كلمة المستشار الهضيبي في حفل إفطار جماعة الإخوان السنوي

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
كلمة المستشار الهضيبي في حفل إفطار جماعة الإخوان السنوي

بقلم:المستشار محمد المأمون الهضيبي

حفل إفطار الإخوان 1423هـ

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين إلى يوم الدين...

أيها السيدات والسادة:

أيها الإخوة والأخوات:

أيها الحضور الكريم:

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

نهنئكم ونهنئُ الأمةَ في مشارقِ الأرضِ ومغارِبها بشهرِ رمضان....

فكما أنه شهرُ الصومِ والبرِّ والتقوى، والتكاملِ والحبِّ والودِّ والتعاطفِ والتكاتُفِ... فهو الشهرُ الذي حققت فيه الأمةُ أعظمَ الانتصارات، ودحرت أعتى الهجمات؛ لتبقى (بدرٌ) و(فتحُ مكة) إلى (عين جالوت) و(العاشر من رمضان) علاماتٍ مضيئةً على الطريقِ الصحيحِ، تؤكدُ أن لدى الأمةِ من الإمكاناتِ والطاقاتِ ما يؤهِّلُها ويُمَكِّنُها من دفعِ الأخطارِ، ودحرِ العدوانِ المتربصِ والمُحْدِقِ بها اليومَ؛ كي تمارسَ دَوْرَها الرياديَّ... تَجَسَّد ذلك في (العاشرِ من رمضانَ)، الذي كانت ذكراه أمس الأول، وقد تَمَثَّلتْ مرحلتُه الأولى في العبورِ التاريخيِِّ للقنالِ، واجتياحِ خطوطِ وحصونِ العدوِّ الصّهْيَوْنيِّ، وإلحاقِ هزيمةٍ مُنْكَرةٍ بجيشِه الذي زعم أنه لا يُقْهَر.. إنه نصرٌ سبقه إعدادٌ عَقَدِىٌ وعلميٌّ وفَنِّيٌّ، نهض به قادةٌ وخبراءُ متخصصون مخلصون، تحركوا مع جُنُودِهِم الأبطالِ تحت رايةِ (اللهُ أكبر).. فكانوا النموذَجَ الذي يجب أن يُحْتَذَى به..

أيها الحضورُ الكريم:

يسعدنا أن نرحب بهذه الكوكبة من رجال مِصرَ وسيداِتها الفُضليات..

أَصحابِ العلمِ والفكرِ والرأيِ.. مع خالصِ الشكرِ إذْ لبَّيتُمُ الدعوةَ، وشرَّفتم الحفلَ بحضورِكم ومشاركَتِكُم، وهذه سنةٌ نحرصُ عليها كلَّ عام؛ من أجلِ التأكيدِ على اللقاءِ والحوارِ كأسلوبٍ حضارىٍّ يعتمده أبناءُ الوطنِ على اختلافِ معتقداتِهم واتجاهاتِهم الدينية والفكريةِ والسياسيةِ والاجتماعيةِ؛ لِتَبَادُلِ الرأيِ حول أحداثِ الوطن..

حاضِرِهِ ومستقبلِهِ، ودَوْرِهِ الحضاريِّ المطلوبِ والمأمولِ في الظروفِ العصيبةِ الراهنةِ التي تمرُّ بها مصرُ خاصَّةً، والوطنُ العربيُّ والإسلاميُّ عامَّة.

أيها الحفل الكريم:

خلال العامِ الماضي فَقَدَتِ الجماعةُ مرشدَها الأستاذَ "مصطفى مشهور"...

انتقل إلى جوارِ ربِّهِ بعد أن أدَّى الأمانةَ.. نسأل الله- تعالى- أن يتقبَّلَهُ في واسِعِ جناتهِ، ويُثيِبَهُ أحسنَ الجزاء، وقد تجاوزتِ الجماعةُ هذه المرحلةَ بسلامٍ ووحدةٍ في الصفِّ، وثباتٍ على المُعْتَقَدِ والفكر، فحمدًا لله وشكرًا على عظيمِ فضلِهِ.

