فلسفة الطاعة في جماعة الإخوان المسلمين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
فلسفة الطاعة في جماعة الإخوان المسلمين
"رسالة للشباب"

بقلم:محمد الصياد

معيد بجامعة الأزهر الشريف

موقع ويكيبيديا الإخوان المسلمين (إخوان ويكي)

مقدمة

مع حالة الانفتاح القصوي التي شهدتها الساحة المصرية في الآونة الأخيرة ، وجدنا هجوما شرسا علي جماعة الإخوان المسلمين ورأينا الشبهات تُكال للجماعة ووصل الأمر بالبعض بتعمد تزييف وتحريف الحقائق التاريخية للجماعة ومواقفها .

ومن هذه الانتقادات التي توجه صوب الجماعة أنها تربي أتباعها علي فقه السمع والطاعة وأنها لا تقبل النقاش في الأوامر الصادرة من قادة الجماعة .

ووجدنا هجوما حادا من بعض القوي العلمانية ، سيما في بعض المواقف التي اتخذتها جماعة الإخوان المسلمين مؤخرا ، كعدم المشاركة في أحداث محمد محمود ومجلس الوزراء، واستعملوا لغة العواطف ودغدغة المشاعر وتهييج حماسة الشباب . ونحن هنا نتكلم عن مقدمات أولية ، وقواعد حاكمة ، ومسلمات عقلية تؤدي إلي النتيجة المرجوة .

أود القول بأن أي عمل جماعي تنظيمي-مؤسسي ، تتباين فيه الآراء، وتختلف فيه وجهات النظر وعندما يحدث ذلك ، فإن النظرية الديمقراطية الغربية تعلمنا الأخذ برأي الأغلبية، ويجب آنذاك أن تنصاع الأقلية لرأي الأغلبية .

ويعلمنا النظام الشوري الإسلامي أنه يجب الرجوع إلي آراء أهل الحل والعقد أهل الاختصاص ، والأخذ برأي الأكثرية كذلك .

فنبينا صلي الله عليه وسلم في غزوة أحد كان مع الفريق القائل بالمكث في المدينة ، لكن الأكثرية من الشباب قالت بالخروج لملاقاة العدو ، فاحترم النبي صلي الله عليه وسلم رأي الأكثرية .

وهنا يتجلي أمرٌ مهم:

أنه لا صراع في النظام الشوري الإسلامي بين الأجيال، حيث نجد كثيرا من الشباب اليوم لا يحترم أقوال الكبار حتى ولو كانوا الأكثرية . المفروض أن نتماشي مع رأي الأكثرية سواء أكانوا من الكهول أو الشباب.
وبعدما هُزم جيش المسلمين في أحد لم يعيرهم النبي صلي الله عليه وسلم، ولم يقل لهم رأيكم وحماستكم الزائدة كانت سببا في هزيمتنا، بل سكت ليوصل رسالة إلي الأمة من بعده أنه يجب احترام رأي الأغلبية حتى ولو كان مآله هزيمة المسلمين . وهنا قمة احترام القواعد الحاكمة .
ليس المهم أن أكون في البرلمان أهل الحل والعقد أهل الاختصاص ، المعنيين بتدبر شئون الأمة وتحديد المسار المنشود ، لكن المهم والذي ينبغي أن ينشغل المؤمن به أن يتم احترام الشوري والقواعد الحاكمة ، بغض النظر عن نتيجة ذلك علي الأمة بأكملها .
النبي صلي الله عليه وسلم كان يستشير أصحابه في كل شئون الأمة وذلك امتثالا لأمر ربه "وشاورهم في الأمر" ، وكذلك كان أبو بكر رضي الله عنه إذا اختلف في شيء لديه جمع أهل الحل والعقد البرلمان ، واستشارهم ، وأنفذ رأي الأكثرية ، وإن لم يتوفر انعقاد البرلمان ، اجتمع بمستشاريه وسبر آرائهم واختار أيسرهم رأيا وألينهم موقفا .

كذلك الأمر جماعة الإخوان المسلمين...

