الطريق الى جماعة المسلمين

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الطريق إلى جماعة المسلمين

المؤلف : حسين بن محمد بن علي جابر

الطبعة الثانية 1408 هـ - 1987 م

دار الوفاء للطباعة والنشر والتوزيع ش م م المنصورة

محتويات

الإهداء

إلى كل إنسان يجب أن تستعد البشرية بنظام ربها .

إلى كل مسلم يجب أن يعود للإسلام عزه للأمة الإسلامية سيادتها .

إلى كل داعية إسلامى يطلب النصر لدعوتة أهدى هذه الحقيقية :

إنه لا إسلام إلا بجماعة ،

و لا جماعة إلا بإمارة ،

ولا إمارة إلا بطاعة "1"

عمر بن الخطاب

بسم الله الرحمن الرحيم  

المقدمة

إن الحمد لله ، نحمده و نستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادى له ، و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، و أشهد أن محمدا عبده ورسوله .

﴿ يا آيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذى خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها ، وبث فيها رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذى تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما ﴾ .

هدف البحث

هدف البحث أن أبين للأمة الإسلامية أن جماعة المسلمين غير موجودة .

و أنه واجب على المسلمين كافة إقامتها ، و أن هذا الواجب هو فرض العصر على كل الأمة حتى تقوم دولة الإسلام وتترعرع . قوية عزيزة منيعة يقذف الله بها ومنها الرعب فى قلوب أعداء الإسلام وكتابة العزيز .

الحاكمية لله

لقد جعل الله تعالى الحاكمية من خصوصياته :

قال تعالى : ﴿ إن الحكم إلا لله ، أمر ألا تعبدوا إلا إياه ، ذلك الدين القيم ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون ﴾

وقال تعالى : ﴿ إن الحكم إلا لله عليه توكلت وعليه فليتوكل المتوكلون ﴾ .

و قال تعالى :﴿ ألا له الحكم وهو أسرع الحاسبين ﴾ .

وقال تعالى : :﴿ إن الحكم إلا لله ، يقص الحق وهو خير الفاصلين ﴾ .

و قال تعالى : ﴿ أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ و الله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ ذلكم بأنه إذا دعى الله وحده كفرتم ، وإن يشرك به تؤمنوا ، فالحكم لله العلى الكبير ﴾ .

ثم جعل الإنسان خليفة فى هذه الأرض :

قال تعالى : ﴿ و إذا قال ربك للملائكة إنى جاعل فى الأرض خليفة ﴾ .

وقال تعالى ﴿ وهو الذى جعلكم خلائف الأرض ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فى ما آتاكم ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ و اذكروا إذ جعلكم من بعد نوح ، وزادكم فى الخلق بسطة ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم فى الأرض .... ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ هو الذى جعلكم خلائف فى الأرض ، فمن كفر فعليه كفره ﴾ .

ج) ثم أنزل الله تعالى على هذا الإنسان أحكامه : وتوجيهاته لتكون مرجع ذلك الإنسان فى كل صغيرة وكبيرة من أمره ولتكون نبراس خط سيره على هذه الأرض ،

قال تعالى : ﴿ قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم منى هدى ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ كان الناس أمو واحة فبعث الله النبين مبشرين ومنذرين ، و أنزل معهم الكتاب بالحق ، ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه ﴾ .

قال تعالى : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ، والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ...... الآية﴾ .

وقال تعالى :﴿ ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت ، وقد أمروا أن يكفروا به ﴾ .

ه) واعتبروا جل شأنه كل خروج عليها ، أو انحراف عنها ، طريقا إلى الكفر و الظلم والفسوق :

قال تعالى : ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾

وقال تعالى : ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون ﴾

وقال تعالى : ﴿ ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون ﴾ .

و) ثم جعل سبحانه وتعالى طاعة الحاكم بهديه ووحيه من طاعته تعالى ، وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم :

قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ من يطع الرسول فقد أطاع الله ...﴾ .

وقال صلى الله عليه وسلم : "من أطاعنى فقد أطاع الله ، ومن عصانى فقد عصى الله ، ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى ، ومن عصى أميرى فقد عصانى ".

ز) وكل طاعة لحاكم بغير ما أنزل الله فهى جاهليه ، وشرك ، وردة ، وضلال :

قال تعالى : ﴿ أفحكم الجالهية يبغون ، و من أحسن من الله حكما لقوم يوقنون ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ و أن احكم بينهم بما أنزل الله ، ولا تتبع أهوائهم ، واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ...... ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله ..... ﴾ .

و قال تعالى : ﴿ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله ، والمسيح بن مريم ، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا ....﴾ .

وقال تعالى : ﴿ و إن أطعتموهم ، إنكم لمشركون ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة فى الأرض ، فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ، فيضلك عن سبيل الله ....﴾ .

وقال تعالى : ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ، الشيطان سول لهم و أملى لهم ، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم فى بعض الأمر ، و الله يعلم إسرارهم ﴾ .

حوافز البحث

من الحوافز التي دفعتني لاختيار هذا الموضوع ما يلى :

"أ" غياب جماعة المسلمين عن حياة الأمة الإسلامية ، ووجوب إقامتها .

قال تعالى : " يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله ، وأطيعوا الرسول ، وأولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ، والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر .... " .

وقال صلى اله عليه وسلم : " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله ، ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصى أميري فقد عصاني " .

وقال عمر بن الخطاب : " لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة " .

وقال ابن حزم : " أجمع أهل السنة والمرجئة والشيعة والخوارج على وجوب نصب الإمارة " .

والكتابة في هذا الموضوع من باب مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

"ب" الفرقة ، والضياع ، والذلة ، والتي تعيشها الأمة الإسلامية ، من جراء ضياع خلافتها ، وقيادتها ، التي توحد رأيها ، وتجمع شملها ، وتدفع عنها ، وترفع رايتها . "ج" إقصاء الإسلام وأحكامه عن حياة البشرية ، بل حياة الأمة الإسلامية وهو النظام الوحيد الذي يمكن أن تسعد به البشرية ، والذي لا يمكن أن يحكم هذا الإسلام إلا بعد إقامة جماعة المسلمين .

"د" ومن الدوافع أني رأيت الكثير من الآيات والأحاديث التي تحث على إقامة جماعة المسلمين في حياة الأمة الإسلامية ، ووجوب طاعة قيادتها والمحافطة على أمتها ووحدتها واستمراريتها . "هـ" جهل عامة الأمة الإسلامية بوجوب إقامة جماعة المسلمين ، وتعشيش فكرة الفصل بين الدين والسياسة في أذهان المتعالمين من المسلمين ، وقعود علماء المسلمين عن القيام بهذه المهمة ، والانصراف عنها .

و) انتفاش الباطل ، وارتفاع رايته على الأرض ، لغياب راية الجهاد الإسلامي عن الساحة ولا جهاد في الإسلام – إلا بإمام – برفع رايته وينظم جنوده ، ويوجد طاقات الأمة الإسلامية ، ويتابع سيرها وحركتها .

"ز" الفتنة ، والشقاء ، والضياع ، التي تعيشها البشرية كافة لغياب الدولة الإسلامية ، التي تأخذ بيدها إلى نظام ربها وباريها .

"حـ" حالة التسيب التي يعيشها طلبة العلم ، والدعاة إلى الله تعالى بعدم الانضمام إلى العمل الجماعي في الأمة ، لعدم اقتناعهم بالجماعات الإسلامية العاملة في ميدان إقامة جماعة المسلمين.

"ط" اقتناعي أن عودة الإسلام إلى حياة الناس من جديد ، بعودة جماعة المسلمين إلى قيادة الأمة الإسلامية متوقفة على الجهد البشري ، وهذا الجهد البشري لا يمكن أن يعطي ثماره إلا بعد أن يجمع وينظم .

"ك" واقتناعي أيضا أنه لابد من موجه معصوم لهذا الجهد البشري حتى يعطي ثماره ، ولا معصوم إلا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، فهو الوحيد الذي يمكن أن يقتنع بتوجيهه الجميع ، وهو الوحيد الذي بدأ هذا الطريق من ألفها إلى يائها ، بدأ وحده وانتهى بدولة حكمت الجزيرة العربية كلها ثم امتد حكمها إلى ما شاء الله أن يمتد إليه .

لهذا كتبت معالم من حياته صلى الله عليه وسلم في دعوته .

" ل" واقتناعي أن تعدد الجماعات في الأمة الإسلامية باطل يجب أن يزول ، وأن الواجب في اعتقادي أن تصب جهود الأمة كلها في قالب واحد .

وفي اتجاه واحد ، فحاولت الإشارة إلى ذلك القالب الذي يجب أن ينطوي تحته كل فرد عامل لإعادة الخلافة إلى الأمة الإسلامية .

عملي في البحث :

الكتابة عن الطريق إلى جماعة المسلمين بحث واسع ، ويتطرق إلى جوانب عديدة ، فالخلافة ومتعلقاتها وهو بحث مستقل يأخذ أكثر من رسالة متخصصة ، وكذلك الشورى ، والأمة ، وعليه فقد كان عملي في هذا البحث كالآتي :

"أ" الاقتصار على الجوانب الرئيسية في الموضوع ، والإحالة إلى المراجع والمصادر الخاصة لمن أراد التوسع فيها .

"ب" الاقتصار في الشواهد من الآيات ، والأحاديث ، وأقوال العلماء على مكان الشاهد فقط ، تجنبا لتضخم الرسالة .

"جـ" عدم الاكثار من النقول ، واتباع طريقة الاقتصار فيها على المعنى الذي له أهمية خاصة ، ثم الإحالة على نفس المصادر لمن أراد مزيدا من الإيضاح .

"د" محاولة الاكتفاء بما هو في مرتبة الصحيح والحسن من الأحاديث في شواهد البحث والاكتفاء بحكم العلماء عليها ، وترك ما لم يتكلموا فيه على حاله اختصارا للوقت .

"هـ" تعمدت أن أسلك طريق الرسم لبعض المعالم من حياة الرسول ، لتكتمل عند القارئ الصورة المطلوبة .

"و" وقد قسمت الرسالة إلى الآتي :

مقدمة ، وتمهيد ، وثلاثة أبواب ، وخاتمة ، وفهارس للآيات والأحاديث المستشهد بها في البحث ، ثم الموضوعات التي دار حولها البحث .

المقدمة : بينت فيها : هدف البحث ، ثم أثبت أن الحكم لله في كل شيء والإنسان أداة تنفيذ ذلك الحكم ، وأن أي تطاول من الإنسان ، على هذه الصفة الإلهية ، هو تعد على الله تعالى ، ثم أفصحت عن حوافز اختياري هذا الموضوع ، وعملي فيه والصعاب التي واجهتني من خلال ذلك العمل ثم الاعتذار عن كل تقصير مني في جوانب الرسالة ، ثم شكري لكل من ساعد على إخراج هذه الرسالة .

التمهيد : عرفت فيه جماعة المسلمين ، وبينت أهميتها في الإسلام ، وأدلة عدم وجود تلك الجماعة اليوم في حياة الأمة الإسلامية .

الباب الأول : تحدثت فيه عن هيكل جماعة المسلمين في نظري ، وأنه مكون من قاعدة هي الأمة ، ومن ركنين هما : مجلس الشورى ، والخليفة الأعظم ، ثم أهم غايات ووسائل المسلمين المنتظرة .

الباب الثاني : بينت فيه الطريق إلى جماعة المسلمين بسرد معالم من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، عندما أسس دولته ثم طبيعة هذه الطريق .

الباب الثالث : خصصته لأهم الجماعات الإسلامية العاملة لإعادة جماعة المسلمين من جديد إلى حياة الأمة الإسلامية ، وقسمن تلك الجماعات باعتبار الغاية والوسيلة إلى قسمين :

"أ" قسم محدود الغاية والوسيلة ، أي أخذ بعض أحكام الإسلام وغاياته ، وترك الآخر .

"ب" قسم شامل ، الغاية والوسيلة فهو شامل لكل ما يطالب الإسلام به الأمة الإسلامية ، وبينت أن هذا القسم هو الجدير بإعطاء المسلم ولاءه ونصرته .

ثم ختمت الرسالة بملخص عام لأهم ما توصلت إليه في بحثي هذا .

ثم فهرست للآيات والأحاديث التي استشهدت بها في بحثي ، ببيان مكانها في البحث ، وأفردت الآيات بمكانها في القرآن الكريم .

ثم قمت بعمل فهرس دقيق للموضوعات التي بحثتها ، ومكانها في البحث .

الصعاب التي واجهتني :

واضح أن من سنن الله في الكون ، أن كل بداية في حياة الإنسان تكون صعبة المقدمات على ذلك الإنسان بارز في نتائجها الضعف والقصور ، وطالب الدراسات العليا واحد من أصحاب تلك البدايات ، تنطبق عليه سنن الله تعالى فيه .

ومن الصعاب التي واجهتني في بدايتي هو ما يلي :

"أ" غربتي في الشعبة "الحديث" التي أحلت إليها بموجب أمر إداري خارج عن رغبتي ، ومجال طموحي .

"ب" قلة الكتابة في الموضوع الذي اخترته ليكون مجال بحثي .

"جـ" طعن رجال الحديث ، في رواة السير والمغازي ، ومجال بحثي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم .

"د" الرعب المسلط على الدعاة الإسلاميين ، وعلى الأخص دعاة عودة الخلافة إلى الأمة الإسلامية.

"هـ" أكبر أبواب بحثي عن الجماعات الإسلامية ، العاملة في مجال عودة الخلافة إلى الأمة الإسلامية ، وهذه الجماعات محظورة في المملكة السعودية ، فلم أستطع الحصول على مصادر تتحدث عن هذه الجماعات ، فاضطررت إلى الرحيل إلى بعض البلاد الإسلامية لذلك الهدف .... .

إعتذار :

إن مثلي ومثل الكتابة في هذا الموضوع – الطريق إلى جماعة المسلمين – كمثل رجل كلف بالمرور سريعا على عدد من المدن والقرى يخبرهم أن وراءه حريقا سيلتهمهم ، فليس لديه من الوقت ما يسمح له بإعطاء التفصيلات الكاملة عن ذلك الحريق : ما سببه ، ما حجمه ، ما مقدار خطره .....

إذ في اعتقادي أن بقاء الأمة الإسلامية بدون خليفة يحكم فيها شريعة الله تعالى ، لهو أخطر من الحريق الذي يأتي على بعض مظاهر الحياة .

وعليه فأعتذر إلى كل من قرأ هذا البحث عن عدم استقصائي جزيئات كل نقطة منه ، مفصلا ، موضحا ، واكتفائي في ذلك البحث بالإشارة إلى المهم من الموضوع والتركيز على لبه .

شكر وتقدير

أتقدم بالشكر والتقدير إلى كل من شارك في إخراج هذا البحث ، وأحتفظ له بالجميل ، وأحيل بالدعاء أجره على كريم ، يعطي الكثير ، إنه تعالى سميع مجيب ...... . حسين بن محمد بن علي جابر  

التمهيد

جماعة المسلمين لغة ، وشرعا :

الجماعة لغة :قال صاحب مقاييس اللغة : عند مادة ( جمع ) : الجيم ، والميم ، والعين ، أصل واحد يدل على تضام الشئ ، عندما يقال : جمعت الشئ جمعا .

وفى المعجم الوسيط " الجماعة : العدد الكثير من الناس ، و الطائفة من الناس يجمعها غرض واحد " .

جماعة المسلمين شرعا :

ذكر الشاطبى بعد سرده أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم ، الدالة على الجماعة ، أن خلاصة القول فى هذه الأحاديث فيما يلى :

أن الجماعة : أهل الإسلام إذا إجمعوا على أمر ، فواجب على غيرهم من أهل الملل اتباعهم .

أنها السواد الأعظم من أهل الإسلام .

أنها جماعة العلماء المجتهدين .

أن الجماعة جماعة المسلمين ، إذا اجتمعوا على أمير .

أن الجماعة هى الصحابة رضى الله عنهم ، على وجه الخصوص

ثم رجح الشاطبى كون الجماعة جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير ، ثم أيده على ذلك الحافظ ابن حجر فى فتح البارى .

وقد جمعت الأقوال الأربعة الأولى فى قول واحد هو : أن جماعة المسلمين جماعة أهل العقد والحل إذا اجتمعوا على خلفية للأمة والأمة تبع لهم .

وبينت علية الهيكل الهرمى لجماعة المسلمين – الذى يساوى أمة انبثق عنها مجلس الشورى ، انبثق عن هذا المجلس خليفة المسلمين العام .حيث لا فرق بين كون الجماعة السواد الأعظم من أهل الإسلام ، أو كونها أهل إذا أجمعوا على أمر .

فيشمل هذين القولين أن نقول جماعة المسلمين هم : السواد الأعظم إذا اجتمعوا على أمر .

و كذلك لا فرق بين كونها جماعة العلماء ، أو جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير ، فهما قولان فى قول واحد – جماعة المسلمين ومنهم العلماء اجتمعوا على أمير ، بل إنك لا تجد فرقا بين السواد الأعظم اجتمعوا على أمر و بين جماعة المسلمين عامة إذا اجتمعوا على أمير ، فكلا القولين مرتبط بالآخر ، يمثل هذا الترابط أن يقال : هم السواد الأعظم على انتخاب أعضاء مجلس الشورى ، و أعضاء مجلس الشورى اجتمعوا على أمير لهم .

مخلاصة الجمع أن عندنا الأمة فى مكان السواد الأعظم ، هذه الأمة انتخبت ممثليها فى مجلس الشورى ، الذى هو فى مكان جماعة العلماء أو أهل الحل والعقد فى الأمة .

ومجلس الشورى اجتمع على أمير ليكون خليفة المسلمين العام .

فاجتمعت عندنا الأقوال الأربعة فى قول واحد ، هو أن جماعة العلماء اجتمعوا على أمير و الأمة تبع لهم .

واعتتمدت فى جمعى هذا على قصة استخلاف أبى بكر رضى الله عنه ،حيث بايعه كبار الصحابة فى السقفية ، ثم تبعهم السواد فى بيعة عامة مشهودة .

ولم أتعرض للقول الخامس الذى هو : أن جماعة المسلمين الصحابة رضى الله عنهم ، لأنهم يقصدون به أن الصحابة هى الجماعة الأولى التى يجب الاهتداء بها – ومن سار على هديها فى أى جيل من الأمة فهو جماعة المسلمين .

قال صاحب شرح الطحاوية : " جماعة المسلمين الصحابة و التابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين " .

مكان جماعة المسلمين من تعاليم الإسلام :

و الجماعة المسلمين فى الشريعة الإسلامية مكانة عظيمة وعالية فهى العروة الوثقى التى متى نقضت انفرطت باقى عرى الإسلام و تجمدت أحكامه وذهبت ريحه ، وتشتت أمته وصارت غثاء السيل .

قال عمر بن الخطاب رضى الله عنه : يا معشر العرب الأرض إنه لا إسلام إلا بجماعة ، ولا جماعة إلا بإمارة ، و لا إمارة إلا بطاعة .

و أخرج أحمد : عن أبى أمامة الباهلى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لينتقض عرى الإسلام عروة عروة ، فكلما انتقضت عروة تشبث الناس بالتى تليها و أوهن نقضا الحكم و أخرها الصلاة " و هى الجماعة التى حث القرآن الكريم والسنة المطهرة على المحافظة عليها ، و صون وحدتها ، و العمل على تماسكها وائتلافها ، و حرم كل عمل ينتج عنه المساس بوحدة هذه الجماعة ، أو شق عصاها ، أو خلخلة صفها .

قال تعالى : ﴿ و اعتصموا بحبل الله جميعا ، ولا تفرقوا و اذكروا نعمة الله عليكم ، إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمتة إخوانا ، وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها ....﴾ .

وقال تعالى : ﴿ و لا تكونوا كالذين تفرقوا ، واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات و أولئك لهم عذاب عظيم ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ و لا تكونوا من المشركين من الذين فرقوا دينهم و كانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ قال يا بن أم لا تأخذ بلحيتى ولا برأسى ، إنى خشيت أن تقول فرقت بين بنى إسرائيل ، و لم ترقب قولى ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ و الذين اتخذوا مسجدا ضررا ، و كفرا ، وتفريقا بين المؤمنين ، و إرصادا لمن حارب الله و رسوله من قبل و ليحلفن إن أردنا إلا الحسنى ، و الله يشهد إنهم لكاذبون ، لا تقم فيه أبدا ﴾ . وقال تعالى : ﴿ يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله و أطيعوا الرسول و أولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله و الرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، ذلك خير و أحسن تأويلا ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ و أطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول ، فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم ، و أطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين ﴾ .

أخرج البخارى ومسلم عن مسروق : " لا يحل دم امرئ مسلم .... إلا بثلاث ..... و المارق من الدين التارك للجماعة "

وأخرج البخارى فى صحيحه عن حذيفة بن اليمان رضى الله عنه قال : كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركنى .... قلت : فما تأمرنى إن أدركنى ذلك ؟ قال : " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ....

وأخرج البخارى عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ...... و رجل بايع إماما فإن أعطاه وفى له ، و إن لم يعطه لم يوف له "

و أخرج البخارى عن أنس رضى اله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "اسمعوا وأطيعوا ، و إن استعمل عليكم عبد حبشى ، كأن رأسه زبيبة "

واخرج البخارى عن على رضى الله عنه قال:" اقضوا كما كنتم تقضون ، فإنى أكره الاختلاف ،حتى يكون للناس جماعة ، أو أموت كما مات أصحابى "

و أخرج البخارى أيضا عن أبى هريرة رضى الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  : "..... و من يطع الأمير فقد أطاعنى ، و من يعصى الأمير فقد عصانى " .

و أخرج مسلم عن وائل بن حجر رضى الله عنه قال : سأل سلمة الجعفى رسول الله صلى الله عليه وسلم :

" ..... .. فقال : اسمعوا وأطيعوا ، فإنما عليه ما حمل ، وعليكم ما حملتم "

و أخرج أيضا عن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وأكره " .

و أخرج أيضا أبى هريرة رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" عليك السمع والطاعة ، فى عسرك ويسرك ، ومنشطك ومكرهك ، وأثرة عليك "

و أخرج أيضا عن عبد الله بن عمرو رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " من بايع إماما فأعطاه ثمرة قلبه ، وصفقة يده ، فليطعه ما استطاع " .

و أخرج مسلم أيضا عن ام سلمة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون ....... قالوا  : أفلا نقاتلهم ؟ قال : لا ، ما صلوا ....."

و أخرج الترمذى عن ابن عباس رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"يد الله مع الجماعة"

و أخرج أبو داود عن معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما أنه قام فينا فقال : " ألا إن من أهل الكتاب ..... وان هذه الملة ستفترق على ثلاث وسبعين ، ثنتان وسبعون فى النار ، وواحدة فى الجنة و هى الجماعة "

و أخرج أبو داود عن زيد بن ثابت رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " نضر الله امرئ ...... والنصح لأئمة المسلمين ، ولزوم جماعتهم " .

و اخرج احمد عن الحارث الشعرى رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "وأنا آمركم ......بخمس : الله امرنى بهن بالجماعة ، و السمع و الطاعة ، و الهجرة ، و الجهاد فى سبيل الله ، فإن من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع ......... قالوا : يا رسول الله : و إن صلى وصام ؟!! قال : و إن صام وصلى وزعم أنه مسلم " .

و أخرج أيضا عن معاذ بن جبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أن الشيطان ذئب الإنسان الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية ، و الناحية و إياكم و الشعاب ، وعليكم بالجماعة والعامة "

و أخرج أحمد عن جابر بن سمرة رضى الله عنه قال : خطب عمر الناس : ...... فمن أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة ، فليلزم الجماعة " .

هذه الوفرة من الأيات ، والأحاديث ، وغيرها تدل على فريضة إقامة الجماعة ، فى حياة الأمة ، وتبين أن غياب جماعة المسلمين عن قيادة الأمة ، يعنى الشتات والذلة والهوان ، فى الدنيا ، و العذاب فى الأخرة .

وتحمل هذه النصوص الأمة الإسلامية وزر التفريط والتهاون فى سرعة إقامتها ، والعمل على إيجادها .

هل فى الأرض جماعة المسلمين ؟؟ :

بعد تعريف جماعة المسلمين ، لغة وشرعا ، وبيان مكانة جماعة المسلمين بين الأحكام الإسلامية ، نجيب على الإستفهام التالى هل فى الأرض جماعة المسلمين ؟؟ ، و الجواب ليس فى الأرض جماعة المسلمين ، بمفهومها الشرعى .

و الذى يمكن أن نقول بوجوده بهذا المفهوم ، وعلى وجه الحقيقه ، و الواقع هى جماعة من المسلمين ، ودولة لبعض المسلمين وليس جماعة المسلمين و لا دولة المسلمين .

و من هذه الأدلة الصريحة على ذهاب جماعة المسلمين العامة كدولة تحكم كل الأمة ، قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان فى حديث طويل ..... فما تأمرنى إن أدركنى ذلك ؟ قال : " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم .

قلت : فإن لم يكن لهم جماعة و لا إمام ، قال : فاعتزل تلك الفرق كلها و لو أن تعض بأصل شجرة ......"

فالحديث واضح فى الإخبار بإتيان زمن على الأمة الإسلامية تغيب فيه جماعة المسلمين ، عن حياة الأمة الإسلامية .

فلو أن غيابها غير ممكن لبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك لحذيفة رضى الله عنه ، بل أقره على توقعه ذلك ، وصرفه إلى البعض على أصل شجرة ، فى حال عدم وجود جماعة المسلمين وإمامهم .

(ج) و من الأدلة أيضا على عدم وجود جماعة المسلمين تعدد الحكومات التى تحكى الأمة الإسلامية ، فالإسلام لا يعترف بغير حكومة واحدة ، على رأس الأمة الإسلامية ، بل يطالب الأمة الإسلامية بأن تقتل الحاكم الثانى مباشرةكما بينت ذلك النصوص الشرعية .

أخرج مسلم عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا بويع لخليفتين ، فاقتلوا الآخر منهما "

قال النووى عن هذا الحديث ( ومعنى هذا الحديث إذا بويع لخليفة بعد خليفة فبيعة الأول صحيحة يجب الوفاء بها ، و بيعة الثانى باطلة يحرم الوفاء بها ) .

وأخرج أيضا عن عبدالله بن عمرو رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " من بايع إماما فأعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه ، فليطعه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر " .

ولو كان التعدد فى الحكومات الإسلامية جائز لما قاتل على ، معاوية وهو القتال العادل ، و لما اهدر دم صفوة المة الإسلامية من الصحابة الكرام ، والتابعين الأبرار ، ولما سمى الرسول صلى الله عليه وسلم الجبهة المقابلة لعلى رضى الله عنه بالفئة الباغية ، أخرج المسلم : عن أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه قال : أخبرنى من هو خير منى ( يعنى أبا قتادة ) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لعمار حين جعل يحفر الخندق ، وجعل يمسح على رأسى و يقول بؤس ابن سميه تقتلك فئة باغية " .

(د) ومن الأدلة أيضا : أن عشرات الحاديث الصحيحة تختبر بفتن ستجتاح الأمة الإسلامية ، من ساعة وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة ، و من هذه الحاديث ما ينص على ذهاب الحكم فى الأمة الغسلامية .

أخرج احمد عن أبى أمامة الباهلى : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " لينقضن عرى الإسلام عروة عروة وكلما انتقضت عروة ، تشبث الناس بالتى تليها واولها نقضا الحكم ، و آخرها الصلاة " فالحديث الشريف صريح فى أنه سيأتى يوم على الأمة الإسلامية تغيب فى حكومتها وخلافتها .

(ه) ومن الأدلة أيضا أن عشرات الأيات ، و الأحاديث ، تحت الأمة الإسلامية بالتماسك والوحدة و تطلب بيد من حديد على عنق كل من حاول تشتيت أمرها ، أو الإساءة إلى وحدتها . وواقع الأمة الإسلامية شتات أمرها ، فى صور الأحزاب الوطنية ، و القومية ، و الاشتراكية ، وغيرها من النحل .... التى تنخر كيان الأمة الإسلامية بالخلافات والنزاعات ، فلو كانت لهذه الأمة دولة إسلامية لأخذت على يد هذه الأحزاب و أبادتها .

أخرج النسائى عن عرفجة الشجعى رضى الله عنه قال : رأيت النبى صلى الله عليه وسلم ، على المنبر يخطب الناس فقال : " إنه سيكون بعدى .... فمن رأيتموه فارق الجماعة أو يريد أن يفرق أمر أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، كائنا من كان فاقتلوه ، فإن يد الله مع الجماعة ....... الحديث " .

(و) ومن أدلة عدم وجود جماعة المسلمين فى حياة الأمة ، تعدد نظم الحكم فيها ، فواقع الأمة الإسلامية يحكى تعاستها ، وشقوتها فى هذا الجانب ، ففى الوقت الذى تحكم مجموعة من هذه الأمة بنظام اشتراكى تحكم مجموعة أخرى منها بنظام رأسمالى ، وكلا النظامين لا يعترف به الإسلام ، ووجود جماعة المسلمين فى حياة الأمة الإسلامية ، يعنى الحكم بالإسلام ، وتنفيذ شريعته ، فغياب جماعة المسلمين أدى إلى أن تحكم الأمة الإسلامية بنظم مستورده من الشرق أو الغرب .

(ز) هذه الأدلة كلها تدل على عدم وجود جماعة المسلمين فى حياة الأمة الإسلامية ، وعليه فواجب الأمة الإسلامية كافة أن تسعى لإيجاد هذه الجماعة – أهل الحل والعقيدة فى الأمة يتفقون على أمير لهم – فتكون الحكومة الإسلامية و الخلافة الإسلامية التى تدين لها الأمة من أدناها إلى أقصاها بالولاء والنصرة .لابد من هذه الحكومة الإسلامية لترعى شئون المسلمين ، وتحمى حماهم ، وتحفظ وحدتهم ، و تنشر عقيدتهم ، لابد من حكومة إسلامية ترد المارقين ، وتقهر المرتدين ،وتنبه الغافلين عن الحق ، لابد من حكومة إسلامية وخلافة إسلامية لتعلى كلمة الحق والدين ، وتخضع له الكفرة والمشركين ، وإلا فمن يعلن نفير الجهاد ؟؟

ويتابع جيوشه خاصة والفقهاء يشترطون فى إعلانه الخليفة ، ولا خليفة بدون جماعة ولا جماعة بدون حكومة .

وهى ضرورة لإنقاذ الحدود ، قال تعالى : ﴿ يا آيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص فى القتلى ....﴾ .

وهى ضرورة وفريضة لرفع مستوى ناشئة المسلمين ، ثقافيا ، وتربويا ، وهى ضرورة وفريضة لإقامة جوانب حياة الأمة الإسلامية : السياسة ، و العسكرية ، و الاقتصادية ، و الاجتماعية ، على المنهاج الإسلامى .و بالكيفية التى يريدها الله تعالى ، ورسوله صلى الله عليه وسلم .

ولقد أدرك أهميتها عثمان بن عفان رضى الله عنه حينما أعلن قولته المشهورة : " إن الله ليزع بالسلطان ملا يزع بالقرآن ".

إن توحيد شعوب الأمة الإسلامية فى شعب واحد ، وتجميع جهود الأمة الإسلامية ومواردها لتصب فى مصب واحد هو مصب الأمة الإسلامية ، و تقليص مصروفات الأمة فى حال عدم تعدد الدول والحكومات و تجنب البذخ و التبذير الماجن ، كل هذا يجعل من هذه الحكومة قوة ثالثة فى هذا العالم الذى لا يفهم غير لغة القوة .

إن وجود الحكومة الإسلامية بذده الصورة يعنى سير البشرية كافة فى طريقها الصحيح ، لأنها تحمل النظام الذى يريده الله تعالى لذده البشرية لأنه صانعها وبارئها وهو أعلم بما يصلحها ويضمن سعادتها .

(ج) الخلاصة :فالحكومة الإسلامية العامة فى صورة جماعة المسلمين غير موجودة .

و إيجادها فرض عين على الأمة الإسلامية كافة حتى توجد وهو فرض عصرها حتى تقوم تلك الدولة العامة التى يغطى سلطانها كافة الأقطار الإسلامية .

ومن العمل على إيجادها الكاتبة عن الطريق إليها . لقاعدة " مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب " .

و هو الواجب الذى سأحاول فى بحثى هذا الإشارة إلى بعض جوانبه .

أسأل الله تعالى الإعانة والتوفيق إنه سميع مجيب .

الباب الأول هيكل جماعة المسلمين

الفصل الأول الأمة الإسلامية

المبحث الأول الأمة في اللغة

قال تعالى : " ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون "

وقال تعالى " ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون "

وقال صاحب لسان العرب : " الأمة : الجماعة والقوم من الناس " .

وقال صاحب مختار الصحاح : " الأمة : الجماعة " .

الأمة في اللغة تطلق على معان كثيرة منها القوم والجماعة والحي من الناس .

