الله أكبر.. ستنتصر الشعوب رغم الاستبداد السياسي والقهر

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مقالة-مراجعة.gif
الله أكبر.. ستنتصر الشعوب رغم الاستبداد السياسي والقهر

رسالة من محمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان المسلمين

مقدمة

رسائل.gif

الحمدُ لله ربِّ العالمين، والصلاةُ والسلامُ على المبعوثِ رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه والتابعين، ثم أما بعد..

تُعاني الشعوبُ في دولٍ عديدةٍ، وخاصةً في بلدان العالم العربي والإسلاميِّ، حالةً من الاضطرابِ والتوترِ، وذلك من جرَّاء التباعدِ في المواقفِ بين هذه الشعوبِ وحكَّامِها ونُظُمِها.

ففي الوقتِ الذي ينمو فيه الوعيُ لدى الشعوبِ بأهميةِ التنميةِ- وعلى الأخصِّ التنميةُ البشريةُ التي تستلزمُ حصولَها على حريتِها، واحترامَ إرادتِها، ونيلَها لحقوقِها، وتعظيمَ دورِها في المشاركةِ في تحمُّلِ المسئولياتِ وخاصةًَ السياسية منها- نجدُ في ذاتِ الوقتِ الأنظمةَ الحاكمةَ في كثيرٍ من بلدانِ هذه المنطقةِ تصرُّ على تهميشِ- بل أحيانًا إلغاء- دورِ هذه الشعوبِ والضغطِ عليها، بل ومواجهتها أحيانًا بسنِّ القوانين التي تعوق مسيرتَها وتحرمها من حقوقِها الدستورية والقانونية، بل والإنسانية العامة.. الأمر الذي يمنعها من أداءِ واجبِها حيالَ أوطانِها، والحصولِ على ما تريد من حقٍّ واجبٍ لاستمرارِ مسيرة الأوطان متوازنةً ومعتدلةً.

ولقد رأينا ورأى العالمُ كلُّه ما حدثَ من ثوراتٍ شعبيةٍ ومسيراتٍ سلميةٍ فعَّالةٍ وقويةٍ ومؤثرةٍ، أدَّت إلى تغييرٍ في نظمِ الحكمِ بهياكلِه وأشخاصِه، وما مثالُ أوكرانيا عنَّا ببعيدٍ!! فالعصرُ إذًا عصرُ الشعوبِ وإرادةِ الأمم، والتي هي المصدرُ الأساسيُّ للسلطةِ، وعلى هذه الإرادةِ تُقام الدساتيرُ، وبهذه الإرادةِ تُحكَم الدول، والزمنُ لا يعود إلى الوراء، ولا يبنِي الاستبدادُ والظلمُ والقهرُ أممًا، ولا يكوِّن دُوَلاً مستقرةً، وعواملُ زوالِ الاستبدادِ تكمُن في منهجِه وممارساتِه وسلوكِ أصحابِه؛ ولذلك فإن القاعدةَ الذهبيةَ أن "العدلَ أساسُ الملك" وأنَّ إرادةَ الشعوبِ بالحقِّ غلاَّبةٌ، وأنَّ اللهَ ينصر الدولةَ العادلةَ ولا ينصر الظالمةَ حتى وإن كانت مسلمةً.

فالله أكبر.. ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ (الروم: من الآية 41) ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: من الآية 42) وإن الله ليُملي للظالمِ حتى إذا أخذَه لم يفلتْه.

إن حركةَ الشعوبِ الآن في منطقتنا أضْحَت واضحةً لكلِّ ذي عينَين، فهي تقاوم الاحتلالَ في فلسطين وفي العراق، وتقاوم التهديدَ والبغيَ والقرصنةَ السياسيةَ العالميةَ في إيران وسوريا والشام، وتقاوم الظلمَ والاستبدادَ والتسلطَ في كل بلاد العالمِ العربيِّ والإسلاميِّ، ولقد انزَوَت النظمُ الحاكمةُ وفلولُها الآن تلوذُ بقواتِ أمنٍ مدجَّجةٍ بسلاحٍ اشترته من عَرَقِ الشعوبِ، لا لتدافعَ به عنها ولكن لاستخدامِه ضدَّ إرادتِها وحركتِها لنَيلِ حرياتِها، ولكنَّ هذا المشهدَ لن يطولَ، وقريبًا يتمرَّد السجَّانُ والجلاَّدُ على الظالمِ وتتحركُ الشعوبُ ويسقطُ الطغيانُ، وفي التاريخ دروسٌ وعبرٌ كثيرةٌ، فهل يعتبرُ منها الظالمون؟!