يجب علي شباب الجماعة أن يغضب ويثور في وقت واحد:

إذا كان القرار داخل الجماعة يتم بطريقة فردية، كأن يري المرشد شيئا فينفذه من غير اعتبار لمؤسسات الجماعة وهيئاتها .
لكن ما دام القرار يتخذ عبر الآليات المتفق عليها ، بعرضه علي مكتب الإرشاد، أو مجلس الشوري ونحو ذلك حسب نوع القرار من أمور تنظمها اللوائح الداخلية فما الضير في ذلك .
المشكلة أننا نجد البعض يهاجم الاستبداد وهو في نفسه مستبد معجب بذاته فما دام هو ليس من أهل المشورة يتهم القرار بالخطأ ، وبعضهم من أهل الشوري ويريد من الأغلبية الساحقة أن تهجر رأيها المدعوم بالبرهان وتنزل علي رأيه ، علي نحو ما فعل دكتور عبد المنعم أبو الفتوح في أمر انتخابات الرئاسة .
النبي الذي هو أشرف البشر نزل علي رأي غيره في غزوة أحد وبدر .

فلسفة النظام الإسلامي الشوري

يقول شيخنا الدكتور العلامة المفكر الكبير محمد عمارة:

الشوري مصطلح إسلامي خالص وأصيل ، وهو اسم من المشاورة التي تعني في اصطلاح العربية:استخراج الرأي ، فهي فعل إيجابي ، لا يقف عند حدود "التطوع" بالرأي .. بل يزيد علي التطوع إلي درجة العمل علي استخراج الرأي استخراجا ، واستدعائه قصدا ؟!
وإذا قلنا: أشار فلان علي فلان بالرأي .. فإن معناه في اصطلاح العربية أمره به! وليس مجرد إبراء الذمة بإلقاء الرأي فقط ؟!.
والشوري في الفكر السياسي الإسلامي هي فلسفة نظام الحكم، والاجتماع، والأسرة ؛ لأنها تعني إدارة أمر الاجتماع الإنساني الخاص والعام ، بواسطة الائتمار المشترك والجماعي ، الذي هو سبيل الإنسان للمشاركة في تدبير شئون هذا الاجتماع ..
فالشوري ؛ أي الائتمان المشترك ، هي السبيل إلي الإمارة . أي القيادة والنظام والسلطة والسلطان ، إمارة الإنسان في الأسرة وفي المجتمع وفي الدولة أي في تنظيم المجتمع وحكمه صغيرا كان المجتمع أو كبيرا ..
ولما كان التصور الفلسفي الإسلامي لوجود الإنسان في هذه الحياة ولوظيفته ومكانته فيها ولعلاقته بالآخرين قائما علي حقيقة أن هذا الإنسان مخلوق لله ومستخلف عنه في عمارة الكون .. كانت مكانة الإنسان في العمران هي مكانة الخليفة عن الله ..
فهو ليس سيد الكون حتى تكون حريته مطلقة دون حدود ، وشوراه وائتماره وإمارته وسلطته دون ضوابط وأُطر .. وفي ذات الوقت ؛ فإن خلافته عن الله تعالي تعني وتقتضي أن تكون له سلطة وإرادة وحرية وشورى وإمارة تمكنه من النهوض بتكاليف العمران لهذا الوجود ، فهو لهذا ليس الكائن المجبر المسير المهمش بإطلاق .
إنه في المكانة الوسط ، ليس سيد الكون ، وليس سيد العبد المجرد من الحرية والإرادة والاستقلال والمسئولية ، وإنما هو الخليفة عن سيد الكون ، وله في إطار عقد وعهد الاستخلاف السلطات التي تمكنه من النهوض بمهام هذا الاستخلاف .
وانطلاقا من هذه الفلسفة الإسلامية في مكانة الإنسان في هذا الوجود ، يتميز المذهب الإسلامي في إطار الشوري فبنود عقد وعهد الاستخلاف الإلهي التي هي قضاء الله الحتمي في كونه وكذلك أحكامه التي جعلها إطارا حاكما لحرية الإنسان وسلطاته هي الوضع الإلهي الذي تظهر فيه العبودية من المخلوق للخالق وقضاء الله الذي لا شورى فيه ولا خيار ولا اختيار "وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضي الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا" الأحزاب 36 .
هنا وفيما يتعلق بهذا الإطار الحاكم ، نحن أمام "سيادة الله وحاكميته" المتمثلة في قضائه الحتمي ، والشريعة الممثلة لبنود عقد وعهد الاستخلاف علي الخليفة الإنسان أن يجعلها الإطار الحاكم لحريته وشوراه ولسلطته وإمارته ، ولحركته أثناء قيامه بالوكالة والنيابة والاستخلاف .
وإذا كان الإنسان قد اختار دون سائر المخلوقات حمل أمانة الخلافة في عمران هذه الأرض "إنا عرضنا الأمانة علي السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا" .

