فلن تضلوا أبدًا.. كتاب الله وسنتي" لإقامة العدل في الأرض.. ورفع المظالم عن العباد.

وإطلاق الحريات للشعوب، والسعي لكسب رضاها ودعمها.. وقد ضرب الشعب العراقي المثل حين سارع لمواجهة غزو أمريكي همجي، حتى ولو كان تحت شعار التحرير.. فهل يسارع حكامنا بتوحيد الصف والكلمة.. ويؤكدوا الانحياز إلى جانب شعب العراق لدعمه في محنته.. مع تأكيد حرصهم على رضا وتعاطف شعوبهم، واختيار وقفةٍ شجاعة شريفة عزيزة في وجه الغزو يسجلها لهم التاريخ.. وتذكرها لهم الأجيال.. ويرون فيها مثالاً للنُّبل والتضحية.. والارتفاع في تجردٍ فوق المصالح الذاتية.. وقفة تذكرهم بسلف صالح أبَوا إلا العيْش أعزاءَ كرامًا، واضعين في أعماق قلوبهم ونُصب أعينهم قول ربهم (وَللهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ)(المنافقون: من الآية8).

لقد مدّت الشعوب الأيدي للحكام أمام خطر أمريكي داهم يهدد ويستهدف الشعوب...

والحكام... والأرض... والديار... والعقيدة ...والهوية ...والثروات... وبدافع من الإيمان قد تحرك في القلوب والنفوس، مع الاستعداد للتضحية بكل غال ونفيس بعد أن استشعرت شعوب الأمة هول الخطر.. ساعيةً لفتح صفحة جديدة يملؤها الأمل في الله والتوكل عليه، والأخذ بالأسباب.. وطيّ صفحة حفلت بالآلام مع افتقاد الثقة والروابط..

إن الواقع والحقائق والمسئولية أمام الله وأمام التاريخ والأجيال يُوجِّه إلى الحكام تساؤلاً تنتظر الأمة إجابته.. وهو متى يمد الحكام أيديهم إلى الداخل.. إلى الشعوب؟؛ لتحقيق وتأكيد وحدة للصف والكلمة، وتوحيد للطاقات والإمكانات لمواجهة ودفع الخطر.. وحدة تعتمد المشاركة مع إزالة للقيود، وإطلاق للحريات ورفع للمظالم، وتأكيد للعدل في ظل الشرع وضوابطه وضماناته.. ورفع رايات الجهاد.. ليتنزل النصر من عند الرب القائل (إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)(محمد: من الآية7).

وتاريخ المسلمين حافل بالأحداث والتجارب... التي أكدت وتؤكد أنه عندما وحيثما يحرك الإيمان الشعوب والحكام... ويكون إعداد العدة مصحوبًا بالتوكل على الله... ويكون استمداد واستلهام القوة والعزم منه- سبحانه- مصحوبًا بالثقة في عونه ونصره... تنهار جيوش الباطل ، وتنتصر جيوش الحق... ومنذ قرون وقف السلطان" ألب أرسلان" بجيشه المحدود العدد ، الوافر الإيمان بربه ، في مواجهة حملة عاتية قادها ملك الروم في حرب عاتية شنّها على الدولة الإسلامية... تستهدف سحق الشعوب... ومحو العقيدة... وتقسيم وتجزيء الأرض بين الأتباع، وأعطى "ألب أرسلان" المثال بليغًا لكل المسلمين من بعده.. تمامًا مثل ما أعطاه "صلاح الدين" و "قطز" ، فخاضا حربًا طاحنةً بعد أن سجد لربه ومرغ جبهته في التراب، وهو يدعوه بالنصر لدينه وعباده.. فلبى الرب دعاءه، وأعانه بنصره وتمكينه، فهزم عدوه.. وصدق الله القائل عز شأنه (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل*فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ)(آل عمران:174).

المستشار/ محمد المأمون الهضيبي

المرشد العام للإخوان المسلمين

القاهرة: غرة صفر 1424هـ

الموافق 3/4/ 2003م