فرصتنا في فك الحصار ومعاقبة القتلة

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
فرصتنا في فك الحصار ومعاقبة القتلة


بقلم:الأستاذ فهمي هويدي

الأستاذ فهمي هويدي

أمامنا الآن فرصة نادرة لكسر حصار غزة ومحاسبة قادة العلى جرائمهم، لكني لست واثقا من ان دول الاعتدال العربية راغبة في ذلك حقا!

قافلة الحرية فضحت إسرائيل لا ريب، لكنها فضحت النظام العربي أيضا،نعم نحن نعرف الكثير عن قبح وجه الكيان الصهيوني وعربدتها، لكن ما فعلته بحق السفينة مرمرة، حين قتلت بعض ركابها واستولت عليها وهي في المياه الدولية، عمم تلك الصورة القبيحة على أنحاء الكرة الأرضية، مما أطلق مظاهرات السخط والغضب في العديد من عواصم العالم. ودفع بلدا مثل نيكاراجوا الى قطع العلاقات مع إسرائيل، كما دفع الاكوادور وجنوب أفريقيا الى سحب سفيريهما الى تل أبيب، وكانت تركيا قد سبقتهما بطبيعة الحال. بل اننا فوجئنا بأن عمال الموانئ في السويد قرروا مقاطعة سفن الشحن الصهيونية لمدة أسبوع.

بالمقابل فإن الدولتين اللتين عقدتا معاهدة صلح مع الصهاينة(مصر والأردن) قررتا فقط استدعاء السفير الصهيوني وتسليمه مذكرة احتجاج تضمنت عتابا دبلومآسيا ليس أكثر. ونحمد الله على ان موريتانيا كانت أسبق وأشجع، لأنها قطعت علاقاتها مع تل أبيب وطردت السفير الإسرائيلي قبل عام، استجابة للضغوط الشعبية التي دعت الى التخلص من تلك الوصمة.

رد الفعل الخجول والمتواضع لم يكن مقصورا على موقف حكومة مصر والأردن، ولكنه ألقى بظلاله على موقف الجامعة العربية ووزراء الخارجية العرب الذين «اضطروا» الى الاجتماع في القاهرة بعدما وقعت الواقعة، وأصدروا بيانا كان دون الموقف الذي اتخذته نيكاراجوا!

صحيح ان الشارع العربي كان أفضل حالا بقليل، حيث تظاهر الناس فيه واستجابوا لنداءات الاسهام والاغاثة بعد الإعلان عن فتح معبر رفح، الا أننا نعرف جيدا ان صوت الشارع العربي لا يسمع من قبل أهل القرار، وان كلا منهما يمضي في واد لا علاقة له بالآخر.

بؤس الموقف العربي عبرت عنه الأبواق الرسمية، من ذلك مثلا ان المتحدث باسم الخارجية المصرية حين سئل عن احتمالات التحرك إقليميا أو دوليا في أعقاب الهجمة الإسرائيلية على القافلة، فإنه في رده قال ان ذلك منوط بأطراف أخرى. في اشارة الى تركيا التي وقع الهجوم على سفينة رفعت علمها، ناسيا أو متناسيا ان «القضية» تهم مصر، أو كانت كذلك.

الصهاينة في موقف حرج الآن، فبعد ان تلقت ضربة موجعة في عام 1979 حين خسرت حليفا مهما مثل ايران. بعد قيام الثورة الإسلامية، فإن الغرور والاستعلاء سببا لها خسارة حليف آخر لا يقل أهمية هو تركيا. وهي خسارة جاءت مغموسة بالدم التركي، الذي عمق من الفجوة والمرارة.

ولا تنس ان دورها الاستراتيجي تراجع بصورة نسبية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وفي الوقت الراهن تتزايد مؤشرات مناهضة سياساتها في أوساط النخب الأوروبية، التي شاركت بعض عناصرها في قافلة الحرية وعبرت عن ذلك المظاهرات التي انطلقت في عواصم القارة.

لا تقل عن ذلك أهمية شهادة الجنرال بترايوس قائد المنطقة الوسطى الأمريكية التي قال فيها إن الجنود الأمريكيين يُقتلون بسبب السياسة الصهيونية. وشهادة رئيس الموساد مائير داجان أمام الكنيست التي تحدث فيها عن تراجع الدور الاستراتيجي للصهاينة في المنظور الأمريكي، بحيث لم تعد الشريك الاستراتيجي لواشنطن، وانما غدت خصما على قدرتها.

والذين قدر لهم ان يطلعوا على عدد جريدة «الشروق» الصادر يوم الأحد الماضي (6/6) أغلب الظن أنهم لاحظوا ان صفحتي الرأي نشرتا أربع مقالات ورسما كاريكاتوريا في نقد الانقضاض الصهيوني على قافلة الحرية.