فإن الله تعالي إعانة منه للإنسان علي أداء هذه الأمانة ، قد ميزه بالاختيار والحرية ، ودعاه إلي أن يمارس "حاكمية إنسانية" و"سلطة بشرية" ، هي مرادة لله ومفوضة منه للإنسان ، كجزء من استخلافه لهذا الإنسان ، وبعبارة الإمام ابن حزم الأندلسي : "فإن من حكم الله أن يجعل الحكم لغير الله" أي أن جعل للإنسان حاكمية السلطة التي ينفذ بها حاكمية شريعة الله ، لينهض بالأمانة التي فوضها إليه الله .

وإذا كان الانفراد بالرأي والسلطة ، في أي ميدان من ميادين الرأي والسلطة هو المقدمة للاستبداد والاستفراد والطغيان "كلا إن الإنسان ليطغي أن رآه استغني" وهي سنة قرآنية صدق عليها تاريخ الإنسان والنظم والحضارات..
فإن المنقذ للإنسان والعمران البشري من هذا الطغيان هو نظام الشوري الإسلامية الذي يكفل للإنسان مطلق الإنسان المشاركة في تدبير شؤون العمران صغيرها وكبيرها فتنجو دنياه من الطغيان وذلك دون أن يطغي هذا الإنسان علي التدبير الإلهي المتمثل في الشريعة الإلهية والتي هي الأخرى مقوم من مقومات العدل في هذا العمران .
ولهذه الحقيقة من حقائق مكانة الشوري جعلها الإسلام "فريضة إلهية" ، وليست مجرد "حق" من حقوق الإنسان ، أي أنه لا يجوز للإنسان أن يتنازل عنها حتى بالرضا والاختيار إن هو أراد !
كما عمم الإسلام ميادينها لتشمل سائر ميادين الحياة الإنسانية ، العام منها والخاص من الأسرة إلي المؤسسة إلي المجتمع إلي الدولة إلي الاجتماع الإنساني ونظامه الدولي وعلاقاته الدولية ! فهي ليست شأنا من شؤون النظام السياسي للدولة لا تتعداه .
ففي مجتمع الأسرة يعتمد الإسلام الشوري فلسفة للراضي والمشاركة في تدبير شؤون الأسرة ، لتتأسس عليها المودة والتراضي والانتظام .
وفي شؤون الدولة:يفرض الإسلام ويوجب أن تكون الشوري ، شورى الجماعة ، هي الفلسفة والآلية لتدبير الأمور سواء كان ذلك في داخل مؤسسات الدولة ، أو في العلاقة بين هذه المؤسسات وبين جمهور الأمة ..
ففي إدارة مؤسسات لشؤونها يلفت القرآن الكريم أنظارنا إلي معنى عظيم عندما لا يرد فيه القرآن مصطلح ولي الأمر بصيغة المفرد التي تدل علي "الانفراد والاستفراد" ، وإنما يرد فيه هذا المصطلح ، فقط بصيغة الجمع (أولي الأمر) إشارة إلي الجماعية ،وتزكية للمشاركة والشوري؛"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" .
كما يحرص القرآن علي التنبيه علي أن يكون أولو الأمر من الأمة حتى تكون السلطة نابعة من الأمة وليست مفروضة عليها من خارج .. حتى لكأنه يشير إلي مبدأ "السيادة القومية والوطنية والحضارية" . مبدأ السيادة الوطنية والحضارية للأمم والشعوب والمجتمعات !.
أما في العلاقة بين الدولة وبين جمهور الأمة ، فإن القرآن يجعل الشوري والمشاركة في صنع القرار "فريضة إلهية" ، حتى ولو كانت الدولة يقودها الرسول صلي الله عليه وسلم "فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل علي الله إن الله يحب المتوكلين" .
فالعزم الذي هو تنفيذ القرار ، هو ثمرة للشورى أي المرحلة التالية لاشتراك الناس في إنضاج الرأي وصناعة القرار هذا القرار الشوري الذي يضعه ولاة الأمر بالعزم في الممارسة والتنفيذ ، وهذا المعنى هو الذي جعل مفسري القرآن يقولون في تفسيرهم لهذه الآية نقلا عن ابن عطية: "إن الشوري من قواعد أهل الشريعة وعزائم الأحكام ، ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب ، وهذا مما لا خلاف عليه".
