رمضان والتغيير في النفوس

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

رمضان والتغيير في النفوس ..... د/ عصام العريان

رمضا وتغيير النفوس.jpg

يوشك رمضان أن تنقضي أيامه ولياليه الطيبات الطاهرات، وها نحن على وشك وداع هذا الشهر المبارك الفضيل، فهلاّ سألنا أنفسنا سؤالاً ضروريًّا: هل غيّر فينا رمضان؟ هل استفدنا من الصيام والقيام؟ هل نجحنا في اجتياز اختبار الصوم في مدرسة الثلاثين يومًا؟ هل كان القرآن زادنا الحقيقي خلال هذا الشهر؛ بمعنى: أكان همنا الأكبر هو التدبر والوقوف عند بعض آيات وسور القرآن، أم كان غاية أملنا أن نختم القرآن بالتلاوة أو الاستماع مرة على الأقل أو عدة مرات؟ هل اكتسبنا إرادة المقاومة والتضحية ببعض الملذات؛ مخافة الله تعالى ورغبة فيما عنده؛ إيمانًا واحتسابًا؟ هل ازددنا قربًا من الله ومن المساكين، وأحسسنا بالجوع الحقيقي والعطش في نهار رمضان، أم أننا قضينا وقت الصيام نائمين أو في أجواء أجهزة التكييف، ولم نشعر بأثر الصيام؟ هل.. وهل.. وهل؟

أسئلة كثيرة تدور حول أحد أهم حِكم الصيام؛ وهي قدرته على تغيير النفوس والأرواح، وأثره في اكتساب الإرادة والعزم والتصميم.

نصوم عامًا بعد عام، وندخل مدرسة رمضان سنويًّا، ونخرج منه دون أن نلمس أثر الصيام في نفوسنا أو في الأمة نفسها إلا في أقل القليل.

حقًّا لقد قلَّ عدد المجاهرين بالإفطار، وانتشرت فضيلة الحياء عند أصحاب الأعذار، ولم نعد نرى أو نشاهد هؤلاء المجترئين على حرمة الشهر الفضيل، أو تلك المقاهي والمطاعم التي تعمل جهارًا نهارًا في نهار رمضان، وازداد عدد الذين يقرءون القرآن، ويمسكون بالمصاحف، ويتشبثون بآداب التلاوة، وهذا لا شك من آثار انتشار موجة الصحوة الدينية التي اهتمت أساسًا بالشكل والمظهر، ولكن تبقى الأسئلة الحائرة حول أثر الصوم في نفوس الصائمين، وقد تكون الإجابة صادمةً لنا؛ لأننا نرى تدهورًا عامًّا في حال أمة المسلمين وخاصة البلاد العربية.

ولكن لا بد لنا من مواجهة الحقائق؛ حتى نستطيع علاج الأمر بحكمة، والبناء على الشكل للنفاذ إلى الجوهر.

نرى انتشار الفساد والظلم، ونتساءل: أين إرادة مقاومة الظالمين والمفسدين في الأرض، ألم يرب الصيام الأمة على الزهد في الحلال والرغبة فيما عند الله.


فلماذا يتحول البعض إلى مفسدين وفاسدين رغم أنهم صائمون، ولماذا يتقاعس الآخرون عن مقاومة هؤلاء المفسدين، وكبح جماح الفاسدين رغبة أيضًا فيما عند الله.

وصل الظلم إلى استمراء اعتقال عباد الله والاستهانة بأحكام المحاكم الطبيعية، وتكرار الاعتقال لأساتذة الجامعات والأطباء الذين لا تهمة لهم إلا مساندة الضعفاء والمحاصرين في غزة، أو منافسة الفاسدين والمفسدين على ثقة الناس والشعب، بينما تقف الأمة الصائمة وشيوخها ونخبها المثقفة عاجزة عن العمل لوقف مسلسل الاضطهاد والظلم الواقع على الإخوان المسلمين.