الملاحظة المهمة ان الكتاب الثلاثة أمريكيون والرابع إسرائيلي (عاموز عوز) وعنوان مقال أحد أولئك الكتاب (انتوني كوردسمان الأستاذ بمركز الدراسات الاستراتيجية بواشنطن) كان كالتالي: عندما تصبح الكيان الصهيوني عبئا استراتيجيا.

أما الرسم الكاريكاتوري، وهو أمريكي أيضا، فقد صور حلبة ملاكمة وقف فيها شخص مفتول العضلات اشير الى أنه رمز للصهاينة، وآخر يمثل اسطول الحرية وقع على الأرض مهشم الوجه، ولكن حكم المباراة رفع يد الأخير وأعلن على الملأ انه الفائز. ورسالة الصورة واضحة في التعبير عن ان إسرائيل هي الطرف الخاسر في المعركة التي خاضتها في مواجهة اسطول الحرية.

نجح ناشطو قافلة الحرية في ان يجعلوا الصهاينةفي موقف الدفاع وليس موقف الهجوم الذي اعتادت عليه. من ثم لفتوا الانظار الى جريمة الحصار، الذي فرضته الرباعية الدولية على القطاع، واشتركت فيه بعض الدول العربية، اما بسد المنافذ أو بالصمت على استمراره، وترتب على ذلك استدعاء ملف الحصار على الطاولة، بحيث لم يعد أحد يدافع عن استمراره، وإنما أصبح البعض يتحدثون عن رفعه تماما، في حين بدا البعض يتداولون أفكارا حول «تخفيفه» فقط. وفرصة البديل الثاني أقوى وأرجح من الأول، لأن إسرائيل وسلطة رام الله ومصر مع استمرار الحصار لحين الخلاص من حكومة حركة حماس في غزة على الرغم من ان كل طرف له أسبابه في ذلك.

في اطار التخفيف هناك بدائل عدة.

أحدها يتحدث عن استقدام فريق يمثل الاتحاد الأوروبي لتفتيش سفن الاغاثة القادمة، والتأكد من انها لا تحمل سلاحا.

الاقتراح الثاني يتحدث عن فتح ممر بحري من ميناء أزمير التركي الى القطاع. وبمقتضاه تتولى السلطات التركية المقبولة من كل الأطراف مراقبة وتفتيش السفن قبل ابحارها.

الاقتراح الثالث ان يعود الأوروبيون الى معبر رفح لإدارته في وجود حرس الرئاسة الفلسطينية، كما كان العهد به في السابق، وهو اقتراح وافقت عليه حكومة حماس، الاقتراح الرابع يتمثل في إقامة معابر للسلطة في الجانب المصري تتولى إنهاء الإجراءات، على غرار المعابر الأمريكية في كندا وايرلندا (الحياة اللندنية – 6/5).

سألني أحد الصحافيين الفلسطينيين من غزة عن رأيي في فكرة التخفيف. فقلت ان الهدف منها هو التعامل مع القطاع باعتباره حديقة حيوانات، يعيش كل سكانها في الاقفاص ويقاس مدى نجاح الإدارة فيها بمقدار توفيرها الغذاء ومتطلبات بقائهم أحياء داخل تلك الأقفاص.

وأضفت ان الفكرة تحتاج أيضا الى تحرير وتفصيل، بحيث تعرف حدود ممارسة البشر لحق الانتقال. وبحيث تعرف ماهية «لاعتبارات الإنسانية»، وهل لابد ان يكون الراغب في المرور على شفا الموت أو في حالة ميئوس منها. ومن المخول بتمرير أو مصادرة البضائع التي تمر، وما هو دور الصهاينة في تحرير المحظور والمباح من تلك البضائع.

وقلت لمحدثي ان معبر رفح يسمح الآن بمرور الأشخاص والأدوية، أما الأغذية فلها معبر آخر مثل العوجة تتحكم فيه إسرائيل. وقد حدث في الأسبوع الماضي ان احدى سيارات نقل الأدوية حملت كمية من عسل النحل، الذي يتم التداوي به في بعض الأحيان. وأثناء التفتيش اعتبر عسل النحل غذاء لا دواء. فسمح بادخال السيارة بعد احتجاز عسل النحل منها!

إن قافلة الحرب والقوافل القادمة من أوروبا التي سبقتها استهدفت أمرين هما كسر الحصار وإغاثة المحاصرين، وفكرة «التخفيف» المثارة الآن تحقق طلب إسرائيل وأصدقائها استمرار الحصار، كما انها تمكن الصهاينة وهي في موقف الدفاع من التحكم فيما يدخل القطاع من سلع، واذا اردنا ان نذهب الى أبعد في الظن فسنقول ان فكرة التحقيق يراد بها وقف حملات التضامن الأوروبية، واقناع الرأي العام الدولي، بأنه ما دام باب وصول البضائع والاحتياجات المعيشية قد فتح، فلا داعي لحملات التضامن الدولية مع المحاصرين.