فالشوري من قواعد الشريعة ومن عزائم الأحكام أما أهلها فالأمة ؛ لأنها فريضة علي الأمة ، ينهض بها كفريضة كفائية أهل الكفاءة ، بحسب موضوعاتها وميادينها .. ولذلك ، جاء في عبارة المفسرين لآياتها الإشارة إلي أهل العلم وأهل الدين ، وليس فقط أهل الدين ، وأيضا ليس فقط أهل العلم دون أهل الدين !.
وكون النهوض بفريضة الشوري من الفرائض الكفائية التي إذا قام بها البعض سقطت عن الباقين ، يجعلها أهم وآكد من الفرائض الفردية ، لأن الإثم في التخلف عن آداء الفريضة الفردية يقف عند الفرد وحده ، بينما الإثم في التخلف عن إقامة الفريضة الكفائية يلحق الأسرة بنفسها !.
ويؤكد هذه الحقيقة حقيقة توجه التكليف الإسلامي بالشوري إلي الأمة جميعا أنها قد جاءت أي الشوري في القرآن "صفة" من صفات الأمة المؤمنة ، وليست وقفا علي فريق دون فريق "والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون" .
فهي ليست امتيازا للأحرار ، الأشراف ، الملاك ، الفرسان كما كان حال الديمقراطية ، عند الإغريق والرومان ، وهي ليست مجرد "حق" من حقوق الإنسان حتى يجوز له التنازل عنه بالرضا والاختيار وإنما هي فريضة إلهية ، وتكليف سماوي ، علي الكافة وضرورة من ضرورات الاجتماع الإنساني، صغيرة أو كبيرة دائرة هذا الاجتماع .
بل لقد بلغ الإسلام في تزكية الشوري إلي الحد الذي جعل "العصمة" للأمة ، ومن ثم للرأي والقرار المؤسس علي شوراها ، فقال رسول الله صلي الله عليه وسلم : "إن أمتي لا تجتمع علي ضلالة" .
وذلك لتطمئن القلوب إلي حكمة الرأي وصواب القرار إذا كانا مؤسسين علي شوري الأمة في أمورها بواسطة أهل العلم والدين من أبنائها ولقد جاءت السنة النبوية العملية والقولية البيان النبوي للبلاغ القرآني في الشوري ، وكانت السابقة الدستورية التي تمثل التموذج والأسوة للنظام الإسلامي في المشاركة بصنع القرار ..
فحتى المعصوم صلي الله عليه وسلم كان التزامه بالشوري علي النحو الذي يرويه أبو هريرة فيقول :"ما رأيت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله" ، وكان صحابته رضوان الله عليهم ، حريصين ، في زمن البعثة ، علي التمييز بين منطقة "السيادة الإلهية" وفيها السمع والطاعة وإسلام الوجه لله ، وبين منطقة السلطة البشرية ، ليمارسوا فيها الشوري ، المؤسسة والمثمرة لصنع القرار .
فكانوا يسألون رسول الله صلي الله عليه وسلم في المواطن التي لا تتمايز فيها هاتان المنطقتان بذاتهما فيقولون:يا رسول الله أهو الوحى؟ أم الرأى والمشورة؟
فإذا كان المقام من مقامات الرأي والمشورة السلطة البشرية شاركوا في إنضاج الرأي وصناعة القرار ، والتزموا به عند العزم علي وضعه في الممارسة والتطبيق ..حدث ذلك في مواطن عديدة ، من أشهرها تحديد المكان ، الذي ينزل به جيش المسلمين في موقعة "بدر" ، والموقف من مصالحة بعض المشركين في موقعة الخندق .
بل إن الالتزام بثمرات الشوري وقراراتها، لم يكن وقفا علي الأصحاب وحدهم ، وإنما شمل الرسول أيضا ، لأنه في غير التبليغ عن الله مجتهد، والاجتهاد إبداع بشري غير معصوم ، ومن ثم فهو من مواطن الشوري ، بل هو واحد من مستوياتها العليا .

انتقادات قرارات الجماعة

أود القول أن أي مجموعة من البشر تجتمع علي فكر معين فمن الطبيعي أن تجد لها معاضدا ونصيرا ، وعدوا وخصيما .