وفي المعجم الوسيط أكثرهم من أصل واحد وتجمعهم صفات موروثة ومصالح وأمان واحدة .

وقال صاحب الأمة في دلالتها العربية : " فكون الأمة هنا بمعنى الجماعة أمر لا خلاف فيه وكونها من الناس أمر ثابت بالنص " .

وقد توسع صاحب المفردات في غريب القرآن عند لفظ الأمة فقال :

" هي كل جماعة يجمعهم أمر ، إما دين واحد ، أو زمان واحد ، أو مكان واحد ، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرا أو اختيارا وجمعها أمم "

قال تعالى : " وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم " .

الأمة الإسلامية جغرافيا :

"أ" ونقطة الانطلاق في تحرير وطن الأمة الإسلامية تبدأ من مساحة الأرض التي يغطيها سلطان دار العدل من دار السلام ، ، حيث أن دار الإسلام نفسه قد يكون فيها دار بغي وهي الأرض التي يسيطر عليها الخارجون على الإمام ، وقد يكون منها ردة وهي : التي يسيطر عليها أهل الردة ، وقد يكون منها دار البدعة ، وهي التي يسيطر عليها أهل البدعة ، وكل هذه الدور يطلق عليها دار الإسلام التي تقابل دار الحرب ، والأرض التي يمكن أن يطلق عليها أرض إسلامية بحق ، هي الأرض التي يغطيها سلطان دار العدل ، وهي الدار التي تقيم الإسلام وتحمي أحكامه ، وعلى رأسها الخليفة صاحب الإمامة العظمى .

ثم تتسع حدود الوطن الإسلامي بقدر اتساع سلطان دار العدل حتى تغطي بلاد الإسلام بمعناه العام . ثم دار الحرب كلها باستمرارية الجهاد والفتح التدريجي ، لأن الأرض في الأصل حق للمسلمين ، واحتلال أهل الباطل لبعض أجزائها هو استيلاء منهم على حق من حقوق الأمة الإسلامية ، لقوله تعالى: " لله ملك السموات والأرض " وصاحب هذا الملك كتب في الأزل أنه سيورث هذه الأرض لعباده الصالحين .

قال تعالى : " ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون" وقال تعالى : " وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض " .

هكذا كل الأرض هي أرض إسلامية في الأصل ، وتسلط الكفار على أجزاء منها اعتداء على حق من حقوق المسلمين ، وحكم أهل الكفر لبعضها حكم يجب أن يزول .

"ب" وعليه فكل أرض يقف عليها مسلم هي في الأصل أرضه ويتوجب عليه أن يقيم عليها حكم الله تعالى ، لتصبح دار عدل ، ثم ينطلق إلى من حوله من الأرض لتحريرها وإدخالها تحت سلطان دار العدل ، وإلا فهو مفرط في حقه مسؤول عن هذا التفريط ، وهذه نقطة البداية عند كل مسلم وهي فرض العصر والزمان على كل مكلف من الأمة الإسلامية ، حيث الأرض كلها محكومة بالكفر ، أو بالردة أو بالبدعة ، أو بالفسوق ولا توجد في الأمة خلافة ولا إمامة ، وهي الفريضة التي يتوجب على كل الأمة الإسلامية إقامتها وأن لا تبقى لحظة واحدة بدونها ، وهي الفريضة التي سأحاول في الأبحاث الآتية توضيح الطريق إليها إن شاء الله تعالى .

"ج" إن الحدود السياسية للأمة الإسلامية في عصرها الحاضر لا تعتبر دار عدل لها ، لأننا إذا نظرنا إلى حكم تلك الأرض سنجده موزعا بين حكم كافر وآخر مرتد أو مبتدع أو فاسق ، فبلاد بخارى وهي أرض إسلامية لكنها محكومة بالشيوعية ، وهو حكم كافر ، وأكثر بلاد إفريقيا بلاد إسلامية لكنها محكومة بحكومات كافرة ، وقل مثل ذلك في بلاد آسيا وغيرها .

هذه البلاد كلها من بخارى شرقا إلى فرنسا غربا قد نسميها دار إسلام ، تجاوزا ، ولكن لا يمكن بحال من الأحوال أن نسميها دار عدل ، حتى تقوم فيها حكومات إسلامية تحكم أهلها بالإسلام عبادة وشريعة ، ثم هذه الحكومات كلها تخضع لحكومة مركزية واحدة على رأسها إمام واحد ، عندئذ يمكن أن نسميها دار عدل إسلامية ، وبدون أن تحكم تلك البلاد بشرع الله تعالى من قبل حكام مسلمين وبدون أن تخضع كلها لسلطة مركزية واحدة لا يمكن أن تكون دار عدل ، ويتوجب على أهلها من المسلمين أن يقيموا فيها الحكومة الإسلامية التي تسعى لوحدة كل البلاد الإسلامية تحت راية إسلامية واحدة وخلافة إسلامية واحدة .

هذه هي حدود البلاد الإسلامية ، وذاك وطنها الذي يشمل كرة الأرض كلها ، وكل جزء منها لا يحكم بالإسلام فهو أرض مغتصبة من أهلها يجب أن تعود إليهم .

ونقطة الانطلاق الأولى هي أن كل شبر على هذه الأرض قامت عليه جماعة من الناس تحكم نفسها بشرع الله فهو دار عدل ثم نقطة الانطلاق الثانية هي أن يتحد أهل دار العدل هؤلاء مع غيرهم من دور العدل إن وجدت ليكونوا دولة واحدة ، ثم نقطة الإنطلاق الثالثة أن تنطلق جبهة دار العدل المتحدة أو دولة دار العدل المتحدة إلى من حولها من الناس تبلغهم الإسلام وتخضعهم لأحكامه انطلاقة مستمرة حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله والأرض كلها خاضعة لعباده الصالحين .

إن نقطة الانطلاقة الأولى هي واجب كل مسلم وهي فرض عصره الأول والأمة تسنده ونقطتا الانطلاقة الثانية والثالثة هما واجب الأمة كلها حتى تعود إلى المسلمين أرضهم وللدين عزته .  

المبحث الثاني الأمة التي ننتسب إليها

والأمة الإسلامية ذات نسب عريق وضارب في شعاب الزمن متأصل في أعماق هذه الأرض منذ لحظات البشرية الأولى على هذه الأرض .

نواتها الأولى سيدنا آدم ونوح مع الرهط من المرسلين والمؤمنين من بعدهم ، حتى جاء خاتم الأنبياء والمرسلين محمد بن علد الله عليهم الصلاة والسلام أجمعين .

متمما اللبنة الأخيرة في البناء الشامخ لهذه الأمة الإسلامية العظيمة .

وقد عبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك الصرح العظيم بقوله : " إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأجمله إلا موضع لبنة من زاوية فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون : هلاّ وضعت هذه اللبنة ؟

قال : فأنا اللبنة ، وأنا خاتم النبيين " .

وبهذا الاتصال الواحد نزل قول الرب تعالى شأنه :

" إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون " .

وقوله تعالى شأنه : " وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون " .

هذه هي الأمة التي ينتسب إليها المسلمون اليوم وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

مراحل الأمة الإسلامية :

وهذه الأمة مرت على مدار التاريخ بمرحلتين رئيسيتين :

"أ" المرحلة الأولى : ما قبل البعثة المحمدية وهي التي كانت تظهر الرسالة فيها لقوم مخصوصين ، بأن يرسل النبي أو الرسول عليه السلام إلى قومه خاصة أو إلى بلدة خاصة فكثيرا ما تسمع في قصص الأنبياء " يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره " وعلى الرغم من اختلاف المرحلة عما بعد بعثة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا أن الأمة تبقى متصلة ومتحدة في الصفة الرئيسية وهي الإسلامية قال تعالى : " هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا " والهدف الواحد وهو أن " اعبدوا الله ما لكم من إله غيره " .

"ب" والمرحلة الثانية : وهي التي تبدأ ببعثة سيدنا محمد صلى الله علية وسلم وهي التي انتقلت فيها الدعوة من الإطار القومي المحدود إلى الإطار الإنساني العام .

حيث أمر محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلن أنه رسول الله إلى الناس جميعا .

" قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا " وأنه لا نبي بعده عليه السلام " ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين " وأن الشرائع كافة قد نسخها الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم وأنه لا دين يحقق لأصحابه النجاة إلا هذا الدين الذي ختمت به الأديان جميعا .

قال تعالى : " إن الدين عند الله الإسلام " ، "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين " . وقال تعالى " وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه ، قال : أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا : أقررنا .

قال : فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين " .

وقال صلى الله عليه وسلم : " لو كان موسى حيا ما وسعه إلا أن يتبعني " .

أقسام المد :

والأمة المحمدية في ذلك الإطار الشامل لكل البشرية دينا ونبوة ورسالة تنقسم إلى قسمين :

منها من استجاب لدعوة رسول الهدى صلى الله عليه وسلم ، وقرر الدخول في السلم كافة ، وجعل رضوان الله تعالى غايته ، ومحمد صلى الله عليه وسلم قدوته ، والقرآن الكريم دستوره ، ومنهجه ، والجهاد لإحقاق الحق طريقه وديدنه ، والموت في سبيل الله طلبه وأمنيته ، هذا القسم هو ما يطلق عليه أمة محمد صلى الله عليه وسلم المستجيبة .

والثاني هو الذي لم يستجب لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يدخل في السلم كافة فهذا القسم هو الذي يمثل أمة الدعوة ، وكلا القسمين يمثل أمة محمد صلى الله عليه وسلم في إطارها العام الشامل للبشرية كلها ، وهذا القسم وإن لم يدخل في دين الله كافة فإنه يجب عليه أن يستجيب لدعوة الحق ، والأمة الإسلامية مطالبة بإدخاله في دين الله .  

المبحث الثالث خصائص الأمة الإسلامية ومقوماتها

إن من أهم الأمة الإسلامية ومقوماتها التي تمتاز بها عن غيرها من الأمم : صفاء عقيدتها من الشرك وشمول تلك العقيدة لكل مظاهر الحياة ثم ربانية منهجها وكماله وبراءته من النقص ثم كونها وسطا وشاهده على الناس .

الخاصية الأولى : صفاء عقيدتها من الشرك وإقرارها لله سبحانه وحده بالألوهية والربوبية وتفرده سبحانه في أسمائه وصفاته .

وهذا مما امتازت به الأمة الإسلامية عن غيرها ، فما من أمة أو طائفة من الطوائف من غير هذه الأمة إلا وقد شاب عقيدتها في الله تعالى شأنه شرك أو خرافة .

فقد أخبرنا سبحانه عن شرك أمتي اليهود والنصارى بقوله تعالى : " وقالوا اتخذ الله ولدا سبحانه " ، " وقالت اليهود عزير ابن الله " ، " وقالت النصارى المسيح ابن الله " . وعن شرك الأمم الوثنية قاطبة بقوله : " لا يملكون الشفاعة إلى من اتخذ عند الرحمن عهدا " وقوله " وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا " ، " أفرأيتم اللات والعزى ، ومناة الثالثة الأخرى ، ألكم الذكر وله الأنثى ، تلك إذاً قسمة ضيزى ، إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وأباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى " ولقد اتخذت الأمم الوثنية الكثير من مخلوقات الله تعالى أربابا من دونه سبحانه فمنهم من عبد الشمس والقمر ، ومنهم من عبد الحجر والشجر ، ومنهم من عبد القرد ومنهم من جعل لنفسه آلهة متعددة لكل ظاهرة من ظواهر الكون فإله النار غير إله الهواء وإله الظلام غير إله النور إلى غير ذلك من التخبط والضلال .

وامتازت الأمة الإسلامية بصفاء عقيدتها في الله تعالى فهو الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ، وأنه لا معبود بحق سواه ، وأن الشرك بالله محرم عليها بأمر ربها على لسان نبيها ، قال تعالى : " قل إنما أمرت أن أعبد الله ولا أشرك به إليه أدعو وإليه مآب " .

الخاصية الثانية : شمول عقيدتها : فهي تنفرد عن سائر الأمم في مفهوم العبودية أيضاً ، فكما أنها تعتقد أن الله سبحانه هو الواحد الأحد ، فهي تعتقد بأنه سبحانه المحيط بكل حركة البشرية والكسير لها في سائر شؤونها ، فهو مفهوم لا يفرق بين خالق ورازق للعباد وبين حاكم ومشرع لأولئك العباد ، بل هو الخالق الرازق لعباده ، والمشرع لهم في كل شؤون حياتهم على اختلاف شعبها ، وهو المفهوم الذي لا يجعل العبودية لله تعالى في إطار الجانب الروحي من حياة البشر ، والعبودية لغيره في باقي شؤون حياتهم العامة حيث لا سلطان لله في جانب العمران أو السياسة أو الاقتصاد أو الآداب أو الأخلاق مثلا ، لأن ذلك من شؤون البشر الدنيوية ، بل يعتبر الإسلام هذا التفريق تضليلا وإضلالا للبشر مخالفا لبدهيات الدين الحنيف ، قال تعالى : " قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين " .

وقال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة " ، بل يعتبر ادعاء الإنسان الإيمان بنظام خاص والعيش راضيا مطمئنا في نظام للحياة مناقض للنظام الذي يؤمن به نفاقا وصاحبه من أهل الدرك الأسفل من النار ، بينما الأمم الأخرى قد جعلت ما لله لله وما لقيصر لقيصر وما نسمعه اليوم من بعض أجهزة الدول العربية وحكامها من تعميق لمبدأ فصل الدين عن الدولة باطل يجب أن يزول ، وما هو إلا سحابة ستمر مع أصحابها لأنها دعوة خاوية من رصيد البرهان ، مدموغة بالحق المبين ، ولأن الأمة قد كشفت هذه الأباطيل وفضحتها بعد تجارب طويلة ، فليس في الإسلام ما لله لله وما لقيصر لقيصر . قال تعالى : " وجعلوا لله مما ذرأ من الحرث والأنعام نصيبا فقالوا هذا لله بزعمهم وهذا لشركائنا ...."

ربانية منهجها : كل الأمم غير الأمة الإسلامية سواء كان منهجها ربانيا أم بشريا قد دخل عليها الكثير من التأويل والتحريف والقصور .

ومنهج الأمة الإسلامية ، رباني تنزيلا وحفظا قال تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون " فهذه حقيقة مسلمة تمتاز بها الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم .

قال تعالى : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا "

وقد عدد سيد قطب أمورا كانت الأمة الإسلامية فيها وسطا بين الأمم نلخص من هذه الأمور ما يلي :

أمة وسطا في التصور والاعتقاد لا تغلو في التجرد الروحي ولا في الارتكاس المادي ، إنما تتبع الفطرة الممثلة في روح متلبس بجسد .

أمة وسطا في التفكير والشعور لا تتجمد على ما علمت وتغلق منافذ التجربة والمعرفة ، وفي نفس الوقت لا تستمع لكل ناعق ، إنما تتمسك بما عندها من تصورات ومناهج وأصول ، ثم تنظر في كل نتاج للفكر والتجربة .

أمة وسطا في التنظيم والتنسيق لا تدع الحياة كلها للمشاعر والضمائر ولا تدعها كذلك للتشريع والتأديب ، إنما ترفع ضمائر البشر بالتوجيه والتهذيب ، وتكفل نظام المجتمع بالتشريع والتأديب .

أمة وسطا في الارتباطات والعلاقات لا تلغي شخصية الفرد ومقوماته ولا تتلاشى شخصيته في شخصية الجماعة أو الدولة ، ولا تطلقه كذلك فردا أبتر جشعا لا هم له إلا ذاته إنما تطلق من الدوافع والطاقات ما يؤدي إلى الحركة والنماء ، وتطلق من النوازع والخصائص ما يحقق شخصية الفرد وكيانه ، ثم تضع من الكوابح والمنشطات ما يجعل من الفرد خادما للجماعة ، والجماعة ، كافلة للفرد في تناسق واتساق .

وكذا أمة وسطا في الزمان فهي تنهي عهد الطفولة البشرية لمن قبلها وتحرس عهد الرشد العقلي من بعدها .

ثم بين أنها من حيث المكان وسطا في سرة الأرض . وكذا في وسط بقاعها .

المبحث الرابع مظاهر وحدة الأمة الإسلامية

من أهم مظاهر الوحدة في الأمة الإسلامية  :

1- وحدة فى العقيدة :

إن الأمة الإسلامية كيانا يصبح داخله كل من قال : لا إله لإلا الله مخلصا بها قلبه ، ومن لم يقلها ليس من كيان هذه الأمة . و من المظاهر أيضا :

2- وحدة فى العبادة  :

إن الله الذى آمنا به – نحن المسلمين – خلقنا لعبادته ﴿ و ما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ﴾ .

، والعبادة التى فرضها الله علينا جميعا واحدة فكل واحد من المسلمين مفروض عليه خمس صلوات فى كل يوم وليلة وكذا صيام شهر فى السنة والزكاة إن بلغ عنده النصاب إلى آخر الفروض فى الدين الإسلامى .

فالأمة الإسلامية فى هذا الباب تتصرف تصرفا واحدا فهى متحدة فى تأدية هذه العبادة دون تمييز بين فرد و آخر على إختلاف أجناسها وألوانها .

3- وحدة فى العادات و السلوك :

فكل مسلم له فى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة و ينشأ عن هذا وحدة فى السلوك و الأخلاق فالمسلمون جميعا ملزمون بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم سلوكا و اتباعا ﴿ لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة ﴾ .

4- وحدة فى التاريخ :

فالمسلم لا يرتبط بطين الوطن ولا بصبغة اللون إن تاريخ الإسلام هو الذى ينتسب إليه المسلم و به يعتز .

5- وحدتها فى اللغة :

شئ طبيعى أن تكون اللغة العربية مظهرا من مظاهر وحدة الأمة الإسلامية حيث أن الأمة الإسلامية مطالبة بفهم الإسلام و العمل به و دستور الإسلام الذى هو القرآن منزل بلغة العرب ، و لا يأتى فهم ذلك القرآن ثم العمل به إلا بعد فهم اللغة العربية ، وإدراكها ، و ليس معنى هذا فناء باقى اللغات فى العالم الإسلامى و لكن المطلوب جعل اللغة العربية اللغة الرسمية للبلاد الإسلامية للتفاهم المشترك بين أقوامها على أن تبقى لغاتهم القومية للتفاهم الخاص بينهم .

6- وحدة فى الطريق :

إن طريق المسلمين واحد متميز هو طريق الأنبياء و المرسلين ﴿ اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين انعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ﴾ وقال صلى الله عليه وسلم " تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك " .

إنها الطريق الموصلة إلى الجنة و التى يطلب المسلم فى كل يوم وليلة ما يقارب العشرين مرة الثبات عليها و أن لا تزل قدمه فيهلك ويضل .

7- -وحدة فى الدستور :

إن منابع الدستور و القانون فى الأمة الإسلامية هما القرآن والسنة اللذانلا يجوز أن يكون للمسلمين مصدر ينظم حركتهم على هذا الكوكب إلا ما جاء عن الله و ما جاء عن رسوله صلى الله عليه وسلم فيهما ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما ﴾ و قال تعالى : ﴿ قل إن صلاتى ونسكى ومحياى ومماتى لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ﴾ .

8- وحدة القيادة :

و كما أن الأمة الإسلامية على طريق اتفاق بأن قائدا الأول هو رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خلفاؤه الراشدون كل فى زمنه دون تعدد للقيادات . وبما أنه لا يصلح بحال من الأحوال تعدد القيادات على رأس الأمة الإسلامية لنص الحديث الشريف " إذا بويع لخلفتين فاقتلوا الآخر منهما " . ويؤيد معنى هذا الحديث عب الله بن عمرو أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " من بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا رقبة الآخر " قلت أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سمعته أذناى ووعاه قلبى . الحديث .

ويؤيده أيضا ما جاء فى صحيح مسلم و غيره عن أبى هريرة : " ........فما تأمرنا ؟ .

قال صلى الله عليه وسلم : وفوا بيعة الأول و أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم " .

و لأن التعدد فى القيادات يعنى الفرقة والشقاق بين الأمة الواحدة و هى منهية عن ذلك ،و لأن وحدة القيادة فى الأمة رمز على وحدتها ومتانة جسدها ووحدة رايتها فالأمة الإسلامية فى حالة نصبها لإمام واحد لإدارة شئونها فإنها تقدم أعظم دليل على وحدتها و قوتها وتماسك بنائها ، فبهذه المظاهر و غيرها تظهر وحدة الأمة الإسلامية كأمتن ما تكون و أعظم ما تكون فالمسلمون أمة واحدة تربط بين أبنائها الأخوة الإسلامية ﴿ إنما المؤمنون إخوة ﴾ ولاؤهم بعضهم لبعض ﴿ المؤمنين والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ﴾ يجمعهم جسد واحد " ترى المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى " .


الفصل الثانى الشورى

المبحث الأول الشورى لغة و مكانها فى حياة الإنسان :

بعد أن بينت في الفصل الأول معنى الأمة لغة ، وأوجزت في إشارة إلى مكانتها ومراحلها ، وأقسامها ، وخصائصها ، ومظاهر وحدتها والتي هي بمثابة القاعدة في هيكل جماعة المسلمين .

أشرع في بيان الركن الأول من هيكل جماعة المسلمين ، والذي هو مجلس الشورى والذي ينبثق من القاعدة العامة في الهيكل"الأمة" وهو الذي يمثل أهل العقد والحل فيها .

1- تعريف ومقدمة لغوية :

الشورى هي استخراج آراء في المسألة بغية الإحاطة بجوانبها لإصابة الخير وتجنب الزلل ، قال صاحب المعجم "شار الشيء عرضه ليبدي ما فيه من محاسن " ، وأشار إلى ذلك السيوطي عند قوله تعالى : "وشاورهم في الأمر " يعني : "استخرج آراءهم " ، فأصلها في اللغة من الاستخراج يقال " شار العسل يشوره شورا ، إذا استخرجه من الوقبة واجتناه " ولها أصل آخر في اللغة أيضا بمعنى اختبار الشيء لمعرفة حاله ، يقول القرطبي : " قال أهل اللغة : الاستشارة مأخوذة من قول العرب : شرت الدابة وشورتها إذا علمت خبرها بجرى أو غيره " .

وقال ابن منظور أيضاً : " شار الدابة يشورها شورا بمعنى راضها أو ركبها عند العرض على مشتريها ، وقيل عرضها للبيع ، وقيل بلاها ينظر ما عندها وقيل قلبها " .

وكلا المعنيين يصلح أصلا لمادة الشورى المتعارف عليها ، فالاستشارة تأتي بمعنى استخراج الرأي من صاحب الخبرة والشأن ، وتأتي بمعنى الاستجلاء والتبصر والاختبار لجوانب الأمور وذلك بالاستعانة برأي الغير ، وأما من جهة المشير فإنه أشبه بالأمر لأن المشير يرى صواب رأيه فكأنه يأمر به يقال : " أشار عليه بأمر كذا : أمره به وهي الشورى والمشورة " .

والشورى تأتي بمعنى التشاور ، تقول : " شاوره في الأمر واستشاره بمعنى " . ولخص صاحب المنجد هذا بقوله : " مجلس الشورى هو المجلس المؤلف للتداول في شئون البلاد " .

2- الشورى طابع إنساني :

المتتبع لأحوال الناس يجد أن مبدأ الشورى من الأمور التي فُطِرَ عليها البشر منذ أن خلقهم الله تعالى .

فالملاحظ لحركة البشرية سواء على مستوى فردي أو جماعي يرى بكل وضوح هذه الصفة في تلك الحركة ، فالإنسان العاقل لا يقدم على أمر ذي شأن إلا بعد طرحه على من يثق به لاستخراج محاسن رأيه في ذلك الأمر ولا يوجد حاكم فاهم إلا وله مجلس أو بطانة يطرح عليهم ما يجد له من أمور الرعية ويأخذ رأيهم في ذلك وقد قص الله سبحانه وتعالى علينا من قصص الأولين الكثير في هذا الباب .

"أ" ففي قصة ملكة سبأ يقول الله تعالى : " قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون ، قالوا نحن أولو قوة وأولو بأس شديد والأمر إليك فانظري ماذا تأمرين ...." وهكذا عقدت الملكة ذلك المجلس للتشاور في ذلك الأمر الخطير وهو وصول كتاب سليمان عليه السلام يطلب إليها أن تأتيه بقومها مسلمين ، ولقد خاض بعض كتاب الإسلام في هيكل هذا المجلس وعدد أعضائه ونظامه بدون دليل ، وإذا وعلىهذا . إذا لم يكن نص صريح يؤيده المنطق السليم والعقل الراجح – فالعقل يقول – لا ضرورة لتشتيت العقل في أمور لا تعود على المسلمين والعلم بالصلاح والأصلح والله أعلم .

"ب" أما فرعون فبعد ما رأى الآيات البينات مع موسى عليه السلام –وعلم قوة معجزته – وعجز عن تخويفه بسلطانه وجبروته – لجأ إلى الملأ حوله يستشيرهم ويستجلي ما عندهم من آراء في مواجهة هذه القوة التي لا قبلف له بها والتي أيقن أنها ستزيله من سلطانه ، يقول تعالى في ذلك : " قال للملأ حوله إن هذا لساحر عليم يريد أن يخرجكم من أرضكم بسحره فماذا تأمرون ، قالوا أرجه وأخاه وابعث في المدائن حاشرين ، يأتون بكل سحار عليم " . وبعدها أنفذ فرعون مشورة القوم وهنالك أخزاه الله وآمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون .

"جـ" وفي مسند أحمد من حديث صهيب قال : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى همس شيئا لا نفهمه ولا يحدثنا به قال : فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فطنتم لي ؟ قال قائل : نعم . قال : فإني قد ذكرت نبيا من الأنبياء أعطى جنودا من قومه فقال : من يكافئ هؤلاء . أو قال من يقوم لهؤلاء أو كلمة شبيهة بهذه – شك سليمان بن المغيرة "الراوي" قال فأوحى الله إليه اختر لقومك إحدى ثلاث إما أن أسلط عليهم عدوا من غيرهم أو الجوع أو الموت قال فاستشار قومه في ذلك فقالوا : أنت نبي الله فكل ذلك إليك فاختر لنا قال فقام إلى صلاته قال وكانوا يفزعون إذا فزعوا إلى الصلاة ... الحديث " والمقصود أن هذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض في أمرهم ابتداء إلا بعد المشورة .

"د" أما موسى عليه السلام لما أرسله الله تعالى طلب من ربه أن يعينه بمن يشد أزره ويسدده بالرأي والمشورة والبيان ، يقول تعالى حاكيا ذلك عنه : " واجعل لي وزيرا من أهلي ، هارون أخي ، اشدد به أزري وأشركه في أمري " .

فهذه الصور التي ذكرها لنا الوحي من قصص الأقدمين تبين أصالة مبدأ الشورى في التكوين البشري ذلك لأنه من أعظم الطرق لتحصيل المصالح ، وتجنب الأخطار فيها ، وبهي ينجبر الضعف الفردي وتزداد الخبرة والإحاطة بالأمور .

وإن كان ما سبق ذكره من الصور يمثل حضارة سبأ أو فرعون أو عمل نبي من الأنبياء ، فإن التاريخ يؤكد أيضا أن هذه القاعدة عامة حتى مع الذين لم يمثلوا حضارة من سائر الأمم ، فالعرب وهم أمة أمية كانوا يأخذون بهذا المبدا ويقدرونه قدره في تسيير أمور القبائل ، واقرب مثال على ذلك دار الندوة بمكة التي كانت تعقد فيها المشاورات والأحلاف في الجاهلية والتي كانت في شغل دائم بعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم لتشاور عتاة قريش في كيفية القضاء على دعوة الإسلام ،

ومن ابرز تلك المجالس ذلك المجلس الذي أشار الله سبحانه وتعالى إليه بقوله " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين " .

وقال ابن كثير عن ابن عباس : " إن نفرا من قريش من أشراف كل قبيلة اجتمعوا ليدخلوا دار الندوة فاعترضهم إبليس في صورة شيخ من نجد فلما رأوه قالوا من أنت : قال شيخ من أهل نجد سمعت أنكم اجتمعتم فأردت أن أحضركم و لن يعدمكم رأى ونصح " .

قالوا أجل أدخل فدخل معهم فقالوا انظروا فى شأن هذا الرحل ، و الله ليوشكن أن يواثبكم ..... إلى آخر ما دار فى هذه الجلسة من تدابير انتهت بالاتفاق على جمع شباب من كل قبيلة لقتله صلى الله عليه وسلم فيتفرق دمه فى القبائل ، و لكن الله تعالى أبطل كيدهم و أنجاه بالهجرة و هم لا يشعرون .

فإذا تبين لنا أصالة هذا المبدأ فى الطبع البشرى نجد أن الإسلام الذى يزكى الطبع البشرى ويهذبه يثبت هذا الخلق و يجعل الشورى ركنا أساسيا فى بناء الأمة الإسلامية وصفة بارزة لكل فرد فيها فالقرآن الكريم يصف المسلمين و هم فى مكةو قبل قيام كيان الدولة الإسلامية فى المدينة المنورة بهذا الوصف الشامل .

قال تعالى : ﴿ و أمرهم شورى بينهم ﴾ . هكذا فى سائر أمورهم يتشاورون فيما بينهم . فهذا أشمل من حصر الشورى فى نطاق نظام الدولة بل هو وصف يعم كل المسلمين ﴿ و أمرهم شورى بينهم ﴾ بينهم جميعا . وبهذا الشمول جاء الأمر للرسول صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه ليبين لأمته هذا الأصل على منهاج نبوى حكيم و ليس للحكام من بعده هذا الركن على صورة قويمه ، فطاعة لقولة تعالى : ﴿ وشاورهم فى الأمر ﴾ .

شاور- صلى الله عليه وسلم - الصحابة فى كثير من الأمور كما سيأتى فى موضعه بإذن الله تعالى . و لقد سارت على هذا النهج القويم الدول الإسلامية على امتداد العصور .

وكذلك فى العصر الحاضر فما من دولة و لا حكومة تخلو من هذا المبدأ حتى الدول التى تحكم بنظام الحزب الواحد فهناك لجان الحزب التى تخطط لتلك البلاد ، و كذا الدول المحكومة حكما عسكريا فإن فيها مجالس ثورة يتشاور أعضاؤها فى شؤن بلادهم .

و بالطبع هذه المجالس مبنية على أسس فاسدة كما أنها محكومة بأفكار وغايات مرتبطة بمصالح طغاتها ، و إنما الهدف من ذكرها هو تقرير قاعدة إجمالية فى كون الشورى من لوازم أمور الفرد و الجماعة ، بل هى طبع بشرى عام و إن اختلفت الصور و الغايات ، ذلك لأننا سنذكر مبدأ الشورى كركن من أركان هيكل جماعة المسلمين و التى نحن بصدد الكتابة عنها ، و أن هذا الركن يأخ فى الإسلام صورته الصحيحة كما سيتبين بإذن الله تعالى .

3- أهمية الشورى فى الإسلام :

و الشورى فى الأمة الإسلامية مبدأ أصيل وصفة لازمة ، بدونها تفقد صلاحها كما لو تركت الأمة الزكاة أو الصيام ، و الله سبحانه وتعالى حينما يقرر هذا المبدأ كصفه لهذه الأمة يذكره بين أمهات أركانها وكلياتها التى تدخل فيها باقى دعائم الأمة الإسلامية .

ذكر اللع سبحانه وتعالى الشورى مع الإيمان و التوكل عليه سبحانه وتعالى و اجتناب كبائر الإثم و الفواحش ، و لزوم أدب الإسلام عند الغضب ذكرها مع أمر الاستجابة لله سبحانه تعالى فى أمره ونهيه مع فرض الصلاة و لإنفاق و الجهاد الانتصار لدين الله تعالى ، ذكر الشورى مع تلك الفرائض الكلية : الإيمان و هو أصل النجاة و التوكل الشامل للاعتقاد الصحيح ، واجتناب الفواحش و هى الألفاظ الشاملة لكل ما يستقبح قوله أو فعله ، و التأدب عند الغضب تأدبا شاملا يخضع كل تصرفات النفس لله تعالى ، و الصلاة التى بصلاحها يصلح سائر الأعمال وبفسادها يفسد سائر الأعمال ، و الإنفاق الشامل للزكاة الواجبة و الصدقة المندوبة ، يقول الله عز وجل : ﴿ فما أوتيتم من شئ فمتاع الحياة الدنيا و ما عندو ما عند الله خير و ابقى للذين آمنوا و على ربهم يتوكلون ، و الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش و إذا ما غضبوا هم يغفرون ، والذين استجابوا لربهم و أقاموا الصلاة و آمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون ، و الذين إذا أصابهم البغى هم ينتصرون ﴾ .

وقال تعالى : ﴿ و شاورهم فى الأمر ﴾ قال بن الملقن : الأمر فى الآية للوجوب .