أيها الحضور الكريم:

خلالَ العامِ المنصرِمِ كانت ثَمَّةَ علاماتٌ مضيئةٌ جديرةٌ بالتنويهِ والاهتمامِ، فقد أعلنتِ السلطةُ عن إفراجِها عن نحوِ ألفينِ من المعتقلين، فاستبشرنا خيرًا أن تُلْغَى جميعُ المعتقلاتِ، كما أنه تمَّت انتخاباتُ نقابةِ الصحفيين بالنسبةِ للنقيبِ وأعضاءِ النقابة، وشهد الجميعُ أنها جَرَتْ في جوٍّ حضاريٍّ طيِّبٍ، وأنها كانت مِثالاً للنزاهةِ والصحةِ، فأشرفتِ الآمالُ أن يكون ذلك بدايةَ نهجٍ جديدٍ، وطريقٍ طالما اشتاقت الأمةُ لتحقيقهِ..

ثم كان ما سمحت به السلطة من إعلان مظاهر السخط والرفض للعدوان الأمريكي الغادر الغاصب على ثاني أكبر وأهم دول الشرق الأوسط العربية والإسلامية وهي العراق.. فقد سمحت السلطة لأحزاب المعارضة بحشد كبير في (إستاد القاهرة)، وبمظاهرة حاشدة خرجت من الأزهرالشريف تجسَّدت فيها حيوية شعب مصر ووحدته بجميع طوائفه وكل أحزابه واتجاهاته، كما تجسَّد فيها إحساس شعب مصر أنه جزءٌ لا يتجزَّأ من الأمة العربية الواحدة، ومرةً أخرى تطلَّعت النفوس إلى مسيرة الحرية الشعبية.

نعم.. كنا نتمنَّى استمرارَ مسيرةِ الحرية، واحترامَ حقوقِ الإنسانِ المصريِّ وكرامتِه، وأن تتوالى الخطواتِ والتحوُّلاتِ، واستبشرْنا خيرًا حين أُعلن عن إجراءِ حوارٍ سياسيٍّ وطنيٍّ، ولكن- بكل أسف- سرعان ما خابت الآمالُ، وخمَدَت شعلةُ الرجاءِ، حينما عادت السلطة لسُنَّتِها في الاعتقالاتِ- وفي بعضِ الأحيانِ- مقارفةِ التعذيب، ثم كانت الغلَبةُ- على ما يبدو- لمن ينادِى بالجمودِ والقيودِ والسدودِ، وبالتالي أُعلن عن حوارٍ ممسوخٍ لا قيمةَ لهُ ولا نفعَ منهُ، يقتصِر على بعض الفئاتِ، ويستبعدُ فئاتٍ لا يماري أحدٌ في شعبيتها الجارفةِ، وتأثيرِها البالغِ على مستوى جميعِ طبقاتِ المجتمعِ..!! فهل يا تُرى تغلَّبت حقًّا فئةُ القهرِ والاستبدادِ؟ أم أنَّ ثمَّةَ أملاً أن تضيء شعلةُ الحريةِ ونور كرامة الإنسان؟!

أيها الحضور الكرام:

في العامِ المنصرمِ تضاعف شعورُ كلِّ المهتمِّين بأمورِ هذا الوطنِ الحبيبِ،

بالأسفِ لاستمرارِ العملِ بالنظامِ السياسيِّ الحاليِّ المتَّسِمِ بالجمودِ، والذي أدَّى إلى التخلُّفِ العلميِّ والثقافيِّ والتكنولوجيِّ، وغير ذلك كثير (الكيان الصهيوني باعَ للهند بمليارات الدولارات نظامَ صدٍّ للصواريخ، نظام محمول في الطائرات، فيما نحن لم نَزَل- حتى الآن- لم نستطِع تصنيعَ سيارةٍ عاديةٍ، ولا زِلنا نستوردُ السيارةَ، إما كاملةً أو أجزاءَ لتُضمَّ هنا).. وإلى شيوع الفسادِ الذي زكَمَ الأنفسَ، وتغلغلَ في جميع المؤسسات الحكومية والعامة، وهو ما أدَّى إلى أزمةٍ اقتصاديةٍ خانقةٍ، زاد خلالَها حجمُ الديونِ الخارجيةِ والداخليةِ زيادةً رهيبةً خطيرةً، وتحكَّمت فينا الدولُ المانحةُ للمساعداتِ، ومِن ثمَّ انخفضَت قيمةُ الجنيهِ المصريِّ بصورةٍ مزعجةٍ نحو (81%).. مع عدم تعويضِ الناسِ عن ذلك الانخفاضِ- خاصَّةً أصحابُ الدخولِ المحدودةِ والبسيطةِ- وهذا أساءَ إليهم إساءةً بالغةً، بل وأجْحفَ بهم إجحافًا كبيرًا، وأدَّى إلى ازديادِ الفقراءِ غير القادرين على الحصولِ على الضرورياتِ ازديادًا كبيرًا فاحشًا؛ مما اختلَّ معه توازنُ الطبقاتِ، وأدَّى إلى تلاشِى الطبقةِ المتوسطةِ، فلم يعُد هناك إلا سوادٌ أعظمُ- لا يكاد يجِدُ قوتَ يومِه- وقلةٌ مستأثرةٌ بالثروة والسلطة، وفي هذا ضياعٌ كبير لتماسك المجتمع يؤدي إلى نتائج غير محمودة.