ومع الحكامِ لنا وقفةٌ..

ألا أيها الحكام أفيقوا، واعلموا أنكم أمام الله ستقفون، وعن أعمالكم ستُسألون، لا تغترُّوا بقوةِ الأمن الذي يَحميكم؛ لأنها هشَّةٌ لبُعدِها عن أهلِها، وتحدِّيها لإرادة شعوبِها، اعلموا يا سادة أنكم تتوارون في بيتِ العنكبوت، وهو أوهَنُ البيوتِ، وانظُروا إلى نُظَرائِكم من الصهاينةِ وحكامِ الغربِ الذين يمارِسونَ ضغوطَهم عليكم في محاولةٍ لابتزازِكم وتحفيزِكم على التصادمِ مع شعوبِكم، انظروا إليهم وكيف يَستقوون بشعوبِهم ويَحسبون لتلك الشعوبِ ألفَ حسابٍ، أما لَكُم فيما مضَى معتبرٌ؟! مثال واحد: ماذا حدث مع ماركوس في الفلبين؟!

أيُّها الحكام.. ثوبوا إلى رشدِكم، وعُودوا إلى الحقِّ بالوقوف في خندقٍ واحدٍ مع شعوبِكم، ولا تقتلوا أُسُودَ بلادكم فتأكلْكم كلابُ الأعداء، وهاكم تسمعونها تنبح من حولكم.

وللشعوب الحرة عندنا مكانةٌ وكلمةٌ..

أيتها الشعوبُ الأبيَّةُ الصابرةُ.. يا أحرارَ العربِ والمسلمينِ، ويا أحرارَ العالمِ المنصفين، لا تهِنوا ولا تتراجَعوا ولا تتجاوزوا، واستمِرُّوا في العطاءِ بالحركةِ الإيجابيةِ من أجل الأوطانِ والناسِ؛ حسبةً للهِ وحدَه، واعلموا أن النصرَ مع الصبرِ، وأن العملَ السلميَّ الفعَّالَ المنضبطَ بقوانينِ البلاد ودساتيرِها هو ضمانُ تحقيق الأهداف والغايات، فلا تَسكتُوا عن قولِ الحقِّ، ولا تتراجَعوا أمام الظلم؛ ولذلك ثمنٌ ندفعه جميعًا، ولكنه بالضرورة يعودُ بالنفعِ على الأمة، والزمنُ جزءٌ من العلاجِ.

يا أهل فلسطين.. حيَّاكم اللهُ وأعانَكم وأكرمَكم، فعلى الحق اثبُتوا كما أنتم، ولا تخشَوا بني صهيون أو طواغيتَ البيت الأبيض، أو نفاقِ مَن يسير في رَكبِهم هنا وهناك، واعلَموا أن اللهَ هو الرزاقُ ذو القوةِ المتين، وسوف يجعل لكم مخرجًا ويرزقُكم من حيث لا تحتسبون.. كلنا معكم بأنفسِنا وأموالِنا ومسيرتِنا وأبنائنا، فلستم وحدَكم في الميدان، فاللهُ معكم، وشعوبُ العالمِ الأحرارُ تدعمُكم، وإن مع العسر يسرًا.. إن مع العسر يسرًا.

ويا أهل العراق.. قلوبُنا معكم، ودعواتُنا لكم، وأنتم كما كنتم الرجالَ الأشدَّاءَ على المعتدين، الرحماءَ فيما بينهم.. فاثبُتوا على الحقِّ والمقاومةِ ضد المحتلّ، فوحِّدوا صفوفَكم، وكونوا عبادَ الله إخوانًا، والنصرُ آتٍ بفضلِ الله، ووحدتُكم جسرٌ تعبُرون عليه- رغمَ أنفِ المستعمرِ المحتلِ الأثيمِ- إلى غدٍ أفضلَ بإذن الله.

أما السودان الشقيق.. فإننا في مصر وباقي أبناء المنطقة العربية والإسلامية ندعمُه ونقفُ إلى جوارِه ضد المؤامرات التي تُحاكُ له من أعدائه ونقدِّر ثباتَه ووعيَ أبنائه، ونشدُّ على أيديهم، ونرجو منهم ولهم أن يكونوا على قلبِ رجلٍ واحدٍ، فالسودان يجب أن يبقَى متَّحدًا ويستمرَّ لأبنائه جميعًا.