وقد جعل الرسول صلى الله عليه وسلم الشورى فى الأمة الإسلامية من الأمور التى ترشح الأمة للسير على هذه الأرض بسلام وسعادة و ذلك فى الحديث الذى أخرجه الترمذى عن أبى هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا كان أمراؤكم خياركم و أغنياؤكم سمحاؤكم و أموركم شورى بينكم فظهر الأرض خير لكم من بطنها ........ الحديث " .

من هذه الأدلة نفهم أن إحاطة الرب سبحانه مبدأ الشورى بهذه الكليات يجعل منها أمرا عظيما و فريضة من فرائض الإسلام الكبرى و التى لا يستقيم أمر الأمة المسلمة بدونها و أن أمة كان لمبدأ الشورى فيها تلك الكانة فى سائر أمورها لأمة قريبة من الكمال ملازمة للصواب ، وأ، أمة خالفت تلك الطريق لأمة تائهة فى حياتها حائدة عن الصواب مصاحبة للزلل والفشل على أكثر الأحيان .

و فى هذا المعنى أخرج البخارى فى الأدب المفرد عن الحسن قال : " و الله ما استشار قوم قط إلا هدوا لأفضل ما بحضرتهم " .

و الإمام عندما يستشير الأمة يحملها مسئولية ذلك الأمر الذى قالت برأيها فيه ، قال حكيم من الأعراب : ( ما غبنت قط حتى يغبن قومى . قيل : و كيف ذلك ؟ قال : لا أفعل شيئا حتى أشاورهم فيه ) . وقيل ( ما ندم من استشار و لا خاب من أستخار ) .  

المبحث الثانى حكم الشورى

1- أقوال العلماء فى الأخذ بالشورى :

لمكان شأن الشورى في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما بينا سابقا ، ولعظم أثرها في صلاح نظم الحكم ، وتأليف المجتمع ، وتسيير أمور الرعية على بصيرة اعتنى علماء الإسلام بتأكيد حكم الشورى وأنها واجبة على حكام الأمة الإسلامية في كل زمان ومكان .

تقل القرطبي عن ابن عطية قوله : " والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام ، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب ، هذا لا خلاف فيه " .

ونقل القرطبي أيضاً عن ابن خويز منداد قوله : " واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون ، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين ، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب ، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح ، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها " .

ويقول صاحب المنار عند قوله تعالى : " وشاورهم في الأمر " : إنه أمر للرئيس بالمشاورة يقتضي وجوبه عليه .

ويقول صاحب الظلال عند قوله تعالى : " وشاورهم في الأمر " : وهو نص قاطع لا يدع للأمة المسلمة شكا في أن الشورى مبدأ أساسي لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه .

2- اختلاف العلماء في وجوب الشورى على النبي صلى الله عليه وسلم :

لا خلاف بين العلماء في وجوب أخذ الحاكم بمبدأ الشورى .

والخلاف بين العلماء : هل الشورى واجبة أو مندوبة .

هو في حق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه غني عنها بالوحي من الله سبحانه وتعالى .

وعلى الرغم من ذلك فقد نقل ابن الملقن وجوب الشورى عليه صلى الله عليه وسلم وخالفه الإمام الرازي وجماعة .

"أ" قال ابن الملقن : "إن مشاورة ذوي الأحلام واجبة عليه صلى الله عليه وسلم على الصحيح عند أصحابنا لظاهر قوله تعالى : " وشاورهم في الأمر " وفصل ذلك ابن حجر في فتح الباري " .

"ب" ونقل الرازي قول الإمام الشافعي رحمه الله تعالى : " إن الأمر في قوله تعالى : " وشاورهم في الأمر " يحمل على الندب " .

3- أدلة وجوب أخذ الحاكم بالشورى :

ويؤكد وجوب أخذ الحاكم المسلم بمبدأ الشورى مؤيدات كثيرة منها :

"أ" لقوله تعالى : " وشاورهم في الأمر " .

"ب" تطبيق النبي صلى الله عليه وسلم لهذا المبدأ ونهج خلفائه - رضي الله عنهم – من بعده على هذه القاعدة وهم قدوتنا .

" جـ" كون الله سبحانه وتعالى يجعل من هذا المبدأ صفة لكل المسلمين في كل أمر من أمورهم في قوله تعالى : " وأمرهم في قوله تعالى : " وأمرهم شورى بينهم " .

"د" كون الشورى خلقا إنسانيا أصيلا والإسلام يزكي الأخلاق الإنسانية الأصيلة .

"هـ" كون الشورى طريقا إلى عصمة الرأي من الخطأ واستكمالا للنقص الإنساني لأنها تنقحه وتغربله .

"و" كون الشورى تمنع الاستبداد بالأحكام من قبل الحاكم .

"ز" إطباق المفسرين على أن في الشورى تطبيبا وتأليفا لنفس المستشار الأمر الذي يجعل الأمة متماسكة متآلفة .

قال الزمخشري  : "إن سادات العرب إذا لم يشاوروا في الأمر شق ذلك عليهم " .

"حـ" وتجب الشورى لأننا في عصر كثرت فيه جوانب التخصصات ، وكل مختص لا يعلم عن تخصص الآخر شيئا ، وعلى ذلك لابد من مشاورة كل مختص في اختصاصه في مختلف شئون المسلمين .

4- فهم خاطئ للشورى :

وقد يتوهم بعض الناس أن سبب ما أصاب المسلمين يوم أحد من انتكاس وهزيمة في صدرها وشج جبهة الرسول صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته وقتل أسد الله حمزة رضي الله عنه ومضغ كبده مع استشهاد صفوة من الصحابة الكرام ، هو خروج الجيش الإسلامي لمواجهة العدو في أحد بناء على رأي الأغلبية في مجلس الشورى الذي عقد قبل المعركة ، والحقيقة هي غير ذلك لأن سبب الهزيمة للجيش الإسلامي في أحد كان غير الشورى ، ولو كان السبب الشورى ما كان النصر الساحق للمسلمين في أول المعركة والذي عبر عنه الرب سبحانه بقوله الكريم : " ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه " ولكن الأسباب الحقيقية للهزيمة وما أصاب المسلمين في أحد هي كما بينها الله تعالى في قوله الكريم : " حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين ، إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون " .

" أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير" .

وقال تعالى: " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين ، وليعلم الذين نافقوا . وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم . هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان " .

ولو كان مبدأ الشورى هم السبب في هزيمة المسلمين في أحد ، لما أكد الله سبحانه وتعالى الأخذ به بعد المعركة المذكورة مباشرة في قوله تعالى : " فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين " .

إن المسألة أكبر وأعمق من ذلك ، إن وراء هزيمة المسلمين في أحد درسا عميقا وعظيما للأمة الإسلامية في كل جيل من أجيالها على امتداد الأزمان . هذا الدرس هو : ماذا تعني مخالفة أوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم .

إن الهزيمة تروي قصة أمة تربى وتدرس ولو سالت من أطهر جسم فيها الدماء لتفهم الدرس وتعيه ، لقد انهمر الدم من وجه النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم ومضغت كبد حمزة سيد الشهداء ، ولقى الله سبعون من الأبرار نتيجة مخالفة أمر واحد للنبي صلى الله عليه وسلم ، ولقد فهم أولئك الرجال ذلك الدرس ولم يعودوا لمثله وعلى الأمة في كل أجيالها أن تعي حتى لا تتكرر المأساة مرة ثانية .  

المبحث الثالث الشورى عند الرسول صلى الله عليه وسلم

رسول الهدى صلى الله عليه وسلم موجه في كل حركة وسكنة من حياته من قبل ربه سبحانه وتعالى .

والله تعالى عالم بكل شيء سلبا وإيجابا فهو غني عن العالمين وخبراتهم فكان سبحانه بعلمه وغناه قادرا على أن يكفي رسوله صلى الله عليه وسلم مؤونة مشاورة البشر للإستفادة من خبراتهم وعلى الرغم من ذلك كله فقد جعل سبحانه الشورى صفة للمؤمنين وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه والأخذ بالصحيح من آرائهم لتستن به الأمة من بعده فكانت الشورى ديدنة في كل شأن هو من محيط الشورى .

أخرج الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه : " ما رايت أحدا أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

وكان مجال الحرب والجهاد هو أبرز المجالات إظهارا لمبدأ الشورى .

ففي غزوة بدر الكبرى جرت عدة مشاورات .

فقبل المعركة كانت هناك جلسة شورية بين القيادة في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من حضر الغزوة بهدف معرفة مدى الاستعداد العام للقتال ولمعرفة رأي الأنصار فيه بصفة خاصة ، ذلك لأن الخروج في الأصل لم يكن للقتال ، ولكن للقاء العير ولأن بيعة الأنصار في الأصل لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت على حمايته في المدينة كما جاء في مسند أحمد وغيره عن جابر بن عبد الله قال : " أن تنصروني إذا قدمت عليكم فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ...." فبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عندها على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم وأزرهم ، وأن يرحل هو إليهم وأصحابه وحضر العقبة تلك الليلة العباس بن عبد المطلب موثقا لرسول الله صلى الله عليه وسلم والعباس على دين قومه بعد لم يسلم .

وكان للبراء بن معرور في تلك الليلة المقام المحمود في الإخلاص لله تعالى ، والتوثق لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو أول من بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولاحقه أبو الهيثم بن التيهان وكان المبايعون لرسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الليلة ثلاثة وسبعين وامرأتين واختار رسول الله صلى الله عليه وسلم اثنى عشر نقيبا .

وكانت جلسة تجلى فيها الإيمان كأعلى ما يكون وأعظم ما يكون .

كان الإيمان يعلو على المستحيل : " يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ... " وكانت المعركة وانتصر الجيش الإسلامي المؤزر وعند الترتيب للمعركة انعقد مجلس الشورى مرة ثانية ولكنه في إطار مصغر ، إذ تقدم الحباب بن المنذر في أعلى صورة من الأدب مع القيادة وعدم التقديم بين يديها برأيه في تحديد مكان نزول الجيش الإسلامي وقطع الماء عن جيش قريش كخطة حربية موفقة .

فوافق عليه الجميع كما جاء ذلك في سيرة ابن هشام عن محمد بن إسحاق قال : فحدثت عن رجال من بني سلمة أنهم ذكروا أن الحباب بن المنذر بن الجموح قال : يا رسول الله أرأيت هذا المنزل أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال بل هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ فقال يا رسول الله فإن هذا ليس بمنزل ، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء القوم فننزل عليه ثم نغور ما وراءه من القلب ثم نبني عليه حوضا فنملأه ماء ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ، : لقد أشرت بالرأي . ف

نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثم أمر بالقلب فغورت وبنى حوضا على القليب الذي نزل عليه فملئ ماء ثم قذفوا فيه الآنية . أ. هـ. .

وما أن انتهت المعركة حتى عقد مجلس الشورى للمرة الثالثة ليقرر حال الأسرى .

ولكن حكم الأكثرية لم يوفق للصواب في هذه المرة حيث تدخل الوحي ففصل الأمر بقوله تعالى : " ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " وكما جاء في مسند أحمد من حديث طويل عن عمر بن الخطاب رصي الله عنه قال لما كان يوم بدر قال : نظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه ...... ثم قال فلما كان يومئذ والتقوا فهزم الله عز وجل المشركين فقتل منهم سبعون رجلا وأسر منهم سبعون رجلا ، فاستشار رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وعليا وعمر رضي الله عنهم فقال أبو بكر رضي الله عنه : يا نبي الله هؤلاء بنو العم والعشيرة والإخوان فإني أرى أن تأخذ منهم الفدية فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار وعسى الله أن يهديهم فيكونون لنا عضدا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما ترى يا ابن الخطاب قال : قلت : والله ما أرى ما رأى أبو بكر رضي الله عنه ، ولكني أرى أن تمكنني من فلان قريبا لعمر فأضرب عنقه ، وتمكن عليا رضي الله عنه من عقيل فيضرب عنقه ، وتمكن حمزة من قلان أخيه فيضرب عنقه ، حتى يعلم الله أنه ليست في قلوبنا هوادة للمشركين ، هؤلاء صناديدهم وأئمتهم وقادتهم ، فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر رضي الله عنه ولم يهو ما قلت ، فأخذ منهم الفداء فلما أن كان من الغد قال عمر رضي الله عنه غدوت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإذا هو قاعد وأبو بكر رضي الله عنه وإذا هما يبكيان ، فقلت يا رسول الله : أخبرني ما يبكيك أنت وصاحبك ، فإن وجدت بكاء بكيت ، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما ، قال فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الذي عرض على أصحابك من الغداء لقد عرض علي عذابكم أدنى من هذه الشجرة – لشجرة قريبة – وأنزل الله عز وجل :" ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض " إلى قوله تعالى " لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم ....." من الفداء .

ومن مجالس الشورى في بدر الكبرى إلى غزوة أحد .

حيث كان الاجتماع العام للخروج خارج المدينة لملاقاة العدو أو البقاء فيها .

فكانت الأغلبية على الخروج وكان ما كان وجاءت الأحداث في ظاهرها لتهز أركان مبدأ الشورى وأنه الأصل فيما أصاب المسلمين في أحد .

ولكن الله تعالى شأنه بدد هذه النظرة الظاهرية لتفسير الأحداث بأمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة الصحابة بعد الغزوة مباشرة " وشاورهم في الأمر " ليبين أن الأمر ليس سببه قصة المشورة بالخروج ولكن سببه ما هو أكبر من ذلك وأعظم .

سببه أن أمة تربي وتدرس ، ولو كانت هذه التربية على حساب الأجسام والأرواح ولقد تعلمت هذه الأمة في تلك المعركة ما لا يمكن أن تتعلمه من خلال آلاف الكلمات والمحاضرات والكتب .

تعلمت ما هي نتيجة مخالفة أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم كما جاء في قصة مخالفة الرماة كما حكاها ابن حزم في كتاب جوامع السيرة .

واستمرت الهزيمة على قريش فلما رأى ذلك الرماة قالوا : قد هزم الله أعداء الله .

قالوا : فما لقعودنا هاهنا معنى ، فذكر لهم أميرهم عبد الله بن جبير أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بأن لا يزولوا فقالوا : قد انهزموا ، ولم يلتفتوا إلى قوله . فقاموا ثم كر المشركون فأكرم الله تعالى من أكرم بالشهادة ووصلوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم .

وهكذا فإنك لا تكاد تجد غزوة من غزواته صلى الله عليه وسلم إلا وخططت لها مجالس الشورى في إطارات لتلك المجالس مختلفة بحسب الزمان والمكان والحال ، حيث الشكل الي تتم به الشورى ليس مصبوبا في قالب من حديد لا تخرج الأمة عنه بل هو متروك للأمة تحدد إطاره وصورته بحسب البيئة والزمان .

أما الشورى في غزوة الخندق فقد قال الحافظ ابن حجر في الفتح  : وكان الذي أشار بذلك سلمان فيما ذكر أصحاب المغازي منهم أبو معشر قال : قال سلمان للنبي صلى الله عليه وسلم : إنا كنا بفارس إذا حوصرنا خندقنا علينا فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بحفر الخندق حول المدينة وعمل فيه بنفسه ترغيبا للمسلمين فسارعوا إلى عمله حتى فرغوا منه .

وجاء المشركون فحاصروهم ، أ.هـ. وفي غزوة الحديبية عقدت عدة مجالس للشورى منها ما أخرجه البخاري في صحيحه عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا .

خرج النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية إلى أن قالا : وسار النبي صلى الله عليه وسلم حتى كان بغدير الأشطاط أتاه عينه .

قال : إن قريشا جمعوا لك جموعا وقد جمعوا لك الأحابيش وهم مقاتلوك وصادوك عن البيت ومانعوك فقال : " أشيروا أيها الناس عليّ أترون أن أميل إلى عيالهم وذراري هؤلاء الذين يريدون أن يصدونا عن البيت فإن يأتونا كان الله عز وجل قد قطع عينا من المشركين وإلا تركناهم محروبين".

قال أبو بكر : يا رسول الله خرجت عامدا لهذا البيت لا تريد قتل أحد ولا حرب أحد فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه .

قال : " امضوا على اسم الله " .

هذا في مجال الحرب ولقد استشار رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره في مجالات كثيرة منها :

استشارته جبريل عليه السلام فيما اقترح عليه موسى عليه السلام بخصوص الصلاة في ليلة الإسراء والمعراج ثم نزل على رأي موسى عليه السلام فيما اشار عليه بسؤال الله تعالى شأنه التخفيف على الأمة .

وذلك كما جاء في صحيح البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : قال النبى صلى الله عليه وسلم :" فأوحى الله فيما أوحى إليه خمسين صلاة على أمتك كل يوم وليلة ثم هبط حتى بلغ موسى فاحتسبه موسى فقال : يا محمد ماذا عهد إليك ربك .

قال : عهد إلى خمسين صلاة كل يوم وليلة . قال : إن أمتك لا تستطيع ذلك فارجع إلى ربك فليخفف عنك ربك وعنهم فالتفت النبى صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره فى ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت ؟ فعلا به إلى الجبار ......" .

و منها استشارته صلى الله عليه وسلم حتى خاصة نفسه ففى قصة الإفك شاور عليه الصلاة والسلام عليا و اسامة وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم كما جاء فى صحيح البخارى عن عائشة رضى الله عنها : " ....... و دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابن أبى طالب و أسامة بن زيد حين استلبث الوحى يسألهما ويستشيرهما فى فراق أهله .

قالت فأما أسامة فأشار على الرسول صلى الله عليه وسلم بالذى يعلم من براءة أهله و بالذى يعلم لهم فى نفسه . فقال أسامة : أهلك ولا نعلم إلا خيرا .

و أما على فقال : يا رسول الله لم يضيق الله عليك و النساء سواها كثير و سل الجارية تصدقك .

قالت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال : أى بريرة هل رأيت من شئ يريبك ؟ قالت له بريرة : و الذى بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرا قط أغمضه غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجن فتأكله " .

2- الشورى عند وزيريه صلى الله عليه وسلم :

ومما سردنا من أمره صلى الله عليه وسلم فى الشورى ندرك كيف تعمقت هذه الصفة فى نفوس أصحابه عليهم رضوان الله تعالى فنلاحظ ان أول عمل قام به الصحابه رضى الله عنهم بعد التثبت من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم هو اجتماع بنى سقيفة ساعدة لاختيار خليفة رسول صلى الله عليه وسلم حتى تمت البيعة لأبى بكر رضى الله عنه .

كما روى البخارى فى صحيحه عن عائشة رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مات و أبو بكر بالسنح قال إسماعيل يعنى بالعلية فقام عمر يقول :

والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم .......... إلى : و اجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة فى سقيفة بنى ساعدة فقالوا منا أمير ...... إلى قوله : ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال فى كلامه : نحن الأمراء و أنتم الوزراء .

فقال الحباب بن المنذر : لا و الله لا نفعل منا أمير ومنكم أمير .

فقال أبو بكر : لا و لكنا الأمراء و أنتم الوزراء هم أوسط العرب دارا و أعربهم أحسابا فبايعوا عمر أو أبا عبيدة فقال عمر : نبايعك أنت سيدنا وخيرنا و أحبنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عمر بيده فبايعه الناس أ ه .

و إنك لترى الشورى صفة بارزة عند الخلفاء الراشدين من بعده صلى الله عليه وسلم وهم القدوة الحسنة والنموذج الصالح للحاكم المسلم .

فأبو بكر الصديق رضى الله عنه يشارو أصحابه فى أول مشكلة تواجهه بعد توليه خلافة المسلمين ألا و هى ارتداد طوائف من العرب ومنعهم الزكاة و كان رضى الله عنه يرى قتالهم فما زال يشاور أصحابه ويقنعهم بهذا الحكم و انه حكم الشرع حتى شرح الله صدورهم لهذا الأمر حتى قال عمر :

( فو الله ما هو إلا أن رأيت الله عز و جل قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه الحق ) .

وتوالت مجالس الشورى فى عهده رضى الله عنه فكان هناك مجلس لإنفاذ جيش أسامة رضى الله عنه و كذا شاور أصحابه فى جمع القرآن ، وغيرها من المجالس التى عقدها رضى الله عنه للتشاور فى أمور المسلمين ،

كما أخرج البخارى من حديث طويل أن زيد بن ثابت الأنصارى رضى الله عنه و كان ممن يكتب الوحى قال : أرسل إلى أبو بكر ..... و إنى لأرى أن نجمع القرآن . قال أبو بكر : قلت لعمر : كيف أفعل شئ لم يفعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر : هو و الله خير فلم يزل عمر يراجعنى حتى شرح الله لذلك صدرى .

أما الفاروق رضى الله عنه فقد قعد قواعد للشورى منها تحديده رضى الله عنه لأهل الشورى فحرص على استشارة أهل العلم و الشأن قال البخارى : ( و كان القراء أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبانا ) . و قال : ( و كانت الأئمة بعد النبى  يستشيرون الأمناء من أهل العلم ).

و منها أنه رضى الله عنه يقسم الناس عند الشورى بحسب سبقهم فى الإسلام – كما فى رحلته إلى الشام لما علم بوقوع الوباء فيها – فاستشار الصحابة بالرجوع فأمر ابن العباس رضى الله عنهما أن يدعو له لمهاجرين الأولين فدعاهم و استشارهم فاختلفوا – فأمره أن يدعو الأنصار فاختلفوا – ثم قال ادعوا لى من كان هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان فقالوا : نرى أن ترجع بالناس و لا تقدمهم على هذا الوباء فنادى عمر فى الناس إنى مصبح على ظهر فأصبحوا عليه .

ومنها أنه رضى الله عنه قعد قاعدة فى أمر تشاور الأمة فيمن يحكمها حتى لا يتم هذا الأمر بقرار فردى أو رغبة فردية فيقول فى أثره الطويل كما فى مسند أحمد  : ( فمن بايع أميرا عن غير مشورة المسلمين فلا بيعة له و لا بيعة للذى بايعه ) .

و هى القاعدة التى أخذها عن رسوله صلى الله عليه وسلم وقائده محمد بن عبد الله  كما جاء فى الترمذى وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم ( لو كنت مؤمرا احدا من غير مشورة لأمرت ابن أم عبد ) . و كان عمر رضى الله عنه يستشير فى الحدود و الأقضية إذا جد له أمر يوجب ذلك .

فعن المغيرة بن شعبة عن عمر رضى الله عنه أنه استشارهم فى إملاص المرأة فقال المغيرة قضى النبى  بالغرة عبدا أو أمة فشهد محمد بن سلمة أنه شهد النبى صلى الله عليه وسلم قضى به .

و عن أنس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم أوتى برجل قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو الأربعين .

قال : و فعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال : عبد الرحمن بن عوف كأخف الحدود ثمانين فأمر به عمر . وعن مروان بم الحكم أن عمر بن الخطاب لما طعن استشارهم فى الجد فقال :

إنى كنت رأيت فى الجد رأيا فإن رأيتم أن تتبعوه فاتبعوه .

فقال له عثمان : إن نتبع رأيك فإنه رشد و إن نتبع رأى الشيخ فلنعلم ذو الرأى كان .

ثم أختم حياته رضى الله عنه بأن جعل أمر الخليفة من بعده شورى بين سته من كبار الصحابة رضى الله عنهم .

أخرج مسلم من خطبة طويلة لعمر بن الخطاب قوله : ( فإن عجل بى أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة ) .

المبحث الرابع

1- شروط أهل الشورى :

"أ" وأعضاء مجلس الشورى هم الذين يرسمون للأمة خط سيرها على ضوء كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى اللع عليه وسلم فإذا كان كذلك فلابد أن يكون أعضاء هذا المجلس أكثر الناس إحاطة بعلوم الكتاب والسنة .

قال تعالى : " ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " .

وقال البخاري : " وكان أصحاب مشورة عمر القراء ......."

"ب" والعالم المرشح لهذه العضوية لابد أن يكون صاحب صفحة بيضاء مع الله تعالى وخلقه .

فالله تعالى عندما أمر رسوله صلى الله عليه وسلم باستشارة الصحابة طلب منه أولا أن يعفو عنهم ما ارتكبوه في حقه صلى الله عليه وسلم وأن يستغفر لهم الله تعالى فيما له سبحانه عندهم ليكونوا بعد ذلك أهلا للاستشارة ومن أهلها . قال تعالى : " فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر " .

بهذا الشرط يعني أنه لا مكان في مجلس الشورى الإسلامي للعصاة والفاسقين من علماء السوء .

"جـ" وكانت خطة الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم مشاورة العدول الأمناء من أهل العلم في هذه الأمة في كل زمان ومكان .

قال البخاري : " وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم " وقال القرطبي : نقلا عن سفيان الثوري : " ليكن أهل مشورتك أهل التقوى والأمانة ومن يخشى الله تعالى "  :

وأنشد :

وشاور إذا شاورت كل مهذب

لبيب أخي حزم لترشد في الأمر

"د" وإذا كان من السنة أن يكون خلف إمام الصلاة – وهي إمامة صغرى – أهل الأحلام والنهي فمن باب أولى أن تكون هذه السنة في مجلس الشورى الإسلامي وحول صاحب الإمامة العظماء يقومونه عند اعوجاجه ويسددونه عند ضعفه . قال صلى الله عليه وسلم : " ليليني منكم أولو الأحلام والنهى " .

"هـ" وقد لخص الإمام الماوردي شروط أهل الشورى في ثلاث نقاط :

1- العدالة الجامعة لشروطها . ولخص العلماء شروط العدالة في خمسة بنود : الإسلام ، والعقل ، والحرية ، والذكورة ، والبلوغ .

2- العلم والخبرة في الجانب المستشار فيه .

3- الرأي السديد والحكمة في كيفية الاختيار .

وفرق الإمام القرطبي بين صفة المستشار في أمور الدين ، وصفة المستشار في أمور الدنيا حيث جعل صفة المستشار في أمر الدين " أن يكون عالما دينيا عاقلا " وصفة المستشار في أمور الدنيا عاقلا مجربا وادا للمستشير . وأنشد :

شاور صديقك فى الخفى المشكل

واقبل نصيحة ناصح متفضل

(و) و اأصل أن يكون فى مجلس الشورى لجان مختصة فى كل شئون العلم والمعرفة تحال عليها المعاملات لتقول فيها رأيها من علم و دراية . فإذا لم يتيسر لدولة ذلك عليها أن تطرح الأمر على الرأى العام فى الأمة ليقول فيه أهل العلم رأيهم و هذه الأخيرة كثرت فى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد أعلن عليه الصلاة والسلام أكثر من مرة " أشيروا على فى أناس " " و أشيروا على أيها الناس " .

ووضحت الأولى فى حياة عمر بن الخطاب رضى الله عنه . فكان يستشير النساء فى خدورهن والشباب يبتغى حدة عقولهن . (ز) وخلاصة هذا الموضوع أن شروط عضو مجلس الشورى :

1- العدالة الجامعة لشروطها .

2- التقوى وخلو صفحته من الذنوب مع الله تعالى ومع الأمة .

3- العلم بالكتاب والسنة وما يؤدى إليهما من علوم اللغة والتفسير و الرواية ...... الخ .

4- الخبرة من الجانب المستشار فيه .

5- العقل الرزين المتأنى .

6- الأمان والصدق . والله تعالى اعلم .

ومنها ندرك أن الشورى حق لأهلها ممن توفرت فيهم شروطها ، وقد عبر عن ذلك عمر بن الخطاب رضى الله عنه يوما عندما قال للأعرابى : ( اجلس إنما أنت من الأعراب ) . 2- فى أى شئ تكون الشورى:

أما موضوع الشورى فقد نقل الرازى اتفاقهم على جوازها فى كل ما ليس فيه نص .

قال  : ( المسألة الثانية : اتفقوا على أن كل ما نزل فيه وحى من عند الله لم يجز للرسول أن يشاور فيه الأمة لأنه إذا جاء النص بطل الرأى و القياس ) . فأما ما لا نص فيه فقد اختلف فيه أهل العلم . و نقل ارازى أيضا عن الكلبى و كثير من العلماء أن المشاورة خاصة بأمور الحرب بحجة أن الألف و اللام فى لفظ الأمر ليس للاستغراق . و لو كانت للاستغراق لدخل فيه ما فيه نص ، و أن الألف واللام محمولة على العهد ، و المعهود السابق فى السياق القرآنى هو شأن الحرب .

و قال آخرون : الأمر عام خص منه ما نزل فيه وحى .

ونقل ابن الجوزى هذا الخلاف بقوله : ( فى الذى أمر بمشاورتهم فيه قولان : أحدهما أنه فى أمور الدنيا و الثانى أنه فى أمور الدين و الدنيا ) . ونقل ابن حجر : أن فى المسألة ثلاثة أقوال :

1- فى كل شئ ليس فيه نص .

2- فى الأمر الدنيوى فقط .

3- فى أمر الحرب مما ليس فيه نص .

و اختار أبو جعفر الطبرى الأخير و هو فى أمور الحرب . قال بعد أن سرد الأقوال فى الموضوع :

( و الأولى بالصواب فى ذلك أن يقال أن الله سبحانه و تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بمشاورة أصحابه فيما حزبه من أمر عدوه و مكايد حربه ).

قلت : والصحيح أن موضوع الشورى هو المشاورة فى كل شئ ليس فيه نص : و ذلك :

(أ‌) لا تفاقهم على عدم المشاورة فى المور المنصوص عليها .

(ب) ما ذكره الحافظ ابن حجر من مشاورة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلى بن أبى طالب فى مسألة صدقة المناجاة ، مؤيدا ذلك بما أخرجه الترمذى وصححه ابن حبان عن على رضى الله عنه قال : لما نزلت : ﴿ يا آيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ...... الآية ﴾ .

قال النبى صلى الله عليه وسلم ما ترى : قلت لا يطيقونه .

قال : فنصف دينار ؟ قلت لا يطيقونه ، قال فكم ؟ قلت شعيرة . قال إنك لزهيد : فنزلت : ﴿ أأشفقتم .... الآية﴾ .

قال : " فبى خفف الله عن هذه الأمة " .

ولا يدخل هذا فيما فيه نص لأن الآية لم تحدد الماهية و لا الكمية و المشاورة كانت فيهما .

(جـ) مشاورته صلى الله عليه وسلم عليا وأسامة رضي الله عنهما في موضوع الإفك وليس من أمور الحرب .

(د) مشاورته صلى الله عليه وسلم الصحابة في أسرى بدر وهي من أمور الدين . إلى غير ذلك من مشاوراته عليه السلام لأصحابه فيما ليس فيه نص .

(هـ) ما قاله الشوكاني عند قواه تعالى : " وشاورهم في الأمر " المراد تشاورهم في كل أمر يعرض عليهم .

فعلة هذا يجوز للحاكم المسلم أن يعرض على مجلس الشورى كافة أمور البلاد من الأمور الدينية والداخلة تحت طائل الاجتهاد مما ليس فيه نص وكذا الأمور الدنيوية .

والله أعلم .

3- مبدأ الأغلبية :

بعد أن علمنا معنى مبدأ الشورى . وأنه خلق إنساني أصيل ومكانته بين التعاليم الإسلامية ، وأقوال العلماء في الأخذ به . واختلافهم في وجوبه على النبي صلى الله عليه وسلم وأدلة الأخذ بالشورى . وأنه ليس سببا في هزيمة أحد . ومكانته في سيرة الرسول والخلفاء الراشدين ثم شروط أهل الشورى . وفي أي شيء تكون الشورى . وبعد أن علمنا أنه واجب على الحكام مشاورة أهل العلم في شئون الحكم . نختم بإيجاز في الفاصل عند الاختلاف في الرأي المطروح على مجلس الشورى وبأي الرأيين يأخذ الحاكم .

(أ) الواضح من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان يأخذ برأي الأغلبية عندما يختلف أصحاب الشورى في الموضوع المطروح عليهم . قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أنس بن مالك رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إن أمتي لا تجتمع على ضلال فإذا رأيتم اختلافا فعليكم بالسواد الأعظم " قال المناوي عند هذا الحديث : " فعليكم بالسواد الأعظم من أهل الإسلام أي الزموا متابعة جماهير المسلمين فهو الحق الواجب والفرض الثابت الذي لا يجوز خلافه فمن خالف مات ميتة جاهلية " . . وقوله صلى الله عليه وسلم لوزيريه أبي بكر وعمر رضي الله عنهما : " لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما" .

وقوله صلى الله عليه وسلم عن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " اثنان خير من واحد ، وثلاثة خير من اثنين ، وأربعة خير من ثلاثة ، فعليكم بالجماعة فإن الله عز وجل لن يجمع أمتى إلا على الهدى " .

وقال المناوي في شرحه لهذا الحديث : " أي حق وصواب ومن خصائصها أن إجماعهم حجة وأنهم لا يجتمعون على ضلالة " .

مستدلاً بقوله تعالى : " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " .

على أن الألف واللام في قوله : " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " للاستغراق .

