السبيل إلى الاصلاح فى الشرق

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
مقالة-مراجعة.gif
السبيل إلى الاصلاح فى الشرق


الإمام حسن البنا-وسط-إخوانه

تسود العالم الشرقى حال من الفوضى والاضطراب فى جميع مظاهر حياته الفكرية والاجتماعية والسياسية , وتلك وإن تكن طبيعة عصر النتقال الذى يجتازه العالم الشرقى الآن ومظهر النهضة الحديثة التى تتمخض بها أممه , إلا أنها تجعل المركز حرجا يخشى أن ينتج عنه وأد الشرق فى ربيع حياته , والقضاء على الاسلام ولما يتمتع به العالم بجنى ثمرته وحكم نظراته , ما لم تكن الحكمة والسداد رائد قادة الشعوب الشرقية ومفكريها.

وكثير من أهل العقول الراجحة فى الشرق الآن يعتقد أنه إن ظلت هذة الحالة المضطربة تسود الفكر الشرقى , ولم يعمل قادته على التخلص منها بتعيين غاية توجه إليها قوى هذة الشعوب المتيقظة , وتتصرف نحوها, فستكون العاقيبة وبالا على الشرق وأهله والاسلام وبنيه, وتنتهز الأصبع الأجنبية المستعمرة التى تتستر بقفاز رقيق , وتتحين الفرص لتنشب أظافرها الحديدية فى جسم الشرق البض , فتقلبه كما يشاء لها الهوى والتقلب, وقد يكون خير السبل لاصلاح الشرق وتخلصه من ورطته الفكرية أن يوجه زعماؤه وقادته جهود الأمم إلى غاية منتزعة من روح الشرق , ملائمة لمزاج أهله لا تنحصر فى التقليد لأوروبا أولغيرها بل قوامها انهاض الشرق من كبوته , واستخدام قواه الكامنة فى الاصلاحات العلمية والاقتصادية والمدنية , التى يكون من ورائها قوة الشرق المادية والأدبية.

إلى هذة الأمور الثلاثة يجب أن توجه عناية الزعماء فى الشرق : العلم والاقتصاد والحقوق السياسية , أما العادات , وأما العقائد والأديان , وأما الآداب ومظاهر الحياة الاجتماعية الأخرى , فهذه لا سبيل إلى نقلها من أمة إلى أمة إلا بفعل الزمن وحده , والأوامر والمراسيم والنظم والقوانين والقهر والجبروت , فكل ذلك لا يفيد إلا هياج الخواطر وثوران النفوس ولا يغنى من الاصلاح الحقيقى شيئا , ثم ندمر هذه النظم القاهرة أمام جبروت الشعوب وسلطان الزمن.

اليابان سارت فى طريق اصلاح حكيم مبنى على العلم والاقتصاد , فارتقت وتقدمت وغزت أمم الغرب فى خصائصها ومظاهر حياتها وقوتها , وتبع ذلك – بفعل الزمن وحده- ما تستدعيه الحال من تحور فى العادات والتقاليد.

وتركيا والأفغان سارتا فى طريق متهور أهوج فأرهقت الحكومة الأولى شعبها فى دينه ودنياه , وحملته من عذاب الاستبداد نارا مستعرة يبدو دخانها خلال هذه المؤامرات المتتالية على الحكومة , وتظهر أبخرتها فى الزلازل النفسية التى تتمخض بها المدن التركية , وإن كنا لا نعلم من ذلك إلا قليلا , وانتهت مناورة الحكومة الثانية بتلك الثورة الفظيعة الماحقة التى تخشى أن تكون وبالا على الأفغان والشرق.

يا زعماء الشرق , حنانيكم الأمر جلل. يجب أن نفرق بين ما يؤخذ وما يترك , فليست مظاهر الحياة الأوروبية كلها صالحة ملائمة لمزاج الشرق.

فليكن قائدكم فى الاختيار المنفعة وصالح الجموع لا الهوى والشهرة ومصلحة طائفة خاصة , ويجب أن نجعل لتاريخنا وحضارتنا وماضينا نصيبا من التقدير والاجلال , فلا نفنى فى غيرنا من الأمم , ولا ننكر فضلا سجله التاريخ لأسلافنا ولهج الزمان بذكره وعرفته لهم الأمم جمعاء , وكان دعامة من دعائم المدنية الحالية .

اجعلوا الشرق جسما قويا متماسكا يثب إلى الحياة والرقى على رجليه ولا تجعلوه مقعدا مشلولا يمشى بأعضاء غيره , فإنكم لا تأمنون أن يلقيه فيتحطم هيكله ويتهشم بناؤه.

يجب أن نلاحظ نفسيات الشعوب والجماعات , وضرورة التدريج فى ادخال ما يجب أن ندخله من النظم والاصلاحيات , وان نلاحظ أن المدنيات لا تؤخذ من نهاياتها, وإنها تنقل من أصولها ومبادئها , وأن هذة المظاهر التى يحاول زعماؤنا بثها فينا وانتشارها بيننا لم تكن فى أوروبا إلا دواع وأصول لم تتوفر فى الشرق ولا تتوفر فيه أبدا.

