صوت الحق

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
صوت الحق

يصدره:الاتحاد العام لطلاب جمهورية مصر العربية

إهــــــداء

إلى كل شباب مصر الذى أراد له عملاء الشرق الشيوعى والغرب الصليبى أن يترك دينه ليسير فى موكب التبعية..

إليهم الذين ما زالت تشم عليهم حملات الإفساد والتضليل... إلى هؤلاء الذين فرضت عليهم شعارات ونصوص لم يؤمنوا بها ولم يقتنعوا بجدواها... إلى هؤلاء الذين أريد فصلهم عن منهج ربهم وزعامة رسولهم محمد – صلى الله عليهم وسلم- اليهم وبعون ربهم وحده نصدر كتابنا الإسلامى الشهرى " صوت الحق" آملين أن ينفع الله به جميع قراءنا وأن نتمكن بعون الله من الاستمرار فى اصداره...

أمين لجنة الإعلام والنشر

أحمد الله وأسجل بكل فخر واعتزاز أن طلاب مصر كانوا الطليعة المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية كمصدر وحيد للتشريع فى مؤتمرهم الطلابى بشبين الكوم وعبروا فى ذلك فى وثيقتهم المقدمة لرئيس الجمهورية فى مسيرتهم فى العاشر من مارس 1976 والاتحاد العام إذ يصدر هذا الكتيب ليعتبر ذلك بوابة سلسلة دينية تهدف إلى تحقيق الأمل المرجو فى مصر.

رئيس الاتحاد العام لطلاب

جمهورية مصر العربية

مقــــــــدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

" الإسلام نظام ديمقراطى" كلمة كثيرا ما نسمعها اليوم وعى لا تزال تعاد وتكرر منذ أواخر القرن الماضى ولكن الذين ينطقون بها ويكررونها قلما نجد فيهم من درس الإسلام دراسة علمية وأمعن النظر فى شرائعه واجتهد أن يفهم أوضاعه السياسية ووقف شيئا من جهده لمعرفة مقام الديمقراطية فى الإسلام والإطلاع على أوضاعها وأشكالها والفرق بينها وبين الديمقراطية الغربية السائدة فى العالم اليوم.

ومن أجل ذلك ترى بعضهم ينظر إلى " نظام الجماعة فى الإسلام" فيلصق به اسم الديمقراطية وأما الأكثرون, فلمرض فى نفوسهم وضعف فى عقليتهم يودون أن يثبتوا فى الإسلام كل ما يرونه قد راج فى أسواق العالم المتحضر وبالأخص فى الأمم المتغلبة عليهم زاعمين أن ذلك خدمة جليلة للدين القيم... وكأن الإسلام فى أعين هؤلاء ولد يتيما ساقطا لا يعيش إلا إذا جعل تحت رعاية رجل ذى جاه ونفوذ.

أو لعلهم يخافون أن لا تكون لهم عزة من حيث كونهم مسلمين, ولا ينالون من الشرف شيئا إلا إذا أخرجوا للناس مبادىء وأصولا من ينهم مثل تلك المبادىء والنظم الاجتماعية أنه لما راجت الشيوعية قامت طائفة المهزومين والمنتسبين للإسلام ينادون فى الناس أن ليست الشيوعية إلا طبعة جديدة للإسلام وحينما سمعوا بالدكتاتورية أخذوا يصيحون بطاعة الأمير معلنين أن نظام الإسلام الاجتماعى كله قائم على الدكتاتورية.

وجملة القول أن نظرية الإسلام السياسية أصبحت فى مفهوم كثير من المسلمين الآن لغزا من الألغاز وخليطا من أجزاء متناقضة يستخرج منها للناس ما راق لديهم.

وسوف نوضح فى هذا الكتيب بعون الله نظرية الإسلام السياسية رجاء أن ينقشع بذلك هذا الظلام الفكرى الضارب بأطنابه على المجتمع وتلجم بذلك أفواه من أعلنوا سفها" أن الإسلام ما جاء للمجتمع الإنساني بنظام اجتماعى ولا سياسى أصلا" بهدف صرف الشباب للإلتفاف حول مبادىء أرضية واهنة وانشغاله بها كوسيلة لصرفه عن منهج ربه وطريق زعيمنا الأوحد محمد صلى الله عليه وسلم.  

الأساس العقائدى للنظرية

ما يجب أن نعرفه قبل كل شىء ولا يغفل عنه أبدا أن الإسلام ليس بمجموعة من الأفكار المبعثرة والطرق المتفرقة للعمل حشدن فيها من هنا وهناك أشياء لا صلة بينها, بل هو نظام جامع محكم أسس على مبادىء حكيمة متقنة ومن أركانه الكثيرة المهمة إلى الجزئيات الصغيرة الدقيقة كلها ترتبط بتلك المبادىء ارتباطا منطقيا, وكل وضع فيه للحياة الإنسانية لمختلف شعبها من النظم, إنما قد أخذ روحه واقتبس جوهره من تلك الأصول الأولية, ومن هذه المبادىء ارتباطا منطقيا, وكل وضع فيها للحياة الإنسانية لمختلف شعبها من النظم , انما قد اخذ روحه واقتبس جوهره من تلك الأصول الأولية, ومن هذه المبادىء والأصول تخرج الحياة الإسلامية بمختلف فروعها, ولذلك فإن أردنا أن نعرف شعبة من شعب الحياة الإسلامية معرفة صحيحة صادقة, فلا محيد من أن نرجع إلى أصلها فإننا لن نتمكن من الدخول إليها من غير ذلك الباب ولن نعرف حقيقتها وما هي إلا بالإمعان فى أصولها وقواعدهاالمهمة التى قام بها الأنبياء عليهم السلام.

لعلنا نعلم أن " الإسلام" إنما هو المهمة التى قام بها الرسل عليهم السلام ولم تكن رسالة خاصة بالنبى محمد صلى الله عليه وسلم وإنما كانت مهمة جميع الأنبياء والرسل منذ أقدم العصور فى التاريخ الإنسانى وكلهم يدعون الناس إلى الإسلام وإلى توحيد الله عزوجل وإلى عبادته وحده.

ولكن ماذا كان يريده الأنبياء دعاة الإسلام بتوحيد الإله؟

وما معنى عبادة الواحد الأحد وحده؟.. وماذا كان وراء قولهم" مالكم من إله غيره"؟... وما بال الأمم السابقة كلما جاءهم رسول من عند الله يدعوهم إلى عبادة اله الواحد واجتناب الطاغوت انقضوا عليه وحاربوه؟.. فإن كان الأنبياء قد أرادوا بقولهم لهم " اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" أن يسجدوا لله الواحد فى معابدهم ويكونا أحرارا فى شؤونهم وأكور دنياهم إذا خرجوا من المعابد أو المساجد, يفعلون ما يشاؤون ويطيعون من يريدون من الحكام لا دخل للدين فى هذه الأمور فقد انتهى دوره بمجرد الخروج من المعبد... ترى هل يقصد الأنبياء بالعبادة ذلك.. وإن كانوا قد أرادوا ذلك فما بال الحكومات وولاتها؟ أتراهم قد اصيبوا فى عقولهم أم يمنعوا رعياهم الوفية المطيعة من إتيان هذه المناسك ويتدخلوا فى أداء مثل تلك الشعائر التى لا تضر بمصلحتهم؟