ونزوله صلى الله عليه وسلم على رأي الأكثرية في الخروج إلى خارج المدينة لملاقاة قريش في معركة أحد .

فهذه الأحاديث الشريفة تدل دلالة واضحة على وجوب أخذ الحاكم المسلم برأي الأغلبية ، وأن تلتزم الأقلية في مجلس الشورى به ، وتحتفظ برأيها ولو كان الحاكم معها .

(ب) وكذا سير الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم على هذا النهج ، والالتزام به ، فأبوبكر رضي الله عنه شاور الصحابة في محاربة أهل الردة ونزل على رأي الأغلبية وهو عكس لفهم بعض الناس أنه كان وحده على رأي محاربة أهل الردة فقد كان كذلك في أول الأمر حتى اقتنع بعد المناقشات بينه وبينهم كافة الصحابة كما فصلنا ذلك . وكذلك جمعه رضي الله عنه القرآن الكريم كان على رأي الأغلبية من الصحابة رضي الله عنهم .

وعندما طعن عمر رضي الله عنه كان قد اختار الستة للتشاور في اختيار من يخلفه على أمر المسلمين وجعل الحكم للأكثرية وذلك فيما رواه مسلم والإمام أحمد في حادثة وفاته رضي الله عنه عن معدان بن أبي طلحة أن عمر بن الخطاب خطب (.......... فإن عجل بي أمر فالخلافة شورى بين هؤلاء الستة ..... الحديث ) .

(جـ) وفهم هذه الوجهة علماء الأمة ومصابيحها . فأرشدوا إليها ونصحوا بها . ذكر الطبري في تفسيره لقوله تعالى :" وشاورهم في الأمر " : يتشاورون بينهم ثم يصدروا عما اجتمع عليه ملؤهم . وقال الإمام الغزالي : فإن اختلفوا كان النظر إلى الأكثرية .

وقال الإمام الماوردي : إذا اختلف أهل المسجد في اختيار إمام عمل على قول الأكثرية .

وقال صاحب المنار في سياق نفسيره لآيات معركة أحد : (أنه على الرغم من الرؤيا التي رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وفسرها على ما حدث في أحد أن دلائل المكث في المدينة تشير إلى خيرية المكوث فإنه أخذ صلى الله عليه وسلم برأي الأغلبية من الصحابة بالخروج ) .

وجعل عبد القادر عودة الأخذ بالأغلبية من قواعد الشورى التي لا تقبل التعديل أو التبديل لوجود النصوص التي تدعمها وجعل من النصوص التي تدعمها أخذه صلى الله عليه وسلم برأي الأغلبية في الخروج إلى خارج المدينة يوم أحد على الرغم من أن رأيه صلى الله عليه وسلم ههو البقاء في المدينة .

ولكنه نزولا عند رأي الأغلبية في مجلس شورى ذلك اليوم نهض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولبس لأمته وخرج بالناس ، قال عودة : " وقد سارع الرسول بتنفيذ رأي الأغلبية بالرغم من مخالفته لرأيه الخاص الذي أظهرت الحوادث فيما بعد أنه كان الرأي الأحق بالاتباع " .

(د) وكذلك القاعدة الفقهية المعروفة (بالجمهور) فإنها تعد ترجيحا للأمر المختلف فيه برأي الأكثرية .

(هـ) وكذلك القواعد الحديثية وملخصها أن كثرة الرواة للحديث تجعله متواترا أو مشهورا ... وكثرة الطرق ترفع الحديث من الضعف إلى القوة ، واعتبارهم مخالفة الثقة للثقات شذوذا .

فمن هذه الوعرة الوافرة من الأدلة نفهم أن رأي الأكثرية من أهل الشورى هو المرجح للأخذ به وأنه ملزم للأقلية في المجلس ولو كان الأمير أو الخليفة في تلك الأقلية .

ولا مكان هنا لهل نتيجة الشورى ملزمة أو معلمة للخليفة ؟ بعد سرد هذه الأدلة حيث الأمير أو الرئيس بالمنظار الإسلامي العام أداة تنفيذ أحكام الإسلام ومن أحكام الإسلام ما تجمع عليه الأغلبية من الأمة الإسلامية وعليه فهو ملزم بتنفيذه .

وأما الذين يحتجون على عدم الأخذ بالأغلبية بحادث أبي بكر رضي الله عنه يوم الردة ، وإصراره على تولية أسامة على الجيش ، فأمر مردود على أصحابه بأبسط الحجج .

1- ففي يوم الردة لم يبال أبو بكر رضي الله عنه برأي الأكثرية لوجود النص في الحديث المتواتر (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى ) .

2- وأن أبا بكر رضي الله عنه ظل يناقش الناس في هذا الأمر حتى اقتنعوا برأيه وأيدوه عليه ومن صور هذه المناقشة ما أخرجه مسلم وغيره عن أبي هريرة رضي الله عنه لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبوبكر وكفر من كفر من العرب قال عمر : كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قال : لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله ، فقال أبو بكر : والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة فإن الزكاة حق المال والله لو منعوني عقالا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها قال عمر :

فو الله ما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق .

3- فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعلن رجوعه عن معارضته لأبي بكر رضي الله عنه وهو يمثل زعيم المعارضة في هذه المسألة .

وأما في قضية إصراره على تولية أسامة على الجيش على الرغم من المعارضة لهذه التولية فقد كانت التولية أصلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلا يحق لأبي بكر أن يقيل من ولاه سول الله صلى الله عليه وسلم ولا يحق لأحد أن يعارض في ذلك .

(ز) والخلاصة : أنه يجب الأخذ برأي الأكثرية في مجلس الشورى لما أسلفنا من الأدلة ولأن مسألة يوم الردة وتولية أسامة ليستا من موضوع الشورى لوجود النص فيهما ولاقتناع جبهة المعارضة برأي أبي بكر رضي الله عنه .

وقولنا بوجوب الأخذ بالأكثرية لا يدخل تحت نطاق البرلمانات في البلاد الديمقراطية لأن قواعد الشورى عندنا غيرها .

فهم يعطون للأكثرية الحق المطلق في التحليل والتحريم أما الإسلام فلا ، حيث القاعدة فيه لا شورى مع النص .

ولا قيمة للأكثرية أمامه .

والله الموفق .


الفصل الثالث الإمامة العظمى

المبحث الأول لمحة تاريخية عن الخلافة وتعريفها

بعد أن بينت في الفصل الثاني الشورى لغة ، وأهميتها في حياة الناس وحكمها الشرعي وأنها واجبة على كل حاكم مسلم ، ثم ذكرت نبذه عن الشورى في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ووزيريه أبي بكر وعمر ، وشروط أهل الشورى ، وفي أي الأحكام الإسلامية تكون الشورى وما المرجح عند الاختلاف في موضوع الشورى .

وأن أهل الشورى ينبثقون من سواد الأمة ، ثم الكيفية التي يتم بها ذلك الانبثاق بعد بيان ذلك كله ، أشرع في الركن الثاني من هيكل جماعة المسلمين ، وهو الخليفة المنبثق من مجلس الشورى . 1- لمحة تاريخية :

بعد الحديث عن الأمة ومقوماتها ، ومجلس الشورى وترتيباته ، نتقدم خطوة نحو الرأس أو القمة وهي الخلافة أم الإمامة العليا في الأمة الإسلامية .

فالخلافة بدأت بسيدنا آدم عليه السلام ثم ذريته من بعده من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم بإحسان .

كلما أفل نجم خلفه كوكب ينير لهذه البشرية طريقها عندما تغشاها ظلمات الغفلة ويعيدها إلى خط سيرها الصحيح عندما تتعثر خطاها .

ولقد أنارت تلك النجوم طريق الأمم قاطبة على اختلاف أزمانها ومواقعها من الأرض قال تعالى : "وإن من أمة إلا خلا فيها نذير " .

وجاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم خاتما لهذه السلسلة من الرسل الأبرار والأنبياء الأطهار . فأقام على هذه الأرض ما شاء الله له أن يقيم مبلغا دعوته خير تبليغ , ومؤسسا دولته أفضل تأسيس حتى أكمل الله تعالى دينه ودخل الناس في ذلك الدين أفواجا .

فسبح صلى الله عليه وسلم بحمد ربه واستغفره حتى غادر وجه هذه الأرض إلى لقاء ربه في واسع جناته .

وبعد أن صعدت روح خاتم الأنبياء وسيد المرسلين إلى بارئها ، وقبل أن يوارى جسده الطاهر في مرقده الأخير ، اختارت الأمة خليفتها الذي سيقوم بأمرها بعد نبيها وكان يوما مشهودا ، وعاش ذلك الراشد ما شاء الله له أن يعيش ، ثم لحق بصاحبه صلى الله عليه وسلم ليخلفه الفاروق ومن بعده عثمان وعلي رضي الله عنهم في صورة خلافة راشدة على نهج النبوة وهديها .

وطويت تلك الصفحة البيضاء في اليوم الذي امتدت اليد الأثمة مجهزة على صدر العترة المباركة على بن أبي طالب كرم الله وجهه .

ثم دخلت الأمة في صفحة من الحكم جديدة توارث الخلافة فيها بنو أمية في الشام . ثم اتصلت الخلافة بعدهم وعلى نهجهم الوراثي في صورة بني العباس مترعرعة في العراق منقولة بعد ذلك إلى مصر حتى جاء السلطان سليم وبه انتهت الخلافة العباسية ، ثم من بعدها الخلافة العثمانية والتي مثلت السطر الأخير من الصفحة التي كان السطر الأول فيها دولة بني أمية . وهذه الصفحة من سطرها الأول إلى سطرها الأخير تمثل الطور الثالث من الترتيب النبوي لأطوار الحكم الذي سوف تمر به الأمة منذ بعثته عليه الصلاة والسلام .

فعن النعمان بن بشير قال : كنا قعودا في مسج رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان بشير رجلا يكف حديثه بجاء أبو ثعلبة فقال : يا بشير بن سعد أتحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأمراء فقال حذيفة: أنا أحفظ خطبته فجلس أبو ثعلبه الخشني فقال حذيفة : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :

(أ) تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها .

(ب) ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها .

(جـ) ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها .

(د)ثم تكون ملكا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إلذا شاء أن يرفعها .

(هـ) ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ........ .

وذلك الطور هو طور الملك العاض ، وفي سنة 1924 ، أعلن المجلس الوطني في تركيا خنق ذلك الطور من الترتيب النبوي وبهذا الإعلان الذي انتهت بموجبه الخلافة العثمانية ودعت الأمة الإسلامية طور الملك العاض لتبدأ في طور الملك الجبري وهو الطور الذي تعايشه الأمة هذه الأيام في صورة الانقلابات العسكرية وغيرها .

ولا ندري متى يرفعه الله ، لتسعد الأمة الإسلامية بل البشرية قاطبة بالطور الجديد ، ذلك الطور هو طور الخلافة على منهاج النبوة وهو الطور الذي تصبوا إليه الأمة الإسلامية والبشرية كافة ، لأنه وحده الذي يملك حل كل مشكلاتها ، وأسباب إسعادها ، وهو الذي سأكتب ما شاء الله لي كتابته من معالم الطريق إليه .

أسأله سبحانه الإعانة والتوفيق إنه على كل شيء قدير .

2- تعريف الإمامة :

وبعد هذه اللمحة التاريخية عن مراحل الحكم في الأمة الإسلامية أشرع في بيان الركن الثاني في هيكل جماعة المسلمين الإمام وهو صاحب الإمامة الكبرى في الأمة وهو الذي يرشحه أهل العقد والحل في مجلس الشورى لتيسير شئون العباد والبلاد على نهج رب العباد .

وعلى الرغم من أن ألفاظ إمام أو خليفة أو أمير المؤمنين كلها تصب في قالب واحد وهو اللقب الذي يطلق على القيادة العليا في الأمة ، إلا أن لكل لفظ منها ملابساته ومغزاه السياسي والتاريخي والتفردمن حيث الوضع اللغوي .

ونحن في هذه العجالة لا يهمنا إلا ذلك المنصب ، أي القيادة العليا في الأمة والتي تمثل رأس هيكلها العام سواء أطلق عليه إمام أو خليفة أو أمير المؤمنين أو أي اسم من الأسماء المتعارف عليها في العهد والزمان الذي سيحل على الأمة مستقبلا تحكم فيه بشرع ربها وسنة نبيها وهو قريب إن شاء الله تعالى .

لأن الأسماء والألقاب ولو أنها قد تعارف عليها علماء المسلمين لا يتعدى صاحبها تحت أي لقب منها كونه إدارة تنفيذية لشريعة قد حددت معالمها من قبل الرب سبحانه وتعالى ، فليس لأحد من خلقه حق الزيادة عليها أو النقص منها ، ولو كان خليفة المسلمين وهو أعلى سلطة تنفيذية في الأمة على الإطلاق .

وأحسب أن هذه القاعدة من بديهيات الدين فلا حاجة لسرد أدلة عليها وهي التي لا تحتمل تفسيرا أكثر من أنها بديهية .

وما الإجماع أو القياس أو غيره من مصادر التشريع إلا أبنية تقوم على قواعد من كتاب الله تعالى أو سنة رسوله فهي وإن كانت أبوابا لاحتواء كل جديد في حياة الأمة الإسلامية في أي زمان أو مكان إلا أنها في نطاق كليات الكتاب الكريم والسنة المطهرة ، وسنخص بالكتابة والتعريف لفظ الإمام لشموله على إمامة الدين والدنيا .

والله الموفق .

(أ) الإمام في اللغة والقرآن الكريم :

فالإمام لغة : كل من ائتم به قومه سواء كانوا على الصراط المستقيم أو ضالين . وكذا يطلق على الخيط الذي يوضع على البناء عند البناء لحفظ استقامته . وكذا يطلق على حادي الإبل وإن كان وراءها .

ومن إطلاق لفظ الإمام على من أم قوما كانوا على الصراط المستقيم قوله تعالى : " واجعلنا للمتقين إمام " " وإذ ابتلى ابراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما " " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين " ومن إطلاقه على أئمة الضلال قوله تعالى : "فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون " " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون " ومن إطلاقه على الجانبين عموما قوله تعالى : "يوم ندعوا كل أناس بإمامهم " .

ويلاحظ من كثرة تكرار لفظة إمام أو أئمة في القرآن الكريم أنها تطلق على أئمة الخير أو الشر إلا أنها أكثر ما تطلق على الهادي إلى الخير والصلاح .

(ب) والإمام عند المفسرين وغيرهم :

عرفه الرازي في تفسيره بأنه : (كل شخص يقتدى به في الدين) . فالشافعي إمام في الفقه والبخاري إمام في الحديث مثلا ...... .

وكما أن إمامة لصلاة تسمى عندهم (الإمامة الصغرى ) فإن القيادة العامة والشاملة في الأمة تسمى عندهم (بالإمامة الكبرى ) .

إلا أن ابن حزم (اشترط عند إرادة الإمامة الصغرى أن يخصص بذكر ما يدل على إرادتها مثل إمام الصلاة) وغيرها لأن المتبادر إلى الذهن عند إطلاق الإمام هو قصد الإمامة الكبرى ، وعرفه أبو الحسن الماوردي بقوله :

(الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ) ، ووافقه التفتازاني فقال أنها : (رئاسة عامة في الدين والدنيا خلافة عن النبي صلى الله عليه وسلم ) . فمن خلال ما سردنا من آيات قرآنية وأقوال علماء اللغة وعلماء التفسير والعقائد نلاحظ أن الجميع يتفقون على أن الإمام : لفظ يطلق على القيادة العامة في الناس وأنه المسؤول الأعلى فيهم وعليه مسئولية صلاحهم في الدين والدنيا .  

المبحث الثاني- حكم نصب الإمام :

(أ‌) أما حكم نصب الإمام فقد حكى ابن حزم اتفاق جميع أهل السنة والمرجئة والشيعة والخوارج على وجوب نصب الإمام ، وأنه يجب على الأمة الانقياد لإمام عادل يقيم فيها أحكام كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

(ب) ولقد أوجب الرب سبحانه وتعالى طاعة ولاة الأمر في أكثر من آية في كتابه العزيز . قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ... الآية " .

ورجح العلماء أن أولي الأمر في الآية هم الأمراء . وأكدت ذلك الوجوب سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم – فقد أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم – قال : " من أطاعني فقد أطاع الله ، ومن عصاني فقد عصى الله . ومن أطاع أميري فقد أطاعني ، ومن عصى أميري فقد عصاني " .

وأخرجا أيضاً عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة " .

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم : " كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون ، قالوا : فما تأمرنا ؟ قال : أوفوا ببيعة الأول فالأول أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم " .

فإذا وجبت طاعتهم بنص الكتاب والسنة فمن باب أولى تجب إقامتهم وتنصيبهم .

(جـ) وعلى وجوب تنصيب الإمام : نقل العلماء (الإجماع) قال الإمام الماوردي : (وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع ) وكذا النووي وابن خلدون .

(د) وتنصيب الإمام واجب بالعقل قال الماوردي (وجبت بالعقل لما في طباع العقلاء من التسليم لزعيم يمنعهم من التظالم ويفصل بينهم في التنازع والتخاصم ) .

هذا التنازع والتخاصم الناتج عن الأمر الفطري والطبيعي في الإنسان ألا وهو أن هذا الإنسان اجتماعي ، وهذه الاجتماعية نتج عنها التمدن والعمران وهذه الدنية والعمران ينتج عنهما احتكاك الناس بعضهم مع بعض فتكون النزاعات والاختلافات التي لا يمكن أن تحل بدون دولة وإمام .

(هـ) والحاكم في الأمة الإسلامية ترتبط به أكثر أحكام الدين من حيث التنفيذ أو الإذن بها فهو الذي يعلن الجهاد ، وهو الذي يقيم الحدود وهو الذي يقيم الصلوات .

(ب) ولقد عبر الرسول صلى الله عليه وسلم عن أهمية وجود الإمام بقوله : " ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية ... " الحديث ولا بيعة إلا بإمام .

ويشهد لهذا المعنى ما جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "من كره من أميره شيئا فليصبر فإنه من خرج من السلطان شبرا مات ميتة جاهلية " وفي رواية : " ...... فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات فميتته جاهلية " .

قال ابن الأثير عند شرحه لهذا الحديث :

من فارق الجماعة فميتته جاهلية معناه كل جماعة عقدت عقدا يوافق الكتاب والسنة فلا يجوز لأحد أن يفارقهم في ذلك العقد فإن خالفهم فيه استحق الوعيد وعند قوله فميتته جاهلية أي على ما مات عليه أهل الجاهلية قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم من الجهالة والضلالة .

(ز) وأدرك الصحابة رضي الله عنهم أهمية هذا الأمر فما أن لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه حتى هرع الصحابة كل من جانبه في البحث عمن ينوب ويخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في تسيير أمور الأمة فالأنصار يجتمعون في سقيفة بني ساعدة لترشيح أميرهم ويلحق بهم المهاجرون لنفس الغرض ولم ينفض الاجتماع حتى كان الصديق خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم .

هذا كله ورسول الله صلى الله عليه وسلم على فراش موته لم يدفن بعد .

وعبر أبو بكر الصديق رضي الله عنه عن هذه الأهمية لهذا الأمر العظيم في خطبته الشهيرة :

(إن محمدا قد مضى بسبيله ولابد لهذا الأمر من قائم يقوم به فانظروا وهاتوا آرائكم ) .

فهتف الناس من جوانب المسجد صدقت يا أبابكر لعلمهم أنه لا يمكن للأمة أن تسير بدون قائد . ولقد أدرك الشاعر أهمية هذا الأمر عندما أنشد :

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا

(جـ) كل هذه الأمور تستوجب إقامة إمام ، لأن الأمة دونه تظل في اختلاف واضطراب بدون نصب الإمام ، وتبقى أحكام الإسلام وتعاليمه مجمدة بعيدة عن حياة الناس وحركة حياتهم ، وهذه ظاهرة نرجو الله تعالى زوالها والتعجيل بإمام يقود الأمة على نهج نبيها صلى الله عليه وسلم إنه سميع مجيب .

والأمة في هذا الباب لا تخرج عن واحدة من مرحلتين :

1- أن تحكم من قبل خليفة واحد يسير أمورها .

2- أو تسير في الطريق الموصل لإقامته ، وإلا فالأمة آثمة ومقصرة في هذا الباب .

2- نوع الوجوب :

بعد أن قررنا وجوب نصب الأمة للإمام الذي يتولى إدارة أمور دنياها وحفظ دينها ، نشرع في نوعية هذا الوجوب ، هل هو وجوب عيني ؟ أو هو من باب الوجوب الكفائي ؟ .. وقبل أن نعين ذلك الفرض يحسن بنا تعريف كل واحد من هذين الفرضين : قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله نقلا عن ابن قدامة رحمه الله :

(اعلم أولا : أن الوجوب في اللغة هو سقوط الشيء لازما محله كسقوط الشخص ميت ، فإنه يسقط لازما محله لانقطاع حركته بالموت ، ومنه قوله تعالى : "فإذا وجبت جنوبها " أي سقطت ميتة لازمة محلها ، وقوله صلى الله عليه وسلم في الميت : " فإذا وجبت فلا تبكين باكية " وقال ويطلق الوجوب على اللزوم في الاصطلاح وهو ما توعد بالعقاب على تركه .

وينقسم الواجب باعتبار فاعله إلى واجب عيني وواجب على الكفاية ، فالواجب العيني هو ما ينظر فيه الشارع إلى ذات الفاعل ، كالصلاة ، والزكاة ، والصوم ، لأن كل شخص تلزمه بعينه طاعة الله عز وجل ، لقوله تعالى " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " ، وأما الواجب على الكفاية فضابطه : أنه ينظر فيه الشارع إلى نفس العمل بقطع النظر عن ذات الفاعل ، وذلك كدفن الميت ، فإنه لم ينظر إلى عين الأشخاص الذين يدفنون الميت ، وإنما ينظر إلى نفس العمل الذي هو الدفن .... ) أ.هـ.

فيفهم مما سبق من تعريف فرض الكفاية أن الشارع ينظر إلى فرض الكفاية إلى فعل ذلك الأمر المطلوب إقامته .

هل أقيم أو لا ؟ وأن المطالب بالإقامة لذلك الأمر ليس زيدا أو عمرا بعينه ، وإنما الأمة كلها مطالبة بإقامة ذلك الفرض حتى يقام ، فإن لم تقمه الأمة أو بعضها فإن كل فرد فيها آثم إثم تفريطه في فرض عيني هو مطالب به شخصيا ، كالصلاة ، والزكاة ، مثلا ، وأنه لا يسقط وجوب ذلك الأمر الذي هو فرض كفاية إلا بإقامته إقامة تامة ، فالجنازة مثلا تجهيزها والصلاة عليها ودفنها فرض من فروض الكفاية ، فإذا جهزت ولم يصل عليها ففرضها قائم ولم ينته ، وإذا جهزت وصلى عليها ولم تدفن ففرضها قائم ولم ينته ، فإن جهزت وصلى عليها ودفنت فقد أقيم فرضها وسقط الإثم عن الأمة ، وإن لا فلا .

فإذا تقررت هذه القاعدة فإن إقامة الإمامة في الأمة الإسلامية من فروض الكفاية كما ذكر ذلك الإمام أبو الحسن الماوردي بقوله : " فإذا ثبت وجوب الإمامة ففرضها على الكفاية كالجهاد " أي أنه مطلوب من الأمة كافة إقامتها ، فإن إقامتها بأن أصبحت الأمة تحكم من قبل خليفة واحد ، وأن كل أقطار العالم الإسلامي دولا وشعوبا تدين لذلك الخليفة بالولاء فقد أقيمت الإمامة العظمى التي هي فرض كفاية وإن لم تقم الخلافة بهذه الصفة فالأمة لا تزال مطالبة بالفرض وأنه لم يسقط عنها حتى تقيمه ، أو تسير في خطوات توصل إلى إقامة الخلافة في الأمة ، وعليه فالأمة لا تخرج من واحد من طريقين لا ثالث لهما كما ذكرنا سابقا :

الأول : أن تستعد وتعمل لإقامة الإمامة فيها كما حدث في سقيفة بني ساعدة في الفترة من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أن انتخب الخليفة الراشد أبا بكر الصديق رضي الله عنه خلفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإمام للمسلمين ، أو أيام الشورى بعد وفاة عمر رضي الله عنه ، فإن هذه الفترة هي ما نسميها بالاستعداد لإقامة الإمام لأن الأمة في حالة سعي لإقامة الإمام .

الثانية : تنصيب الإمام حتى يقام ويبايع وبدون أن تكون الأمة في واحدة من هاتين المرحلتين فهي آثمة مقصرة .

قال الدكتور ضياء الدين الريس : (فالإمامة إذن فرض كفاية الأمة كلها مسئولة عن أدائه وإذا لم توجد فيحكم على الأمة كلها متضامنة بأنها عاصية لأنها أخلت بأحد الفروض الهامة التي أوجبها الشارع ) .

وعلى هذا فإن الذين يحسبون أن هذا الفرض قد سقط عنهم بحجة أن بعض الجماعات الإسلامية قد جعلت من إقامة الخلافة هدفا لها وغاية من غاياتها فأولئك خاطئون ، وإن جعلت بعض الجماعات إقامة الخلافة هدفا من أهدافها لأن إمكانيات هذه الجماعات لا توصل إلى أهدافها فواجب الأمة التكاتف معها ، ولأن الفرض لم يسقط بعد – لأنه لم ينصب خليفة على الأمة إلى هذه اللحظة وفرض الكفاية كما تقدم لا يسقط عن الأمة فعله إلا بعد أن يقوم به البعض ، فإن لم ينته هذا البعض من إقامة ذلك الفرض الكفائي فإن الأمة قاطبة مطالبة بذلك .

ومن المؤسف أن أكثر الأمة عن هذا الفرض غافلون ، وبعضهم متكل على غيره في إقامة ذلك الخليفة ، ونتج عن هذه الغفلة وهذا الاتكال أن طال زمن ضلال الأمة واتسعت فترة شقوتها وهوانها على الأمم ، ببقائها بدون إمام يسوس دنياها ويصون دينها ويعلي كلمتها .

هذا إذا أحسنا الظن بهذه الكثرة أما إذا وجدت من يقول لك هذه سياسة ولعن الله السياسة ، واعتكف في صومعة أو غار في ذلة ، تاركا ما لله لله وما لقيصر لقيصر ، فهذا ونعوذ بالله قد احتمل إثم التفريق بين الدين والدولة إلى جانب إثم تقصيره عن العمل لإقامة خليفة ، يحكم الأمة بكتاب ربها وسنة نبيها ، ومن هؤلاء في الأمة كثير وكثير جدا .

والحقيقة التي لا بديل عنها أنه لا يمكن أن تقوم الإمامة في الأمة حتى تتضامن وتتعاون جميعها على السير في طريق إقامة الخلافة ، وعند إقامة الخلافة تستقيم كافة الأمور في الأمة ويصلح حالها ، وبدون هذا التضامن فلا يمكن للخلافة أن تقوم ومن ثم فلا صلاح للأمور ولا خروج من الضلال .

3- شروط الإمام أو الخليفة :

والإمام الذي ترشحه الأمة لقيادتها لابد أن تجتمع فيه شروط وصفات خاصة ، تؤهله لهذا المنصب الخطير ، وقد أشار العلماء إلى هذه الشروط ، بعضهم بإيجاز ، وأخرون بإسهاب ، فمنهم من جعلها أربعة ، ومنهم من جعلها سبعة ، ومنهم من جعلها عشرة ، وعلى كل التقسيمات ، فإنهم على اتفاق في الأساسية منها .

فالإمام الماوردي عددها سبعة بقوله : " وأما أهل الإمامة فالشروط المعتبرة فيهم سبعة :

1- العدالة على شروطها الجامعة .

2- العلم المؤدي إلى الاجتهاد في النوازل والأحكام .

3- سلامة الحواس من السمع والبصر واللسان ليصبح معها مباشرة ما يدرك بها .

4- سلامة الأعضاء من نقص يمنع عن استيفاء الحركة وسرعة النهوض .

5- الرأي المفضي إلى سياسة الرعية .

6- الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو .

7- النسب بأن يكون من قريش .

(أ) فالعدالة التي هي رأس الشروط والتي جعلها الفقهاء من الشروط العامة في كل الولايات على الإطلاق فهي من باب أولى في الشخص المرشح لمنصب الإمامة العظمى والتي من أهم أركانها صدق صاحبها وبعده عن الكذب ، وكونه أمينا على مصالح الأمة ، وعفيفا عن المحارم ، متوقيا المأثم ، بعيدا عن الشبه والريب ، مأمونا في الرضا والغضب ، صفته العامة المروءة في دينه ودنياه ، فالكاذب لا يصلح للإمامة ، وكذا الخائن والغارق في المأثم والريب ، والمتخلي عن صفات المروءة والأخلاق الحسنة ، وقد سماها الإمام الغزالي بالصفة التي لا يمكن استعارتها أو تحصيلها من جهة الغير ، لأنها صفة ذاتية تتعلق بالشخص نفسه ، فالذي لم يقدر على كبح نفسه وتسييرها في الخط الذي يريده الله تعالى .

فمن باب أولى لا يستطيع أن يكبح جماح نفوس الأخرين ، والإمامة من أبرز مهامها تسيير الأمة في الخط الذي رضيه الله تعالى لها .

ولقد قيل (فاقد الشيء لا يعطيه ) .

(ب) وكذا العلم الذي يقتضي أن يعرفه الإمام من القرآن والسنة الخاص والعام ، والمبين والمجمل ، والناسخ والمنسوخ ، ومتواتر السنة وغيره ، والمتصل والمرسل ، كذا حال الرواة من حيث القوة والضعف . ثم لسان العرب لغة ونحوا ، ثم معرفة أقوال العلماء صحابة وغيرهم ، اجتماعا واختلافا ، ثم الإحاطة بباقي مصادر الدين من قياس وغيره .

وقد لخص ذلك الإمام الماوردي في الأحكام بقوله  : (ويشترط أن يكون عالما بالأحكام الشرعية وعلمه بها يشتمل على أصولها ، والارتياض بفروعها ، وأصول الأحكام في الشرع أربعة :

أحدها : علمه بكتاب الله عز وجل ، على الوجه الذي تصح به معرفة ما تضمنه من الأحكام – ناسخا ومنسوخا ، ومحكما ومتشابها .

الثاني: علمه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة من أقواله وأفعاله وطرق مجيئها .

الثالث : علمه بتأويل السلف فيما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه .

الرابع: علمه بالقياس لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها ، حتى يجد طريقا إلى العلم بأحكام النوازل ، وقد ترجم الدكتور ضياء الدين الريس في النظريات السياسية هذا الشرط بقوله :

(فإذا شئنا أن نترجم هذا الشرط إلى لغة حديثة ، قلنا : إنه يشترط إذاً أن يكون الإمام وكذلك وزير التفويض والأمير العام عالما بالعلوم الآتية :

علوم التفسير ، الحديث ، تاريخ التشريع ، تاريخ الدولة الإسلامية ، الأصول ، المنطق ، علوم اللغة العربية).

وأضاف بقوله : (والاجتهاد لا يكمل الآن إلا إذا أضيف إلى ما تقدم دراسات : سياسية ، واقتصادية ، واجتماعية ، وقانونية ) .

هذه العلوم هي مرحلة ما قبل الإمامة حيث الإمامة هي نتيجة الاجتهاد ، والاجتهاد نتيجة للتضلع بهذه العلوم ، فيفهم من ها الشرط وما قبله ، إن الجاهل لا يصلح للخلافة ، وكذلك الفاسق . لأن الإمام هو صدر الفتوى في الأمة ، ومن ثم فلا يصح أن يتصدر هذا المركز إلا كل من أحاط بأصول الدين علما وبمعالم التطور العصري فهما وإدراكا .

(ب) وأما الشرط الثالث والرابع وهما من التكامل الجسدي فقد توسع فيه الإمام الماوردي .

(د) وأما الشرط الخامس والذي هو الرأي المفضي إلى سياسة الرعية .

(هـ) والسادس وهو الشجاعة والنجدة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو ، فإنهما يأتيان لتحقق الإنسان بالشرطين الأول والثاني .

فالإنسان الذي وصل إلى العدالة ورعا وتقوى ، وإلى الاجتهاد معرفة وعلما ، هو في الغالب ومن باب أولى سيكون متصفا بالحنكة في سياسة الرعية والشجاعة المؤدية إلى حماية البيضة وجهاد العدو لأنها من أوليات نتائج العلم والمعرفة .

والخلاصة : أن الأمة في حاجة ماسة إلى رجال عدول ، في زمن كل شيء فيه ملوث بالخيانة ، وإلى علماء ربانيين يسددون خطاها ، في زمن تولى زعامة هذه الأمة جهالها وأراذلها ، ولقد طال ليل ذلك الزمن ، فهل من فجر قريب ؟! .. .

هذه هي الشروط التي يمكن أن نقول أن الناس فيها على اتفاق .