الإخوة والأخوات الكرام:

حين نسرد هذه الوقائع والحقائق.. لا نبغي إلا الإصلاح.. وما فيه خيرُ بلدِنا وخيرُ شعبِنا، وحرصُنا أن يعيش الإنسان المصري يعتزُّ بكرامته، ويشعر بعزته، وعميق انتمائه، مع تمتعه بكافة حقوقِه في الحرية والأمنِ والأمانِ، وإبداءِ الرأيِ والمشاركةِ الفاعلةِ في أمورِ حاضرِه ومستقبلِه.

من أجل ذلك نادَينا وننادي مع جميع أبناء الأمة بالإصلاح السياسي، كمفتاحٍ وسبيلٍ يؤدي إلى الإصلاحِ على كافة الساحات، وفي كافة النواحي.. وطالبنا- ونطالب- بإلغاءِ قانونِ الطوارئِ وكافة القوانين الاستثنائيةِ.. وسيادةِ روحِ التعاونِ والتكاتفِ ونبذِ سياسةِ الإقصاءِ، فكلنا شريكٌ في هذا الوطنِ، ونحمل مسئولياتهِ، كما نواجه جميعًا هجمةً شرسةً عاتيةً لا تَستثني أحدًا، بل تستهدِفُ الحكامَ والشعوبَ والهويةَ والأصالةَ.. والأرضَ والديارَ.

إننا نعودُ ونكررُ ونؤكدُ على ضرورةِ إلغاءِ ما يعوقُ أو يعرقلُ حركةَ الشعبِ أو يصادرُ حقَّ الإنسانِ في حريتهِ وأمنهِ وإبداءِ رأيهِ وممارستهِ لحقِّهِ في الاختيارِ.. الأمرُ الذي يوجبُ إعادةَ النظرِ في قوانين النظام السياسي؛ لتعديلِها تعديلاً جذريًا يحقق الحريات المنشودة.

أيها الإخوة والأخوات الكرام:

إن الهجمةَ الأمريكيةَ الصهيونية الشرسةَ- التي يتعرَّضُ لها وطنُنا العربيّ والإسلاميّ عامةً- صارت تشكل أخطارًا جسيمةً على حاضِرنا ووجودِنا ومستقبلِنا.. خاصةً بالنسبةِ لمصر ذاتِ الدور التاريخيّ والإمكاناتِ والطاقاتِ والمكانةِ والموقعِ..

ما يجري الآن في فلسطين هو حربٌ صهيونية وحشيةٌ، وإبادةٌ شاملةٌ بشعةٌ ضد الشعبِ الفلسطينيِ صاحبِ الأرضِ والديارِ؛ بهدف تصفيتِه ودفعِه لهجرةِ أرضهِ، وابتلاعِ الصهاينة لكلِ فلسطين، ثم السعي لإعلان الوطن القوميِ المزعوم من النيل إلى الجزيرة العربية إلى الفرات على أطلال العرب والمسلمين.

إن هذه الممارسات الصهيونية تستوجب عملاً قويًا يوقف عدوانَها، ويحفظ للشعب الفلسطيني وجودَه واستمرارَه أرضًا وشعبًا وحياةً وحريةً، أما بناءُ الصهاينة لسورِ الفصلِ العنصريِ الذي يصادِر ويحاصِر، ويُجزِّئ الأراضي والمدنَ والقرى في الضفة وغزة، وكذا بناءُ المستعمرات وتوسيعُها في الأراضي المحتلة، وإعلانُ "شارون" أن يدَ الكيانِ الصهيونيِ ممتدةٌ لتصلَ إلى أي مكان خارجَ فلسطين...