إذا فما السبب الحقيقى قى قيام النزاع بين رسل الله الأكرمين واتباعهم إلى يومنا هذه وبين الأمم والحكومات الطاغية فى أمر الله تعالى إن القرآن قد بين فى مواضع كثيرة أ، الكفار والمشركين الذين كانوا فى نزاع مستمر مع الأنبياء لم يكونوا من المنكرين لوجود الله بل كانوا يعترفون له بخلق السموات والأرض وبخلق أنفسهم وبأنه هو الذى يدبر الأمور وينزل المطر ويرسل الرياح بين يدى رحمته وبيده الشمس والقمر وبيد السماوات والأرض ومن فيهن قال تعالى:" ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون" العنكبوت 61" ولئن سألتهم من نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض من بعد موتها ليقولن الله"( العنكبوت 63) وقال تعالى:" ولئن سألتهم من خلقهم لقولن الله فأنى يؤفكون" ( الزخرف 87). يتبين من هذه الآيات أنه لم يكن بينهم خلاف فى وجود الله وأنه خلق الخلق وبيده ملكوت كل شىء بمعنى أن الرسل ما جاؤوهم ليدعوهم لتلك العقيدة التى كانوا يعتقدونها اصلا, فلم كانت بعثتهم إذا؟ وعلى أى شىء قام النزاع بينهم وبين هذه الأمم؟

يوضح القرآن الكريم أم الرسل كانوا يدعون الناس إلى الإيمان بأن الذى خلق السموات والأرض هو ربهم وإلههم فلا يجب عليهم أن يتخذوا إلها وربا من دونه... فما معنى الاله وما معنى الرب ولما كان الأنبياء مصرين فى دعوتهم على الإله:

الإله

معناه" المعبود" والمعبود أهل العبادة, والعبادة ليست بمعنى الشعائر والمنسك فحسب بل العبد الذى يعيش عيشة العبودية حياته كلها عبادة... فالقيام بالخدمة والركوع والسجود واجد والسعى فى طاعته والقيام بكل ما يأمر وينهى والتذلل لقوته والانقياد لجبروته والطاعة فى كل ما سن له من قانون والمناصبة لكل ما يكون مخالفا لأمره وتضحية النفس وبذل الروح فى سبيل رضاه... هذه كلها عبادة وهذا هو المعنى الحقيقى للعبادة... فليست العبادة مجموعة من النسك والابتهالات يؤديه المرء لله فحسب بل هى التزام المرء فى كل حركاته وسكناته بمنهج المعبود الذى لا إله إلا هو.

الرب

أما الرب فهو بمعنى المربى. من المعلوم أن المربى يطاع أمره فلأجل هذه المناسبة جاء معنى المالك والسيد والمطاع كما يقول" ربا المال" ورب الدار" فكل ما جعله الإنسان رازقا مربيا يرتجى منه العطف ويأمل منه الأمن والرقى والجاه ويخشى أن سخطه يجلب عليه الضرر وينغص الحياة ويحسبه مالكا وسيدا فيما يأمره به ولا يعصى له أمرا فهو ربه".

ألوهية الناس على الناس

وبعد هذا الإيضاح السريع لمفهوم كلمتى الاله والرب فهل يوجد شىء فيما خلق الله يقوم فى وجه الإنسان ويقول له " إنى الهك وربك فاعبدنى"؟ ايدعى ذلك الحجر أو الشجر أو الحيوان أو الشمس أو القمر أو غيرهما؟.. طبعا لم يحدث هذا ولم يقم فى وجه الإنسان شىء من هذا يدعى الألوهية والربوبية بل إنما الإنسان وحده هو الذى يبعثه حب السلطة وهوى الأثرة على أن يجعل نفسه إلها لغيره من أبناء جنسه ويستعبدهم وينفذ فيهم أمره ويقهرهم على الإنقياد والطاعة ويجعلهم آله لتحقيق هواه,فلم يعرف الإنسان شيئا ألذ وأحلى من تأليه نفسه فكل من نال شيئا من امال أو رزق شيئا من الدهاء والنبوغ تسول له نفسه أن يستكبر ويتعدى حدوده الفطرية ويرقى عرش الألوهية ويستعبد كل من حوله من الناس المستضعفين والفقراء الذين لا يجدون للقيام فى وجه سبيلا.

فالذين يريدون أن يتسمنو ذروة الألوهية ويتطلعون إليها هم على نوعين ويسلكان فى هذا الأمر طريفين مختلفين: فالنوع الأول هو الذى عنده جرأة تشديده, أو يتهيأ له من الوسائل ما يره كافيا لتحقيق هواه الكاذب من غير استحياء وفرعون هو مثل ذلك النوع فهو اغتر بما آتاه الله من جلال الملك وأبهة السلطان وبما كان عنده من القوة وعتاد الحرب فنادى فى المصريين" أنا ربكم الأعلى"و" ما علمت لكم من إله غيرى" فبعث الله موسى فقال له " هل لك إلا أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى فأراه الآية الكبرى" وطالبه موسى عليه السلام أن يخلى سبيل بنى اسرائيل ويطلق سراحهم فأجابه فرعون" لئن اتخذت الها غيرى لأجعلنك من المسجونين".

وكذلك الملك الذى حاج إبراهيم عليه السلام والذى ذكره الله فى كتابه فقال:ط ألم ترى إلى الذى حاج إبراهيم فى ربه أن آتاه الله الملك غذ قال إبراهيم ربى الذى يحيى ويميت قال أنا أحيى وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأتب ها من المغرب فبهت الذى كفر والله لا يهدى القوم الظالمين".

فما الذى جعله مبهوتا؟ ولماذا أخذته الحيرة والدهشة بغتا؟ لأنه لم يكن منكرا لله بل كان يعتقد أن الله هو سيد الكون وبيده مقاليد السموات والأرض وهو الذى بأمره تطلع الشمس وتغرب فالنزاع لم يكن فى أنه: من رب السموات والأرض؟ ومن بيده ملكوت كل شىء؟بل كان جداله فى: من هو مالك رقاب الناس؟ فلم يكن من دعواه أنه " الله" بل كان يقول أنى رب هذه البلد وأهلها؟ ولم يقل بذلك إلا لانه كان مالكا لرقاب الناس آخذا زمام الملك بيده, يتصرف فيه كيف يشاء ويسوق الشعب بعصا سلطانه حسب ما تملى عليه أهواؤه وكان يجد فى نفسه قدرة على أن يضرب عنق من يشاء ويطلق سراح من يشاء من رعيته وقد كان يشعر بأن قوله حكم لا مرد له وأمره نافذ فى البلاد لا يعترض عليه معترض ولا يتعرض له أحد باستنكار ولأجل ذلك طلب من سيدنا إبراهيم أن يعترف له بالربوبية وينقاد لأمره ويعبده كما يعبده الناس. فهذه الناس.

فهذه العبودية التى ادعاها فرعون ونمرود ليست بقاصرة عليهما بل نجد الحكام فى كل أرض وكل مكان ينتحلون تلك الإلوهية ويدعونها ففى بلاد الفرس كانوا يخاطبون ملوكهم بلفظ" خدا" يعنى الله والأسر الحاكمة فى الهند كانت تنتمى بنسبها إلى الآلهة " ديوتا" وكان أهل الهند يخاطبون ملوكهم بكلمة" أن داتا" أى الرازق ويسجدون لهم... وهكذا الناس وما زالوا فى معظم أقطار المعمورة تألية البشر للبشر موجود فى صور شتى سواء الواضح الصريح. ففى البلاد التى لا تستعمل فيها الألفاظ الصريحة بهذا المعنى نجد هذه الروح سارية فى النفوس فإنه ليس من الضرورى لهذا النوع من دعوى الإلوهية أن ينادى الحاكم فى الناس بأنى" إلهكم وربكم" لا بل كل من يملك على الناس قلوبهم وأجسامهم ويتحكم فى دمائهم وأموالهم بما يشاء, ويسوقهم بعصا سلطانه المطلق والسيادة المستبدة التى سلطها على الناس فهو يدعى الإلوهية والربوبية حقيقة ومعنى وأن لم يتفوه بألفاظها والذين يطيعونه فى جبروته وطغيانه وينقادون لأمثاله وينفذون أوامره يسلمون له بالإلوهية والربوبية وأن لم تجر هذه الكلمات على ألسنتهم.