وليس من العيب أن يتم انتقاد آراء الجماعة من أي مؤسسة أو أناس خارج الجماعة ، فضلا عن داخلها ، فالجماعة صدرها رحب ، ومنهجها كبير ، وأمرها فيه متسع ، تستمع للجميع ، وتمد أواصر الصلة إلي الكل .

لا ضير أن نجد من ينقدنا بتؤدة وتمهل، وأدب ، فإن منهجنا "رحم الله امرؤ أهدي إليّ عيوبي" لكن العيب كل العيب،أن نجد هجوما يبتعد عن المهنية العلمية،والتأصيل المنهجي الرصين .

نجد من يُشخصن المسائل ويحول الخلاف العلمي الآرائي ، إلي خلاف شخصي محض .ومن البدهي كذلك أن تكون كل مجموعة أو كل حزب أو فصيل له رؤيته تجاه مسألة ما ، هذه الرؤية ربما ، تتوافق أو تختلف ، مع رؤية المجموعات الأخرى .

فليس من حق أي فصيل أن يلوم الآخر بسبب رؤيته ، طالما بقيت في المنطقة النظرية .عندما تنزل إلي ممارسات عملية ، إلي أرض الواقع ، نحكم علي النتائج التي أدت إليها هذه الممارسات ، أهي نتائج لصالح القضية ومثمرة أم لا . هذه كالمقدمات ، نقيس عليها قرارات جماعة الإخوان المسلمين .

يجب علي الجميع أن يحترم رؤية الجماعة تُجاه مسائل الوطن وغيره ، وليس من العقل أن نجد البعض يقول كان ينبغي أن يفعلوا كذا أو كذا ، إذن ما مهمة قادة العمل الدعوي والسياسي وخلايا التدبير ورجال المهمات الخاصة في الجماعة الذين يسهرون ليل نهار علي بلورة رؤى الجماعة

ثم إقرارها عبر مؤسسات جماعة الإخوان ، المؤسسات العريقة التي علمت الآخر كيفية الممارسة الشورية الديمقراطية عندما ترك فضيلة المرشد مهدي عاكف منصبه ، في الوقت الذي كانت فيه البيئة المحيطة من حزب حاكم وأحزاب معارضة لا تدري معني ترك الموقع ، لأن المسئولية تكليف عندنا وليست تشريف .

كذلك ينبغي علي رجال الجماعة أن يثق في أمر قادته، وأن يحترم الرأي ويطيعه ما دام الرأي قد أقر بوساطة المؤسسات الشورية للجماعة حتى ولو لم أكن من الذين استشيروا وسُبرت آراؤهم في القضية محل المناقشة والشوري .

لأن المهم أن يكون القرار اتخذ مقرونا بآليات اتخاذه ، وليس المهم أن أكون من المستشارين ، وإلا لاستحال الأمر إلي إيثار الذات علي المبادئ السامية في العمل .وأي حزب أو فصيل سياسي في الدول المتقدمة ، يقوم باتخاذ قراره عبر لجانه ومؤسساته المعنية ثم يلتزم الأعضاء بها حتى ولو لم يرق لبعضهم .

وقد عرف الجميع أن ترشح باراك أوباما لقي معارضة شديدة داخل الحزب، ثم نجح بعد معركة شرسة مع هيلاري كيلنتون ، ثم ولاها وزيرة خارجية وتعاونا معا من أجل مصلحة حزبهما ووطنهما .لم يستقل أحدهما من العمل الحزبي والمؤسسي ولم يقل أحدهما بأن العمل التنظيمي يكبت المواهب ويضبط المشاعر !!!

إن أي مجموعة من البشر لابد أن تعمل عملا جماعيا مؤسسيا ، بل إن الدولة بمفهوما ، لا تقوم إلا علي القانون والعمل الجماعي ...

ولو قال كل واحد بأنه يحق له أن يخرج عن آليات التنظيم ، لحُق كذلك للبلاطجة والمجرمين أن يخرجوا علي القانون العام لأنه لا يروق لهم ، ولأن الذي شرع القانون ليس هم إنما هم مجموعة من البرلمانيين أو القانونيين !!

إذن العمل الجماعي والتنظيمي هو الأصل ، والتحرر الانفلات البشري في التصرفات هو الشذوذ الفكري والخبل المعرفي .