فذلك يستدعي من الأمة جميعًا أن تتهيَّأَ بما يناسبُ الموقفَ من استعدادٍ ماديٍ ومعنويٍ يكافِئ هذه التصرُّفاتِ الحمقاءَ، وهذا مما يوجِب على كلِّ الحكوماتِ والشعوبِ العربيةِ والإسلاميةِ أن تكون لها وقفةٌ شجاعةٌ شاملةٌ مع الانتفاضة الفلسطينية، التي تؤدي دورًا تاريخيًا لا يقتصر على الدفاع عن فلسطين فقط، ولكنه يضحِّي بالروحِ والدمِ وبكلِّ غالٍ ورخيصٍ؛ للدفاع عن المسجد الأقصى المبارك، وعن جميع العرب والمسلمين، الأمر الذي يقتضي إحكامَ الحصارِ حول الكيان الصهيونيِ، وإحكامَ مقاطعتِه، وضرورةَ المسارعةِ إلى مدِّ الشعب الفلسطينيِّ البطلِ بكافَّةِ أشكال الدعم والمساعدة.

كما يفرضُ على مصر دورًا متميزًا فاعلاً لا يقتصرُ على مجردِ الوساطةِ، كطرفٍ محايدٍ، بل يجبُ أن يكون انحيازًا كاملاً وقويًا وشاملاً مع أرضِ البطولاتِ وأرضِ المقدسات، وشعبِ فلسطين الباسلِ.. صاحبِ الحقِ والصامدِ ضدَّ العدوانِ.

الإخوة والأخوات الكرام:

الهجمةُ الأمريكيةُ طالت أفغانستان، فاجتاحت الجيوش قُراها ومُدنَها، وأحرقت الزرعَ والضرعَ؛ ليواجه الشعبُ الأفغانيُّ احتلالاً أمريكيًا لأرضِه وديارِه أقسى من الاحتلالِ السوفيتيِّ.

الاجتياح الأمريكيُّ للعراق استَخدمت فيه أمريكا كافةَ أسلحةِ الدمارِ الشاملِ..

فخرَّبت ودمَّرت المدنَ والقرى.. وسفكت دماءَ الأبرياءِ، وأرجَعت العراق قرونًا إلى الوراء وأعلنت في غطرسةٍ أن ما يجري في العراقِ إنما هو نموذجٌ لما سيجري في غير العراق، فلْيَعِ ذلك أولو الألبابِ.

إن تهديدَ أمريكا لسورية ولإيران وضغوطَها على كلٍّ من الدولتين هي محاولةٌ واضحةٌ لإخضاعهما للنفوذ الأمريكي ولصالح العدو الصهيوني... وفي هذا إخلالٌ واضحٌ بأمن مصر وبمصالِحِها الحيويةِ وأمنِ ومصالحِ العربِ جميعًا.

إن ما يجرى في السودان له صلةٌ وثيقةٌ بمصر، فشُريانُ حياةِ مصر ينبُع من جنوب السودان، ومن ثمَّ كان- وسيظل- أمنُ السودان وأمنُ المياهِ التي تمرُّ منه هو أمن مصر بل هو حياة مصر؛ ولذا.. فإن غياب وجود قوى لمصر فيما يجري من مفاوضات بشأن جنوب السودان- خاصَّةً مع ثقل التدخل الأمريكي وتغلغله- إن هذا الغياب يدعو للقلقِ البالغِ، ويعرض مصالحَنا الحيويةَ لخطرٍ جسيمٍ.