وهناك نوع آخر من البشر يسلك مسلكا آخر لاخضاع الناس لإرادته فهو يتسلح بأسلحة من الشعوذة والدجل يسحرون لها قلوب الناس وألبابهم فيعمدون إلى روح أو وثن أو قبر أو كوكب أو غيره فيجعلونها الها وينادون فى الناس أن هذا إلهكم وله قدرة أن ينفعكم أو يضركم وهو يقضى حاجاتكم وهو وليكم وناصركم ولئن لم ترضوه ليأخذنكم بأنواع العذاب من القحط والمرض ولكن لا يعلم طريق إرضائه وجلب عنايته أحد سوانا فاجعلونا وسيلة للوصول إليه وأرضونا واجعلوا فى أيدينا كل ما تملكون من النفس والمال... وهذا النوع يقع كثير من الحمقى فى شركهم وهكذا ينحكم سدنة القبور والمعابد فى مقادير الناس بما يشاؤون وتشاء شهواتهم الدنيئة ومن هذا النوع رجال يحترفون لهذا الغرض الكهانة والتنجيم واستخراج الفأل وكتابة التعاويذ والرقى ويدعى بعضهم أنهم واسطة بين العبد وربه ومنهم من يستبدل بكتاب الله ويعدون أنفسهم حملة له من دون الناس فيحرمون العامة علمه وينفذون فى الناس أحكامهم يحلون ما يشأؤون ويحرمون ما يريدون زاعمين أن الله ينطق بألسنتهم وبمثل هذه الحيلة يقهرون الناس على اتباعهم واتخاذهم أربابا من دون الله وهذا هو أصل البرهمية والبابوبية.

وهكذا إذا نظرت إلى المجتمع البشرى من هذه الواجهة ستجد أن منبع الشرور والفساد الحقيقى فى كل أمر هو " ألوهية الناس على الناس" وقد أثبتت لنا التجارب التاريخية طوال القرون الماضية المتطاولة أن الإنسان لا يمكنه أن يعيش من غير أن يتخذ لنفسه إلها وربا فلا يستغنى البشر عن الإله والرب. وأن لم يرض بالله ربا والها فحينئذ يتسلط عليه جنود مجندة من الأرباب والآلهة الباطلة.

فانظر إلى الحزب الشيوعى فى روسيا, أليس الذين بيدهم زمام مكتبه السياسى أربابا من دون الله آلهة لأهل البلاد؟ وأليس" ستالين" كبيرهم وبطلهم هو ربهم الأعلى؟ وهل فى بلاد السوفيت من قرية أو مزرعة تخلو من صورة اله الروس وطاغيتهم هذا؟ وهل أتاك حديث القوم كيف افتتحوا النظام الشيوعي فى القطعة التى استدلوا عليها فى بولونيا ؟ لقد يعثوا ألوفا من النسخ لصورة" ستالين" فبثت فى كل قرية ليعرفوا أولا وقبل كل شىء الههم العظيم وربهم الكبير حتى يدخلون فى الدين البلشفى, فعلام نال مثل هذه الأهمية رجل مثلنا, خلق من ذكر وأنثى؟ ولأى سبب يسلط رجل وأن كان يمثل جماعة على رؤوس ملايين من البشر وأرواحهم بحيث تجرى عظمته وكبرياؤه فى عروقهم وشرايينهم؟ أليس هذا من أساليب الاستبداد الشخصى؟ ومن هنا نعرف كيف يصير البشر الها مثله وبمثل هذه الطرق تتولد الفرعونية والقيصرية وغيرها وتتأصل جذورها فى كل زمان.

وهكذا كان الحال فى إيطاليا فالمجلس الفاشى الكبير مجتمع الآلهة وناديهم وهذا " موسولينى" الههم الأكبر وكان الحال فى ألمانيا فزعماء الحزب النازى كأنهم آلهة من دون الله وهذا ال" هتلر" الههم الأكبر. ولا تحسبن انجلترا وأمريكا المتشدقين بالديمقراطية خلوا من أولئك الآلهة فهذه الطبقة العليا من أصحاب الثراء وأرباب السياسة قد أخضعوا رقاب الجمهور لمطامعهم الشخصية واستبدوا بموارد الثراء بأسرها وتحكموا فى نفوس الأمة وأموالها ودمائها فاصبحوا بفضل ثروتهم آلهة لهذه الأمم.

وبالجملة فانك حينما وجهت نظرك وجدت أن أمة اتخذت نفسها الها لقوم آخرين أو طبقة سلطت ألوهيتها على طبقات أخرى أو حزبا سياسيا استولى على مناصب الألوهية والربوبية واستبد بها أو تجد مسيطرا ( ديكتاتورا) ينادى الملأ بعمله أو قوله " ما علمت لكم من إله غيرى" فلم يبق البشر فى أى بقعة من الأرض من غير إله.

فما نتيجة ألوهية الناس على الناس إذا؟

لا شك أن نشوة السيطرة والتحكم والطغيان بطبيعتها تخرج المرء من حدوده وإن لم يخرج وبقى معتدلا فى فكره, فهل للبشر ذلك العلم المحيط وذلك العدل والتحفف والتزهد فى مطامع الدنيا والتجرد عن الشهوات التى يحتاج إليها فى الألوهية؟ ومن ثم نرى أن كل مكان قامت فيه ألوهية الناس على الناس قد فشا فيه الظلم والجور والإستثمار الممقوت والتكبر فى أرض الله بغير الحق, وحرمت الروح البشرية حريتها الفطرية, وغلبت العقول البشرية على أمرؤها وغلت طبائعها الفطرية وخصائصها الفكرية بأنواع من الأغلال ومنعت الشخصية الإنسانية كمال نشوئها وارتقائها فما أصدق ما قال سيد البشر عليه الصلاة والسلام" قال الله عزوجل انى خلق عبادى حنفاء فجاءتهم الشياطين فاغتالتهم من دينهم وحرمت عليهم ما أحللت لهم" صحيح مسلم.

وهكذا يتضح أن ألوهية الناس إنما هى أصل كل المصائب والدمار وهى أصل جميع ما منى به البشر اليوم من البؤس والشقاء وهذا هو الداء الذى أفسد أخلاق البشر وروحانيتهم وقواهم العلمية والفكرية وأكل مدنية الناس وحياتهم الاجتماعية وسياستهم ومعايشهم وبلفظه أخرى أن هذا الداء قد أكل إنسانية البشر منذ أقدم العصور فى التاريخ الإنسانى ولا يزال يأكلها إلى عصرنا هذا فليس لهذا الداء من دواء إلا أن يقوم الإنسان فيكفر بالطواغيت جميعا ويؤمن بالله العزيز الذى لا إله إلا هو ويخصه وحده جل علاه بالألوهية والربوبية. فهذا هو الطريق الوحيد لنجاة البشر من براثن ذئاب الإنسانية وقطاع سبيل البشر فإنه لن يتخلص من كثير من أولئك الطواغيت والآلهة الباطلة إلا بالإيمان بالله العزيز الحميد. وهذه هى مهمة الأنبياء...