نرى انهيار منظومة القيم في المجتمع المصري على مستوى الأفراد وعلى مستوى الجماعات وعلى المستوى الاجتماعي العام، بل على مستوى أداء الدولة نفسها، ولا نرى جهدًا لوقف هذا الانحدار الشنيع الذي يوشك أن تنهار معه فكرة الدولة نفسها في نفوس المصريين، عندما يرون أجهزة الدولة عاجزة عن وقف انتشار أهرامات "الزبالة" في معظم شوارع القاهرة والجيزة، وعندما يرون التخبط في إدارة ملف يتعلق بالنظافة العامة التي هي من الإيمان، وفي غاية الضرورة لحفظ الصحة العامة، خاصة ونحن نواجه كارثة انتشار الإنفلونزا الموسمية؛ ومعها إنفلونزا الخنازير، وقبلها إنفلونزا الطيور التي توطنت في مصر، والخشية كل الخشية أن تتحور الفيروسات معًا؛ لتشكل وباءً خطيرًا يهدد الصحة والسلامة العامة، بل والأمن العام، ونحن مقبلون على بدء الدراسة، واحتشاد ملايين الطلاب في فصول ومدارس سيئة التهوية قليلة الاستعداد لمواجهة أي أخطار صحية.

ولم تنته ظواهر الانهيار عند مشكلة القمامة والنظافة، بل أصبحنا نواجه انهيار الشوارع مثلما حدث في شارع الجيش؛ وهو أحد أهم شوارع القاهرة، وفي الزمالك بالجيزة، وأخيرًا في أسيوط، فهل نحن على أبوب انهيار عام في المرافق والبنية الأساسية، تغرق معه الحكومة والشعب إلى قرار سحيق ليس بعده قرار؟، وهل يكون ذلك هو المتوقع لما حدث ويحدث من سنوات؛ بسبب الانهيار العام في القيم والأخلاق وتردي الأداء الحكومي، وغياب الرقابة الشعبية والتزوير الفاضح الذي وصل إلى التقارير الحكومية وغيرها؟

ونتساءل: إذا كنا نصوم طوال تلك السنوات صيامًا صحيحًا مقبولاً؛ فأين أثر الصوم في حياة الأمة وحياة المصريين وحياة المسئولين؟ أم أن الصوم تحوَّل في حياتنا إلى عادة فقط، وبات لا يؤثر في سلوكنا الخاص والعام؟

إن القلب يحزن والنفس تتألم عندما ترى أثر العبادات التي فرضها الله تعالى لتهذيب النفوس وتربية الأخلاق يكاد يتلاشى في الناس، وصرت أسترجع ذكرياتي في أوائل تمسكي بالإسلام، وعملي لرسالته كداعية إليه، وأرى أن رمضان ارتبط اليوم في سلوك المتدينين بظواهر شكلها جميل، ولكن أثرها ضعيف.

كنا من ثلاثين أو أربعين سنةً نبحث عن مسجد واحد نصلي فيه التراويح بخشوع؛ لنسمع ختمة كاملة للقرآن من صوت رخيم يؤثر في نفوسنا، وأصبح أولادي اليوم في حيرة عند اختيار أي مسجد يصلون فيه من كثرة المساجد التي تختم القرآن في ليالي رمضان، ليس ختمة واحدة بل أكثر من ثلاث ختمات، ولكن أين أثر القرآن في النفوس؟ وأين الخشوع الذي يملأ الروح؟، للأسف حلَّ مكانه ظواهر شكلية للخشوع وعند أول امتحان للسلوك العملي لا تجد أثر ذلك في الناس.

كنا نتحلق حول تفسير القرآن ودروس السيرة وكتب الأخلاق، ونقضي نهارنا وليلنا في دروس العلم النافع، بينما اليوم أجد الشباب أمام أجهزة الكمبيوتر وأمام شاشات الفضائيات، ويا ليتهم يحصِّلون علمًا نافعًا، بل هو أثر وقتي لحديث عاطفي يهز المشاعر، وسرعان ما يختفي عند أول امتحان عملي.


أين ذهب أثر رمضان في تغيير النفوس وتقوية الإرادات؟

علينا أن نفتش داخل نفوسنا عن سبب غياب هذا الأثر، ولنبدأ بأنفسنا أولاً، ولنغيِّر ما بها حتى يُغيِّر الله أحوالنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).

ولنبحث عن السبب في سلوكنا وأعمالنا؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53)﴾ (الأنفال). ولنعد إلى البساطة والجهد الفردي لتقويم أنفسنا، واستعادة أثر رمضان في نفوسنا، وعندئذٍ سيكون للصوم وللصلاة وللصدقات وللقرآن أكبر الأثر في تغيير الأحوال التي لم تعد تحتمل أي انهيار.


كل عام وأنتم بخير، العيد على الأبواب، ونحن في حاجة إلى بعض الفرحة في هذه الأجواء.. تقبل الله منا ومنكم.


المصدر : نافذة مصر