بقى أمر هام أود أن أهمس به فى آذان قادتنا ومفكرينا , ذلك أن أسألهم عن سر عدائهم للاسلام ولنظمه, وموقفهم منها موقف المتحسب المتوجس , وما الذى يمنعهم من أن يجعلوه وقواعده دين تجديد وثقافة , وشعاره : ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) الاسراء : 85 مردفة بقوله تعالى : ( وقل ربى زدنى علما) طه : 114

والعجب أنه مع نصوع الحقائق ووضوحها لا نزال نرى فريقا من قصار النظر فى الأقطار الشرقية خاصة يرمون الاسلام بما هو منه براء, ويتوهمون فيه قيودا ثقيلة من الجمود تقيد الفكر وتمنعه من الحرية والبحث , ويقيسونه بتلك النظم العتيقة الكنسية التى لم تقم نهضة أوروبا إلا بتحطيمها والقضاء عليها , وتراهم لذلك يستخدمون الألفاظ التى تداولها المؤرخون لمسميات ذاك العصر , فيقولون :

رجال الدين , الرئاسة الدينية, والنظر الدينى الضيق, والسلطة الروحية , وغير ذلك من العبارات ولعل هذا اللبس اللفظى هو الذى جعلهم يتورطون فى تشبيه النظم الاسلامية بغيرها من النظم.

وواجبنا إزاء ذلك أن نرفع عن أعين من يريد الحقيقة من هذة الطائفة حجاب الوهم , ونوضح له هذا العبث اللفظى وخداع العناوين التى وضعها مؤرخوا أوروبا لذلك العهد , وأن نوضح لهم أن نظم الاسلام ليست من تلك القيود فى شىء , بل هى دعائم المدنيات وبواعث النهضات.

وعلينا بعد ذلك أن نجعل هذا الإسلام المتمكن فى نفوس أهله أساسا للنهضة الشرقية الحديثة, وبذلك تصطبغ نهضتنا بصيغة شرقية مجيدة تجذب نحوها أفئدة الشعوب وتعيد للشرق مجده المسلوب وعزه المغتصب.

وقد يتخيل بعض الزعماء الذين يبتعدون عن الاسلام فيمن يسمونهم رجال الدين معارضة لاصلاحهم وعقبة فى طريق نهوضهم , فيودون لذلك أن يبتكروا هذا الطريق ويسلكوا إلى النهوض من طريق غيرهم , فليعلم هؤلاء أن هذا الصنف من رجال الدين لا يوجد فى علماء الاسلام الآن ولله الحمد, وإن كان ظهر فى بعض العصور تحت تأثير الحوادث والدسائس , وتشرب بروحه السامية ومبادئه العالية, فكان بمعزل عن الجمود الممقوت والتشبث المذموم.

وهذا العنصر- والحمد لله- كثير من البلاد الاسلامية الشرقية , ومثله حية قائمة أمام أنظار الجميع , وهو يود من صميم فؤاده أن يؤيد زعماء النهضات وقادة الفكر الشرقى , ويتفق معهم على وضع الأساس الصالح لبناء مستقبل الشرق.

فلم لا يسعى كل من الطرفين وإزاحة هذا الستار الرقيق من الأوهام الذى يحجب كليهما عن الآخر, ويسيران متكاتفين بالأمم الشرقية إلى غاية الكمال؟

ومن أوجب الواجبات وأول وسائل النجاح- ولا سيما فى ظروف حرجة كالتى تحيط بالشرق الآن – أن توحد جهود الأمة وتوجه قواها جمعاء إلى ما فيه خيرها وسعادتها.

أما أن نقف قوة ضد قوة, وتستخدم طائفة للقضاء على أخرى وتنتهج خطة للاصلاح لا يكون وراءها إلا الثورة, فلا يقدرون مقتضيات الأحوال ولا يلتفتون إلى سنن الكون وقواعد الاجتماع , ولا يصغون إلى أصوات الألم المنبعثة من قلوب الشعوب الدامية.

أما أن يتخذ زعماء الشرق أداة لتنفيذ المآرب والأغراض وملهاة يلهو بها ساسة أوروبا وعواهلها, وكعابا تنقلها أصبع الغرب على رقعة الشرق كما تشاء وهم غافلون , يبيتون لهم المكائد وينصبون لاصطيادهم من الشرك.

فذلك كله أو بعضه مما يعرقل سير النهضة الشرقية , ويؤخر ثمارها , ويحول دون نضوجها, إن لم يقض عليها , ولن نجنى منه إلا قلقا واضطرابا لا يغنيان من الحق شيئا , ذلك إلى ما يعقبه من رد الفعل الذى يبدل فائدة النهضة بالضرر وخيرها بالشر.

تلك كلمة أتوجه بها إلى كل من يعنيهم أمر الشرق المحبوب ويهمهم مستقبله , ناضحة بمرارة الهم ومضاضة الألم الذى يتولانى كلما ذكرت الشرق المجيد وما ينتظره من الكوارث إن دامت به الحال على ما نرى من الفوضى والخلل , وأهم ما أقصد إليه فى هذه الكلمة – وأرجو أن تكون موضع عناية القادة ومحل بحوث المفكرين- أمور

1-أن تحدد غاية أساسية توجه إليها قوى الشرق.

2-أن تكون تلك الغاية ملائمة للمزاج الشرقى متفقة مع روحه العامة الذاتية.

3-أن تستند النهضة إلى الاسلام فى نظمه وروحه ومبادئه.

4-أن نعنى بالمهم من المظاهر : كالعلم , والاقتصاد, وندع السفاسف التى لا تقدم ولا تؤخر :

كالعادات والآداب التواضعية.

5-أن نوحد جهود أبناء الأمة الواحدة ثم الأمم الشرقية جميعا فى السعى لتحقيق أمانى الشرق.

6-أن نحترس فى نقل ما نأخذه عن الأجانب , فلا نأخذ إلا ما ينفعنا حقيقيا .

ذلك ما أريد أن أنبه إليه الأفكار, وألفت نحوه شبابنا الذين غفلوا عن مستقبل بلادهم , ومصير دينهم , وأهملوا البحث والتقصى , وخدعوا بتمويه الأعداء , فأعجبوا بآرائهم وجاروهم فى أهوائهم , والله خير حافظا لديننا وبلادنا.