فقد جاءوا سلام الله عليهم جميعا لتحطيم سلاسل العبودية البشرية, عبودية الآلهة الكاذبة والاستثمار الجائر.. بعثوا ليخففوا من غلواء من جاوزوا حدود البشرية ويفثأوا حميهم ليعيشوا فى الحدود التى قدرها الله لهم ويأخذوا بيد الذين ظلمهم بشر أمثالهم وأرهقوهم بصنوف من العذاب فيرفعوا مستواهم بجمعهم كلهم فى كلمة واحدة وتحت نظام للحياة الإنسانية عادل فلا يكون فيه أحد عبدا لأحد بل يكون الناس كلهم عبادا لله وحده. " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" هذا هو نداء كل الأنبياء والمرسلين.

" انما أنا منذر وما من إله إلا الله الواحد القهار رب السموات والأرض وما بينهما العزيز الغفار" ص65,66 "إن ربكم الله الذى خلق السموات والأرض فى ستة أيام ثم استوي على العرش يغشى الليل النهار يطلبه حثيثا والشمس والقمر والنجوم مسخرات أمره ألا له الخلق والأمر" الأعراف(54)

" ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شىء فاعبدوه وهو على كل شىء وكيل" الأنعام (102) وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين" البينة(5) " تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله" آل عمرا(64)فهذا هو النداء الربانى الذى حرر العقول والأفكار وكل ما أوتى البشر من القوى العقلية والمادية من أغلال العبودية التى كانوا يرسفون فيها ووضع عنهم أصرهم الذى كانوا يرزحون تحته وبذلك اثنى الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم " ويضع عنهم اصرهم والأغلال التى كانت عليهم" الأعراف (157) والان ما هى:

مبادىء النظرية السياسية فى الإسلام؟

فهذه العقيدة التى بيناها هى روح النظام ومناط أمره وقطبة الذى تدور حوله وهذا هو الاساس الذى ارتكزت عليه دعامة السياسية فى الإسلام أن تنزع جميع سلطات الأمر والتشريع من ايدى البشر منفردين ومجتمعين ولا يؤذن لأحد منهم أن ينفذ أمره فى بشر مثله فيطيعوه أو ليس قانونا لهم فينقادوا له فيتبعوه فإن ذلك الأمر مختص بالله وحده لا يشاركه فيه أحد غيره كما قال عزوجل:

"إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا غياه ذلك الدين القيم" يوسف (40)

" يقولون هل لنا من الأمر من شىء قل إن الأمر كله لله"آل عمران(154

" ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم هذا حلال وهذا حرام" النحل(116)

"ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" المائدة (45)

فهذه الآيات تصرح أن الحاكمية لله وحده وبيده التشريع وليس لأحد – وإن كان نبيا – أن يأمر وينهى من غير أن يكون له سلطان من الله , فالنبى لا يتبع إلا ما يوحى إليه "أن أتبع ما يوحى إلى" وما فرض الله علينا طاعة نبيع إلا لانه لا يأتينا إلا بأحكام الله.

" وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله" النساء(64)

" ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لى من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون" آل عمران (79) فالخصائص الأولية للدولة الإسلامية كما يظهر من الآيات ثلاث:

1)ليس لفرد أو أسرة أو طبقة أو حزب أو مجموعة أو لسائر القاطنين فى الدولة نصيب من الحاكمية فإن الحاكم الحقيقى هو الله والسلطة الحقيقية مختصة بذاته تعالى وحده والذين من دونه فى هذه المعمورة انما هم رعايا فى سلطانه العظيم فما عليهم إلا اتباع أوامر.

2)ليس لأحد من دون الله شىء من أمر التشريع والمسلمون جميعا لا يستطيعون أن يشرعوا قانونا ولا يقدرون أن يغيروا شيئا مما شرع الله لهم.

3)أن الدولة الإسلامية لا يؤسس بنيانها إلا على ذلك القانون المشرع الذى جاء به النبى صلى الله عليه وسلم من عند ره مهما تغيرت الظروف والأحوال والحكومات التى بيدها زمام هذه الدولة فهى لا تستحق طاعة الناس إلا من حيث أنها تحكم بما أنزل الله وتنفذ أمره فى خلقه ومن هنا تأخذ الحكومات شرعيتها.

فهل هذا نظاما ديمقراطيا بالمفهوم الغربى؟

إذا نظرنا إلى هذه الخصائص التى ذكرنا نجد أنها ليست " ديمقراطية" فإن الديمقراطية عبارة عن منهاج للحكم, تكون السلطة فيها للشعب جميعا, فلا تغير فيه القوانين ولا تبدل إلا برأى الجمهور ولا تسن إلا حسب ما توحى إليهم عقولهم. فلا يتغير فيه القانون إلا ما ارتضته أنفسهم وكل ما لم تسوغه عقولهم يضرب به عرض الحائط ويخرج من الدستور.

هذه خصائص الديمقراطية التى عانينا من ويلات قرارتها العمياء وترى أنها ليست من الإسلام فى شىء فلا يصح إطلاق كلمة الديمقراطية على نظام الدولة الإسلامية بل أصدق منها تعبيرا كلمة " الثيوقراطية" أو الحكومة الألهية" ولكن الثيوقراطية الأوربية فى القرون الوسطى تختلف تماما عن الثيوقراطية الإسلامية فإن أوربا لم تعرف منها إلا التى تقوم فيها طبقة من السدنة مخصوصة يشرعون للناس قانونا من عند أنفسهم حيث لم يكن لديهم أى شىء من الشريعة سوى بعض المواعظ الخلقية ولذا فإنهم كانوا يشرعون القوانين حسب ما شاءت أهواؤهم وأغراضهم ويسلطون ألوهيتهم هم على عامة أهل البلاد متسترين وراء القانون الإلهى فمثل هذه الحكومة أجدر بأن تسمى حكومة شيطانية وليست إلهية.

وأما الثيوقراطية التى جاء بها الإسلام فلا تستبد بأمرها طبقة من السدنة أو المشايخ بل هى التى تكون فى أيدى المسلمين عامة وهم الذين يتولون أمرها والقيام بشئونها وفق ما ورد به كتاب الله وسنة رسوله, وبمعنى آخر أنها حكومة ثيوقراطيةديمقراطية بمعنى أن قد خول فيها للمسلمين حاكمية شعبية مقيدة بسلطة الله القاهرة وحكمه الذى لا يغلب ولا تتألف السلطة التنفيذية إلا بآراء المسلمين وبيدهم يكون عزلها من منصبها, كذلك جميع الشئون التى لا يوجد عنها فى الشريعة حكم صريح لا يقطع فيها بشىء إلا بإجماع المسلمين.

فمن هذا الوجه يعد الحكم الإسلامى ديمقراطيا إلا أنه كما ذكرنا إذا وجد نص فليس لأحد من أمراء المسلمين أو مجتهد أو عالم من علمائهم ولا لمجلس تشريعى بل ولا لجميع المسلمين فى العالم أن يصلحوا أو يغيروا من كلمة واحدة ومن هذه الوجهة فالحكم ثيوقراطى .