4- اختلاف العلماء في شرط النسب :

وأما الشرط الأخير وهو الشرط السابع وهو أن يكون الإمام أو الخليفة قرشيا ، فإن فيه وجهات نظر مختلفة ، فأهل السنة يكونون وجهة نظر عبر عنها الإمام الماوردي بقوله : (والسابع النسب وهو أن يكون من قريش لورود النص فيه وانعقاد الإجماع عليه ) وأيده في ذلك ابن حزم بقوله : (بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن الأئمة من قريش في رواية جاءت مجيء التواتر ، وإذعان الأنصار لهذه الحجة يوم السقيفة أمر من المحال التنازل عن اجتهادهم بدون ثبوت حجة الطرف الثاني ، وهم أهل العدة والعدد ) وخالفهم فيها الخوارج وجمهور المعتزلة .

نقل ابن حزم رأيهم فقال  : (وذهبت الخوارج كلها وجمهور المعتزلة وبعض المرجئة إلى أنها جائزة في كل من قام بالكتاب والسنة قرشيا كان أو عربيا أو ابن عبد ) .

وقال : ابن خلدون معللا ذلك لهم  :

(إن الحكمة في اختصاص قريش بهذه الميزة ، أنها كانت صاحبة عصبية ومركز زعامة يعترف بها كل العرب ، فكان تخصيص الشرع الولاية لقريش أدعى إلى انتظام الشمل ، واجتماع القلوب ، وعليه فمتى وجدت العصبية لشخص ارتفع الخلاف حوله ، وسكنت إليه الملة وأهلها إليه ، فكلما وجدت تلك العلة تحقق هذا الشرط في واحد من الناس بصرف النظر عن جنسه ونسبه .)

5- الراجح في شرط النسب عندي :

ووجهة نظر ابن خلدون في هذا الصدد أقرب إلى واقع حركة الأمة اليوم وهي في طريقها إلى إقامة جماعة المسلمين وإمامهم .

فواقع الأمة اليوم أنها مقسمة إلى جماعات تدعو إلى الإسلام ، هذه الجماعات على رأس كل واحدة إمام بايعه أفراد تلك الجماعة على قيادتهم ، فالجماعة التي ستصل إلى إقامة الخليفة ستصل إليه وقد أعطت ولاءها لقيادتها من حين تأسيسها أو من حين توليه قيادتها بصرف النظر عن نسبه ، وستطلب من المسلمين إعطاءه ولاءهم ، والبيعه له ، سواء وصلت هذه الجماعة إلى الحكم عن طريق الائتلاف أو عن طريق الانتخابات العامة كما هو معروف ، أو عن طريق الثورة .

وأقرب مثال على ذلك ما حدث في إيران عام 1398 – 1399 هـ من قيام الخميني بثورة ، سقطت على أثرها حكومة الشاه ، وتولت البلاد الإيرانية قيادة حركة الخميني المذكور ، وطالبت بقية الشعب بالسمع والطاعة له .

فالخميني هو القيادة لهذه الحركة من تأسيسها في المنفى قبل 15 سنة إلى أن انتصرت في عام 1399 هـ . وهكذا إذا قامت حركة مماثلة في أي بلاد إسلامية فستأخذ نفس الوصف ونفس الطابع . فالقيادة التي بدأت الحركة وأعطى أفراد الجماعة المنتصرة ولاءهم لها ، هي التي ستعلن للناس كقيادة عامة لا يجوز لأحد الخروج عليها .

ثم إن هذه الوجهة تؤيدها آيات وأحاديث عامة كثيرة دون تخصيص لنسب معين .

مثل قوله تعالى : " يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول .... " هذه الآية وغيرها كثير في الأمر بالطاعة لأولي الأمر عموما وبدون تخصيص .

ومثل قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصيني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصى الأمير فقد عصاني " .

فهذا الحديث وغيره كثير واضح في تعميم الأمر على غير قريش .

ثم إن هناك أحاديث صريحة في تأييد وجهة إمكان كون الخليفة من غير قريش مثل الحديث المتفق عليه عن أبي ذر رضي الله عنه قال : " إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبدا مجدع الأطراف " وفي رواية عبدا حبشيا مجدع الأطراف " .

وعند البخاري عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة " .

ومما يؤيد تعميم الأمر على غير قريش تلخيص الحافظ ابن حجر لأحاديث تخصيص الأمر في قريش وجعلها مقيدة باستقامة قريش على دين الله فإذا وجد من أكثر استقامة وكفاءة من القرشي فإنه يقدم عليه .

ومما يؤيد هذه الوجهة أيضا : ما أخرجه أحمد من حديث ذي مخمر الحبشي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم وصيره في قريش وسيعود إليهم " .

ومما يؤيدها كذلك حديث أبي هريرة : " لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه ....." .

فهذا الحديث وغيره يدل على إمكان خروج الخلافة عن قريش ، وهي في نفس الوقت شرعية في الأمة الإسلامية ، لا يحق لأحد الخروج عنها لكونها في غير قريش . والله تعالى أعلم .

6- المتولي صنع القيادات الإسلامية :

وأحب أن أشير إلى نقطة هامة بهذه المناسبة أطمئن بها القلوب المتطلعة إلى ذلك اليوم المشهود ، والذي ستعلن فيه الخلافة الإسلامية على نهج النبوة كما وعدنا سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم بذلك ، وستأتي مثل فلق الصبح قريبا إن شاء الله تعالى ، فلقد طال ليلها ، واقترب فجرها ، وازداد شوق الأمة إليها ، إن الرسول صلى الله عليه وسلم عندما قسم أطوار الحكم الذي ستمر به الأمة كما أشرنا سابقا في مبحث لمحة تاريخية جعل الطور الجبري والذي نحن فيه هو الأخير ، تليه الخلافة على نهج النبوة ، ونحن في هذا العصر نكاد نجمع أنه لا يوجد أي شعب في أي أرض إسلامية إلا وهو مجبور على طاعة السلطة الحاكمة فيه ، وأنه غير راض عنها بحال .

وهذا مصداق خبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم ، والأمة بل والعالم كله يحس بمخاض إسلامي عالمي اليوم سينبثق عنه فجر الخلافة الإسلامية قريبا إن شاء الله تعالى .

والنقطة التي أحببت الإشارة إليها بهذه المناسبة ، هي أن القيادة التي ستعلن ذلك الفجر المنتظر للخلافة على نهج النبوة هي قيادة تولى إعدادها واختيارها رب السموات والأرض ، لأنه هو العالم والمقدر للمهمة الخطيرة التي تنتظر تلك القيادة ، إن ظهور القيادة الإسلامية في الوقت الحاضر يعني مواجهة العالم بشطريه : الشرقي ، والغربي ، وهذه المواجهة تقتضي قوة أكبر من قوتي الشرق والغرب مجتمعتين . وهذه القوة الكبرى هي قوة الله تعالى المطلقة ، ولست في شك أو خيال مما أقول بل هو إيمان عميق ، يقف على أرض صلبة ، يعتمد على أدلة محسوبة ومسلم بها .

وإنني على يقين ، لا يشوبه الشك ، أن القيادة التي ستنقذ البشرية من براثن الشر كفرا وفسادا ستكون من صنع الرب سبحانه وتعالى اصطفاء وتربية ، وحفظا ، بالكيفية التي تليق بجلاله وقدرته . ولقد رأينا كثيرا هذه القدرة الإلهية وهي تصنع القيادات وتربيها ، إنني أكاد ألمس بحواسي تلك الحقيقة وهي تدير الأمور بالسنين الإلهية :

(أ) رأيتها وهي تصنع قيادة لتنقذ المستضعفين في الأرض ، وتحولهم إلى أئمة ، وورثة للأرض كلها . قال تعالى : " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ، ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون " .

وإنها للفتة عظيمة توحيها لفظة "وجنودهما " وفي الآية تلك اللفتة هي أن المواجهة ستكون عسكرية ، لأن ذكر الجند لا يطلق إلا على الجانب العسكري في الدولة ، ولقد كان ذلك يوم تواجه الجمعان ، وخسر يومها الطغيان ، وارتفعت في ذلك اليوم راية الحق والإيمان .

قال تعالى : " فلما تراء الجمعان قال أصحاب موسى إنا لمدركون ، قال كلا إن معي ربي سيهدين ، فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم ، وأزلفنا ثم الآخرين ، وأنجينا موسى ومن معه أجمعين ، ثم أغرقنا الآخرين " .

ويعقب ذلك الإعلان المتضمن إرادة الرب سبحانه إخراج بني إسرائيل من عبادة فرعون إلى عبادته سبحانه ، والسيادة في الأرض بالخطوات العملية في بناء وإعداد تلك القيادة المنتظرة ، بالإشراف المباشر من قبل الرب سبحانه وتعالى :

قال تعالى

1- " وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني " .

2- " واصطنعتك لنفسي " .

3- " وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه " .

4- " " فإذا خفت عليه فألقيه في اليم " .

5- " وإنا رادوه إليك " .

6- " وقالت امرأت فرعون قرة عين لي ولك لا تقتلوه .... " .

7- " إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها " .

8- "وحرمنا عليه المراضع " .

9- " فرددناه إلى أمه ....." .

10- " سنشد عضدك بأخيك " .

11- " فإنني معكما أسمع وأرى " .

وهكذا تتابعت الآيات ، تفصل بترتيب دقيق ، وعناية بالغة صنع الله لموسى ، الذي سيمثل القيادة المنتظرة ، لقد تولى الرب سبحانه تربية موسى الخطوة تلو الخطوة حتى أصبح بحق القيادة التي ستتولى محاربة فرعون وهامان وجنودهما ، وأمد سبحانه هذه القيادة بالقوة والثبات حتى انتصرت عليهم .

(ب) وإني لأكاد ألمس بحواسي تلك العناية وهي تتولى مريم ابنة عمران منذ طفولتها ، بل من قبل ولادتها .

قال تعالى : "إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين .

إذ قالت امرأة عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم . فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا ..... " . لأنها ستلد قيادة للبشرية جديدة ، تلك القيادة هي عيسى ابن مريم عليه السلام .

(جـ) وإنني لأكاد ألمس تلك العناية وهي تنقذ عبد الله بن عبد المطلب من القتل للمرة الثالثة في قصة النذر لا لسواد عين عبد الله ولكن لأن في صلبه محمدا رسول الله الذي سيصبح فيما بعد رأس القيادة التي ستتولى قيادة البشرية إلى الأبد ، تلك القيادة هي الأمة الإسلامية .

وقد يقول قائل أن هذه القصص في مستوى النبوة ولا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم .

فأقول بل تولت عناية الله تعالى قيادات من البشر في أمة محمد صلى الله عليه وسلم منها ما يلي :

• لقد تولت العناية اختيار أبي بكر رضي الله عنه للقيادة في أشد أوقات الأمة صعوبة .

عبر عن ذلك عمر رضي الله عنه " بأنها فلتة " اختير أبو بكر رضي الله عنه وأثبت أن غيره لم يكن يصلح لهذه المرحلة . واجتاز بالأمة أمواج الفتن إلى سواحل النجاة .

• وجاء بعده عمر رضي الله عنه اختيارا من الرب سبحانه وتعالى بدون منازع لأنه يمثل الشخصية الوحيدة فيما امتاز به عن الصحابة رضي الله عنه من صفات القيادة بشهادة التاريخ .

• وقصة صلاح الدين الأيوبي  : منذ ولادته ثم باقي تطورات حياته .

تدل دلالة قاطعة أن المتولي الإشراف على تربية صلاح الدين قوة تعلم لماذا ولأي شيء يهيأ صلاح الدين .

إن المتصفح لتاريخه يجد أنه في ليلة مولده صدر على والده أمر من حاكم بغداد بالنفي والترحيل من بغداد ، وكان صلاح الدين في تلك الليلة شديد البكاء والصياح ، فهم والده نتيجة لما هو فيه من اضطراب حاله بذبحه واستعد لذلك ، فإذا بنصراني من أهل بغداد ينقذ صلاح الدين من موت محقق يأخذه إلى بيته ، ثم كيف تولى صلاح الدين السلطة في مصر وكيف ضم إليها الشام وكيف كان ينجو من عشرات المؤامرات لاغتياله ، وكيف كان يتفوق في إدارة المعارك ضد عدوه .

كل هذه الإلهامات بالتوفيق والنجاح ، لأن صلاح الدين سيمثل قيادة تعيد إلى الإسلام مجده ، وتنصر أمة غزاها الصليب في عقر دارها ، ودنس بالاحتلال ثالث مساجدها المقدسة لنيف وتسعين عاما ، هذا أبو بكر وعمر وصلاح الدين نماذج لأمثلة كثيرة تولى الرب سبحانه أمرها اصطفاء وإعدادا وحفظا ، والقيادة التي ستتولى زعامة الخلافة على نهج النبوة ستكون تلك النماذج إن شاء الله تعالى ، فلا أرى أن يختلف أحد في شر أحد في ما هيتها ، ومن هي وما نسبها .

وليس معنى ذلك دعوة الأمة إلى التواكل ، إنما أقصد بذلك تعين الجهة التي ستتولى صنع القيادة ليجد المسلمون في التوجه إليها بالوسائل التي شرعتها تلك الجهة وهي الله تعالى شأنه .

ثم إن من سنن الرب سبحانه وتعالى في صنع تلك القيادات أن يلهم البشر الطريق الصحيح إلى صناعة تلك القيادات فتصنع بتوجيه منه سبحانه وتعالى وإرشاد ، وهذا ما يلحظ من نفس الآيات التي استشهدنا بها على توليه التوجيه المباشر لصنع القيادات فأم موسى مثلا هي التي قامت بإرضاعه وأخته دلت على المرضعة ، وزوجة فرعون تولت الدفاع عنه ، والرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى هو الذي أخبر موسى بمكيدة القتل التي كانت تحاك ضده ، وشعيب هو الذي تولى إتمام تربيته ، وهارون الذي شد الله به أزره إلى آخر مراحل حياة موسى عليه السلام .

فالمقصود إذا من إثارة نقطة أن الله تعالى هو الذي يتولى صنع القيادات الدلالة عليه سبحانه ليقصده الراغبون في إعادة الخلافة إلى الأمة الإسلامية لتعود إليها عزتها وقوتها ، وليتوجهوا إليه يطلبون الهداية والإرشاد والتسديد .

قال تعالى : " والذين جاهدوا فينا لنهديهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين " .

والله تعالى أعلم وهو على كل شيء قدير .  

الفصل الرابع أهم أهداف جماعة المسلمين ووسائلها

المبحث الأول أقسام أهداف جماعة المسلمين

وبعد أن أوجزت الكتابة عن هيكل جماعة المسلمين ، وبينت أنه مكون من قاعدة هي الأمة ، وركنين هما مجلس الشورى ، والخليفة ، أختصر أهم أهداف الجماعة وهي قسمان :

الأول : أهداف خاصة بالأمة الإسلامية نفسها .

الثاني : أهداف عامة بالبشرية كلها . 1- أهم الأهداف الخاصة بالأمة الإسلامية ما يلي : (أ‌) بناء الفرد المسلم وإعادة الشخصية الإسلامية إليه بعد أن مسختها الحضارة الجنبية بشطريها الغربى والشرقى .

(ب) بناء الأسرة الإسلامية وإعادة طبيعتها إليها لتقوم بواجبها الذى هو الإسهام فى تخريج الإنسان المسلم الحقيقى .

(ج) بناء المجتمع المسلم الذى يحمل الإسلام دعوة وسلوكا ، بحيث ترى البشرية حقيقة الإسلام الحنيف صورة متحركة على هذه الأرض .

(د) توحيد الأمة المسلمة من أقصاها إلى أقصاها لتكون كتلة واحدة في وجه معسكر الكفر والشرك والنفاق .

بحيث يسمع لها إذا قالت ، ويخشى بأسها إذا تحركت .

إن الأمة المسلمة بواقعها الحالي ، أفرادا وأسرا ومجتمعات بعيدة كل البعد عن حقيقة الإيمان بربها وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره عقيدة ، كما أنها بعيدة كل البعد عن حقيقة الإسلام المتمثلة في صلاتها وزكاتها وصومها وحجها عبادة .

كما أنها بعيدة كل البعد عن أحكام الإسلام وتعاليمه . شريعة وقانونا .

ولهذا يجب على جماعة المسلمين أن تجعل هدفها الأساسي هو إعادة الأمة المسلمة أفرادا وأسرا ومجتمعات إلى حقيقة دينها الحنيف . ثم تنتقل بعد ذلك إلى البشرية كافة لتعرض عليها الإسلام ، وتطالبها بالدخول في السلم كافة ، أو تخضع لأحكامه .

2- الأهداف العامة لجماعة المسلمين :

وأما أهم الأهداف العامة الشاملة لكل البشرية فقد حددها كتاب الله تعالى شأنه وبينتها سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم .

الهدف الأول : أن تعبد البشرية ربا واحدا :

بين الله سبحانه وتعالى أن الغاية من خلق الجن والإنس هي عبادة الله سبحانه وتعالى كما في قوله تعالى : " وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون " .

وأرسل سبحانه عليهم السلام لتبين تلك الغاية السامية قال تعالى : " ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت " .

وقال تعالى : " إنا أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا وإن من أمة إلا خلا فيها نذير" .

ورسولنا صلى الله عليه وسلم هو آخر أولئك الرهط الكريم عليهم السلام .

وجماعة المسلمين بشطريها – السلطان والعلماء – هو الوارثة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في مواصلة السير بهذه الغاية العظيمة ، تبينها وتوضحها للبشرية ، وتقهر كل عقبة تقف في طريق سيرها لتبليغ غاية ربها التي خلق البشر من أجلها ، وهي توجيههم لعبادة الله وحده ، على المنهج الذي رسمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهي غاية أساسية لجماعة المسلمين وهدف سام لها .

والله سبحانه وتعالى أراد من الناس جميعا في كل زمان ومكان أن يعبدوه وحده . قال تعالى : " يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون " .

وفهم تلك الإرادة علماء الإسلام حيث نقل القرطبي قولهم في المراد بالناس في هذه الآية الكريمة بقوله : (واختلف من المراد بالناس هنا على قولين : أحدهما الكفار الذين لم يعبدوه والثاني أنه عام في جميع الناس فيكون خطابه للمؤمنين باستدامة العبادة وللكافرين بابتدائها ) أ هـ ، وقال سيد قطب : (إن النداء إلى الناس كلهم لعبادة ربهم الذي خلقهم) أ هـ .

ولقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما اتسع له عمره تبليغه من الناس تلك الإرادة ، وكلما جاءت جماعة المسلمين على امتداد ألف وأربعمائة عام بلغت ما وسعها تبليغه كذلك ، وشيء طبيعي أن يكون الهدف الأول لجماعة المسلمين المنتظرة أن تواصل البلاغ إلى الناس بأن يعبدوا ربهم الذي خلقهم ، وهو هدف رئيسي من أهدافها نحو البشرية ، لأنه يترتب عليه جنة أو نار بالنسبة لأولئك الناس ، لأن عبادة الله وحده طريق الجنة .

وصرف العبادة إلى غيره طريق إلى النار .

الهدف الثاني : أن تتزعم مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :

والأمة الإسلامية وعلى رأسها جماعة المسلمين . هي خير الأمم وخير الناس لكونها تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر وتؤمن بالله ... قال تعالى : " كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله " .

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إذن من أهم أهداف جماعة المسلمين فيهما مع الإيمان تكتسب الخيرية وبدونهما تخسرها .

وقد ذكر الطبري في تفسيره عند قوله تعالى : "تأمرون بالمعروف " أنه يعني : تأمرون بالإيمان بالله ورسوله والعمل بشرائعه .

" وتنهون عن المنكر " يعني : وتنهون عن الشرك بالله وتكذيب رسوله وعن العمل بما نهى عنه . أ . هـ .

وقال القرطبي في جامعه : (إنما صارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم خير أمة لأن المسلمين منهم أكثر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى ) . أ هـ.

وقال أيضا :( دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان واجبا في الأمم المتقدمة وهو فائدة الرسالة وخلافة النبوة .

قال الحسن : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ومن أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله وخليفة كتابه " أ هـ.

وقال أيضا : (مدح لهذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به فإذا تركوا وتواطئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح ولحقهم اسم الذم ) أ هـ .

وقد جعل الأستاذ سيد قطب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أهم وظائف الجماعة المسلمة وأعظمها .

الهدف الثالث : أن تبلغ البشرية كافة دعوة الإسلام :

والطريق إلى ذلك الهدف أن تتحقق الأمة بوصف الوسط والشهادة حيث الأمة الإسلامية بقيادة جماعة المسلمين هي التي جعلها الله تعالى وسطا أي خيار الناس وعدولهم في تصرفاتهم وأحكامهم بقوله تعالى:" وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " لا يمكن أن تصل مرتبة كونها وسطا وشاهدة على الناس إلا بعد تبليغ أولئك الناس دعوة الحق ، فهي تشهد على الأمم تبليغ رسولهم دعوة الله إليهم ، كما أخرج ذلك البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يجييء نوح وأمته فيقول الله تعالى : هل بلغت ؟ فيقول : نعم ، أي رب .

فيقول لأمته : هل بلغكم ؟ فيقولون : لا ، ما جاءنا من نبي .

فيقول لنوح : من يشهد لك ؟ .

فيقول : محمد صلى الله عليه وسلم وأمته .

فنشهد أنه قد بلغ " ، وهو قوله تعالى : "وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس .... " فتلك شهادة الأمة على الأمم التي قبلها ، وأما شهادتها على البشرية بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، أن تقيم الحجة عليها بدعوتها إلى الإسلام ، ونشره بينها .

قال القرطبي : (فكل عصر شهيد على من بعده ) .

ولا يمكن أن تصل الأمة إلى هذه المرتبة حتى تبلغ البشرية ما أمكنها تبليغه من رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ، وتقيم الحجة على البشرية بحقيقة هذا الدين ، فالتبليغ إذن من أهم أهداف جماعة المسلمين لتعتلي بحق مرتبة الوسط والشهادة على الناس في هذه الدنيا كما أنها شهيدة عليهم يوم القيامة ، كما جاء في حديث أبي سعيد السابق ، ومما يساعد ويشجع على السير في طريق التبليغ إلى آخره أحاديث كثيرة منها : قوله صلى الله عليه وسلم : " ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا بر إلا أدخله الله هذا الدين ، بعز عزيز أو بذل ذليل ، عزا يعز الله به الإسلام ، وذلا يذل به الكفر .... الحديث " .

وقوله صلى الله عليه وسلم : " إن الله زوى (أي جمع وضم) لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها ، وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها .... الحديث " .

قال الألباني عن هذا الحديث : (ومما لا شك فيه أن تحقيق هذا الانتشار يستلزم أن يعود المسلمون أقوياء ) .

فهذه الأحاديث تعطي السائرين على هذه الطريق قوة دفع أكبر ، وتبشرهم بالنجاح والنصر المبين لأن رسولهم لا ينطق عن الهوى وأخباره كلها صادقة والسير على هذه الطريق يعني الجهاد في سبيل الله تعالى . ولا جهاد إلا بجماعة المسلمين وعلى رأسها الإمام أو الخليفة فإذا كان الأمر كذلك فالتبليغ من أهم أهداف جماعة المسلمين المنتظرة .

الهدف الرابع : أن تزيل الفتنة من الأرض كافة :

وجماعة المسلمين مكلفة بإزالة الفتنة – أي الشرك – من الأرض وجعل الدين في حياة البشرية كله لله ، وأن تحمل في سبيل هذا الهدف السلاح – بعد أن تعد الأمة له وتدربها عليه – قال تعالى : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير " .

فمحو الفتنة من الأرض وإزالة الشرك من حياة البشرية هدف أساسي من أهداف جماعة المسلمين .

الهدف الخامس : فتح روميه عاصمة إيطاليا :

ثبت في أكثر من كتاب من كتب السنة أن رومية – وهي اليوم عاصمة إيطاليا وتسمى روما – ستفتح على يد المسلمين .

والمتتبع للتاريخ يجد أنها لم تفتح من قبل ، وأنها لابد مفتوحة لصدق خبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم بذلك الفتح ، وهذا الفتح لابد أن يكون من أوائل الأهداف العامة لجماعة المسلمين الجديدة ، لأن فيه زيادة إثبات لنبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه خبر عن المستقبل .

ففي الحديث عن أبي قبيل قال : كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص وسئل أي المدينتين تفتح أولا : القسطنطينية أو رومية ؟ فدعا عبد الله بصندوق له حلق ، قال فأخرج منه كتابا قال : فقال عبد الله – بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم نكتب إذ سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أي المدينتين تفتح أولا أقسطنطينية أو رومية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : مدينة هرقل تفتح أولا – يعني قسطنطينية " .

قال الألباني معلقا على الحديث : (وقد تحقق الفتح الأول على يد محمد الفاتح العثماني كما هو معروف وذلك بعد أكثر من ثمانمائة سنة من إخبار النبي صلى الله عليه وسلم بالفتح وسيتحقق الفتح الثاني بإذن الله تعالى ولابد ولتعلمن نبأه بعد حين ) .

ولا شك أيضا أن تحقيق الفتح الثاني يستدعي أن تعود الخلافة الراشدة إلى الأمة المسلمة وهذا مما يبشرنا به صلى الله عليه وسلم أهـ.

وعندما تعود الخلافة بإذن الله لابد أن يكون هذا الفتح لرومية هدفا رئيسيا من أهدافها .

نسأل الله تعالى أن يعجل ذلك قريبا .

الهدف السادس : قتال الناس كافة حتى يشهدوا شهادة الحق :

كما أخبرنا صلى الله عليه وسلم محددا هدفا من أهداف جماعة المسلمين المنتظرة ، عندما أمر بقتال الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ، وأن لا يكف عنهم القتال حتى يفعلوا ذلك كما جاء في صحيح البخاري عن ابن عمر رفعه : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة ، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام ، وحسابهم على الله " .

فالقتال إذا حتى يشهد الناس شهادة الحق ويذعنوا لله تعالى في كل شئونهم هدف من أهداف جماعة المسلمين ، وفرض واجب على الأمة كافة ، لا تعلنه إلا قيادتها وهو الفريضة القائمة إلى يوم القيامة .

ولقد قاتل صلى الله عليه وسلم ما وسعه ذلك ، وقاتل بعده الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم ، وسيقاتل خليفة المسلمين المنتظر حتى يدخل الناس جميعا في دين الله وحتى يقول الحجر للجندي المسلم يا عبد الله إن ورائي كافر فاقتله ... وإنه لبدر بدأت تشرق سهام أشعته على الأرض .

كما جاء بهذا المعنى الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي من وراء الحجر والشجر فيقول الحجر أو الشجر : يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله . إلا الفرقد فلأنه من شجر اليهود " .

المبحث الثاني أهم وسائل جماعة المسلمين للوصول إلى أهدافها

بعد أن أوجزنا الحديث عن أهم أهداف جماعة المسلمين . وقسمناها إلى قسمين : أهداف خاصة بالأمة الإسلامية ، وأهداف عامة للبشرية كافة .

نشرع في أهم الوسائل للوصول إلى تلك الأهداف .

1- أهم وسائل جماعة المسلمين إلى أهدافها الخاصة :

أما للوصول إلى أهدافها الخاصة فأهم وسائلها ما يلي :

(أ) وجوب إعادة أجهزة الإعلام ، والتعليم ، والاقتصاد ، وغيرها من أجهزة الدولة إلى الإسلام ليتولى توجيهها ضمن حدوده وتشريعاته .

(ب) الضرب بيد من حديد على يد كل عناصر النفاق والفسق في الأمة وتطهير المجتمع منهم .

(جـ) إعداد الأمة الإسلامية إعدادا يتناسب مع مطالب المرحلة القادمة من حيث الإعداد والعدة .

2- أهم وسائل جماعة المسلمين للوصول إلى أهدافها العامة :

وأما للوصول إلى أهدافها العامة فأهم وسائلها ما يلي :

(أ) إعلان مبادئ الإسلام للبشرية كافة ، من خلال أجهزة الإعلام في الدولة الإسلامية .

(ب) مطالبة كافة البشرية بالدخول في الإسلام كافة ، لنسخه لسائر الأديان والملل .

مطالبة كافة الدول بالخضوع لتعاليم الإسلام فى هذا الباب سواء كانت هذه الدول غربية – علمانية لا صلة لها بالنصرانية و لا اليهودية ، أو شرقية – اشتراكية لا تعترف بالأديان . (د) إعلان الجهاد المسلح و المستمر حتى النصر على كل من خالف و رفض مطالب جماعة المسلمين الآنفة و ذلك حسب أحكام و مراحل الجهاد المنصوص عليها فى مواضعها من هذا الدين الحنيف وبحسب خطة و إمكان تلك الجماعة المباركة .

فهذه الوسائل كفيلة بعون الله تعالى للوصول بجماعة المسلمين إلى أهدافها .

ووصولها إلى أهدافها يعنى جعل كلمة الله تعالى هى العليا ، وكلمة الدين كفروا السفلى ، وجعل كلمة الله هى العليا و كلمة الذين كفروا السفلى فى هذه الأرض هى الغاية النهائية لجماعة المسلمين على ÷ذه الأرض .

3- المحور الذى يحدد نقاط الحركة :

و الذى يحدد نقاط الحركة بين الوسائل والأهداف فى الجماعة هو واقع خطط هذه الحركة نفسها من حيث السلب والإيجاب .

و لنأخذ على ذلك مثالا :

الهدف الأول لجماعة المسلمين كما قدمنا هو بناء الإنسان المسلم ، و الوسيلة إلى بناء ذلك الإنسان ، أن يتعلم الإسلام الحق فى المدارس والجامعات ، وأن يسمع ويقرأ عن الإسلام بواسطة أجهزة الإعلام ، و أ، يعبأ بالإسلام بواسطة المعسكرات والدورات ، فبالقدر الذى تنجح جماعة المسلمين فى تكثيف هذه الوسائل لذلك الإنسان فى تربيته وبنائه .

و بالقدر الذى تنجح فى تربية ذلك الإنسان و بنائه ستنجح فى بناء الأسرة المسلمة ، لأن الإنسان المسلم من أهم وسائلها إلى بناء تلك الأسرة ، وبالقدر الذى تنجح فى إعداد تلك الأسرة إسلاميا ، سيكون نجاحها مؤزرا فى بناء المجتمع المسلم والأمة المسلمة هى اللبنة الأولى فى بناء المجتمع المسلم ، و الأمة الإسلامية ، كما أن الفرد المسلم هو اللبنة الأولى فى الأسرة .

و بالقدر الذى تستطيع فيه جماعة المسلمين إعداد الأمة ، وتعبئتها ، تستطيع أن تحدد موقفها من البشرية ، و من السير فى أهدافها معها ، و بدون هذا الترتيب لا تستطيع جماعة المسلمين أن تحدد ذلك الموقف و لا الزمن الذى تخاطب فيه هذه البشرية بهذا الدين .

كما أنها لا تستطيع أن تصل إلى مجتمع إسلامى قبل تعبئة الأسرة و إعدادها و كذلك لا تستطيع أن تصل إلى أسرة مسلمة قبل إعداد الفرد المسلم بحسب ما تريد حيث أن الفرد المسلم طريقها إلى الأسرة المسلمة و الأسرة المسلمة هى الطريق إلى المجتمع المسلم ، و الأمة المسلمة .

إذن الذى يحدد ساعات الانتقال من هدف إلى هدف هو السير بتلك الحركة على هذا الترتيب ، و بمدى ما تثبته التقارير من زيادة نسبة النجاح ، أو نقصانها .

إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحدد الدخول فى مجابهة قريش عسكريا فى معركة بدر الكبرى إلا بعد أن تأكد من استعداد كافة قطاعات جيشه لهذه المجابهة ، وذلك فى استقطاب آراء كبارهم قبل دخول المعركة .

كما جاء فى حديث أنس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبى سفيان فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه ، فقام سعد بن عبادة فقال : إيانا تريد يا رسول الله ؟ و الذى نفسى بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضانها ، و لو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا ، فندب صلى الله عليه وسلم الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدر ..... الحديث .

و ذلك بعد ما تأكد له ذلك الاستعداد فى أعلى مراتبه ، تحرك نحو العدو مجابها إياه ، كما أنه لم يحدد ساعة المجابهة أصلا إلا بعد أربعة عشر عاما من التربية و الإعداد للفرد المسلم و للأسرة المسلمة و هذا ما يجب أن تفعله جماعة المسلمين لتحقيق اهدافها .

و الله تبارك و تعالى أعلم .

الباب الثانى الطريق إلى جماعة المسلمين

الفصل الأول الأحكام الإسلامية

1- لا تبعيض فى الأحكام الإسلامية :

(أ) عند إهلالة الدعوة الإسلامية بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم فى مكة المكرمة كانت تتنزل التوجيهات الربانية بحسب حاجة الجماعة إلى تلك التوجيهات و بما تتطلبه المرحلة التى تعيشها الجماعة .