الموقف التركي الداعي الى كسر الحصار يعد المطلب الأجدر بالتأييد والمساندة. واخشى ما اخشاه ان يكون الاعتراض على ذلك المطلب ليس صهيونيا فحسب، ولكنه قد يكون عربيا أيضا، لأن حكومة السلطة في رام الله قد تعتبر ذلك انتصارا لحماس وتثبيتا لأقدامها. وهو ما ترفضه يقينا. وهو ما لا تريده مصر أيضا بسبب موقفها التقليدي من حماس والإخوان المسلمين.

لحسن الحظ فان تركيا مضطرة لأن تتشدد في موقفها. لأن الغرور الإسرائيلي الذي استهدف الباخرة مرمرة وأدى الى قتل تسعة من الناشطين الأتراك واصابة عشرات آخرين، استثار الكبرياء التركي وشحن الرأي العام بدرجة عالية من الغضب، الأمر الذي جعل من الحزم إزاء التصرف الإسرائيلي خيارا وحيدا أمام الحكومة. صحيح ان ذلك الحزم عبر عن نفسه بعدة إجراءات مثل وقف بعض الانشطة المشتركة العسكرية والمدنية، والحديث عن تقليص العلاقات الى الحد الأدنى.

كما عبر عن ذلك أيضا كل من رئيس الوزراء التركي ووزير الخارجية، بانتقادهما الشديد للسياسة الصهيونية، واعتبار ما جرى للسفينة مرمرة من قبيل إرهاب الدولة. ولاشك ان تمسك أنقرة برفع الحصار عن غزة كأحد شروط المصالحة مع الصهاينة، خصوصا في ظل الاجواء الدولية المستعدة للتجاوب مع هذه الدعوة، يشكل نقلة مهمة في نهج التعامل مع ملف القطاع، إلا أن نقطة الضعف الوحيدة التي يمكن ان تعطل التقدم على هذا المسار هي الموقف العربي الذي سبقت الإشارة إليه.

واذا كانت تركيا تحتاج الى جهد آخرين لكي ترفع الحصار عن غزة فان دعوتها الى محاسبة ومحاكمة المسؤولين عن الجريمة التي ارتكبت بحق السفينة مرمرة، لا تحتاج بالضرورة الى ذلك الجهد، ومن ثم فبوسع حكومة أنقرة ان تقوم بها، بما قد يشكل فضيحة أخرى لإسرائيل وتهديدا لقادتها لا يمكن تجاهله، ذلك ان قتل المدنيين الأتراك في المياه الدولية وهم على سفينة تعد أرضا تركية. يمكن القضاء التركي من محاكمة المسؤولين عن تلك الجريمة ومعاقبتهم. لذلك فان عملية جمع الأدلة التي يقوم بها الادعاء التركي الآن تعد خطوة مهمة باتجاه إجراء تلك المحاكمة، التي فشل العرب في اجرائها بعد حرب غزة، على الرغم من الأدلة والقرائن التي سجلها تقرير القاضي جولدستون.

في هذا السياق فانني استحي ان أقول ان المركز العربي لتوثيق جرائم الحرب والملاحقة القانونية التابع لاتحاد المحامين العرب، الذي يديره الأستاذ عبدالعظيم المغربي، قام بتوثيق كل الجرائم التي ارتكبتها الصهاينة في عدوانها على لبنان عام 2006 وعدوانها على غزة عام 2008، لكنه لم يجد حتى الآن تمويلا يغطي متطلبات رفع تلك القضايا في الساحة الدولية، خصوصا ان تكلفة القضية الواحدة تصل في المتوسط الى 40ألف دولار.

إن دم الشهداء الأتراك لم يجف بعد، والمشاعر الغاضبة لاتزال تعبر عن نفسها كل يوم في الشارع التركى. من ثم فالفرصة مواتية لدفع عملية محاكمة مجرمي الحرب الصهاينة على ما فعلوه سواء ازاء قافلة الحرية أو في العدوان على غزة. وليتنا نضم جهود مركز توثيق جرائم الحرب مع الجهود التركية التي تحظى بتأييد شعبي ورسمي كبير لتحقيق الهدف المنشود، واقناع القادة الصهاينة بأنهم لن يظلوا فوق القانون دائما، ولكنهم سوف يحاسبون يوما ما.

الحديد ساخن الآن، والفرصة مواتية للطرق، قبل ان ينشغل العالم الخارجي سواء بمعاقبة ايران وحصارها أو بمباريات كأس العالم بكرة القدم، قلت العالم الخارجي لأن العالم العربي مشغول ب«اعتداله» الذي أخرج نظمه من معادلة القوة ومن التاريخ!


ملاحظة

إذا كانت تركيا تحتاج الى جهد آخرين لكي ترفع الحصار عن غزة فإن دعوتها الى محاسبة ومحاكمة المسؤولين عن الجريمة التي ارتكبت بحق السفينة مرمرة، لا تحتاج بالضرورة الى ذلك الجهد. عنوان وصلة