دفه شبهة

ربما يقال أن الإسلام قد قيد الديمقراطية بأنواع من القيود والحدود فمعناه أن الإسلام قد سلب الإنسان حرية الرأى والفكر بينما قلنا أن ألوهية الله الواحد تخول الناس حرية القول والأفكار والقوى البشرية جمعاء... وتقول: إن الله لم يخص أمر التشريع بذاته ليسلب الناس حريتهم الفطرية بل خصه بنفسه حفظا له وصونا من اعتداء المعتدين ولئلا يضل الناس فيسلكوا طرائق قددا ويقعوا فى المالك فهذه الديمقراطية الغربية المموهة التى يتشدقون بها وبأن فيها حاكمية شعبية إذا أنعمنا النظر فيها علمنا أن الذين تتكون منهم هذه الحاكمية لا يسن كلهم القوانين ولا ينفذونها جميعا بل يضطرون إلى تفويض سلطانهم إلى رجال يختارونهم من بينهم ليشرعوا قوانين ينفذونها ولأجل هذا الغرض يضعون نظام لانتخاب بكل ما فيه من مساوىء فلا ينجح فيه إلا من يغرى الناس ويستولى على عقولهم وألبابهم بماله وعلمه ودهائه ودعايته الكاذبة, ثم ينقذون ذلك القانون الجائر على العمة بتلك القوة نفسها التى خولتم إياها العامة, ثم يصبح هؤلاء الناجحون بأصوات العامة آلهة لهم يشرعون ما يشاؤون من القوانين لا لمصالح الجمهور بل لمنافعهم الشخصية ومصالح طبقاتهم المخصوصة التى ينتمون إليها فهذا هو الداء العضال الذى أصيبت به أمريكا وانجلترا سائر البلاد التى تدعى اليوم بأنها جنة الديمقراطية ومأوى لها.

وبغض النظر عن هذه المفاد فإن سلمنا أن القوانين تشرع فى تلك البلاد برضى العامة, فقد اثبتت التجارب أن العامة لا يستطيعون أن يعرفوا مصالحهم فإن البشر قد خلقهم الله على ضعف فطرى كامن فى نفوسهم فيرون فى أكثر أمور الحياة بعضا من الحقيقة ولا يرون البعض الآخر ولا يكون حكمهم مرتكزا على نقطة العدل عموما وهم فى الغالب يكونون على أمرهم من العواطف والميول فيرفضونها لأجل غلبة العواطف والشهوات على أنفسهم وعندى لذلك أمثلة كثيرة ولكن حذرا من إطالة الكلام أقتصر على مثال واحد وهو" قانون منع الخمر الأمريكى" فالشعب الأمريكى قد تحقق له عقليا وعلميا أن الخمر ضارة بالصحة ومفسدة للقوى الفكرية وهدامة لبناء الإنسانية... فنظروا لهذه الحقائق واطمئنانا لصحتها وافق الرآى العام الأمريكى على قانون منع الخمر ولكن لما نفذ القانون لم يلبث الذين وضعوا القانون بآرائهم وأصواتهم أن خرجوا عليه وبدأوا يعيثون فى الأرض فسادا بتعاطى الخمر والإبداع فى صناعتها على استخفاء والتفنن فى أخبث أنواعها أكثر مما كانوا يتعاطونها من قبل وكثرت فيهم المنكرات والفواحش إلى حد بالغ حتى اضطروا إلى أن يقموا بنقض ما عاهدوا أنفسهم عليه وبتحليل ما كانوا قد حرموه...

سبحانك ربى فعلام أحلت أم الخبائث أو قد أصبحت الضارة عندهم نافعة بدليل علمى وعقلى؟ لا, بل لأن أمارتهم بالسوء قد استولت عليهم واسلموا لها قيادتهن فكأن كل واحد منهم قد اتخذت آلهة هواه فأصروا فى عبودية إلههم الباطل على نسخ القانون الذى وضعوه بعد ما اعترفوا بصحته اعترافا عقليا وعلميا.

وفى التاريخ تجارب أخرى كثيرة توضح لنا أن الإنسان لا يستطيع أن يكون شارعا بنفسه فإنه إن نجا من شرور عبودية الآلهة الكاذبة فلا يمكن تخلصه من تعبد شهواته الجاهلية والإستسلام لنزعات الشيطان الكامن فى نفسه فالبشر فى أشد الحاجة إلى أن يحدوا حريتهم بحدود ملائمة للفطرة الإنسانية وذلك لصالحه وصالح المجتمع الذى يعيش فيه ونظرا لهذا الغرض الأسمى قيد الله تعالى الحرية الإنسانية بقيود تسمى فى لغة الإسلام " حدود الله" وهذه الحدود تشتمل على عدد من الأصول والمبادئ والأحكام القطعية لتكون الحياة الإنسانية قائمة على الحق والعدل لا تحيد عنه ولا تتزحزح فهذه أسوار للحرية منبعثة لا يجوز لأحد أن يتجاوزها... ولكن يجوز لهم أن يضعوا قوانين فرعية أو أنظمة ولوائح ضمن حدودها لما يعرض لهم من الحوادث أما إذا تعدوها فلابد أن يتخل نظام المجتمع البشرى اختلالا تاما.

فما المقصود من وراء حدود الله؟

وحتى يتضح مفهوم الحدود نقول أنه مثلا الحياة الاقتصاد قد ذكر الله تعالى فى كتابه حدودا, وهى إثبات حق الملكية الفردية والأمر بأداء الزكاة وتحريم الربا, والميسر , والإحتكار وقانون الإرث , وتقييد جمع المال وإنفاقه بقيود معلومة, فإن راعى الإنسان هذه الحدود وحافظ عليها, وسير حياته الإقتصادية فى ضمن دائرتها بقيت حريته الشخصية سالمة غير ضائعة ولا مسلوبة, هذا من جانب, وفى جانب آخر لا تتولد من تسلط طبقة على آخرى تلك الحال الشنيعة التى مبدؤها الرأسمالية الغاشمة ومنتهاها سيطرة ديكتاتورية العمال.

وكذلك الحياة الأسرية مثلا فإنها أن ترك فيها حبل المرأة على غاربها أصبحت الدار ملآى بالجور والظلم وجعلت الشياطين تبيض وتفرخ. ولكن الله قيدها بالحجاب الشرعى وقوامة الرجل, وبين حقوق الرجل والمرأة والأولاد وأحكام الطلاق والخلع, وحكم تعدد الزوجات تحت شروط, وحدود الزنا والقذف, وبين الله كل ذلك ليحد حياة البيت بحدود حكيمة ملائمة للفطرة البشرية, إن تمسك بها الإنسان وعمل بها وجعل نظام الأسرة قائما فى ضمن هذه القيود والحدود أصبح البيت جنة فيها الهنا والسرور ولن يتدفق فيها سيل حرية النساء الشيطانية التى تهدد اليوم الأمن والسلام العالمى وتنذر المدنية الإنسانية بالإنقضاء.

كذلك بين الله فى كتابه حدودا للتمدن الإنسانى وحياة البشر الاجتماعية كالقصاص فى القتل وقطع اليد فى السرقة وحرمة الخمر وحدود الستر للعورة وغيرها من الأصول الثابتة الراسخة وذلك ليوصد باب الشر والفساد إيصادا كاملا إلى الأبد.

ونحن إذا دققنا النظر فى كل حد من حدود الله سنرى له أهمية عظيمة وتأثيرا كبيرا فى إقامة الحياة الانسانية على الحق والمنفعة ولكن الذى يجب أن نعلمه أن الله سبحانه قد رزق الإنسان بهذه الحدود نظاما مستقلا ودستورا جامعا لا يقبل من التبديل والتغيير شيئا, ولا يسلب الإنسان حريته ولا يعطل قواه الفكرية والعقلية, بل ينهج للنوع البشرى طريقا مستبينا, وصراطا مستقيما, لئلا يضل فيقع فى مهاوى الحياة لجهله وضعفه المفطور عليه, وائلا يضيع يضيع قوته وسعيه الباطل, وليسلك سبيل الفلاح الحقيقى سلوكا مستقيما غير ضال ولا زال, فمثله كمثل الطرق فى الجبل, فإن اتفق لك أن تصعد فى الجبل رأيت طرقا محفوفة بالمخاطر فهذه هوة عميقة وتلك صخور شماء عالية فإذا رأيت حوالى هذه الطرق أسلاكا منصوبة من الحديد لئلا يسقط السائر فى الهوة فهل لك أن تقول أن الأسلاك الحديدية نصبت لوضع العقبات فى سبيل حرية السائرين؟ لا إنما أقيمت ليسلموا من المهالك ولا يفعوا فى المخاطر, نصبت لتهديهم فى مواطن زلقة ومواضع خطرة إلى وجهتهم المستقيمة, حتى يصلوا منازلهم التى قصدوها. فهذا هو مثل للحدود الإلهية فى الإسلام فهى تعين لسفر الحياة البشرية وجهة الحق الصحيح, وتهدى الناس فى كل مفترق الطرق والمنعطفات إلى طريق الأمن والسلام وتحولهم عن جميع المتجهات المنحرفة إلى متجه قويم.

