دعوة للعدالة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
دعوة للعدالة

بقلم : إبراهيم الهضيبي


محاكمة أوجي سيمسون

منذ اثنتي عشرة عاما مضت, كنت أتابع محاكمة أو جي سيمسون علي محطة سي إن إن التليفزيونية.

فعلي الرغم مما يفصل بيننا من آلالاف الأميال إلا إنني كنت علي مقدرة من متابعة ما يحدث داخل قاعة المحكمة والإستماع لأحاجي الإدعاء والدفاع وقراءة ما ينشر عنها في الصحف.

حتى لإنني أتذكرحديثي مع عائلتي وأصدقائي في مصر بخصوص براءة الرجل من عدمها.

فبغض النظر عن الحكم الذي صدر, فإني أرى بكل أمانة أن هذه المحاكمة تمتعت بكل أسس وضمانات ومتطلبات المحاكمة العادلة.

والأهم من ذلك أن المحاكمة كانت علي رؤوس الأشهاد فاستطاع الناس في كل أرجاء الدنيا من متابعة إجراءاتها.


مفارقات

واليوم, وبعد اثنتي عشرة عاماً, تُعرض قيادات المعارضة المصرية المنتمية لجماعة الإخوان المسلمين علي محكمة عسكرية “سرية” في مصر.

فحتى الآن, انعقدت ثلاثون جلسة مُنع فيها الصحفيون ومراسلي الصحف ومراقبين حقوقيين من الداخل والخارج من دخول قاعة المحكمة.

فالمدعى عليهم المنتمون لكبرى جماعات المعارضة المصرية وكبرى الحركات الإسلامية المعتدلة وذات التوجه السلمي في المنطقة يتم عرضهم الآن علي تلك المحكمة علي الرغم من تبرئة محاكم مدنية لساحتهم أربع مرات من كل التهم التي نسبتها إليهم نيابة أمن الدولة العليا, واصفة تلك المحاكم ذات التهم بأنها “مفبركة وغير مبررة وذات دافع سياسي.”

فعلي الرغم من صدور قرار قضائي بعدم دستورية القرار الرئاسي بتحويلهم لمحاكمة عسكرية علي اعتبار أنهم زعماء معارضة مدنيين لا يمثلون إلا أمام محاكم مدنية, إلا أنه يتم محاكمتهم عسكرياً الآن.

هذا, وقد قامت منظمات حقوقية دولية, بما فيها منظمة العفو الدولية والمرصد الدولي لحقوق الإنسان, بإدانة قرار الإحالة لزعماء المعارضة إلي محاكم عسكرية الذي ضرب عرض الحائط بقرارات المحاكم المدنية.


خيرت الشاطر

المهندس خيرت الشاطر

فهناك أربعون معتقلاً, من بينهم خيرت الشاطر النائب الثاني لمرشد الجماعة, يواجهون تهم غسيل الأموال ودعم “تنظيم محظور.”

ومعلوم أن الشاهد الوحيد في القضية هو ضابط أمن الدولة الذي ترأس التحقيقات.

ففي شهادته, لم يستطع الضابط تقديم أي دليل قطعي لدعم إدعاءاته.

فقد وقع الضابط في أخطاء قاتلة تكفي لضعضعة شهادته علي الجملة.

من بين هذه الأخطاء كان جهله بأسماء ووظائف المدعى عليهم, ورفض الإجابة عن معظم أسئلة الدفاع وتقديم إجابات متناقضة علي البعض المتبقي.

إذن, فإن الضابط فشل في تقديم ولو دليلا واحدا يدعم مزاعمه.

كذلك, فإن التقرير الذي يتناول الأنشطة المالية للمعتقلين لم يكن الأفضل علي كل حال.

ونستطيع أن نقول إختصاراً أن هذا التقرير فشل في تحديد أصول المعتقلين.

كما أن اللجنة التي حققت في الأصول المالية لم تكن مشكلّة بشكل قانوني.

يذكر أن اللجنة حددت مجموع أصول المعتقلين بـ 80 مليون دولار.

في شهادته, أكد رئيس اللجنة التي قامت علي إعداد التقرير أن هذه التهم باطلة, حيث أن مصادر الأموال معلومة ولم يتم استخدامها لدعم اي نشاط يتعلق بالجماعة بصلة.

