سلام على الأستاذ جمعة أمين د. نبيل فولي محمد

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
سلام على الأستاذ جمعة أمين د. نبيل فولي محمد

الجمعة,30 يناير 2015

الأستاذ جمعة أمين

كفر الشيخ اون لاين | خاص

الدعاة إلى الله يأتون إلى الدنيا كما يأتي الناس، ولكنهم يودعونها لا كما يودعها الناس، فالاستقبال استقبال نفس واحدة، والوداع وداع نفوس كثيرة تجمعت في جسد أكدَّه صاحبه بكثرة السجود والصيام والتعليم والتعريف بالله تعالى ودينه، ثم غادرت تلك النفوس الدنيا معا.

وقد جاء وداعنا للأستاذ جمعة أمين رحمه الله قبل أيام من خلال الشاشات وداعا لنفوس كثيرة، وتاريخٍ طويل شُغِل أكثره بهمّ الدعوة إلى الله، والسعي في الأرض لرفعة الدين الحنيف، كما هي عادة هذا الدين العظيم في أن ينجب في كل زمن من يهَبُون له حياتهم كلها، ويحوّلون كل ميدان ومكان يذهبون إليه إلى حقل للدعوة إلى الله.

وإن كان الشاعر قد برع حين رثى أحدهم فقال:

فما كان قيسٌ هُلكُهُ هلكُ واحد ولكنــــه بنيــــــــان قـــــــــــــوم تهدمــــــــا

فإن المبالغة قد أنسته الأثر الباقي للصالحين بعد موتهم، وأن موتهم افتتاح لصفحة جديدة في سجلاتهم، فمع تألم القلب لفراق العلماء والدعاة إلى الله، إلا أن بنيانهم الذي بنوه في حياتهم – فكرا إيجابيا كان أم مؤسسة نشيطة أم تربية صالحة للناس – هو امتداد لحياتهم، ولا ينبغي أن يتركه خلفاؤهم للخراب والفناء.

والداعية الصادق حين يرى في حياته أثر دعوته ثمرات يانعات: رجالا ونساء يسلكون مسلك النبيين في دلالة الخلق على الله، وكبارا وصغارا يسجدون لله وحده ويصعرون للباطل خدودهم، وشيبا وشبانا يمثلون القدوة الصالحة في كل مكان حلّوا فيه - لا يعد ذلك شيئا ذا بال في جنب فضل الله عليه وحقه على عبده.

ولم لا، وشرف الدعوة إلى الله لا يدانيه بعد النبوة والرسالة شرف، بل الدعوة هي الأخت الصغرى للنبوة، منها تقتبس، وعلى أثرها تخطو وتسير، وبطريقها تقتدي وتأتسي، وصدق النبي العدنان حين قال في الحديث الذي صح عنه: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا...".

وإذا كان الأستاذ جمعة أمين رحمه الله قد اجتمعت له صفات كثيرة حسنة، فهو حسن التأليف، حسن الخطابة، حسن التدريس، حسن المعاملة والمخالطة، فإن وصف "الداعية إلى الله" هو أجمع هذه الصفات وأشملها في مسيرة حياته، وما من صفة أخرى توفرت فيه إلا جاء توظيفه وتسخيره لها في باب واحد هو: الدعوة إلى الله ودينه.

وإن أردت أن تعرف سيرة رجل في حياته، فانظر في همه الذي يشغله، فإن وجدته يتكلم عن الجنيه والدينار والدولار، وتدور على لسانه ألفاظ الادخار والبنوك والعقارات والاقتناء والشراء، فاعلم أنه من تجار الدنيا المتعلقين بذيولها، وإن وجدته يتكلم عن اللعب وجماهير الكرة ونجوم الرياضة والغناء والتمثيل، فهو من أهل اللهو والعبث، وإن وجدته يتكلم عن جراح المسلمين في هذا البلد أو ذاك، ولزوم الجد في العمل لدين الله، فاعلم أنه ممن تشرف بقلب حي ونفس غيور على دين الله.

وما التقيت بالأستاذ جمعة أمين إلا وكانت الدعوة إلى دين الله هي شغله الشاغل، وهمه المقيم المقعد، وقد سمعته مرة يحكي أنه بعد خروج الإخوان من السجون في سبعينيات القرن الماضي، وجد أن كثيرا منهم بدأ يفكر في السفر إلى الخارج بعد أن ضاقت عليهم المعيشة، فذهب إلى المرشد الأمين الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله يشكو إليه ذلك، ويقول له في حماس الخائف على دعوة الله: عليك أن تمنع الناس من السفر، وإلا لن يوجد من يقوم بهم الدعوة في طول مصر وعرضها!

وهنا أجابه الأستاذ الهضيبي إجابة الحكيم المجرِّب قائلا: إن دعوة الله لن تعدم من يقوم بها، ولو منعنا الناس من السفر ونحن لا ندري ما ظروفهم، فربما انفضوا عنا، دعهم يكسبون رزقهم، فإن عادوا كان عطاؤهم أوفر وأكمل.

وكان ما كان من انتشار دعوة الإخوان المسلمين من جديد في ربوع مصر على يد النفر القليل الذين بقوا فيها، واستعادت الدعوة المباركة شيئا غير قليل من شبابها الأول، وغرس أبناؤها في الخارج غرسهم الطيب حيثما حلوا، ومن عاد منهم إلى مصر كان قوة زائدة أضيفت إلى قوة إخوانه الذين عمروا الجوامع والجامعات والمكتبات بالدعوة والدعاة والكتب والشرائط والمؤلفات.

سلام على الأستاذ الداعية الكبير الأستاذ جمعة أمين الذي ودعنا أخيرا وهو مريض غريب في لندن، بعد أن حيل بينه وبين العودة إلى مصر ليعيش أيامه الأخيرة فيها، ويوارى في ثراها. لكن حسبه ما ترك من رجال ونساء أوفياء لدين الله في ربوع المحروسة؛ يقفون كالأطواد الشامخة في مواجهة جبروت الانقلابيين، ويصبرون في الميادين صبر الجبال حتى يزول الغثاء، وتعود سماء مصر الإسلامية صافية نقية.

مواد متعلقة

الشيخ محمد مصطفى المراغي

في ضيافة الاستاذ سيد قطب

من الإخوان المسلمين إلى شعب مصر

وفاة المستشار فتحي لاشين من الرعيل الأول للإخوان عن عمر 83 عاماً

من صفات المسلمين بقلم الإمام الشهيد حسن البنا

المصدر