و هذه القاعدة لا تحتاج إلى كثرة أدلة لوضوحها . قال تعالى : ﴿ و قرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا ﴾ .

قال الطبرى : ( ونزلناه تنزيلا يقول تعالى ذكره فرقنا تنزيله و أنزلناه شيئا بعد شئ ) .

و عن أنس ابن عباس رضى الله عنهما قال : ( أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا فى ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك فى عشرين سنة ) .

(ب) و تلك القاعدة تختلف اليوم بالنسبة للجماعة الإسلامية فى حالة إرادتها السير فى طريق إقامة جماعة المسلمين من جديد فى حياة الأمة الإسلامية .

حيث إن التوجيهات الربانية قد اكتملت و السنة النبوية قد تكاملت وبنيت .

و أصبح المسلم أو الجماعة الإسلامية مطالبين بكل هذه التوجيهات الربانية و السنة النبوية كاملة دون تبعيض .

ولأن أحكام الإسلام ترفض تبعيض الإسلام ، وتحكم على من فعل ذلك بالخسران و الخزى فى الدنيا و العذاب الشديد فى الآخرة . قال تعالى : ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب وما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف عنهم العذاب و لا هم ينصرون ﴾ .

إن مسايرة الأنظمة الكافرة و الخضوع لها بأخذ ما تسمح به تعاليم الإسلام و ترك ما تمنع مزاولة المسلمين له بأى دعوى كانت ، أمر شنيع توعد الله سبحانه وتعالى فاعله بضعف الحياة وضعف الممات و الإخراج عن حظيرة الإيمان و ملة الإسلام .

قال تعالى : ﴿ و لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا ﴾ .

قال الطبرى عن هذه الآية : ( يعنى ضعف عذاب الدنيا والآخرة ) .

وقال القرطبى : ( أى لو ركنت لأذقناك مثلى عذاب الحياة فى الدنيا ومثلى عذاب اللمات فى الآخرة و هذا غاية الوعيد ) .

وقال تعالى : ﴿ إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم ، ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما أنزل الله سنطيعكم فى بعض الأمر و الله يعلم إسرارهم ﴾ .

فالآية الكريمة اعتبرت الذين يطيعون الذين كرهو ما نزل الله و لم يحكموا به و لو فى بعض الأمر مرتدين .

و الذى دفعنى إثارة هذه النقطة أن كثيرا من أفراد المسلمين لا يفعلون و لا يطبقون من تعاليم الإسلام إلا ما يتمشى مع أنظمة البلاد التى يقيمون فيها ، بل بعضهم يقومون بنصرة و تشجيع الابتعاد عن بعض أحكام الدين ، لأن السلطة السياسية تمانع فى ذلك ، و كذلك كثير من الجماعات

التى تدعو إلى الإسلام فى بلاد العالم الإسلامى فإنها لا يمكن أن تأخذ الصفة الرسمية بالدعوة إلا بعد أن تقدم لائحة عملها الداخلية إلى الجهات المختصة فى الدولة التى تريد العمل فى سلطانها ، و لا بد أن تحتوى تلك اللائحة على ما هو مباح ، وتبتعد عن كل محرم فى نظام تلك الدولة من تعاليم الإسلام ، حتى تحظى بالموافقة عليها ، و لو علم اولئك الأفراد ، أو تلك الجماعات أن فعلهم ذلك يعنى مساعدة حكم الكفر على الاستمرار و البقاء – و أنهم بفعلهم هذا يقضون على أمهات الأحكام و التعاليم الإسلامية ، لما أقدموا على ذلك ولأدركوا أنهم بعيدون عن روح الدعوة الإسلامية التى ينتمون إليها ، إنهم يهدمون بذلك أحكام الجهاد ونظام الحكم ومبدأ الأمر بالمعروف ونهى عن المنكر والتواصى بالحق والصبر عليه .

إن كافة الدول القائمة فى العالم الإسلامى تمانع فى الحكم بما أنزل الله تعالى ، ورفع راية الجهاد ، وتأمر بالمنكر ، وتنهى عن المعروف ، وتقمع من طلب عكس ما تريد رغبة فى التعايش السلمى معها مخطئون ، و عليهم أن ينوبوا و يقلعوا عن الذى هم فيه و يستغفروا الله تعالى .

2- متى تطبق الأحكام :

و الذى يمكن أن تقرره هنا هو أن الفرد أو الجماعة فى الأمة الإسلامية يمكن أن يأخذ من أحكام الإسلام بحسب ما تقتضيه أحواله ، و موقعه فى الحياة ، وتطوره فيها ، شريطة أن يؤمن ذلك الفرد أو تلك الجماعة بكل أحكام الإسلام ، و استمراريتها ، و أن يظهر ذلك الإيمان من خلال المشاركة الفعالة كل فى ما يخصه من أحكام الإسلام .

بمعنى أن الفرد المسلم مثلا يمر بمرحلة طفولة فعلية أحكام من أحكام الإسلام دون غيرها ، و كذا مرحلة الرجولة على الإنسان فيها أحكام إسلامية تختلف باختلاف حالاته ، فقد يكون فيها متزوجا أو غير متزوج ، فله فى كل حالة أحكام من أحكام الإسلام تخصه دون غيرها ، أو متزوجا وله أولاد ، أو ليس له أولاد فله أحكام من الإسلام تخصه دون غيرها ،و قد يكون ابنا لوالدين فله أحكام ، و قد يكون صاحب تخصص لا يوجد غيره فى البلاد كأن يكون طبيبا أو عالما .... فتكون أحكام الإسلام الكفائية بالنسبة له أحكاما عينية ،إلى آخر أحوال الفرد المسلم ، فهو مطالب بأحكام دون أحكام و لكن هناك أحكام إسلامية عامة تلزم كل مكلف من المسلمين مثل الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر و هو مبدأ يشمل كل جوانب الحياة . كما جاء فى قوله صلى الله عليه وسلم : عن تميم الدارى رضى الله عنه : " الدين النصيحة ( ثلاثا ) قلنا لمن ؟ قال لله ولكتابه و لرسوله ولأئمة المسلمين و عامتهم " .

بل و فى قمتها نصيحة الحاكم وتقويمه كما روى عن جابر رضى الله عنه : " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب و رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله " .

وكذلك الجماعة الإسلامية بحكم كونها جماعة مطالبة بكافة الأحكام الإسلامية و على وجه الخصوص حركة الرسول صلى الله عليه وسلمفى مكة المكرمة ، بل التزامها حركة الرسول صلى الله عليه وسلم يعنى التزامها بأحكام الإسلام .

ولأن سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فى مكة و ما احتوته تعتبر من أحكام الإسلام تطبق فى وقتها المناسب على ضوء هديه صلى الله عليه وسلم ، ووقتها المناسب كل وقت غابت فيه دولة الإسلام ، و عاد الإسلام غريبا ، ففى مثل هذا الوقت يتوجب أن تكون هناك جماعة تحمل الناس على الإسلام و تقيم دولته ، و عند تأسيس تلك الجماعة من سنة الله أن تمر بمراحل ،هذه المراحل واضحة فى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فى مكة ويتوجب علفى الدعاة المؤسسين لهذه الجماعة أن يقفوا عند كل مرحلة من مراحل الرسول عليه السلام ويستنبطوا منها الحكام ، ليأخذوا بها فى بناء جماعتهم ، فهى الأحكام المعصومة من الخطأ و النقص والهوى .

وحينئذ فإن أخذهم بأحكام المرحلة الأولى مثلا وتأجيلهم أحكام باقى المراحل لا يعتبر تبعيضا لأحكام الإسلام ، بل اقتداء بالرسول فى سيرته و دعوته المباركة .

وخلاصة هذه النقطة أن الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة موقعهما و مرحلتهما هما اللذان يحددان ما يخصهما من الأحكام دون غيرها ، وأنه يتوجب عليما الإيمان بباقى أحكام الإسلام وأن يستعد كل واحد منهما للعمل بتلك الأحكام .

3- أقسام أحكام الإسلام :

و بما أن الأحكام الإسلامية تنقسم باعتبار الماهية و الكيفية إلى قسمين :

أحدهما : ماهية تلك الأحكام .

ثانيهما : كيفية تنفيذ تلك الأحكام .

فالفاتحة و التشهد فى الصلاة مثلا من الماهية و كيفية قراءتها و مكانها فى الصلاة من أحكام الكيفية.

و هذان القسمان ينقسمان باعتبار الفاعل إلى قسمين أيضا :

أحدهما : أحكام خاصة بالمسلم كفرد فى الأمة الإسلامية .

ثانيهما : أحكام خاصة بالجماعة كجماعة من الأمة الإسلامية.

ونعنى بالجماعة من الأمة الإسلامية الفئة و الطائفة التى تحمل الدعوة إلى إقامة جماعة المسلمين كلما جفاها الزمن ، أى الجماعة التى يتحقق هدفها المنشود عندما توجد جماعة المسلمين – حاكم يحكم الأمة بكتاب الله وسنة رسوله – عندما يوجد ذلك الحاكم فلا تعدد فى الإسلام لجماعات أو أحزاب .

و على اعتبار عدم وجود جماعة المسلمين كما قررنا ذلك فى التمهيد على رأس الأمة الإسلامية فى زمننا هذا و على اعتبار الطريق إلى إيجاد جماعة المسلمين ، أن توجد جماعة من المسلمين تسعى لهذا الأمر .

فإن بحثنا سيلخص بعض الأحكام الخاصة بتلك الفئة – الجماعة من المسلمين – من حيث الكيفية ، من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم و هو يسعى ليقيم جماعة المسلمين ، التى آل إليها تسيير أمور الأمة الإسلامية بعد ذلك ما شاء الله لها ذلك ، و هى الأحكام التى يجب أن تأخذ بها كل الجماعات التى تعمل اليوم لإعادة جماعة المسلمين إلى الأمة الإسلامية من حيث المرحلية فى الخطة ، مع ملاحظة التزام الجماعة مع أفرادها بأحكام الإسلام كلها ، الجماعة كجماعة ، و الأفراد كأفراد ، كل بحسب موقعه من هذه الحياة . كما تقرر آنفا .

و حصر الكتابة فى جانب الكيفية دون الماهية من الأحكام الإسلامية فى بناء الجماعة الإسلامية .

1- لأن ماهية أحكام الإسلام فى هذا المجال معلومة من قبل كثير من دعاة الإسلام ، و لكن التطبيق مجهولة لأكثرهم ، فطلاب العلم مثلا يعلمون أن هناك دار فى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم تسمى دار الأرقم بن أبى الأرقم ،و لكن قليلا منهم من يعلم مكانة هذه الدار فى بناء الجماعة ، وتربية أفرادها ، و أنها تمثل مرحلة من مراحل الدعوة .

2- و لأن جل أحكام الإسلام عموما ماهية وكيفا متعلق بوجود دولة إسلامية تقيمها ، و تنفذها ، فالكتابة فيها مع عدم وجود الذى سيقيمها نوع من العبث و ضياع الوقت .

3- و لأن ماهية الأحكام فى هذه المرحلة تقررها قيادة الجماعة بحسب مستويات أفرادها ، و نوعية حاجتهم منها ، و بحسب ترتيبها من حيث الأهمية ، كأن يكون فى الجماعة أفراد درسوا فى بلاد ليس مناهجها مواد دينية ، فهؤلاء يحتاجون إلى منهج مكثف فى المواد الدينية ، وأفراد فى مؤسسات دينية بعيدة عن الفكر المعاصر ، فهم يحتاجون إلى منهج ثقافى فى هذه الناحية ليسد عندهم جانب النقص وهكذا .

4- و لأن الكيفية فى بناء الجماعة الإسلامية لم يكتب فيها إلا القليل وفى الأيام المتأخرة ، خاصة فى تعاليم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فى بناء الجماعة ، لعدم الحاجة إليها عند علمائنا القدامى لوجود جماعة المسلمين وإمامهم فى كل العصور الماضية ، فلم يكتبوا عنها كالعلوم الأخرى ، و لم يستنبطوا منها فروعا نعتمد نحن عليها ، كما فتحوا لنا أبوابا كثيرة و سبلا عديدة من خلال استنباطهم من أحكام الإسلام الأخرى غير أحكام بناء الرسول صلى الله عليه وسلم للجماعة الأولى .  

الفصل الثانى دعاة الإسلام

المبحث الأول إدراك الرسل و أتباعهم لهذه الخطوة

1- إدراكه صلى الله عليه وسلم لأهمية الخطوة :

(أ) أدرك الرسول صلى الله عليه وسلم من الساعات الولى من الوحى الربانى إليه أن ما وكل إليه القيام به أمر لا يمكن لبشر أن يحمله بمفرده و أنه لابد لهذا الأمر من جماعة قوية تطبيقه على نفسها ثم تحمله إلى العالمين .

قال تعالى : ﴿ إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا ﴾ . قال صاحب الظلال عند تفسير الآية : أى ( ثقيلا فى تبعاته و مستلزماته لا فى لفظه أو معناه بل هو ميسر للذكر) فكانت الخطوة الأولى فى حياته صلى الله عليه وسلم هى إقامة و إيجاد تلك الجماعة .

( ب) أدرك صلى الله عليه وسلم هذا المعنى من كتاب ربه المنظور و المسطور .

أدرك من الكتاب المنظور أن كل شئ فى الكون يتعاون بعضه مع بعض ،كتلة واحدة ، ليؤدى مهمة واحدة ،هى تسهيل عيش هذا الإنسان على هذه الأرض بعبارة واحدة ، هى:﴿ آتينا طائعين ﴾ حتى عبر بعضهم عن هذا المعنى بقوله : ( حركة واحدة من السرة إلى المجرة ) أى أن كل شموس المجرة وكواكبها تتحرك ، لتوصل الطعام إلى معدة ذلك الإنسان .

(ج) و أدرك صلى الله عليه وسلم ذلك من خلال سير من سبقه من الأنبياء و المرسلين فى التنزيل الحكيم ، أدرك أن النبى الذى استجاب له قومه فكونوا حوله جماعة تحمل دعوته بقيت دعوته و حكمت صحفه ، و أن النبى الذى لم يستجيب له قومه و لم يكونوا حوله جماعة تحمل دعوته طويت صحفه و غطى الزمان على دعوته .

(د) عبر صلى الله عليه وسلم عن هذا المعنى بقوله فيما رواه مسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما قال : صلى الله عليه وسلم : " عرضت على الأمم ، فرأيت النبى ومعه الرهط و النبى و معه الرجل ، و الرجلان ، و النبى و ليس معه أحد إذ رفع لى سواد عظيم فظننت أنهم أمتى ، فقيل لى هذا موسى وقومه ، و لكن انظر : إلى الأفق فنظرت فإذا سواد عظيم . فقيل لى انظر إلى الأفق ، فإذا سواد عظيم فقيل لى هذه أمتك " .

فالنبى الذى استجابت له أمته و كونت حوله السواد ، ترعرعت و بقيت دعوته على هذه الأرض ما شاء الله لها أن تبقى ، ثم بعث ذلك السواد يوم القيامة يزف نبيه على رؤوس الأشهاد فى صورة بديعة معبرة ، والنبى الذى لم تستجيب له أمته ، و لم تكون حوله جماعة لتحمل معه دعوته هو ذلك النبى الذى غادر هذه الأرض و لم يؤمن به أحد ، ثم بعث وليس معه أحد ، و لكنة أمة فى ذاته .

(ه) و لنأخذ على هذا المعنى مثالا من قصص الأنبياء من كتاب الله تعالى : فذلك موسى ، و ذاك عيسى ، و هذا محمد صلى الله عليه وسلم موسى استجاب له قومه ، و كونوا حوله الجماعة فبقيت توراته حتى يومنا هذا على ما أصابها من تحريف .

و عيسى عندما استجاب له الحواريون ، و كونوا حوله جماعة تحمل دعوته بقيت النصرانية تحمل اسمه إلى يومنا هذا ، على ما تخللها من تحريف .

و محمد صلى الله عليه وسلم عندما تجمعت حوله أمة من الناس تؤمن بدعوته ، و تحملها إلى العالمين بقى الإسلام ضاربا فى أعماق الأرض ممتدا على وجهها شرقا وغربا ، و سيبقى أبد الدهر ما دامت هناك طائفة تحمله منصورة به لا يضرها من خلها أو عرقل سيرها .

وهناك أنبياء و رسل لم تستجب لدعوتهم أقوامهم ليكونوا حولهم الجماعات التى تحمل الدعوات و التى بها تنتشر و بدونها تخبو وتندثر.

فغادر أولئك الأنبياء هذه الأرض و معهم صحفهم لم تنشر ، و محقت أممهم على الكفر و لم نسمع لواحدة منها ركزا .

هل لأن الله تعالى لم يرد إرادة شرعية لأمم أولئك الأنبياء الهداية و الرشاد ؟

كلا وتعالى الله عن ذلك غلوا كبيرا ، بل الله لا يحب الكافرين ، و لا يرضى لعباده الكفر .

أو لأن واحدا من أولئك الرهط المرسلين قصر فى اتخاذ وسيلة من وسائل إنجاح الدعوات ؟ حاشا و كلا بل سلكوا كل وسيلة لإقناع أممهم .

و لكن عدم استجابة تلك الأمم لتكوين الجماعة التى تحمل الدعوة كان السبب الوحيد فى عدم بقاء صحف اولئك الأنبياء و انتشارها .

لقد سلكم الأنبياء كل وسيلة فى إمكانهم ، وبذلوا كل جهد هو فى مقدورهم ، لتؤمن تلك الأمم و تهتدى ، و لكنها أبت وأعرضت ، فهذا إبراهيم عليه السلام سلك مع قومه فى بابل كل وسيلة ليؤمنوا ، فأعرضوا عنه و تولوا مدبرين ، بدأهم بالتى هى أحسن ، و بالحجة الواضحة ، و البيان الساطع ، قال تعالى : ﴿ واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه و قومه ما تعبدون ، قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين ، قال هل يسعونكم إذ تدعون ، أ, ينفعونكم أو يضرون ، قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون ﴾ .

و قال تعالى : " و إن من شيعته لإبراهيم إذ جاء ربه بقلب سليم ، إذ قال لأبيه و قومه ماذا تعبدون ؟ أئفكا آلهة دون الله تريدون ؟ فما ظنكم برب العالمين ؟ فنظر نظرة فى النجوم فقال إنى سقيم فتولوا عنه مدبرين " . ثم واجههم بالتهديد و الوعيد ، قال تعالى :﴿ و تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين ﴾ .

ثم نازلهم باليد و السنان قال تعالى : ﴿ فراغ إلى آهلتهم ، فقال ألا تأكلون ما لكم لا تنطقون . فراغ عليهم ضربا باليمين فأقبلوا إليه يزفون ﴾ .

فما كان منهم إلا أن نكسوا على رؤوسهم بعد أن أقام إبراهيم عليه السلام الحجة عليهم ، و أضلهم الله تعالى على علم ، قال تعالى : ﴿ فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون ﴾ . فاعترفوا بظلمهم فسحقا للقوم الكافرين .

و عندها استراحت نفس إبراهيم عليه السلام إلى ما بذل معهم ، و أدرك أنه قد أدى واجبه نحوهم ، و أنهم هم الذين قعدوا عن نصرته و دعوته ، بأن يكونوا عصبة تؤمن به وتحمل معه الدعوة ، وتبلغها للناس من بعده فتركهم على كفرهم و هو يقول : ﴿إنى ذاهب إلى ربى سيهدين﴾ .

2- إبراهيم عليه السلام يدرك تلك الحقيقة :

و إبراهيم عليه السلام فى طريقه إلى ربه أعلن عن تلك الحقيقة التى لابد منها لنصر الدعوات ، و هى إما جماعة تحمل الدعوة فتنتصر لتلك الدعوة ، أو لا جماعة فلا نصر ، و هى الحقيقة التى أدركها سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لأول وهلة فى دعوته ، و التى يجب أن يدركها كل داعية إلى الإسلام .

أدركها إبراهيم عليه السلام فطلب من الرب سبحانه أن يهب له من الصالحين ، جماعة تلتف حوله تحمل دعوته، و تطبقها على نفسها ، ثم تنشرها فى العالمين من بعده . قال تعالى : ﴿ رب هب لى من الصالحين ﴾ .

هذه هى الحقيقة التى انتهى إليها سيدنا إبراهيم بعد ما سلك كل الطرق لتبقى دعوته ، و هى الحقيقة التى أدركها سيدنا لوط فى الليلة التى داهم قومه ضيفه ، احس بقيمة الجماعة و انها خطوة لابد منها للدفاع عن الدعوة والداعية .

قال تعالى : ﴿ قال لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد ﴾ .

قال القرطبى عند هذه الآية : ( مراد لوط بالركن العشيرة و المنعة ) .

و هى الحقيقة التى أدرك أهميتها قوم شعيب و حالت بين شعيب و المعتدين عليه بالرجم . قال تعالى : ﴿ و لولا رهطك لرجمناك و ما أنت علينا بعزيز ﴾ .

و هى الحقيقة التى جعلها رسول صلى الله عليه وسلم خطوته الأولى فى دعوته .

إنها حقيقة يجب أن يدركها الدعاة فى كل زمان ومكان ، و أن يعملوا بها . هذه الحقيقة هى : ﴿ رب هب لى من الصالحين ﴾ و بدونها لا يمكن للدعوة أن تبقى أوة تنتشر .

3- الرسول صلى الله عليه وسلم يبين أهمية هذه الحقيقة :

و لقد عبر رسول الله عن أهمية هذه الحقيقة فى نجاح الدعوة ، و بين أنها هى التى تقرر مصير الدعوة من حيث البقاء و عدمه ، و ذلك فى أثناء مناجاته لربه سبحانه وتعالى فى يوم بدر . كما روى عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قوله  : " لما كان يوم بدر ........ فاستقبل النبى صلى الله عليه وسلم : ثم مد يده فجعل يهتف بربه اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض"

...... الحديث .

هكذا إن تهلك تلك العصابة من أهل الإسلام لا تعبد فى الأرض لأن محمد صلى الله عليه وسلم هو آخر الرهط الكرام من الأنبياء و المرسلين ، و لأنه لا يستطيع أن يربى جماعة إن هلكت عصابته التي مكث يزكيها و يربيها و يقويها خمس عشرة سنة كاملة ، بين مكة و المدينة ، فعلى ذلك لا عبادة لله في الأرض . إنها حقيقة يجب أن يقف الدعاة عندها كثيرا ، هذه الحقيقة هي أن الدعوة لابد لها من جماعة تحملها ، وأن على الدعاة أن يضحوا بكل شيء في سبيل إيجادها ، وأن ينسوا كل شيء في سبيل المحافظة عليها وعلى وحدتها .

4- إجماع مفكري العصر عليها :

وعلي هذه الحقيقة اتفق أصحاب الفكر الإسلامي المعاصر .

يقول الأستاذ المودودي  : ( ومن سنن الله في الأرض أن يحمل هذه الدعوة رجال يحافظون عليها ويسوسون أمرها ) .

ويقول الأستاذ حسن البنا : (يجب أن تحمل هذه الدعوة جماعة تؤمن بها وتجاهد في سبيلها ) .

ويقول الأستاذ سيد قطب : ( فكيف تبدأ عملية البعث الإسلامي إنه لابد من طليعة تعزم هذه العزمة) . ويقول الأستاذ سعيد حوي : ( هذا هو الحل الوحيد الآن أن تقوم جماعة ) .

ويقول الأستاذ فتحي يكن : (فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يعتمد أسلوب العمل الفردي فقط ، وإنما حض من أول يوم على إقامة جماعة ) .

ويقول الأستاذ محمد أحمد الراشد : (إن نقطة البدء الآن هي نقطة البدأ من أول عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ، أن يوجد في بقعة من الأرض أناس يدينون دين الحق ) .

فإذا وضحت هذه الحقيقة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم . وانتصب ذلك الواجب أمام الدعاة إلى الله تعالى ، فعلى كل مسلم أحس بواجب الدعوة الإسلامية عليه ، وأراد أن يتحرك لهذه الدعوة ، يجب أن تكون الخطوة الأولى في حياته هي خطوة الرسول صلى الله عليه وسلام الأولى ، ألا وهي البحث عن الجماعة ، أو إيجادها لتعينه على ذلك الواجب ، ذي الحمل الثقيل الواسع التبعات ، قال تعالى : " إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا " .  

المبحث الثاني دعاة الإسلام وخطوة الرسول الأولى

1- أقسام الدعاة بالنسبة للخطوة :

بعد أن اتضح أن خطوة الرسول صلى الله عليه وسلم الأولى في دعوته بمكة المكرمة كانت هي إيجاد الجماعة التي تحمل مهام الدعوة وتنشر تعاليمها من بعده ، واستبان وجوب التزام الدعاة الإسلاميين بهذه الخطوة ، والمحافظة عليها ، يحسن أن أبين هنا أن الدعاة الإسلاميين اليوم ، وفي غياب جماعة المسلمين بالنسبة لهذه الخطوة النبوية قسمان :

(أ) دعاة من أرض توجد بها جماعة أو جماعات إسلامية ، فهذا القسم له حكمه الخاص به . بالنسبة لخطوة الرسول الأولى التي هي إيجاد الجماعة .

(ب) دعاة من أرض لا توجد بها جماعة تدعو إلى الإسلام أصلا ، وهذا القسم له حكم مستقل عن الأول أيضا .

أولاً : دعاة من أرض بها جماعة أو جماعات إسلامية :

(أ) واجبهم إذا وجد في البلد جماعة واحدة :

إن الدعاة الذين توجد في بلادهم جماعة أو جماعات تدعو إلى الإسلام لا يحق لهم بحال من الأحوال تأسيس جماعة جديدة في تلك البلاد ، لأن ذلك يعني أن البلاد ستتحول إلى جماعات بعدد الدعاة من أهلها ، ثم تدخل بعد ذلك في صراع واختلاف وشقاق لا حصر له ، وهذه النتائج من الصراعات والاختلافات تصطدم مع قواعد الاعتصام ونبذ الشقاق والاختلاف بين المسلمين ، والمحافظة على أخوة المؤمنين ووحدتهم في الدين الإسلامي ، والذي أسست الجماعة في الأصل لحمل دعوته ونشرها بين الناس ، ولكن الذي يجب عليهم هو الانخراط في الجماعة الموجودة في البلاد والتي سبقوا إلى تأسيسها ، ثم محاولة إصلاح ما يلاحظونه من نقص وهم داخل الجماعة ، وكل موقف غير الانضمام إلى تلك الجماعة فهو موقف سلبي يجب أن يترفع عنه الدعاة إلى الله تعالى ، هذا إذا كانت جماعة واحدة ، أما إذا كانت في البلاد عدد من الجماعات فإن الحكم يختلف .

(ب) واجبهم إذا وجد في البلد عدد من الجماعات :

أما إذا كان في البلاد عدد من الجماعات ، الداعية إلى الإسلام فموقف الدعاة إلى الله هو أن يقيسوا مبادئ وأفكار تلك الجماعات الموجودة بميزان الإسلام الحنيف ، لينظر أي تلك الجماعات أقرب إلى الإسلام في مبادئها ، وأفكارها ، فتكون هي الجماعة التي يجب أن ينخرط الدعاة إلى الإسلام في صفها ، ثم يحاولوا ضم باقي الجماعات إليها ، إن تيسر ذلك ، لأن في ضمها قطعا لدابر الخلافات بينها ، وتوحيدا لجهة الدعوة أمام أعدائها .

وقبل الدخول في معرفة مبادئ وأفكار تلك الجماعات – من حيث القرب من الإسلام أو البعد عنه – على الدعاة ملاحظة ما يلي :

1- ملاحظة ماهية الأمور التي تمثل النقص في تلك الجماعات ، هل هي من أصول الدين أو من فروعه ؟ فإن كانت من أصول الدين فلا وفاق مع الجماعة التي فيها ذلك النقص ، والواجب إرشاد تلك الجماعة إلى نقصها دون الانخراط في صف تلك الجماعة .

و أما إذا كان النقص فى فروع الدين فيجب أن لا يحول ذلك النقص بين الدعاة و بين الإنخراط فى صف تلك الجماعة ، بل الواجب الانخراط فى الجماعة و محاولة إصلاح ذلك النقص الفرعى من داخل الجماعة .

2- و يلاحظ انه إذا اجتمعت جماعتان فى النقص فى الفروع تقدم الجماعة الأقل نقصا على الأكثر نقصا .

3- ملاحظة أن الجماعات تقوم فى مجموعها على أفراد من جنس البشر ، تنطبق عليهم قاعدة الخطأ البشرى ، و الضعف البشرى ، و عليه فإن كان النقص فى تلك الجماعات نتيجة لاجتهاد بشرى ، فيجب أن لا يحول ذلك النقص بين تلك الجماعة التى فيها ذلك النقص ، واجب أولئك الدعاة الانضمام إليها أيضا.

4- و خلاصة هذه النقطة أن البلاد الإسلامية منها ما يوجد به جماعة أو جماعات تدعو إلى الإسلام ، فعلى الداعية أن ينخرط فى أقربها إلى الإسلام .

مع مراعاة حقيقة هى أن كل البلاد الإسلامية لا تخلو من خير وهذا الخير فيه من الدخن ما فيه ، و على الداعية الإسلامى الماهر محاولة تنقية ذلك الدخن ، و هذا الدخن لا يخلو من قصور بشرى ، لأن الدين الإسلامى منزه عن الدخن ، و إنما جاء الدخن ممن يحمل ذلك الدين من البشر ، وهؤلاء البشر فيهم من القصور والضعف البشرى الكثير ، وعلى الداعية الذكى أن يتقرب إلى هؤلاء البشر بالحكمة ليصل إلى قلوبهم ، ثم يبدأ التغيير بعد ذلك . هذا مع ملاحظة ما قرر من قواعد تقدمت الإشارة إليها .

ثانيا : دعاة من أرض لا توجد بها جماعة إسلامية :

فهؤلاء واجبهم الأول تأسيس الجماعة وسنكتب لهم معالم من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عندما بعث فى مكة واسس فيها جماعة حملت هذا الدين من بعده إلى العالمين ، وعلى هؤلاء الدعاة أن يدركوا أن فى كل خطوة فى حياة دعوتهم لا تؤدى إلى تأسيس أو تقوية بناء الجماعة فهى سلبية ، و أنهم يسيرون على غير نهج الرسول صلى الله عليه وسلم فى دعوته ، وهو النهج الذى نزهه الله تعالى عن القصور وعصمه من الخطأ وأن الشارع ألزمهم و أوجب عليهم السير على نهجه صلى الله عليه وسلم ، ﴿ لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا ﴾ .  

الفصل الثالث معالم من سيرة الرسول فى بناء الجماعة

المبحث الأول في المعلم الأول من سيرة الرسول وهو : نشره لمبادئ الدعوة

1- الطريق التي سلكها في النشر :

والمعلم الأول في حياته صلى الله عليه وسلم في بناء الجماعة نشره لمبادئ الدعوة وتعاليمها ، والطريق إلى نشر المبادئ والتعاليم الإسلامية هي إخبار الناس بهذه الأفكار والمبادئ شيئا فشيئا ، وبحسب أهمية تلك المبادئ والأفكار في الدعوة ، وبحسب اتساع مفاهيم أولئك الناس وقدرة عقولهم على الإدراك والاستيعاب .

وكان شعار هذا المعلم قوله تعالى : " ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن .... الآية " .

ولقد سلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة – التي سميناها إخبار الناس وإطلاعهم على مبادئ وأفكار الدعوة الجديدة ، شيئا فشيئا ، بحسب أهميتها في الدعوة ، وبحسب قدرة عقول أولئك الناس على الاستيعاب والتطبيق لهذه المبادئ والأفكار طريقين :

(أ) الطريق الأول : الاتصال الفردي :

وهو الذي يسميه مؤرخو السيرة الشريفة المرحلة السرية في الدعوة ، وخلاصة هذه الطريق أنه كان عليه الصلاة والسلام يأتي إلى من يثق به من أهله وأصدقائه فيطلعه على خبره على انفراد ، ثم يطلب منه الموافقة عليه وأن يكتم ذلك الاتصال مطلقا ، سواء وافق عليه أو لم يوافق ، حرصا منه عليه الصلاة والسلام أن لا تضرب الدعوة في مهدها والشواهد على هذا الطريق كثيرة منها :

1- عرضه صلى الله عليه وسلم خبره على السيدة خديجة زوجه صلى الله عليه وسلم كما جاء في صحيح البخاري وغيره عن عائشة رضي الله عنها من حديث طويل : " ....... فقال لخديجة وأخبرها الخبر .... الحديث " . وقال شارح بهجة المحافل : (وممن أسلم أولا خديجة أي لما مر أولا في ابتداء الوحي من رجوعه صلى الله عليه وسلم إليها وقوله لها زملوني زملوني ) أ هـ.