هذا, ويختتم التقرير الذي أعدته ذات اللجنة مؤكداً أن قيمة الأصول المالية جمعاء لا تتجاوز 4.2 مليون دولار.

إلا أن هذه كله يدور خلف الأبواب المغلقة.

فالمسموح لهم بدخول قاعة المحكمة هم القاضي (الذي يعتبر رتبة عسكرية لا يملك غير اتباع أوامر من يعلوه إدارياً), والشهود (ضباط أمن الدولة), ثم المعتقلون وأسرهم.

فثمة إجراءات صارمة تم إتخاذها لضمان عدم تسرب ما يحدث داخل قاعة المحكمة للعالم الخارجي اللهم إلا عبر عائلات المدعى عليهم والمحامين حيث يتم تسفيه أقوالهم بكل سهولة.

فمع كل هذه الإنتهاكات المتزايدة, هدد المتهمون في الجلسة التي عقدت منذ يومين أن يقاطعوا جلسات المحكمة.


دوافع المحاكمات

ودوافع هذه المحاكمات واضحة للعيان.

فنظام مبارك يعاني من تناقص شعبيته لإخفاقاته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية داخلياً وخارجياً في وقت يحتاج فيه للإسراع في تمرير مخطط التوريث حيث يُتوقع أن يحل جمال مبارك محل والده البالغ من العمر 80 عاماً في رئاسة البلاد علي الرغم من وجود معارضة شعبية قوية لهذا الملف.

فمع الإستياء الشعبي المتزايد وموجة الإضرابات الغير مسبوقة, كان من بينها إضراب ما يقرب من ثلاثين ألف عامل في مصانع الغزل والنسيج محتجين علي الأوضاع المعيشية المزرية جراء تقاضيهم راتب شهري لا يتجاوز 27 دولار أمريكي, وكذلك إضرابات موظفي الدولة لعدم المساواة بين أجور موظفي الأجهزة الحكومية, مع كل هذا كان علي النظام أن يحاول إخراس جماعة المعارضة الأقوى علي الساحة عن طريق اللجوء إلي إجراءات غير قانونية, وهناك الكثير منها.

فأيمن نور, السياسي الشاب رنان الخطاب والمعارض المحتمل لجمال مبارك في أي إنتخابات قادمة تم الحكم عليه بالحبس خمس سنوات, فيما حكمت محكمة عسكرية علي طلعت السادات النائب البرلماني المفوه, ابن أخ الرئيس المصري الراحل أنور السادات, بالسجن لمدة عام.

في حين تم إعتقال المئات من ناشطي الإخوان المسلمين وتغييبهم خلف القضبان بلا جرم, منذرة باستمرار موجة الإعتقالات.

والآن, يواجه أربعون من قادة وأعضاء الإخوان مصيراً غامضاً أمام محكمة عسكرية تفتقر لأدنى ضمانات المحكمة العادلة.

يذكر أنه خلال الأسابيع القليلة القادمة, تم الحكم علي أربع من محرري الصحف المستقلة الغير منتمين للحركة الإسلامية بالسجن بعد تجريمهم بـ “التشهير بشخصيات بارزة”, في الوقت الذي يمثل فيه آخرين للمحاكمة علي ذات التهم.

منذ إثنتي عشرة عاماً مضت, أطلقت إحدى المحاكم الأمريكية سراح أو جي سيمسون, ثم كان عليها أن تدفع تعويضاً بعد ذلك بعد تجريمه في قضية مدنية.

إن الفكرة الأساسية واضحة: لابد أن تكون متثبتاً عندما تحجر علي حرية شخص, وإن كان يمكنك أن تكون أقل تثبتاً إذا حجرت علي بعض أمواله.

إلا أننا اليوم في مصر يسوسنا نظام قمعي يقوم بإتخاذ تدابير قاسية ضد شعبه, مجرداً الكثير منهم من حريته علي الرغم من صدور حكم قضائي عادل, بينما نجد الغالبية العظمى من الحكومات الغربية والكتًاب ومنظمات المجتمع المدني في الغرب لا تحرك ساكناً.

فقط, لم نلقي إلا قلة خرجت عن صمتها وتحركت ضد هذا الإعتداء علي حقوق الإنسان والديمقراطية.

هذا هو الوقت الأمثل للمهتمين بجلب العدالة والحرية لمصر أن يترجموا عن إهتمامهم في صور أعمال وأقوال أيضاً.