وهذا الدستور والنظام الإلهي كما تقدم لنا القول لا يقبل شيئا من التبديل والتغيير, فان شئت خرجت عليه وأعلنت عليه الحرب كما حرجت عليه تركيا وغيران ولكن ليس لك أن تحدث فيه أدنى تغيير, فإنه دستور الهي سرمدى لا تغيير فيه ولا تبديل, وقد كتب أن يبقى ثابتا واضحا إلى يوم القيامة فالدولة الإسلامية عندما يؤسس بنيانها يؤسس على هذا الدستور, ومادام كتاب الله وسنة رسوله باقيين فى العالم فلا يمكن تحويل مادة من قوانينه عن مكانها, فمن يريد أن يعيش مسلما فإنه محتم عليه إتباعه والاستمساك به.

غاية الدولة الإسلامية

للدولة الإسلامية القائمة الى أساس هذا الدستور غاية ذكرها الله تعالى فى كتابه فى مواضع عديدة منها قوله:-" لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس" الحديد (25)

والآية قد بينت ما تبعث الرسل لأجله, وهو أن الله قد أراد ببعثهم أن يقيم فى العالم نظام العدالة الاجتماعية على أساس ما أنزل عليهم من البيانات وما أنعم عليهم فى كتابه من الميزان أى نظام الحياة الانسانية العادل. وقال فى موضع آخر:" الذين إن مكناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" الحج(41)

وقال :" كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله" آل عمران (110) فمن تدبر هذه الآيات اتضح له أن الدولة التى يريدها القرآن ليس لها غاية سلبية فقط بل لها غاية ايجابية أيضا أى ليس من مقاصدها المنع من عدوان الناس بعضهم على بعض وحفظ حرية الناس والدفاع عن الدولة فحسب, بل الحق أن هدفها الأسمى هو نظام العدالة الاجتماعية الصالح الذى جاء به كتاب الله.

وغايتنا فى ذلك النهى عن جميع أنواع المنكرات التى ندد بها الله فى آياته, واجتثاث شجرة الشر من جذورها وترويج الخير المرضى عند الله, المبين فى كتابه, ففى تحقيق هذا الغرض أن تستعمل القوة السياسية تارة ويستفاد من منابر الدعوة والتبليغ العام تارة أخرى, ويستخدم لذلك وسائل التربية والتبليغ العام تارة أخرى, ويستخدم لذلك وسائل التربية والتعليم طورا, ويستعمل لذلك الرأى العام والنفوذ الاجتماعي طورا آخر كما تقتضيه الظروف والأحوال.

فمن الظاهر أنه لا يمكن لمثل هذا النوع من الدولة أ، تحدد دائرة عملها لأنها دولة شاملة محيطة بالحياة الإنسانية بأسرها وتطبع كل فروع الحياة الإنسانية بطابع نظريتها الخلقية الخاصة وبرنامجها الإصلاحي الخاص فليس لأحد أن يقوم فى وجهها ويستثنى أمرا من أموره قائلا أن هذا شخصى خاص لكى لا تتعرض له الدولة.

وبالجملة أن الدولة الإسلامية تحيط بالحياة الإنسانية وبكل فرع من فروع الحضارة وفق نظريتها الخلقية وبرنامجها الإصلاحي ولكن يلاحظ أنه لا يوجد فى الدولة الإسلامية شىء من سلب الحرية الفردية ولا أثر للسيطرة الديكتاتورية والزعامة المطلقة.

فالاعتدال الكامل الذى يوجد فى نظام الحكومة الإسلامية وتلك الخطوط العريضة التى خطتها بين الحق والباطل يشهدان عند أصحاب البصيرة أن مثل هذا النظام الصالح الوسط لا يضعه إلا الله الحكيم الخبير.

الدولة الفكرية

هذا, والأمر الثانى يبدو لمن أنعم النظر فى دستور الدولة الإسلامية وغايته الحكيمة ووضعيته الإصلاحية, هو أن هذه الدولة لا يتولى أمرها إلا الذين آمنوا بهذا الدستور, وجعلوه غاية حياتهم ومطمع أنظارهم , الذين لم يخضعوا لبرنامجه الإصلاحى ولم يظهروا تأييدهم لخطنه العملية فحسب, بل كان الإيمان بصدق تعاليمه قد تغلغل فى عروقهم وكانوا فى معرفة تامة بروحه وطبيعته وما يشتمل عليه من التأصيل والجزئيات وما اتخذ الإسلام فى ذلك حدودا ولا قيودا جغرافية أو لسانية أو عنصرية وانما يعرض دستوره على الناس كافة ويبين لهم غايته وبرنامجه الإصلاحى, فمن قبله منهم أيا كان والى أى نسل أو إلى أية أرض أو أمة ينتمى فهو يصلح أن يكون عضوا فى الحزب الذى أسس بنيانه لتسيير دفة هذه الدولة وأما من لم يقبله فلا يسمح له بالتدخل فى شئون الدولة أبدا وله أن يعيش فى حدود الدولة كأهل الذمة متمتعا بحقوق عادلة مبينة فى الشريعة لأمثاله وكذلك تكون له عصمة من قبل الإسلام حاصلة فى نفسه وماله وشرفه ولكن لا يكون له حظ فى الحكومة فى حال من الأحوال, لأن الدولة دولة مجموعة مؤمنة بعقيدة خاصة وفكرة مختصة بها مع العلم بأن الدولة الإسلامية بريئة كل البراءة مما تأتى به الدول الشيوعية من أعمال مخزية ضد الذين لا يوافقون عليها نظرياتهم , فلا يوجد فى الإسلام ما يوجد فى الدولة الشيوعية من تسلط آرائها الاجتماعية ومناهجها العمرانية على الناس قهرا بعد التغلب والتمكن فى الآرض واستنفاد أموالهم وسفك مائهم وتعذيبهم بعذاب فى النار والحديد او أن يؤتى بمئات الألوف من الناس فيرمى بهم فى صحراء سيبيريا جهنم المعمورة الأرضية.

واجمالا فإن كل ما أعطى الإسلام لأهل الذمة من الحقوق والامتيازات فى دولته وما خط فى هذا الشأن من خطوط بين الحق والباطل والعدل والظلم كل من رآها واطلع على محاسنها تبين له ما يكون من التفاوت العظيم بين المصلحين الإلهين وبين الدجالين فى أعمالهم وبرامج اصلاحهم.

نظرية الخلافة

والآن ما هى هيئة الدولة الإسلامية وطراز بنائها؟ فالحاكم الحقيقى فى الإسلام انما هو الله وحده كما تقدم الكلام عليه فإذا نظرت إلى هذه النظيرة الأساسية وبحثت عن موقف الذين يقيمون يتنفيذ القانون الإلهى فى الأرض, تبين لك أنه لايكون موقفهم الا كموقف النواب من الحاكم الحقيقى فهذا هو موقف اولى الامر فى الإسلام بعينه, قال تعالى :" وعد الله الذين آمنوا منكم وعماوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض كما استخلف الذين من قبلهم" النور فهذه الآية توضح نظرية الدولة فى الإسلام ايضاحا مبينا فإن الله قد بين فيها أمرين عظيمين وأساسيين

الأمر الأول:

أن الإسلام يستعمل دائما لفظ الخلافة بدل لفظ الحاكمية وإذا كانت الحاكمية لله خاصة فكل من قام بالحكم فى الأرض تحت الدستور الإسلامى يكون خليفة الحاكم الأعلى ولا يتولى إلا ما ولاه المستخلف " أى الحاكم الأعلى" من أملاكه وشئون عبيده نيابة عنه.