أيها الحفل الكريم:

إن الأمةَ العربيةَ تواجِهُ اليومَ هجمةً عاتيةً غاشمةً تسعى لإخضاعِها واستسلامِها.. وتجزئةِ أرضِها وديارِها.. هجمةً لا تُخفي انحيازَها للصهاينةِ ودعمهم لإقامةِ مشروعِهم الصهيوني.. الأمرُ الذي يحتِّم إعادة ترتيبِ البيتِ العربيِّ والإسلاميِّ.. وأول الخطوات الفاعلة والصادقة تتمثَّل في إزالة ما بين الحكام من خلافاتٍ وتغليبِ مصالحِ الأمةِ والوطنِ الكبيرِ.. وإزالة ما بين الحكام والشعوب من فجوات، وذلك لن يتأتَّى إلا بإطلاقِ الحرياتِ وممارسةِ الشعوبِ لحقوقِها في الأمنِ والحريةِ وإبداءِ الرأيِ والمشاركةِ الفعَّالةِ في أمور الوطن؛ سعيًا لتوحيدِ الصفوفِ وحشدِ كافةِ إمكاناتِ وطاقاتِ الأمةِ الإيمانيةِ والماديةِ..

حضرات الإخوة والأخوات:

إن الإخوان المسلمين... الذين يمثِّلون تيارَ الفكرِ الإسلاميِّ المعتدل والوسيط، ويلتزمونَ السلوك الإسلاميِّ الذي تحكمهُ عقيدةُ وضوابطُ الإسلام وقيمُه ومُثلُه... يمدون أيديَهم طاهرةً- وبصدقٍ وأمانةٍ- للقائمين على الأمرِ ولكل الأحزاب والقوى الموجودة على الساحة المصرية- حتى من أساءَ إلينا وعادَانا- سعيًا لتوحيد كل الجهود والطاقات والإمكانات؛ دفاعًا عن الأمةِ ومقدساتِها وحريتِها وكرامتِها، وهم على طريقِهم، الذي التزموا به ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ (النحل: من الآية125)..

إنها لحظةٌ تاريخيةٌ.. تحتِّم التجردَ لصالحِ الأوطانِ والشعوبِ، والمصداقيةَ في مواجهةِ الخطرِ، والأمانةَ في حملِ المسئوليةِ وأداءِ الرسالةِ، لقد كنَّا حريصين على الالتقاء في هذا الحفل؛ لطرحِ الأفكارِ والآراءِ والرُّؤى، وتدارُسِ الحلولِ؛ نهوضًا بواجبنا جميعًا، مواطنين مخلصين، يرَون الخطر داهمًا على وشك أن يلحقَ بالجميعِ إنْ لمْ يشحذوا الفكرَ والذهنَ والعزمَ وينكروا ذواتهم.. ويتعالَوا على خلافاتهم.. مغلِّبين سياسةَ الوحدةِ والاتحادِ، والتجردِ والنزاهةِ، والبذلِ والتضحيةِ والعطاءِ.. ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (التوبة:105)

أيها الحفل الكريم:

يبدو أنهُ أصبحَ من التقاليدِ الراسخةِ والعرفِ المستقرِ أنْ يكونَ فريقٌ كريمٌ من إخوانِنا ومن أعزِّ أبناءِ الوطنِ وأشدِّهم حرصًا على صالحِهِ، خلفَ الأسوارِ، فاسمحوا لي أنْ أوجِّهَ إليهِم نداءً أخويًا حارًا صادقًا، من المؤكَّد أنه- بإذن الله- سيصلُهم في محبَسِهم.

فأقول: إنهم دائمًا معنا بروحِهم الصامدةِ المؤمنةِ، ونحن نذكرُهم في كل صلاةٍ بدعاءٍ إلى من يُرجَى عنده الفرَجُ أن يُعجِّل بإزالةِ الغمةِ، وأن يُخرجَهم من مَحبسِهم سالمين غانمين، كما أتوجَّهُ إلى عائلاتهم الذين أسعَدونا بالحضورِ في هذا الحفل فأقولُ: إنَّ النَّصر مع الصَّبر، وإنَّ المِحنَةَ تتحوَّل إلى منحةٍ مع الصبر والإيمان ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ﴾ (النحل: من الآية127).

أيتها الزوجاتُ المغيَّبُ أزواجُهنَّ في السجونِ.. أيها الأولادُ- ذكورًا وإناثًا- المحرومون بغير حقٍّ من آبائهم.. ثِقوا أنَّ الفرَج قريبٌ، وأن النصرَ لا شكَّ آتٍ بإذنِ الله، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: من الآية21).

أُكررُ شكرَنا لجميع الحضور، وأكررُ تحياتي لهم فردًا فردًا

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته