توازن الضعف

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

توازن الضعف

في عالم السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداءات مستمرة، إنما هناك مصالح متغيرة، مقولة ربما تكون صحيحة في الواقع العملي، ولكنها لا تعني بالضرورة أن ممارسة العمل السياسي هي بالضرورة عمل غير أخلاقي، والمؤكد أنه في ظل النظم الديمقراطية هناك دوافع مصلحية ومبررات سياسية وراء أي تحول سياسي يقوم به حزب حاكم أو أحزاب معارضة، ولكن هناك أيضا قواعد قانونية ودستورية تضبط هذه التحولات، وتجعلها أمرا مفهوما وشفافا لدي الرأي العام، وتحد من انحرافاتها.

فهناك في البلاد الديمقراطية، تحالف أحزاب اليمين في مواجهة أحزاب اليسار، وهناك تحالف لأحزاب اليسار واليمين معا، ضد أحزاب اليمين المتطرف والتيارات العنصرية، وهناك أيضا تحالفات فرعية تجري بين تيارات وأحزاب لأغراض مصلحية تتعلق بانتخابات في نقابة أو مقعد برلماني أو حتي رئاسي وهكذا.

وبما أن مصر بلد غير ديمقراطي يتسم نظامه السياسي بالجمود وتدهور الأداء وغياب الطموح والخيال، أصبحت شكل تحالفاته السياسية انعكاساً لهذه الأوضاع، وصار المشهد الذي يعد بعد تعديل 34 مادة من الدستور، معظمها يتعلق بتعديل مواد تتحدث عن اشتراكية غير موجودة، تكريساً لهذا الوضع الجامد، خاصة بعد أن تم تجاهل جوهر أزمة النظام السياسي المصري المتمثلة في عدم تغيير المادة 77 وبقاء الرئيس في الحكم مدي الحياة بصورة أدت إلي «استنساخ» رؤساء صغار «خالدين» في كل مؤسسة عامة وحزب سياسي.

وصار هذا الواقع السياسي، هو الإطار الذي نسج فيه النظام القائم خريطة العمل السياسي الشرعي، وشكل تحالفاته والتوازنات التي تضمن استمراره، وبالتالي جاءت ساحة الشرعية القانونية بدورها جامدة وضعيفة وهشة ومنسجمة تماما مع النظام الذي أنشأها، وتنذر بأخطار غير مرئية لا يستطيع أن يراها نظام لا يقرأ إلا ما تحت أقدامه. والحقيقة أن ساحة الشرعية السياسية القائمة علي «توازن الضعف» تضم 22 حزبا منهم الحزب الوطني الذي يحكم بالاعتماد الخامل علي سطوة الأجهزة الإدارية وسلطة الأمن، واتحادات عمالية باهتة ـ كما أرادت الحكومة ـ .

في حين أن «توازن القوة» يقع خارج إطار الشرعية أو محاصر منها، ويضم الإخوان المسلمين، وحركات الاحتجاج والإصلاح الجديدة، والأحزاب المرفوض رخصتها القانونية نظرا لجديتها، ونادي القضاة الذي يتحدث في القانون لا السياسة، وقادة نقابات مهنية وعمالية، وبعض الشخصيات العامة والمثقفين والكتاب.

وأصبحت كل مبادرة ولو فردية مكانها الإقصاء حتي لو جاءت من أيمن نور والإخوان المسلمين أو حركة كفاية، أو أي مغامرة ولو من ابن شقيق رئيس جمهورية سابق كطلعت السادات لا بد أن تتواري، فالمطلوب من الجميع أن يكونوا داخل حدود النظام القائم علي توازن دقيق بين الضعفاء والجهلاء ومعدومي الموهبة.