والأمر الثانى:

البديع فى هذه الآية أن الله قد وعد جميع المؤمنين بالاستخلاف ولم يقل أن يستخلف أحدا منهم فالظاهر من هذا أن المؤمنين كلهم خلفاء الله, وهذه الخلافة التى آويتها المؤمنون خلافة عمومية لا يستفيد بها فرد أو أسرة أو طبقة بل كل مؤمن خليفة عند الله, وكل واحد مسئول أمام ربه من حيث كونه خليفة كما جاء فى الحديث" كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته " وليس الشأن من أية وجهة كانت.

الجمهورية الإسلامية

ويتضح مما تقدم آنفا النتائج الآتية:

1-المجتمع الذى يكون كل عضو منه خليفة لا يتسرب إليه فساد التفرييق بين الطبقات, ولا شر الامتيازات التى تأتى من جهة الجياة الاجتماعية والفوراق النسبية, ويكون أفراد هذا المجتمع سواسية لا يكون لأحد فضل على آخر إلا من جهة المواعب الشخصية والسجايا الذاتية, وهذه هى الحقيقة التى بينها النبى صلى الله عليه وسلم وأوضحها مرارا كما جاء عنه فى قوله" ليس لأحد فضل على أحد إلا بدين أو تقوى, الناس كلهم بنو آدم وآدم من تراب , لا فضل لعربى على أعجمى ولا لأعجمى إلا بالتقوى".

وعندما دخلت بلاد العرب كلها – بعد فتح مكة – فى حوزة الدولة الإسلامية قال عليه الصلاة والسلام لعشيرته الذين كانوا يوم ذاك فى بلاد العرب أصحاب منزلة الشعب:" يا معشر قريش أن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء أيها الناس: كلكم من آدم وآدم من تراب , لا فخر للأنساب, لافضل للعربى على الأعجمى ولا للأعجمى على العربى" إن أكرمكن عند الله أتقاكم"

2-وفى مثل هذا المجتمع لا تحول عقبات النسل أو الحرفة أو المنزلة فى المجتمع بين الفرد أو جماعة من الأفراد وبين مواهبهم الشخصية وتنمية سجاياهم الفردية وملكاتهم المتنوعة فى نفوسهم, بل لكل فرد من أفراد المجتمع أن يترقى إلى ما شاء الله والى ما آتاه الله من استعداد وقوة, من غير أن يمنع الآخرين من التقدم والرقى الفطرى, وهذا ما تجده فى الإسلام إلى درجة ليس وراءها مطمح لناظر, فإن العبيد وأبناءهم قد نصبوا ولاة على الأقاليم وقواد للعساكر, وقد اتبع أمرم رؤساء البيوت الشريفة وعاشوا تحت ولايتهم طائعين غير كارهين وكذلك كثير ممن كان يخسف النعال أصبحوا أئمة الناس وكذلك غيرهم من أصحاب الحرف والمهن تبوؤوا مناصب الأمناء والقضاء وهؤلاء كلهم يعدون اليوم من علماء الإسلام والسلف الصالح وقد ورد فى الحديث (اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد حبشى).

3-وفى مثل هذا المجتمع لا يكون لرجل أو طائفة أن تستبد بالأمر أو تتنسم عرش الدكتاتورية, لأن كل فرد من أفراد هذا المجتمع خليفة, ولا يجوز لطائفة أو فرد من أفرادها أن ينتزع حق الخلافة من جمهور المسلمين وينصب نفسه مسيطرا عليهم, والذى يتولى هذا الأمر فى الإسلام, منزلته الحقيقية أن جمهور المسلمين أو الخلفاء قد فوضوا خلافتهم إلى رجل منهم وجعلوها مركزة فى ذاته لتنفيذ الأحكام وتسيير دفة الأمة بسهولة وذلك فوضوا إليه أمر الخلافة فإن استبد بالأمر ونصب نفسه ديكتاتورا مطاعا على الإطلاق فهو غاصب وليس بخليفة, لان الدكتاتورية بحقيقتها ضد الخلافة العمومية, مما لا مجال فيه للريب أن الدولة الإسلاميةدولة مهيمنة أو مطلقة, محيطة بجميع فروع الحياة ونواحيها ولكن أساس هذه الهيمنة والإحاطة التامة انما هو القانون الإلهى الجامع الواسع الذى وكل إلى الحكم المسلم تنفيذه فى الناس , فكل ما ورد فى الكتاب العزيز من البينات والتعاليم الشاملة لجميع نواحى حياتهم, انما ينفذ فيها تنفيذا محيطا جامعا, ولكن الحاكم المسلم ليس له أن يتخذ خطة التقييد الاجتماعى من تلقاء نفسه, معرضا عن تلك التعاليم والبيانات فلا يجوز له أن يقهر الناس على اختيار حرفة دون آخرى وكذلك ليس له أن يقهرهم على اكتساب فن دون آخر أو تعليم أولادهم نوعا من العلوم دون آخر, فإن الإسلام لم يخول الأمير تلك السلطة المطلقة الذى استبد بها الطواغيت المسيطرون فى روسيا وتمتم عبها واستخدمها " أتاتورك" فى تكيا وهناك أمر آ خر مهم وهو أن كل فرد من أفراد المسلمين مسئول عند الله بصفته الفردية لا يشاركه فيها أحد ليختار ما يشاء من خطة ويستعمل قوته لتبريز فيما تميلإليه نفسه من صناعة , فإن حالت دون ذلك عقبات من قبل الأمير فهو ظالم يعاقب عله عند الله, ومن أجل ذلك لن تجد أثرا من أمثال هذا التقييد الاجتماعى فى عهخد النبى صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين المهديين.

4-ومن حق كل فرد فى هذا المجتمع سواء كان ذكرا أو انثى – إذا كان بالغا عاقلا – أن يكون له رأى فى مصير الدولة لأنه منعم عليه بنصيبه من الخلافة العمومية, ولم يخص الله تلك الخلافة بشروط خاصة من الكفاءة والثروة, بل هى مشروطة بالايمان والعمل الصالح فحسب, فالمسلمون سواسية فى حق التصويت وإبداء الرآى.

التوافق بين الفردية والاجتماعية

هذه نبذة مما جاء فى الإسلام من مزايا الجمهورية الصالحة وبجانب آخر قد سد الإسلام باب الفردية الهدامة بالاجتماعية فلا تضيع فى نظام الإسلام شخصية الفرد كما تضيع فى النظام الشيوعي, وكذلك لا يتعدى الفرد الإسلام حدوده بحيث يكون ضارا للجماعة كما هو الشأن فى نظام الجمهورية الغربية, وأن غاية حياة الفرد فى الإسلام انما هى غاية الجماعة بعينها, أى تنفيذ القانون الإلهى فى الدنيا وابتغاء وجهه تعالى فى الآخرة. وزد على ذلك ان الإسلام قد منح الرد ما كان بتعلق بذاته من الحقوق. وكذلك فرض عليه واجبات مخصوصة للجماعة, وبهذه الصورة ظهر بين الفردية والاجتماعية فى الإسلام توافق يصبح بحيث يتيسير للفرد نماء قوته وارتقاء شخصيته, ثم يصبح عونا بقوته الراقية فيما فيه خير وسعادة للمجتمع وبهذه الفكرة السريعة لعلنا استطعنا أن نسد باب سوء التفاهم الذى يمكن لللقارىء أن يقع فيه بعد قراءته لشرح الجمهورية الإسلامية فى الجزء السابق.الدولة الإسلامية وما يتآلف عنها.