هل الشوري ملزمة ؟

اتفق العقلاء من الفقهاء والمفكرين وأولي البصائر في الأمة الإسلامية أن الشوري نتيجتها ملزمة للحاكم والمحكوم علي السواء .

ومن الغريب أننا عايشنا عصور استبداد وظلامية شديدة في عصر حسني مبارك وكنا نتوق لهذه الفلسفة وكنا نعرف قيمتها في ظل فقدانها .

وبعدما أعزنا الله بالحرية وجدنا بعضا ممن كانوا ينادون باحترام المؤسسية يخرج عليها ويخرج علي إجماع المؤسسات الشورية في بعض القرارات ولا ندري من يخضع لمن ؟!تخضع المؤسسة الشورية ، ومجالس الشوري لرأي الفرد .؟ أم يخضع الفرد لرأي المؤسسة المكونة من مئات الأفراد المختصين ؟!

ففي إطار الدولة الأم ، تكون الشوري ملزمة لجميع الناس ، وفي إطار الحزب والفصيل تكون الشوري ملزمة لمن رضي الانتماء لهذا الحزب أو الفصيل ، حتى ولو خالف نتيجتها ، فليس معنى أن الشوري ملزمة أن تكون نتيجتها صوابا دائما ، بل ربما تكون خطأ ، كما هو الحال في مشورة غزوة أحد ، لكن يبقي السمو في تطبيق الشوري لاستئصال عوارض البشر من حب التحكم والطغيان .

إذن الطاعة في جماعة الإخوان المسلمين ليست بدعا وليست اختراعا إخوانيا بل هي معلم من معالم العمل المؤسسي والجماعي ، ما دام الأمر مقرون بالشوري وآليات اتخاذ القرار ، فلا غضض ولا ضير في ذلك .

والطاعة إنما هي فرض من هذه الزاوية وبهذا المنظور ، بمعني أن النبي صلي الله عليه وسلم عندما يقول:"علي المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة"؛

فيجب أن نفهم ذلك النص وكل شبيه له من خلال أبعاده والمنظومة النصوصية الأخرى فالنبي صلي الله عليه وسلم يريد أن يقول ، بأن ولى الأمر إذا اتخذ قرارا بعد الرجوع إلي أهل الحل والعقد المختصين الاستشاريين فيجب علي الجميع أن يسمع ويطيع لأنهم الأدرى ببواطن الأمور ولأن نتيجة الشوري ملزمة كما سبق أن بينا .

والنبي صلي الله عليه وسلم يقول:"اسمعوا وأطيعوا ولو وُلي عليكم عبد حبشي" ، فكذلك مراد نبينا أنكم لو وليتم عبدا حبشيا عليكم لأنه بطبيعة الحال لن يولي نفسه ولن ينصب نفسه ولذلك جاء الفعل مبني للمجهول، فاسمعوا له وأطيعوا ، لأنكم أنتم من اخترتموه ، وما دام ملتزما ببنود التعاقد بينكما من احترام الشوري واحترام الرعية .

فينبغي أن نفهم فلسفة الطاعة في جماعة الإخوان المسلمين من تلك الزوايا التي سلطنا عليها القلم:

  1. أن القرار في الجماعة قرارٌ مؤسسي شورى .
  2. أن أي حزب أو فصيل أو تيار في العصر الحديث يحتكم للقواعد الحاكمة وآليات اتخاذ القرار عبر لجانه ومكاتبه وهيئاته ثم تري النور بعد موافقة المجالس الشورية العليا .
  3. ليس بالضرورة أن تكون نتيجة القرار علي صواب مائة في المائة بل ربما يكون القرار خطأ وأن العبرة ليست في الصحة أو الخطأ إنما في العمل بالشوري وهذا في ذاته التزام بتعاليم السماء .
  4. ليس بالضرورة أن يكون الجميع مشاركين في إبداء الرأي في المسألة المطروح لكن المهم أن تكون المسألة قد أخذت نصيبها من الدراسة والتدقيق والنظر ، ومرورها علي الاختصاصيين من أهل الحل والعقد . فإذا حدث ذلك فلا وجه للمعارضة .
  5. الفرق بين الطاعة في الإسلام ومن ثم جماعة الإخوان والطاعة عند الفلسفات الوضعية الحديثة أن الطاعة في الإسلام أمر تعبدي في حين أن الطاعة هناك أمر دنيوي لتسيير الأمور فحسب.