وإلى شعب مصر وباقي شعوب المنطقة.. نتوجَّه بتحيةِ تقديرٍ وحبٍّ وتواصُل وودٍّ وتعاون وتدافُع نحو العمل المجتمعي والشعبي والسياسي والمؤسسي القوي؛ إعمالاً للدستور وتطبيقًا للقانون بالحكمة والموعظة الحسنة، وها نحن نصعَد معًا، ونكسب أرضًا جديدةً ومواقفَ كريمةً، فالشعب يكسب كلَّ يوم ويَقْوَى، والنظامُ يخسر ويضعُف، ولا يفتّ في عضد الأمة هذا الاستبداد، فتمديدُ العمل بقانون الطوارئ لعامَين آخرَين ضدَّ إرادةِ المجتمعِ كلِّه لا ينفع أصحابَه، ولا يعطيهم شرعيةً فقدوها ولا قوةً في الأداء باعَدوا بين أنفسهم وبينها.

إن هذا المنحنى الشعبي الصاعد الذي يتمثل الآن في حركة الشعب ونوابه ضد الطوارئ، وموقف القضاة الشرفاء الذي نؤيدُه ويؤيدُه الشعب معنا بكل طوائفه.. لن يتراجعَ ولن يعودَ إلى الوراء، بل المسيرة مستمرةٌ والحركة الشعبية في نموٍّ، وليلُ الظلم لن يدومَ، وإرهاصاتُ فجرِ الحريةِ قد بدَتْ في الأفقِ.

فيا أيها الشعبُ الكريمُ.. أقدِم ونحن جميعًا على موعدٍ مع الإصلاحِ- بفضل الله- حتمًا سيأتي اليومَ أو غدًا ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17).

وللإخوان نعلن..

إن مسيرتَكم أيها الإخوان- بحَول الله وقوتِه- ماضيةٌ مع أهلِنا وشعوبِنا والناسِ من حولِنا، وإعلانُنا الدائمُ أن "الإسلام هو الحل" ينبع من عقديتنا الإسلامية الصحيحة، فاللهُ غايتُنا، والرسولُ قدوتُنا، والقرآنُ دستورُنا، و الجهادُ سبيلُنا، والموتُ في سبيل الله أسمى أمانينا.

نحن ندعو الناسَ إلى الالتزام بتعاليم الإسلام، الذي يَعتبر الحكومةَ جزءًا منه والحريةَ فريضةً من فرائضه، نحن ندعو قومَنا- وكلُّ الناسِ قومُنا- إلى إصلاحٍ نَقُودُهم إليه، ولا ننوبُ عنهم فيه، ثمانين عامًا تعملون لإصلاحِ الحالِ والأمةِ، وما زالت المسيرةُ ماضيةً بالحقِّ والقوة والحرية بالنضال الدستوري، نرفضُ العنفَ، ونقاومُ الظلمَ، ونحرصُ على السِّلمِ؛ حسبةً لله وحدَه، فلا تهِنوا ولا تحزَنوا واصبِروا وصابِروا ورابطوا واتقوا الله، وأعطُوا وقدِّموا واثبُتوا وتحابُّوا وانشُرُوا دعوةَ الخيرِ والحُبِّ والإصلاحِ بينَ الناسِ.

وأولوياتُنا إصلاحُ المجتمعِ بعد تكوينِ الفردِ المسلمِ والبيتِ المسلمِ، ومطالبُنا معروفةٌ ومعلَنةٌ في مبادراتِنا ومواقفِنا، وتطبيقُ الشريعةِ أكبرُ ضمانٍ كي ينالَ الناسُ حرياتِهم وحقوقَهم، ولنتذكرْ نصيحةَ الإمامِ الشهيدحسن البنا الغالية: "كونوا مع الناسِ كالشجرِ، يرمونه بالحجَرِ فيرميهم بالثَّمَر".

دعوتُكم بخيرٍ، وجماعتُكم- إن شاءَ الله- على الحقِّ، وأنتم بقيامِكم بواجبِ الدعوةِ والإصلاحِ ومع أبناءِ الوطنِ الأحرارِ المخلصين بحقٍّ أملُ الأمة، فعلى بركةِ اللهِ سِيروا، وإلى العملِ انطلِقوا، واللهُ معكم ولن يتِرَكم أعمالَكم، واللهُ أكبرُ وللهِ الحمدُ.. ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ(21)﴾ (يوسف).

وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.