وقال ابن هشام تحت عنوان : (إسلام خديجة رضي الله عنها ) : (وآمنت به خديجة بنت خويلد وصدقت بما جاءه من الله وآزرته على أمره وكانت أول من أمن بالله ورسوله وصدق بما جاء منه فخفف الله عن نبيه )"

2- ومن ذلك عرضه صلى الله عليه وسلم خبره على ابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه كما جاء في سيرة ابن إسحاق :

قال : " ثم إن علي بن أبي طالب جاء بعد ذلك بيومين فوجدهما يصليان ، فقال علي : ما هذا يا محمد ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم دين الله الذي اصطفى لنفسه وبعث به رسله ، فأدعوك إلى الله وحده ، وإلى عبادته ... فقال له : على هذا أمر ..... فلست بقاض أمرا حتى أحدث أبا طالب .... فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم : يا علي إذا لم تسلم فاكتم " .

وعن ابن هشام قال : قال ابن إسحاق : (ثم كان أول ذكر من الناس آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وصلى معه وصدق بما جاءه من الله تعالى : علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو يومئذ ابن عشر سنين) .

وقال ابن كثير : (وكان علي يكتم إيمانه ) .

وقال صاحب عيون الأثر : (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبي طالب وجميع أعمامه وسائر قومه فيصليان فيها ) .

وتشتد حاجة الدعوة إلى سلوك هذه الطريق في مرحلتين :

الأولى : في ابتداء الدعوة وتأسيس الجماعة .

والثانية : عند منع السلطة الحاكمة لرجال الدعوة من مزاولة نشاط الدعوة علنا ومن دروس عامة .

2- الطريق الثاني : الاتصال العام :

وهو الذي يسميه مؤرخو السيرة المطهرة مرحلة الجهر بالدعوة وخلاصة هذه الطريق : أن تستعمل الدعوة كل وسائل الإعلام في الوقت الحاضر ، من إذاعة وصحافة وتلفاز وكتب وخطب ومحاضرات وندوات ، لنشر أفكار الدعوة ومبادئها في الناس على مختلف طبقاتهم .

وقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم في هذه الطريق عدة وسائل لإيصال دعوته إلى الناس منها :

(أ) جمعه صلى الله عليه وسلم الناس على طعام في بيته ثم إخبارهم بما عنده من مبادئ الدعوة .

كما جاء في مسند الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب قال : (جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أو دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب فيهم رهط كلهم يأكل الجزعة ويشرب الفرقة قال : فصنع لهم مذا من طعام فأكلوا حتى شبعوا وقال : وبقي الطعام كما هو كأنه لم يمس ثم دعا بغمر فشربوا حتى رووا وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب فقال بني عبد المطلب إني بعثت لكم خاصة وإلى الناس بعامة وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم فأيكم يبايعني على أن يكون أخي وصاحبي ؟ قال : فلم يقم إليه أحد وكنت أصغر القوم . قال : فقال : اجلس قال ثلاث مرات كل ذلك أقوم إليه فيقول لي اجلس حتى كان في الثالثة ضرب بيده على يدي ) .

(ب) جمعه صلى الله عليه وسلم الناس في أماكن مختلفة ثم تبليغهم رسالة ربه : كما روى البخاري وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه قال : " لما نزلت : " وأنذر عشيرتك الأقربين " ورهطك منهم المخلصين خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى صعد الصفا فهتف : يا صباحاه .

فقالوا: من هذا ؟ فاجتمعوا إليه . فقال : أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي . قالوا : ما جربنا عليك كذبا . قال : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد .... الحديث " .

(جـ) ذهابه إلى أماكن تجمع الناس وتبليغهم دعوة الله تعالى :

أخرج أحمد بن ربيعه الديلي وكان جاهليا فأسلم قال : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول : " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " .

وقال ابن إسحاق : (فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه في المواسم إذا كانت على قبائل العرب يدعوهم إلى الله ويخبرهم أنه نبي مرسل ) .

وقال صاحب بهجة المحافل : ( اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فى عرض نفسه على القبائل فى مجامعهم فى المواسم منى وعرفات و مجنة و ذى المجاز وغيرهم )

(د) ارتحاله إلى البلدان لتبليغ الدعوة :

كما جاء عن ابن إسحاق قوله : " لما انتهى رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف .... " الحديث .

وكما جاء بنحوه عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( يا رسول الله هل أتى عليك يوم كان أشد عليك من أحد.... ) الحديث .

(هـ) كتاباته صلى الله عليه وسلم إلى رؤساء القبائل وملوك الأقاليم يدعوهم إلى الله تعالى :

قال صاحب بهجة المحافل : (جهز رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبه إلى ملوك الأقاليم الجبابرة يرغبهم ويرهبهم ، فبعث دحية بن خليفة الكلبي إلى قيصر ، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى ، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي ، وحاطب بن أبي بلتعه إلى المقوقس ، وشجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شمر الغساني ، وصلت بن عمرو العامري إلى هوذة بن علي الحنفي ومما اشتهر من ذلك واتفق عليه الصحيحان كتابه إلى هرقل وهو قيصر ) كما جاء ذلك في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما من حديث أبي سفيان مع هرقل وفيه نص رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي " بسم الله الرحمن الرحيم .. فإني أدعوك بدعاية الإسلام .... " الحديث .

3- الجانب التنظيمي في نشر الدعوة :

بعد أن وضحت الطريقين اللتين سلكهما الرسول صلى الله عليه وسلم في نشر دعوته ، وهما الاتصال الفردي ، والاتصال العام – أو الجماعي ، ووضحت الوسائل إلى هذين الطريقين .

أبين الآن الجانب التنظيمي ، أو خطة العمل لهذا النشر ، وهي تتلخص فيما يلي :

(أ) أن يحدد الداعية إلى الله ماهية المبادئ التي سيبدأ بنشرها بحسب أهميتها في الدعوة فالرسول صلى الله عليه وسلم عندما أوحى الله تعالى إليه أنه نبي الله تعالى ورسوله . حدد الله تعالى المبدأ الأول والأهم لدعوته ، وهو المبدأ الأول لكافة الرهط الكريم من الأنبياء والمرسلين ، هذا المبدأ هو : " أن اعبدوا الله ما لكم من إله غيره" .

قال تعالى : " ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ... " .

وقال تعالى : " وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون " .

(ب) يتفق مع من أجابه ووافقه على المبدأ الذي حدده على أن يأتي كل واحد منهما بواحد موافق على دعوتهما التي اتفقا عليها في فترة زمنية معينة ، وعلى هذا سيصبح الإثنان أربعة ، بعد تلك الفترة من الزمن ، وهكذا سيصبح الأربعة ثمانية والثمانية ستة عشر ..... وسنوضح هذه النظرية التنظيمية بالنموذج التالي :

1- ليكن المبدأ تعليم الناس فاتحة الكتاب مثلا ، أو التركيز على أهمية العمل الجماعي ، أو الحث على الصلاة ... .

2- الزمن الذي سيستغرقه تنفيذ ذلك المبدأ ساعة واحدة من كل يوم لمدة شهر كامل .

ولنبدأ بداعية واحد قرر أن يقوم بذلك العمل ويأتي بآخر بعد شهر :

الزمن المتفق عليه العدد المتكرر الموضوع المدروس
2 كيف تصلى
2
4
8
16
32
64
128
256
512
1024
2048
4069
8192
16394
36768
77536
155072
310144
620288
1240576
2481152
4962304
9924608
19.849.216

ملاحظة : فى حالة الرغبة فى زيادة المواضيع المدروسة يزاد الزمن بحيث يصبح شهرين ، شهر لتعليم كيف يصلى المسلم مثلا ، و الشهر الثانى كيف يقرا القرآن ....... و إلى آخره .

من هذا الجدول التوضيحى تدرك ما يلى :

(أ) أ، جماعة من الناس تعدادها ( 19,849,261 ) قد تشربت مبدأ معينا فى زمن قصير قدره سنتان .

(ب) و تلمس أن النظرية أكثر واقعية من حيث الإمكان فالداعية الذى لا يعطى ساعة واحدة من يومه لدعوته ليس داعية بحق ، و داعية لا يستطيع أن يخرج تلميذا حافظا لفاتحة الكتاب بعد ثلاثين ساعة من الزمن – هذا الزمن طوله شهر كامل – ليس داعية بحق .

(ج) ثم تدرك أن جماعة هذا عددها ستفعل أشياء كثيرة وكثيرة جدا .

(د) و أن زمنا تكونت فيه هذه الجماعة الكثيرة العدد لزمن قصير وقصير جدا بمقياس بناء الجماعات ، و لكن فى الحقيقة أن أن همم الرجال إذا نظمت تفعل أكثر من ذلك .

فإذا أدركت ذلك كله فاعلم أن هذا العدد لجماعة فى الشهر الأول من السنة الثالثة سيصبح 39,689,432 ، و فى الشهر الثانى من السنة الثالثة سيصبح 97,396,423 ، و هكذا تتضاعف الأرقام تضاعفا هائلا كلما تقدم الزمن .

فاستعن بالله وتوكل على الله .

المبحث الثانى فى المعلم الثانى من سيرة الرسول وهو التكوين على الدعوة

1- مفهوم معلم التكوين  :

المعلم الثانى من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فى بناء جماعته التكوين على الدعوة ، و هو الذى سينتج عن المعلم الول من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم سواء فى الإتصال الفردى ، أو الإتصال الجماعى ، و تفصيل ذلك أنك تلاحظ أن ناسا ممن نشرت فيهم تعاليم الدعوة وافقوا عليها فآمنوا بالدعوة و استجابوا لها ، و ناسا منهم لم يوافقوا على الدعوة و رفضوها .

و أقرب مثال على ذلك عرض الرسول صلى الله عليه وسلم دعوته على ابن عمه على بن أبى طالب كرم الله وجهه ، فوافق عليها واستجاب لها ، وعرضه صلى الله عليه وسلم دعوته على عمه أبى طالب فلم يوافق عليها ورفضها .

هذا فى مرحلة الاتصال الفردى ( أى مرحلة الدعوة السرية ) .

و من المرحلية الجهرية و قوفه صلى الله عليه وسلم على الصفا ومناداته لبطون قريش وعرضه عليه السلام دعوته عليهم ، فمنهم من آمن بدعوته ومنهم من قال تبا لك و انصرف .

فالمعلم الثانى من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم خاص بالقسم الذى وافق على الدعوة من المعلم الأول ( الذى هو نشر الدعوة ) و استجاب لها و آمن بها ، مفهوم هذا المعلم إذن هو تكوين ذلك المستجيب للدعوة على أسس الدعوة ، و صيغة بمحتواها و أفكارها و تعاليمها ، و هذا ما لا يمكن أن يكون فى نطاق المعلم الأول الذى هو النشر و الإعلام بل لا يمكن إلا فى نطاق التربية والتعليم ، و التربية و التعليم لا يمكن أن تكون إلا فى نطاق المعلم الثانى و هو معلم التكوين و أما القسم الذى رفض الدعوة و لم يستجب لها فمكانه أن يبقى فى المعلم الأول ، و صلة الدعوة به التبليغ و الإنذار ، حتى يفتح الرب سبحانه و تعالى و يأذن بمجابهتة و إخضاعه للدعوة الإسلامية .

﴿ و إن كان طائفة منكم آمنوا بالذى أرسلت به و طائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا و هو خير الحاكمين ﴾ .

قال الإمام الطبرى عند تفسير الآية ( يعنى بقوله تعالى ذكره : ﴿ و إن كان طائفة منكم ......﴾ و إن كانت جماعة منكم و فرقة آمنوا ، يقول صدقوا ﴿ ..... بالذى أرسلت به ...... ﴾ من إخلاص العبادة لله ..... فاتبعونى على ذلك ﴿ ....... و طائفة لم يؤمنوا ..... ﴾ يقول جماعة أخرى لم يصدقوا بذلك و لم يتبعونى عليه .

﴿ فاصبروا حتى يحكم الله بيننا ........ ﴾ فهو خير من يفصل ...) .

2- نموذج الحركة فى هذا المعلم :

و لتوضيح ما قلنا فى هذه النقطة قمنا برسم توضيحى له تضمن الكرة الأرضية ، وموقع مكة منها ، و كيف بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم المعلم الأول ، ثم انقسام الناس إلى موافق على دعوته ، و غير موافق عليها ، ثم كيف بدأ المعلم الثانى مع القسم الموافق و ماذا فعل مع القسم الذى لم يوافق على دعوته .

و المعلم الثانى من سيرته عليه الصلاة و السلام مكمل للمعلم الأول و ملتحم به ، فهما معلمان يتمم أحدهما الأخر . فالذين يقفون عند الخطوة الأولى من الدعوة و التى هى التبليغ و الإخبار ، و لم ينتقلوا بمن وافقهم على دعوتهم إلى الخطوة الثانية ، التى هى البناء والتكوين ، أناس يسيرون بدعوتهم على غير نهج الرسول صلى الله عليه وسلم فى دعوته .

إن الذين اكتفوا فى دعوتهم بالخطب على المنابر فى المساجد والمحاضرات و الندوات فى المدارس والجامعات ، و لم ينقلوا من مواقفهم على ما جاء فى خطبهم و محاضراتهم إلى خطوة تكوينية كمرحلة ثانية ،مثلهم كالباسط إلى الماء ليبلغ فاه و ما هو ببالغه لأنه لم يرفع يديه بالماء إلى فيه كمرحلة ثانية للوصول إلى الشرب .

فكما أنه لابد أن يبلغ ما عنده من دعوة يجب عليه أن يربيهم على عقائد و أخلاقيات تلك الدعوة و يكونهم عليها ، و إلا فلا أن تصل دعوته إلى غايتها المرجوة .

و إذا للمعلم الأول وسائله و خطواته فإن لهذا المعلم أهدافه و أساليبه كذلك .

3- شعار المرحلة :

و من أهم شعارات ذلك المعلم هو توجيه الرب سبحانه و تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم و الدعاة من بعده ذلك التوجيه المتمثل فى قوله تعالى : ﴿ و اصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة و العشى يريدون وجهه ، و لا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ، ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا و اتبع هواه ، و كان أمره فرطا ﴾ .

فالآية الكريمة تأمر النبى صلى الله عليه وسلم بأن يصبر على تقصير و أخطاء المستجيبين لدعوته ، و أن يصبر على كثرة تساؤلاتهم خاصة إن كانت خاطئة ، و أن يصبر على ترددهم فى قبول التوجيهات ، و أن يجتهد فى تصبيرهم على فتنة أعداء الدعوة ، و أن يوضح لهم طبيعة طريق الدعوة ، و أنها شاقة ، و أن لا يغرر به مغرر ليبعده عنهم ، و أن لا يسمع فيهم منتقصا ، و لا يطيع فيهم متكبرا أغفل الله قلبه عن حقيقة الأمور و جوهرها .

4- أهداف تلك المرحلة :

و من أعظم أهداف هذا المعلم ما جاء فى قوله تعالى : ﴿ هو الذى بعث فى الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويعلمهم الكتاب والحكمة و إن كانوا من قبل لفى ضلال مبين ﴾ . فالآية تبين أن من أهم أهداف هذا المعلم تحويل عقل الأمى من أميته إلى العلم و الحكمة و المعرفة ، و تحويل روحه وسلوكه من الضلال و الغى إلى الطهر و التزكية ، و هذا لا يكون إلا عن طريق التربية و التعليم اللذين هما محور معلم التكوين .

5- الجانب التنظيمى فى هذا المعلم :

و الجانب التنظيمى فى المعلم الثانى من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فى بناء الجماعة الذى هو التكوين ، قد يأتى دوره فى مرحلة الاتصال الفردى فى المعلم الأول ، و هى المرحلة السرية ، و قد يأتى و قته أو دوره فى مرحلة الاتصال الجماعى من المعلم الأول ، أو يأتى وقته فى كلا المرحلتين .

ولقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم أسلوبا خاصا فى كل حال من الأحوال الثلاثة .

(أ) فإذا كان وقت ذلك المعلم فى مرحلة الاتصال الفردى و هى المرحلة السرية ، فقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم طريق توزيع المستجيبين للدعوة و الذين هم فى معلم التكوين إلى خلايا صغيرة يتراوح عدد أفرادها بين الثلاثة إلى الخمسة ، تجتمع تلك الخلايا يوميا أو دوريا لتتكون فى أماكن مختلفة و أزمنة مختلفة ، و من الأمثلة على ذلك من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم :

1- ما قاله ابن اسحق " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلوا ذهبوا فى الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم فبينما سعد بن أبى وقاص فى نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فى شعب من شعاب مكة إذا ظهر عليهم نفر من المشركين و هم يصلون ، فناكروهم و عابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم ، فضرب سعد بن أبى وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحى بعير فشجه فكان أول دم أريق فى الإسلام " .

فهذا قول صريح فى توزيع الرسول صلى الله عليه وسلم أفراد الدعوة إلى خلايا صغيرة و فى أماكن مختلفة .

2- و كذلك من قصة خروجه صلى الله عليه وسلم مع على بن أبى طالب إلى شعاب مكة يصليان فيها . ابن اسحاق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة و خرج معه على بن أبى طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب و من جميع أعمامه و سائر قومه فيصليان الصلوات فيها .

3- و من قصة إسلام عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال ابن اسحاق من حديث طويل : " فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه و عندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها مطلع سورة طه يقرئهما إياه ....." ففى هاتين القصتين أيضا دليلا على ما نقول و هو توزيع الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه فى تلك المرحلة العصيبة من حياته صلى الله عليه وسلم إلى خلايا صغيرة و هى مرحلة سطوة الباطل عليهم و سرية الدعوة نتيجة لتلك السطوة الطاغية .

4- و كذلك من قصة إسلام علي رضي الله عنه عندما جاء ووجد الرسول صلى الله عليه وسلم يصلي مه زوجه خديجه وكانا بصلاتهما معا يمثلان خلية من خلايا الدعوة المنتشرة في مكة حينئذ ، وهي مرحلة بارزة في الدعوة الإسلامية في المرحلة المكية بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم ، يتوجب على الدعاة في كل زمان ومكان أن يقفوا عندها طويلا ، وعلى وجه الخصوص في عصرنا الحاضر الذي بلغت فيه أجهزة التجسس على الإسلام والمسلمين أعلى ما يمكن أن يتصوره عقل بشري من حيث العدد والعدة ، والخبث في التخطيط ، والمهارة في الأساليب والدقة في التنفيذ . (ب) إذا جاء وقته في المرحلة العلنية :

وأما إذا كان وقت ذلك المعلم هو التكوين في وقت الاتصال العام ، - أي مرحلة الجهر بالدعوة فقد سلك الرسول صلى الله عليه وسلم طرقا تختلف عن الطرق التي سلكها في المرحلة السرية ، من هذه الطرق .

1- الحلقات الجماعية الكبيرة .

2- والرحلات الجماعية الخاصة .

وكذا تهيئة الجو العام للدعوة بالخطب والمواعظ العامة ، فقد كانت دار الأرقم بن أبي الأرقم من أكبر حلقات التكوين في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم حيث كان يجتمع فيها ما يقارب الأربعين ما بين رجل وامرأة للاستماع لدروسه التكوينية الخاصة ، كما ذكر ذلك ابن إسحاق من حديث طويل قال : " فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم ورهطا من أصحابه قد ذكر له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا ، وهم قريب من أربعين ما بين رجال ونساء " .

وكذلك أسلوب الرحلات الجماعية الذي سلكه الرسول صلى الله عليه وسلم في تلك المرحلة التكوينية ، فقد اشتهر منها هجرتا الحبشة الأولى ، والثانية وهما غنيتان عن التعريف فقد كان الصحابة رضي الله عنهم فيها يبتعدون عن الجو الشركي ليخلو لهم جو البيئة الصالحة ، وتدارس القرآن وإقامة الصلوات ... وهما أسلوبان يتوجب على الداعية الوقوف عندهما للوصول بالدعوة وحملتها إلى ما وصل الرسول صلى الله عليه وسلم بالصحابة رضوان الله عليهم إليه من إيمان وصبر وشجاعة وصلاح ونجاح .

1- أما أسلوب الوعظ والإرشاد فقد كان شغل الرسول الشاغل سحابة نهاره كما أشرنا إلى ذلك سابقا .

2- ومما يدخل تحت هذا المعلم الاهتمام بمناهج التربية والتعليم ، فعندما يتولى ذلك الدعاة إلى الله يمكن أن يخرج جيل إسلامي من هذه المدارس والجامعات يحمل الدعوة قولا وعملا . وينشرها في العالمين .

(جـ) إذا جاء وقته في المرحلتين السرية والعلنية :

أما إذا جاء وقت هذا المعلم في كلتا المرحلتين الاتصال الفردي والاتصال الجماعي فيمكن للداعية تطبيق كل الأساليب الواردة في المرحلتين الاتصال الفردي والاتصال الجماعي .

وهذا واضح تمام الوضوح في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم فقد كان للدعوة في مرحلتها الجهرية واجهتان:

الأولى : علنية ومعروفة للناس وهي تمثل الإعلام من رجالات قريش الذين أسلموا ولم تخش الدعوة عليهم سطوة قريش ، لقوة قبائلهم ، ومتانة سندهم من قريش ، فكانت تلك الواجهة تعلن للإسلام وتدعو للعمل به والدعوة إليه ، فكان لها عملها العلني ومنهاجها العلني .

وأقرب مثال على ذلك أبو بكر الصديق فمن اللحظة الأولى لإسلامه قام بدعوة أصدقائه إلى الإسلام علنا ، فأسلم على يده الكثير وكان رضي الله عنه يتولى الدفاع عن مستضعفي المسلمين بالعتق وغيره .

الثانية : سرية وغير علنية للناس – أي أنها مستخفية بإسلامها وهي تمثل ضعاف المسلمين ممن لا سند لهم يدافع عنهم أمام سطوة قريش وجبروتها ، فكان عملهم كله سريا ، وكانت مناهجهم كلها سرية ، والأدلة على ذلك بدهية لكل متصفح لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم المكية أدنى تصفح ، وهذه نقطة مهمة أيضا تستوجب توقف الدعاة إلى الإسلام عندها ، وأخذها بعين الاعتبار ففي قصة خباب حين دهم عمر منزل أخته وختنه أبلغ دليل على هذه الواجهة السرية ، حيث اختفى خباب من عمر رضي الله عنهما وما كان اختفاؤه عن جبن وعدم رغبة في الشهادة لو حصلت ، ولكن لأن عمله كان في منتهى السرية وكذا أمره صلى الله عليه وسلم لأبي ذر والطفيل بن عمرو الدوسي بمغادرة مكة بعد إسلامهما مباشرة دون أن يعلم بهما أحد وأن يأتياه عندما يعلما بانتصاره صلى الله عليه وسلم .  

المبحث الثالث في المعلم الثالث من سيرة الرسول المجابهة المسلحة لأعداء الدعوة

1- مكان هذا المعلم من معلمي البشر ، والتكوين ، ومفهومه :

بعد بيان مكانة المعلم الثاني الذي هو التكوين للأفراد المستجيبين بادئ الدعوة ، وصبغهم بتعاليمها ، من المعلم الأول الذي هو نشر الدعوة بين الناس ، وبيان أنهما معلمان لا ينفصل بعضهما عن بعض في عمل الداعية إلى الإسلام ، نشرع في بيان المعلم الثالث من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في بناء الجماعة وترسيخ قواعدها ، وبسط سرادقها على هذه الأرض ، وهو المجابهة المسلحة مع المعارضين لهذه الدعوة ، والذين يمثلون العقبات في نشر تعاليم الإسلام ، وتكوين المستجيبين له على مبادئ الدعوة وتعاليمها ، ومكانة هذا المعلم من المعلمين السابقين .

إن طبيعة معلم النشر كما قلنا سابقا أنه يقسم الناس الذين تتمكن الجماعة من نشر الدعوة فيهم إلى قسمين رئيسيين :

القسم الأول : هم المستجيبون لأفكار الدعوة .

والقسم الثاني : هم الذين رفضوا ما جاءت به الدعوة .

فالقسم الأول : هو الذي يختص به المعلم الثاني الذي هو التكوين على الدعوة .

والقسم الثاني : المعارضون للدعوة وهم الذين يختص بهم المعلم الثالث ، الذي هو المجابهة بالقوة لإخضاعهم لسلطان الدعوة ، بعد أن تقام الحجة البيانية عليهم ، في المعلم الأول الذي هو النشر لأفكار الدعوة وتعاليمها .

فمكانة معلم المجابهة إذن هو تسلم القسم المقابل لقسم معلم التكوين والتصدي له ، إذا أدركنا مما سبق أن الذين يختص بهم معلم التكوين هم المستجيبون للدعوة .

وعلى هذا تكون خلاصة المعالم الثلاثة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في بناء الجماعة :

نشر دعوة ، زائد ناس موافق على الدعوة ، أو غير موافق .

فالموافق يخص معلم التكوين ، وغير الموافق يخص معلم المواجهة بالقوة بعد إقامة الحجو .

2- المواجهة في العهدين :

ومن خلال النظر في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم نخرج بقسمين رئيسيين لهذه السيرة المباركة .

قسم بدا من البعثة إلى الهجرة .

والقسم الآخر بدأ من استقرار الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة إلى أن توفاه الله تعالى .

ومن ابرز معالم قسم ما قبل الهجرة أنه نشر للدعوة ، وتكوين عليها ، ومنع لأي مواجهة ابتداء أو لرد اعتداء ، وكان شعار ذلك القسم قوله تعالى :

"ذرني ومن خلقت وحيدا " .

وقوله تعالى : " وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا " .

وقوله تعالى : " كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " .

وقوله عليه السلام لآل ياسر " صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة " الحديث .

إنه شعار الابتعاد عن ساحة الصدام ، والتفرغ للدعوة ، والتكوين عليها ، وجعل المواجهة في هذه المرحلة بين رب الدعوة مباشرة ، وأعدائها ، وهذه المهادنة والمسالمة وعدم المواجهة من قبل الجماعة ولو على سبيل الدفاع عن النفس ، لا تعني أنها صفة أصيلة في الجماعة الإسلامية ، بل الصفة الأصيلة للجماعة هي ألا يمثلها قوله تعالى : " والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون " .

إنما تعني أنها صفة تفرضها المراحل التكوينية للدعوات .

إن دعوة لا تكون هذه صفتها وذلك شعارها في مراحلها التكوينية فهي دعوة مقضي عليها في مهدها ، ولو كان عدم الالتزام بهذه الصفة ممكنا لأي دعوة في مرحلتها التكوينية ، لما اتصفت بها الدعوة الإسلامية في صدرها الأول ، وهي الدعوة المعصومة والموجهة من العليم الخبير ، ولما تحمل الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته كل أنواع الأذى والمهانة في مكة المكرمة ، وهم صابرون ولم يحرك أحد منهم ساكنا ، في الوقت الذي تهتك أعراض شريفة وتسيل دماء ذكية ، ويشرد رجال لا يمر الذباب على أنوفهم عزة وكرامة ، وأنفة وشهامة .

وهي الصفة التي امتدت إلى القسم الثاني من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم فيما بعد الهجرة ، ولكنها لم تكن شعار ذلك القسم البارز كما كانت في القسم الأول من حياته صلى الله عليه وسلم ، بل شعار ذلك القسم وصفته البارزة هي قوله تعالى : " قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم " .

" فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم " .

وقوله تعالى : " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله " .

أما صفة المهادنة والمسالمة فلم تكن ظاهرة ظهورها في عهد ما قبل الهجرة ، ولكنك تلاحظها كثيرا في العهد الذي بعد الهجرة ، فمع جبهة اليهود كانت المهادنة ظاهرة في أول الأمر ، قال تعالى : " ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفار حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير " .

فالآية صريحة في أمر الجماعة الإسلامية في المدينة المنورة بالعفو والصفح عن استفزازات اليهود ، ومصابرتهم حتى يأتي أمر الله تعالى بمواجهتهم .

وكذلك مه جبهة المنافقين كانت المهادنة واضحة كثيرا ، وإلى زمن طويل من العهد المدني ، وأمثلة تلك المهادنة كثيرة ففي غزوة بني المصطلق وهي في السنة السادسة على بعض الروايات حدثت قصة : " لئن رجعنا إلى المدينة ..... الآية " والتي كادت أن تحدث خلافا كبيرا لولا أن تغاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ومررها ، كما جاء ذلك في البخاري عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : " كنا في غزاة .... فسكع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار ..... فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال : فعلوها ، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل ... .

فقام عمر فقال : يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق . فقال صلى الله عليه وسلم : دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه .... " .

قال ابن إسحاق : فلما استقل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار لقيه أسيد بن حضير فحياه بتحية النبوة وسلم عليه ثم قال : يا نبي الله والله لقد رحت في ساعة منكرة ما كنت تروح في مثلها . فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أو ما بلغك ما قال صاحبكم ؟ قال وأي صاحب يا رسول الله ؟ قال : عبد الله بن أبي .

قال : وما قال ؟ قال : زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل .

قال : فأنت يا رسول الله والله تخرجه منها إن شئت ، هو والله الذليل وأنت العزيز .

ثم قال يا رسول صلى الله عليه وسلم أرفق به فو الله لقد جاءنا الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا " .

فهذه القصة وغيرها تدل على امتداد صفة المهادنة إلى العهد المدني ، وتجعل منها حكما إسلاميا يتكرر كلما برزت علته ، في أي زمان ومكان ، والجماعة الإسلامية مطالبة بالالتزام بهذه الصفة كلما أحست قيادتها أن المهادنة أكثر مصلحة للجماعة من المواجهة .

والجماعة في نفس الوقت غير مفرقة بين العهدين المكي والمدني من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم لما أسلفنا .

ولأن صفة الجهاد أي المواجهة في الإسلام لا يعلنها إلا إمام المسلمين بعد أن يتأكد من قوة جيشه واستعداده.

فعليه لا يحق لأي جماعة من المسلمين أن تجابه ما دامت لم تصل إلى الحكم ولو الجزء ، وما دامت لم تصل إلى الحكم ، والإمامة ، فهي في مرحلة العهد المكي ، وعليها أن تلتزم بأحكامه من حيث المهادنة والمسالمة وعدم المواجهة مع الباطل ، بالقوة بل حتى لو وصلت إلى الإمامة وأعلنتها فمن حق الإمام أن يهادن الجبهة المحاربة إن رأى المصلحة في ذلك ، لما أوردنا من مهادنة الرسول صلى الله عليه وسلم لجبهة المنافقين واليهود في المدينة في الوقت الذي كان على رأس دولة تهابها أكثر الجزيرة العربية .

والذي يحق لأي جماعة فعله بعد أن تدرس كل الجوانب المتعلقة به هو حرب العصابات والمناوشات الفردية ، كما هو واضح من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته إلى المدينة ، فقد كان يناوش قريشا من بعيد بواسطة سرايا صغيرة .

3- متى تكون المواجهة :

إن تحديد نقطة الانطلاق في معلم المواجهة مع الباطل خاصية من خصوصيات القيادة العليا في الجماعة القائمة على الدعوة في أي زمان ومكان لكونها المالكة لزمام الأمور والعالمة بكل المعلومات التي تعطي الإشارة بذلك .

فهي التي تعلم قدرة الجماعة واستعدادها لهذه المرحلة .

وهي التي تعلم تقديرات إمكانات واستعدادات الجبهة المقابلة .

والجماعة الإسلامية الأولى بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم وتوجيه الرب سبحانه وتعالى وهو الموجه الأعلى للدعوة وقتها ، من مثل قول الرب سبحانه : " ذرني ومن خلقت وحيدا " .

وقوله تعالى : " واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا " . وقوله تعالى : " كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة " .

ثم استند عليه الصلاة والسلام في اتخاذه قرار المواجهة في المدينة المنورة على مثل قوله تعالى : "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير " .

وقوله تعالى : " كتب عليكم القتال وهو كره لكم " .

وبما أن الوحي قد انقطع بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن الشريعة قد اكتملت قبل انقطاع الوحي ولقاء الرسول صلى الله عليه وسلم ربه ، فمن خلال سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم واستطلاع الأحكام الإسلامية في هذا الجانب ، سنكتب بعض التوجيهات الإسلامية لتحديد نقطة الانطلاق في المواجهة مع الباطل .

أولا : استقلالية الأرض التي تقف عليها الجماعة :

(أ) مفهوم الاستقلالية :

أعني باستقلالية الأرض التي تقف عليها الجماعة ، أن تكون الجماعة هي صاحبة الأرض التي تقف عليها وتنطلق منها ولها السيطرة عليها ، ففي الوقت الذي لا تتمكن الجماعة من إخضاع الأرض التي سوف تنطلق منها للمواجهة ، ومن إحكام سيطرتها عليها ، ومن أنها مستوفية لكل الشروط المساعدة على المواجهة ، من حيث الاكتفاء الاقتصادي ، وتأمين طرق الاتصال الخارجي ، ولها من وسائل الحماية الطبيعية ما يكفي ، في الوقت الذي لا تتمكن الجماعة من ذلك كله لا يحق لها أن تحدد ساعة المواجهة مع الباطل ، بل ولا تفكر فيها ، وعليها أن تلتزم بمهادنة ومسالمة العد المكي من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي الوقت نفسه تبحث عن الأرض المطلوبة .