إذا تأملت بعض ما تقدم بياته من تصور الخلافة العمومية والإحاطة بفروعه وتفاصيله, تبين لك أن منزلة الإمام أو الأمير أو الرئيس فى الدولة الإسلامية ليست بأكثر ولا أقل من جمهور المسلمين – الخلفاء – قد اختاروا عن أنفسهم رجلا هو أفضلهم وأتقاهم وأودعوه ما بيدهم من أمانة الخلافة وأما تسميته بالخليفة فليس معناه أن هو الخليفة وحده بل معناه ان خلافة المسلمين العمومية أصبحت مركزة فى ذاته وها نحن نوضح إليكم بشىء منه صورة واضحة وبيد الله التوفيق:

أولا:

إن انتخاب الأمير لا يكون أساس الآية الشريفة " إن أكرمكم عند الله اتقاكم" الحجرات : 13" أى لا ينتخب للإمارة إلا من كان المسلمون يثقون به وبسيرته وبطباعه وخلقه, فإذا انتخبوه فهو ولى الأمر المطاع فى حكمه ولا يعصى له أمرا ولا نهى, ويعتمد عليه فى تنفيذ الأوامر اعتمادا كاملا, ما دام يتبع الشريعة ويحكم بالكتاب والسنة.

ثانيا:

الأمير الإسلامي ليس له فضل على جمهور المسلمين فى القانون, وانما هو رجل من الرجال و يوجه إليه النقد فيما يتراءى للعامة من الأخطاء فى سياسته الناس, والزلات فى حياته الذاتية فهو يعزل إذا شاءت الأمة, وترفع عليه القضايا فى المحاكم, ولا يستحق أن يعامل فيها معاملة يمتاز با عن غيره من المسلمين.

ثالثا:

الأمير محترم عليه المشاورة فى الأمر. ومجلس الشورى لابد أن يكون حائزا على ثقة جميع المسلمين, ليس من المحظور الشرعى أن ينتخب هذا المجلس بأصوات المسلمين وآرائهم, وإن لم يكن له نظير فى عهد الخلافة الراشدة.

رابعا:

الأمور تقضى عى هذا المجلس بكثرة آراه أعضائه فى عامة الأحوال, إلا أن الإسلام لا يجعل كثرة عدد الأصوات ميزانا للحق والباطل: " قل لا يستوى الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث" المائدة فإنه من الممكن فى نظر الإسلام أن يكون الرجل الفرد أصوب رأيا وأحد بصرا فى مسألة من المسائئل من سائر أعضاء المجلس, فإن كان الأمر كذلك. فليس من الحق أن يرمى برأيه لأنه لا يؤيد جمع غفير.

فالأمير له الحق أن يوافق الأقلية أو الأغلبية فى رايها, كذلك له الحق أن يخالف أعضاء المجلس كلهم ويقضى برأيه ولكنه من الواجب على جمهور المسلمين أن يراقبوا الأمير وسيرته فى رعيته مراقبة شديدة. هل هو يتصرف فى الأمور ويحكم فيها على تقوى من الله أم يهوى من نفسه؟ فإذا رأوه يتبع الهوى فى عمله فلهم أن يعزلوه ويخلعوه من منصبه. يتبع الهوى فى عمله فلهم أن يعزلوه ويخلعوه من منصبه.

خامسا:

لا ينتخب للإمارة أو لعضوية مجلس الشورى أو لأي منصب من مناصب المسئولية من يرشح نفسه لذلك أو يسعى فيه سعيا ما, فإن النبى صلى الله عليه وسلم قال:" أنا والله لا نولى هذا العمل أحدا سأله أو حرص عليه".

ومن المؤكد أنه ليس فى المجتمع الإسلامى محل للترشيح للمناصب والدعايات الانتخابية أصلا, ومما يمجه الذوق الإسلامى وتأباه العقلية الإسلامية, أن يقوم لمنصب واحد اثنان أو ثلاثة أو أربعة من طلابه فينشر كل واحد منهم خلاف الآخر من نشرات تبكى لها المروءة ويندى لها جبين الشرف الإسلامى , ويعقدون حفلات لمدح أنفسهم والطعن فيمن سواهم ويستخدمون الصحف والجرائد للدعاية, ويغرون أصحاب الأصوات بأنواع من الحيل المخجلة, ويطمعونهم فى المال وتجرى سيارتهم ليل ونهار لتسفيه الناس, ثم ينجح منهم من كان أكثرهم كذبا, وأدهاهم تلفيقا وتزويرا, ومن كان أشدهم إسرافا للمال فهذه طرق ملعونه للديمقراطية الشيطانية, لو وجد من فعل عشر معشارها فى الدولة الإسلامية لرفع أمره إلى المحكمة وعوقب عليها عقابا شديدا فضلا عن أن ينتخب لمجلس شورى الخلافة.

سادسا:

وفى مجلس الشورى الإسلامى لا يمكن أن ينقسم أعضاؤه جماعات وأحزابا, بل يبدى كل واحد منهم رأيه بالحق لصفته الفردية, فإن الإسلام يأبى أن يتحزب أهل المشورة ويكونوا مع أحزابهم سواء كانت على حق أو على باطل بل الذى يقتضيه الروح الإسلامى أن يدوروا مع الحق حيثما كان لا يحيدوا عنه قيد شعرة أبدا, فإن وجدوا اليوم رأيا واحدا منهم حقا, وصوابا فليكونا معه, وإن وجدوا رأى ذلك الرجل نفسه فى مسالة أخرى فى الغد خلافا للحق فليعارضوه.

سابعا:

إن مجالس لقضاء والحكم فى الإسلام خارجه عن حدود الهيئات التنفيذية تماما, لآن القاضى من وظيفته تنفيذ القانون الإلهى فى عباد الله, فلا يتولى الحكم فى مناصب القضاء نائبا عن الخليفة بل عن الله عزوجل, فليس الخليفة فى مجلسه إلا كرجل من الرجال , وليس لأحد أن يستثنى فى الحضور مجلس إلا كرجل من الرجال, ولويس لأحد أن يستثنى فى الحضور مجلس الحكم لأجل شرفه أو شرف أسرته أو لأجل ما عهد إليه من المناصب الرفيعة, وأن الرجل وإن كان أجيرا أو فلاحا أو فقيرا معدما له أن يرفع القضية إلى إلى مجلس الحكم على العيلة من الناس حتى على أمير المؤمنين نفسه, للقاضى أن يحكم بالحق ويجرى قانون الشرع على الخليفة إذا تحققت القضية عليه كما يحكم على رجل من عامة المسلمين وكذلك إذا كان الخليفة يشكو من أحد شكوا لما عنده من القوة والسلطة التنفيذية, بل هو مضطرا من جهة الشرع أن يرفع قضيته إلى المحكمة كعامة المسلمين..

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

موعدنا أول يونيو ان شاء الله مع الكتاب الإسلامى الثانى ولقاء لفضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوي

ملحوظة هامة: أخى وأختى... بعد أن تفرغ من قراءة هذا الكتيب أعره لغيرك حتى تعم الفائدة... جزاكم الله خيرا.

المراسلة اتحاد طلاب الجمهورية 97 ش الجمهورية – الكتيب الإسلامى الشهرى " صوت الحق"

أمين لجنة الإعلام والنشر عبد المنعم أبو الفتوح