وبدا هذا التوازن سحريا ونجح بكفاءة يحسد عليها في أن يحول كل من دخل في ساحة الشرعية إلي كيان باهت يحمل من صفات الحكومة أكثر مما يحمل من صفات الناس، فأحزاب المعارضة تراجع أداؤها بصورة مذهلة، واستنزفت في معارك صغيرة يستوي فيها النصر أو الهزيمة. وعلي عكس ما هو متوقع في أي مجتمع صحي وطبيعي، ولا نقول بالضرورة ديمقراطي، أن تتحول ساحة الشرعية إلي فرصة لهذه الأحزاب كي تنشط في الشارع وتجند عناصر جديدة وأن يكون لها فرصة في التواجد في وسائل الإعلام «القومية»، ولكن المفارقة أن هذه «الشرعية» تحولت إلي عبء علي هذه الأحزاب، فاخترقتها الأجهزة الأمنية بشكل مباشر وغير مباشر وأصبحت هناك قنبلة موقوتة داخل، تقريبا، كل حزب من أحزاب المعارضة الرئيسية ـ الوفد والتجمع والغد والناصري ـ من أجل مساومتها أو الضغط عليها..

فتدهور حال حزب التجمع الذي كان أملا وخلاصا لقطاع واسع من المصريين في السبعينيات إلي مقر وهياكل فارغة، وتراجع الوفد أكبر وأعرق أحزاب المعارضة عن وضعه السياسي الاستثنائي في تاريخ المصريين، وأصبح لديه 5 نواب فقط في البرلمان منهم اثنان ينتميان إلي تيار نعمان جمعة الواقع عمليا خارج الحزب.

أما الحزب الناصري فقد ترك لمصيره كما فعلت الحكومة مع خلاف حزب الوفد، فطالما لا توجد قواعد ديمقراطية داخل الأحزاب تؤدي إلي احترام الأقلية لرأي الأغلبية، فلابد من وجود طرف قضائي نزيه يفصل في هذه الخلافات ولا ينحاز لطرف علي حساب آخر إنما ينفذ بقوة القانون ما اتفقت عليه أغلبية أعضاء الحزب.

والمفارقة أن «توازن الضعف» هذا تجاوز بهمة يحسد عليها المجال السياسي ليشمل كل مجالات الحياة من جامعات وصحافة ومراكز أبحاث ومؤسسات ومرافق عامة، كلها تحمل نفس الشكل والصورة من البلادة وغياب الكفاءة، فعالم مثل أحمد زويل لابد ألا يتعدي دوره الظهور في الأفراح والمناسبات العامة أو الحديث في مئوية النادي الأهلي، ولا يمكن أن يسمح له ـ بحكم الواقع السائد وليس بالضرورة نتيجة قرار إداري ـ بأي حال أن يقوم بمشروع علمي ذي قيمة داخل مصر.

كما أن توازن الضعف هذا هو الذي اختزل مشروع مصر النووية في مشروع للتوريث لا للنهضة والبناء.

والمؤكد أن شروط استمرار النظام الحالي هي من استمرار توازن الضعف في العمل السياسي وفي المجال العام، وفي مؤسسات الدولة ومرافقها العامة، ولكن ستظل أزمته أنه لم يعد يمتلك نفس القدرة علي الاحتفاظ بالمجتمع ولا نخبته داخل حدود هذا التوازن بالترغيب والترهيب، إنما صارت هناك «توازنات قوة» تجري خارج توازنات النظام الهشة، فهناك احتجاجات العمال غير المنظمة والتي لا يقف وراءها لا الإخوان ولا اليسار، وهناك عودة لدور النقابات المهنية، ودور للقضاة في تطبيق القانون وحماية الدستور، وهناك أخيرا كثير من الشرفاء والأكفاء داخل مؤسسات الدولة التي مازال بعضها ينبض بالحياة.

بالمقابل سنجد أن معضلة التحالفات الجديدة التي تحاول أن تنسجها الحكومة مع بعض الأحزاب القائمة ستبقي محشورة داخل «توازن الضعف» الذي يضم القوي الحزبية الرسمية، وسيضع «توازن القوة» الذي يضم القوي الحقيقية الأخري المرئية منها وغير المرئية والسياسية وغير السياسية، خارج إطار الشرعية والمنافسة لصالح الوطن ومواطنيه البسطاء. وبما أن هذا المواطن لا يثق في القوي الرسمية، وفرضت حواجز بينه وبين القوي الحقيقية، فعلينا أن نتوقع منه مزيداً من الاحتجاجات غير السياسية، والانتفاضات العشوائية فلم تكن أحداث المحلة وكفر الدوار إلا بداية لشكل جديد من الاحتجاج غير السياسي، لن يحمل الاستقرار لأهل الحكم ولا لأهل المعارضة الرسمية الذين سيختارون البقاء داخل «توازن الضعف».