(ب) عاقبة تحديد المواجهة قبل امتلاك الأرض :

إن الجماعة التي تحدد المواجهة مع السلطة القابضة على الأرض التي تقف عليها الجماعة نفسها جماعة تعبث بقوتها وتهلك أفرادها بأقل كلفة وأيسر خسارة لتلك السلطة المهيمنة على تلك الأرض .

وهي جماعة مقضي عليها بالفشل والتقهقر ، أو الهلاك المحقق عند الاستمرار في المواجهة ، وهي جماعة بعيدة عن النهج النبوي والتوجيه الرباني .

والأمثلة القريبة على فشل ذلك النهج المتعجل الثمرة قبل نضوجها ، قضية شعب إرتيريا مع إثيوبيا ، وقضية مسلمي الفلبين مع حكومة الفلبين وغيرها من القضايا المماثلة .

فقضية شعب إرتيريا : هي أن قيادته أدخلته في مواجهة عسكرية مع حكومة إثيوبيا ، وحكومة إثيوبيا هي القابضة على أرض ذلك الشعب والمسيطرة عليها ، فكانت النتيجة أن قتل وشرد أكثر ذلك الشعب ، وانسحبت تلك القيادة تجر وراءها ذيول الفشل والخسارة .

وكذلك قضية مسلمي الفلبين ، يقتلون جنديا واحدا من جنود الحكومة التي تحكم الأرض التي يقطنها المسلمون ، فتبيد الحكومة الفاجرة قرية أو عددا من قرى المسلمين .

كل ذلك لأن قيادة المسلمين حددت نقطة المواجهة مع تلك الحكومة قبل أن تملك الأرض التي سوف تنطلق منها إلى تلك المواجهة .

(جـ) البحث عن الأرض في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم:

منذ اللحظات الأولى من بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو يبحث عن الأرض التي تصلح للانطلاق منها للمواجهة ، وعن القوم الذين يمكن أن يحموا ظهره في ساعة المواجهة .

1- ففي أمره صلى الله عليه وسلم لصاحبته بالهجرة إلى الحبشة إشارة إلى بحثه صلى الله عليه وسلم عن تلك الأرض .

2- وفي خروجه صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى الطائف كان فيه إشارة صريحة إلى بحثه عن تلك الأرض التي تصلح للمواجهة فيها .

كما جاء في صحيح البخاري وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : "هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : لقد لقيت من قومك وكان أشد ما لقيت منه يوم العقبة إذ عرضت نفسي علي ابن عبدياليل بن عبدكلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا بقرن الثعالب " الحديث .

3- وفي سؤاله صلى الله عليه وسلم عن الكم والكيف في القبائل التي يعرض نفسه ودعوته عليها إشارة إلى أنه كان يبحث عن أرض وحماية ذات صفات معنية وشروط معلومة .

قال الحافظ ابن كثير : من حديث طويل عن ابن عباس رضي الله عنهما " ............... فأتي بكر بن وائل فقال : ممن القوم ؟ قالوا : من بكر بن وائل ..... ، قال فكيف المنعة ؟ قالوا : لا منعة ، جاورنا فارس فنحن لا نتمنع منهم ولا نجير عليهم .... قالوا  : ومن أنت ؟ قال أنا رسول الله ثم انطلق ..... " .

فالحديث الشريف واضح في طلب الرسول صلى الله عليه وسلم لأرض ومنعة معينة ذات شروط معينة وذلك من خلال أسئلته الموجهة إلى تلك القبيلة ، فلما لم تتوفر له شروطه تركهم وانطلق إلى غيرهم .

4- وعدم قبوله صلى الله عليه وسلم لشروط القبائل واحترازاتها عندما كان يعرض نفسه عليها دليل واضح أيضا على أنه كان يبحث عن أرض ومنعة تكون له وحده السيطرة عليها ، ولله وحده حق التوجيه الأعلى لكل أمورها وأحوالها .

يؤكد هذا المعنى الحوار الذي دار بينه صلى الله عليه وسلم وبين القوم من بني شيبان وهو الحوار الذي جاء في حديث ابن عباس الطويل عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما قال : " لما أمر الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه وأبا بكر إلى منى ..... فقال مفروق : قد بلغنا أنه يذكر أنه رسول الله .

ثم التفت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إلام تدعو يا أخا قريش ؟ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المجلس وقام أبو بكر يظله بثوبه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وأن تؤووني وتنصروني حتى أؤدي عن الله الذي أمرني به .... .

فقال المثنى : قد سمعت مقالتك واستحسنت قولك يا أخا قريش وأعجبني ما تكلمت به والجواب هو هانئ بن قبيضة ، وأنا إنما نزلنا بين صريين أحدهما اليمامة والآخر السماوه . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما هذان الصريان ؟

فقال له : أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب ، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى ، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثا ولا نؤوى محدثا ، وهل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول ، وأما ما كان مما يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول ، فإن أردت أن ننصرك ونمنعك مما يلي بلاد العرب فعلنا .

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق ، إنه لا يقوم بدين الله إلا من أحاطه من جميع جوانبه ... ثم نهض .. " الحديث .

فالحديث واضح أيضاً في طلب الأرض والمنعة غير المشروطة بشروط أو احترازات وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه لا يقوم بدين الله إلا من أحاطه من جميع جوانبه فلا يمكن أن ينصر هذا الدين من أخذ بعضه وترك بعضه الآخر .

5- وأخيرا وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ضالته مستكملة الشروط والصفات ، وجدها فكانت المدينة المنورة ، وجد طلبه كاملا بعد أن رفع إلى الملاء الأعلى أكف الضراعة فجاء الأمر الكريم بالدعاء المبارك "وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا " .

وإنها لنقطة هامة يجب على الدعاة الوقوف عندها في كل حرجة ولحظة من دعوتهم إلى الله تعالى ، تلك النقطة هي العودة إلى قاضي الحاجات مع بذل الأسباب البشرية للوصول إلى الحاجات ، لقد سبق في علم الرب تعالى شأنه أن الأرض صالحة لانطلاق الدعوة الإسلامية بقيادة الرسول صلى الله عليه وسلم هي المدينة المنورة ، ولكنه سبحانه ترك السيد الرسول صلى الله عليه وسلم يبذل من الأسباب البشرية للوصول إلى مطالبها الكثير ، والتي أشرنا إلى طرف منها .

وذلك ليس للدعاة الإسلاميين ذلك المنهج القويم ، تركه يبذل من الجهد الكثير ويتحمل من العناء الكثير حتى ضاقت به الأرض بما رحبت دون أن يستقر رأيه على المكان المناسب لتلك الإنطلاقة المباركة ، وأخيرا وبعد أن نفذت كل حيلة لذلك الرسول العظيم ، وبعد أن عبر لربه سبحانه عن نفاذها في صورة ذلك الدعاء الفياض بعد عودته من الطائف ، أرشده سبحانه وتعالى إلى مفتاح ذلك المطلب ، ذلك المفتاح هو التوجه إلى قاضي الحاجات بطلب الهداية والإرشاد منه سبحانه ، فكان التوجه من الرسول العظيم وكانت الهداية إلى المفتاح : "وقل رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطانا نصيرا " .

إنه مفتاح في برقية لا تتعدى كلماتها سطرا واحدا كان من بعدها مباشرة خروجه صلى الله عليه وسلم المخرج المبارك بالهجرة ، ودخوله المدخل المبارك إلى المدينة المنورة ، ونصره النصر المؤزر بعد ذلك ، النصر الذي كان بعده الظهور والعزة للإسلام ولبني الإسلام .

قال ابن إسحاق : " فلما أراد الله إظهار دينه وإعزاز نبيه وإنجاز موعده له خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار فعرض نفسه على قبائل العرب ، كما كان يصنع في كل موسم فبينما هو عند العقبة لقى رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا ، فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا : لما لقيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لهم : من أنتم ؟ قالوا : نفر من الخزرج. قا ل: أمن موالي يهود ؟ قالوا : نعم .

قال : أفتجلسون أكلمكم ؟ قالوا : بلى ، فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام ، وتلا عليهم القرآن ، .... فلما كلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أولئك النفر ، ودعاهم إلى الله ، قال بعضهم لبعض يا قوم تعلمون والله أنه النبي الذي توعدكم به يهود ، فلا يسبقنكم إليه فأجابوه فيما دعاهم ... " .

ثم كانت البيعة الأولى ، ثم الثانية فكانت الأرض بكل شروطها ، وكانت المنعة بكل لوازمها ، ثم كانت الهجرة النبوية العظيمة ، وبسطت الدعوة الإسلامية سلطانها على المدينة المنورة ، ثم كانت الانطلاقة من هناك ، من المدينة المنورة لمواجهة الباطل بقوة السلاح ، كانت الانطلاقة بعد أن حصلت الأرض التي وقفت عليها الدعوة الإسلامية ، والجماعة الإسلامية ، فكانت الفتوح بعد ذلك وكان النصر ، ودخل الناس في دين الله أفواجا ، إن المقدمة الأولى لنقطة الانطلاق إلى الباطل لنواجهه هي أن توجد الأرض المكتملة للشروط التي أشرنا إليها ، وبدونها لا مواجهة ، بل مسالمة وبحث عن الأرض حتى توجد والله المستعان وهو ولي التوفيق .

ثانيا : اكتمال العدد :

ونعني باكتمال العدد أن يصل عدد أفراد الجماعة الذين سيدخلون المعركة رقما معينا ونسبة معينة ، من الجيش المقابل ، وسأحدد ذلك الرقم وتلك النسبة من النصوص الشرعية التالية .

1- مفهوم العدد من آيتي المصايرة :

من قوله تعالى : " يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال إن يكن منك عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون .

الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة يغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف يغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين" . نفقه هاتين الآيتين ما يلي :

(أ) أنهما تبدآن بأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحريض المؤمنين على القتال وهو إشارة إلى المواجهة مع الباطل .

(ب) ثم تحدد الآيتان ضابطا دقيقا للقيادة الإسلامية يحدد لها بالأرقام متى يمكنها دخول المعركة مع العدو ومتى لا يمكنها ذلك وهذا الضابط هو متى بلغ عدد الجيش الإسلامي نسبة واحد إلى اثنين من الجيش المعادي يجب على الجماعة دخول المعركة وهو أقل معدل ومتى بلغ عدد الجيش الإسلامي نسبة واحد إلى عشرة من الجيش المعادي يجوز للجماعة دخول المعركة ويجوز لها عدم دخولها .

وهو أعلى معدل .

والذي يقرر النسبة الأولى أو الثانية هو هبوط المستوى الإيماني في الجيش الإسلامي أو ارتفاعه .

(جـ) وأن الآيتين تبينان لنا أن الجيش الإسلامي قد يكون في مرحلة من مراحله على درجة عاليه من الإيمان والصبر والنظام والتنظيم فيعدل الواحد منه عشرة من الجيش المقابل .

وقد يكون في مرحلة من ضعف الإيمان والصبر وارتجال الأمور فيعدل الواحد منه اثنين من الجيش المعادي.

وأحب أن أشير هنا أن فقهنا هذا من الآيتين لا يعني أننا نتجاهل جانب الناسخ والمنسوخ في القرآن بل هو ظاهر الآيتين .

2- الأحاديث النبوية في تحديد المواجهة :

حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم أرقاما مختلفة للجيوش التي لا تغلب من جهة النقص في العدد مهما كان عدد الجيش المعادي أو ضخامته .

أخرج أحمد رحمه الله عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خير الأصحاب أربعة ، وخير السرايا أربعمائة ، وخير الجيوش أربعة آلاف ولا يغلب اثنا عشر ألفا من قلة ..."

3- سيرته الشريفة تحدد عدد المواجهة :

ودخوله صلى الله عليه وسلم معركة بدر الكبرى بثلاثمائة وبضعة عشر رجلا فيه إشارة إلى العدد الذي يمكن للقيادة الإسلامية في الجماعة أن تحدد بموجبه ساعة المواجهة مع الباطل .

أخرج البخاري عن البراء رضي الله عنه قوله :"حدثني أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ممن شهد بدراً أنهم كانوا عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا النهر بضعة عشر وثلاثمائة " .

4- تنبؤ عمر رضي الله عنه :

عندما حاول المشركون ضربه بعد إسلامه بالعدد الذي يمكن للجماعة الإسلامية أن تواجه به القوة به القوة الكافرة وهو ثلاثمائة رجل .

قال ابن كثير في البداية من حديث طويل عن قصة إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه ..... " افعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو كنا ثلاثمائة لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا " .

وذكري هنا لقول عمر هذا ليس على أنه نص قاطع في تحديد نقطة الانطلاق في المواجهة ولكن لأنه تنبؤ أكدته النقطة السابقة وهي مواجهة الرسول صلى الله عليه وسلم المشركين في بدر بهذا العدد وهي الغزوة التي تعتبر نقطة البداية في المواجهة العسكرية مع الكفر حيث أن كل ما سبقها من سرايا وغارات يعتبر مقدمات وإرهاصات لها .

5- وخلاصة معلم المواجهة :

أن تحديد بدء المواجهة من خصوصيات القيادة العليا للجماعة ، وأنها لا تكون إلا بعد التمكن من الأرض الصالحة التي سيكون منها ذلك الانطلاق ، واكتمال العدد الذي ستكون به المواجهة ، فعلى الدعاة أن يدركوا هذا المعلم جيدا .

والله الموفق إلى ما فيه الصواب .  

المبحث الرابع المعلم الرابع من سيرة الرسول السرية في عمل بناء الجماعة

1- مفهوم السرية :

بعد أن بينت في المعالم الثلاثة من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم الكيفية التي يمكن بموجبها الوصول إلى بناء هيكل الجماعة ، التي سيكون على عاتقها إعلان جماعة المسلمين ورفع رايتها ، أبين العوامل التي يمكن بموجبها تمرير عملية بناء ذلك الهيكل بسلام ، وتتلخص هذه العوامل في المعالم الثلاثة الآتية ، والتي هي :

1- السرية في حركة بناء الجماعة .

2- الصبر على متاعب الطريق .

3- الابتعاد عن ساحة المعركة مع الباطل في المرحلتين الأوليين : النشر والتكوين .

ولنبدأ بالمعلم الأول : السرية . وترتيبه الرابع في معالم سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ونقصد بالسرية في عمل بناء الجماعة : أن تنحصر معلومات خطة العمل في محيط القيادة العامة للعمل ، وأن يجهل الأشخاص – في العمل السري – بعضهم بعضا من حيث التكاليف والمهام ، وأن يعلم كل واحد في العمل مهمته دون غيره فلا تخرج معلومات مهام عمرو إلى زيد بحال من الأحوال ، وهذا واضح من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته .

(أ) ففي احتفاظ الرب سبحانه وتعالى بالقرآن الكريم كاملا في السماء الدنيا ، ثم تنزيله شيئا فشيئا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين وهو الذي يمثل خطة العمل للدعوة الأولى ، دليل واضح على وجوب احتفاظ القيادة العليا في الجماعة بخطة العمل ككل ثم إنزالها إلى القواعد بتدرج وسرية كاملة .

(ب) وفي قصة هجرته صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة دليل واضح على ما نقول ، من حيث خطة العمل كافة في نطاق القيادة ثم توزيع مهام العمل على أفراد ، كل واحد في مهمة خاصة لا علاقة لها بمهمة غيره .

فعلي ابن أبي طالب على الأمانات والودائع ، وعبد الله بن أبي بكر على الأخبار وحركة العدو ، وأسماء بنت أبي بكر على جانب الطعام ، وعامر بن فهيرة على الأغنام ، وعبد الله بن أريقط على الراحلتين ودلالة الطريق ، إلخ .... كما جاء ذلك في قصة هجرته صلى الله عليه وسلم .

(جـ) وكذا قصة سرية عبد الله بن جحش للإتيان بأخبار قريش ، من حيث جعل خطة عمل السرية بيده ومن كونها مخفية حتى على عبد الله نفسه حتى ابتعد عن المدينة مسافة طويلة ، وكذا غيرها من القصص المماثلة .

إن الوقت الذي توفق الجماعة الإسلامية فيه إلى السير على الخطوط التي رسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم – وهو يبني جماعته الأولى والتي كان على عاتقها نصر الإسلام – تكون سائرة على النهج القويم ، وفي الوقت الذي تتنكب طريقه صلى الله عليه وسلم تكون معرضة للزلل والضلال .

والسرية في العمل من أهم الخطوط التي رسمها صلى الله عليه وسلم ليسير عليها الدعاة إلى الله تعالى .

2- الخلط في مفهوم السرية :

وفي مجال السرية في عمل بناء الجماعة الإسلامية يخلط كثير من الدعاة إلى الإسلام في هذه الأيام خلطا كثيرا .

فمنهم من أدخل ما يجب الجهر به من تعاليم الإسلام ، في نطاق ما يجب الإسرار به وكتمانه ومنهم من عكس الأمر ، فهو يثرثر بكل شيء وفي كل مكان ولأي إنسان .

(أ) القسم الأول : فتجد الأول لا يخوض في موضوع من موضوعات الدعوة ، ويبتعد عن كل ما يشير إلى ذلك بل تجد بعضهم أخذ يتنكر لكثير من مظاهر الدين الإسلامي . ثم أخذ يتشبه ببعض التقاليد غير الإسلامية ، لإبعاد شبهة التزمت عنه وعن الدعوة التي يحملها بزعمه ، ولإخفاء شخصيته الحركية .

وهذا أمر خطير على الشخص نفسه من حيث وقوعه في الإثم ، وخطير على دعوته ، ومن حيث أن الداعية المسلم يدعو الناس بقوله وفعله وسلوكه ، فإذا سكت عما يجب الجهر به من الدعوة ، وتجرد عن التطبيق العملي لمظاهر الإسلام وتعاليمه فماذا بقي ؟ إنه تجرد عما يدل على إسلامه كفرد ، ونسف دعوته من حيث القدوة ، وضرب الجماعة التي ينتمي إليها من حيث تمثيله لها ، وتقمصه شخصيتها الإسلامية ، فلهؤلاء نقول : ليس من السرية بحال كتمان الدعوة الإسلامية كفكرة وتعاليم ، بل يجب أن يعرض على الناس هذا الدين عرضا شيقا يبرز محاسنه ، كما يبرز مساوئ غيره من المبادئ الهدامة أو الفكر المنحرف ، ولا يجوز بحال أن يكتم العلم ، فالله سبحانه وتعالى قد أخذ الميثاق على أهل العلم ليبينوا ذلك العلم وينشروه بين الناس .

قال تعالى : " وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون " . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : " من سئل عن علم فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار " .

وهذ ما تؤكده الآية القرآنية في وعيد شديد مخيف " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم " .

وهكذا يشترط في توبة هؤلاء الصلاح والتبيين وهذا مما لا يخفى على من له أدنى بصيرة بهذا الدين ، والآية السابقة وإن كان بعض أهل العلم قال :

" نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم " كما نقل ذلك الحافظ ابن كثير  : عن أبي العالية ، إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .

ففي ذلك المجال العلمي لا نجوز السرية ولا يباح الكتمان .

وكذلك الأمر بالنسبة لتغيير المنكر إذا لم يوجد من يغيره ألبته باللسان فلا يكفي فيه التغيير بالقلب ، بل لابد من إقامة الحجة على أهل الباطل وأصحاب البدع والأهواء ، فأحمد بن حنبل حينما رأى أن العلماء في عصره قد اكتفوا في تغيير المنكر بقلوبهم في فتنة خلق القرآن ، لم يسعه إلا أن يجهر برأيه ، وأن يقول كلمة الحق ، مدوية غير مبال بما يصيبه في سبيلها .

وكم شهد التاريخ قديما وحديثا من أمثال أحمد بن حنبل الذي قالوا كلمة الحق ولم تأخذهم في الله لومة لائم ، وكثيرا منهم فاز بالشهادة بسبب ذلك ، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول :" أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر "

وقوله صلى الله عليه وسلم : " استعينوا على إنجاح الحوHئج بالكتمان فإن كل ذي نعمة محسود " .

وعلى كل الحالين فهنا إفراط وهناك تفريط ، والأفضل أن ينظر الطرفان في أمرها ، بأن يكون لهما ميزان يفرقون به بين ما يجب أن يكتم ، وما يجب أن يجهر به ، في خطة العمل الجماعي للدعوة الإسلامية .

والميزان في نظري والله أعلم بالصواب : أن كل عمل ينقسم إلى قسمين من حيث وجوده في الحياة : والعمل الإسلامي واحد من هذه الأعمال فهو ينقسم إلى قسمين :

(أ) قسم تنظيمي وهو الذي يجب أن يكون سرا.

(ب) قسم فكري وروحي وهو الذي يجب أن يكون جهرا – ضمن خطة مدروسة . فهذا التقسيم في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم (خاصة العهد المكي )واضح كل الوضوح .

ففي الوقت الذي ينظم فيه صلى الله عليه وسلم خلايا العمل السري ، الذي يجري في دار الأرقم بن أبي الأرقم ، وغيرها من الخلايا الأخرى ، مثل مهمة خباب بن الأرت في بيت سعيد بن زيد ختن عمر بن الخطاب ، وما دار مع عمر نفسه في هذا البيت كما أشرنا إلى ذلك سابقا ، ومثل ما حصل بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين أهل بيعة العقبة الأولى والثانية ... فهذا ما نقصده من العمل التنظيمي الذي يجب إسراره وكتمانه .

وفي نفس الوقت كان يقف صلى الله عليه وسلم في أسواق الناس وأنديتهم مناديا : " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " وكذلك صلاته في المسجد الحرام على رؤوس الأشهاد ، وهذا هو الذي قصدناه من القسم الثاني الذي يجب الصدع به وإعلانه للناس ، وشواهد هذا كثيرة في مسيرته صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم .

3- فهم قاصر للسرية :

وقد فهم أكثر الناس أن سرية الحركة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم مرحلة مرتبطة بظروف معينة ومحدودة بزمن معين ، حتى حدها أكثر المؤرخين بثلاث سنوات فقط .

والحقيقة أن السرية صفة لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ملازمة لها في كل أطوارها وعلى امتداد حياة الرسول صلى الله عليه وسلم يروي بوضوح الجانب السري فيما تجب فيه السرية في العهدين المكي والمدني .

وإذا كانت أحداث العهد المكي واضحة في صفة السرية ، فإن العهد المدني أكثر وضوحا للسرية ، وأدق تنظيما لها ، لأنه مرحلة حرب وجهاد ، والحرب خدعة وتورية .

ففي العهد المكي على امتداده كانت هناك أحداث كثيرة تشهد بالتزام الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه بصفة السرية .

(أ) فدار الأرقم بن أبي الأرقم وما كان يدور فيها من أمور ، خير شاهد على اتصاف العهد المكي كله بصفة السرية ـ قال صاحب كتاب السرية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم عند حديثه عن تلك الدار "وكانت في مكان آمن لا يهتدي إليه المشركون " .

(ب) ومن قصة ضرب المشركين لأبي بكر رضي الله عنه وما دار بينه وبين أم جميل في حضرة أمه دليل على تعمق صفة السرية في حياة الصحابة عموما ، وهي قصة متأخرة في تاريخها ، كما أخرجها صاحب البداية عن عائشة قالت : " خرج أبو بكر ...... فقال : اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه فخرجت حتى جاءت أم .

جميل فقالت : أن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله ، فقالت : ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك ، قالت : نعم فمضت معها ..... " (جـ) وكذلك قصة إسلام عمرو بن عنبسه وأمر الرسول صلى الله عليه وسلم له أن يكتم إسلامه ويلحق بأهله .

(د) وكذا إسلام أبي ذر والكيفية التي توصل بها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث اتفق معه الدليل وهو علي بن أبي طالب إنه إن رأى بأسا فإنه سيجلس كأنه يريق الماء .

(هـ) وكذا قصة جهل عمر بن الخطاب بإسلام أقرب الناس إليه وهما أخته وختنه . وهي قصة متأخرة جدا عن ثلاث السنوات التي حددت بها السرية .

(و) وكذا قصة العقبة الأولى ، والثانية فقد تمت في غاية من السرية وهي من آخر أحداث العهد المكي ومنا.

(ز) وأخيرا ما أحاط به رسول الله حادث هجرته مع أبي بكر من سرية كاملة وهو الحادث الذي ختم به العهد المكي .

ففي تسلسل هذه الأحداث والقصص من أول العهد المكي إلى آخره دليل على بروز صفة السرية في ذلك العهد على امتداده ، وأما الأحداث التي تشهد بامتداد صفة السرية إلى العهد المدني فكثيرة . خاصة وأن العهد المدني أخذ الطابع الحربي – ولم يكن ذلك في العهد المكي – وهو الطابع الأكثر اضطرارا إلى السرية الكاملة . حتى جعل النبي صلى الله عليه وسلم وزيرا له في هذا الجانب وأطلق عليه أمين سر رسول الله صلى الله عليه وسلم .

قال صاحب دروي في الكتمان :

" وكان حذيفة بن اليمان العبسي رضي الله عنه صاحب سر رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

وفي مقدمة تلك الأحداث الشاهدة بامتداد صفة السرية لدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم .

(أ) قصة خروجه صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر يوم بدر لاستطلاع خبر عدوه وسؤاله الشيخ وكتمه صلى الله عليه وسلم خبره عن ذلك الشيخ ، قال صاحب البداية  : " .... حتى وقف على شيخ من العرب فسأله عن قريش وعن محمد وأصحابه وما بلغه عنهم ، فقال الشيخ : لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أخبرتنا أخبرناك ، فقال : أو ذاك بذاك ؟ قال : نعم . قال الشيخ : ........... فلما فرغ من خبره قال : ممن أنتما ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : نحن من ماء ثم انصرف عنه ......" .

فهذه التورية من رسول الله صلى الله عليه وسلم على ذلك الشيخ تدل على أصالة السرية في منهجه ، وأنها ليست خاصة بالعهد المكي أو المدني ، وليست محصورة في ثلاث سنوات من دعوته صلى الله عليه وسلم.

(ب) وكذا قصة سرية عبد الله بن جحش عندما بعثه رسول الهدى صلى الله عليه وسلم على رأس سرية ليأتي بخبر قريش . قال ابن إسحاق  : " وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن جحش الأسدي في رجب مقفله (أي مرجعه) من بدر الأولى ، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد وكتب له كتابا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه .... " وقد عنون العقاد على هذا النوع من الرسائل عنوانا سماه (الرسائل المختومة) واعتبرها من صميم السرية .

والظاهر أن مراد القائلين بأن السرية محدودة بثلاث سنوات هو السرية المطلقة ، المشتملة على كل أمور الدعوة ، حتى أن الذين أسلموا معه في هذه الفترة كان يطلب منهم كتمان إسلامهم ، ثم بعد هذه الفترة صارت السرية في بعض أمور الدعوة دون البعض ، وهو مراد مقبول وبه يمكن التوفيق بين ما ذكرناه من مراحل السرية وبين هذا القول الذي يحد السرية بثلاثة أعوام .

4- خلاصة هذا المعلم :

وخلاصة معلم السرية في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أنه الصندوق الذي تحفظ فيه خطة العمل الجماعي ، والسرادق الذي يحيط بها ويصونها ، وأنه معلم مهم على امتداد حركة بناء الجماعة ، وعلى وجه الخصوص مراحلها الأولى حتى لا تضرب في مهدها ، وأنه خاص بالجانب التنظيمي من الدعوة فقط ، وليس منه الجانب الفكري أو الثقافي وغيرهما من الجوانب المعلنة في الإسلام ، فعلى الدعاة أن يهتموا بهذا المعلم ، ويصدروا عنه في حركتهم ، فهو صمام الأمان الذي يقي العمل الجماعي من العيون المتربصة به ، ولابد من فقه هذا المعلم ومعرفة حسن استخدامه في مكانه المناسب وزمانه المناسب ، " فالله خير حافظا وهو أرحم الراحمين " .  

المبحث الخامس المعلم الخامس من سيرة الرسول الصبر على استفزاز الجبهة المضادة

1- الصبر في مرحلة التكوين سنة من سنن الله تعالى :

ومن أبرز عوامل صيانة هيكل الجماعة في سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في مرحلة التكوين أمره لكافة أفراد الجماعة بالصبر ، وحبس النفس ، وضبط الأعصاب أمام كل تحديات الجبهة المضادة ، وعدم الالتفات لكل ما يصدر عنها من سخرية ، وتطاول على الدعوة وأصحابها ، لأن سنة الله تعالى شأنه في الكون أن كل المخلوقات في مراحلها التكوينية يرافقها ضعف وعدم قدرة على التصدي للعوامل المضادة ، والجماعة الإسلامية جزء من ذلك الكون تنطبق عليها سننه ونواميسه ، فلابد لها من عوامل صيانة في مرحلتها التكوينية ، والصبر من أهم عوامل تلك الصيانة وهو سنة إلهية لوقاية الجماعات في مرحلتها التكوينية .

2- ظاهرة تكرار الأمر بالصبر :

أما ظاهرة تكرار أمر الله تعالى لأفراد الجماعة الإسلامية بالصبر فهي ظاهرة بارزة في كل القرآن الكريم والسنة المطهرة ، لحاجة الأمة الإسلامية إليه في كل أحوالها فكان لابد من تذكيرها بهذا المعنى كلما غفلت عنه ، فكما أنها تحتاجه لتستعين به على الطاعة وتجنب المعصية ، فهي تحتاجه عند جهاد المشاقين لله ، وعند النصر عليهم ، وتحتاجه عند ثقل الحمل وقلة المعين ، تحتاجه عند تأخر النصر ، وطول الطريق ، تحتاجه عند التواء النفوس وضلال القلوب ، بيد أن تكرار ظاهرة الأمر بالصبر في الجانب المكي من القرآن الكريم كان أكثر بل وفي أوائل السور تنزيلا كان تكرار الصبر والحث على التمسك به واضحا جدا . لأن الجماعة في ذلك العهد في ملحة ضعف تكويني ، وقلة سند مادي .

فعلى سبيل المثال لا الحصر وجه الله تعالى نبيه بالصبر في سورتي المزمل والمدثر وهما من أوائل السور تنزيلا .

قال تعالى : " واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا " .

وقال تعالى : " ولربك فاصبر " .

هذا التكرار الكثير للصبر في الجانب المكي من القرآن يدل على أهمية هذا الخلق في حفظ كيان الجماعة ، وعلى ضرورة التخلي به من قبل أفراد الجماعة ، خاصة في مرحلتها التكوينية .

3- والأدلة على صبره صلى الله عليه وسلم ، وصبر الصحابة رضي الله عنهم على أذى المشركين في مكة :

تتمثل في كل أحوالهم في مكة المكرمة قبل الهجرة ، فليس هناك حال للدعوة الإسلامية في مكة في ذلك العهد تقريبا إلا وترى صفة الصبر بارزة فيه ، ترى الصبر على الأذى من جهة طاغية ، على جهة مجردة من الحول والقوة ، ترى الصبر على مواقف الاستخفاف والاستفزاز مع القدرة على البطش والتصدي من قبل بعض أفراد الجماعة الإسلامية ، وعلى الرغم من ذلك فقد كانوا يؤمرون بكف أيديهم ، وترى الصبر على الجوع والفاقه ، ترى الصبر على الغربة والتشريد ، ترى الصبر على الخوف والإرجاف .

كل هذه الأحوال المؤلمة كانت على طول ذلك العهد المكي ، الذي قد يكون قياسه بالزمن قصيرا ، ولكن قياسه بمقياس معاناة النفس البشرية له ، يعتبر وزنا ثقيلا ومجالا واسعا خاصة على نفوس الصفوة البارة من الصحابة وفي مقدمتهم النفس الشريفة الطاهرة نفس رسول الله صلى الله عليه وسلم .

نكتفي هنا بهذه الإشارة إلى ما كان يعانيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته رضوان الله عليهم في مكة وسنبسط نماذج من تلك الأحوال في فصل طبيعة الطريق إن شاء الله تعالى .

4- ثقل ذلك الأذى على نفس الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته :

ولقد عبر عن ثقل ذلك الحمل من الغمز ، واللمز والأعراض تارة ، والاعتداء على الأجساد بالتعذيب ثم القتل والتشريد تارة ، عبر رسول الهدى صلى الله عليه وسلم عن ذلك الحمل الثقيل على النفس والحال بعد أن أدمى سفهاء ثقيف قدميه الشريفتين ، عبر عنه وهو يناجي ربه :

" اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين ، إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني ، أم إلى قريب ملكته أمري ؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي ، غير أن عاقبتك أوسع لي ، أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك ، أو يحل بي سخطك ، لك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك " .... الحديث وعبر عنه خباب بن الأرت رضي الله عنه بقوله : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت : ألا تدعو الله لنا ؟ " .

إنه تعبير صادق مغمور بالألم عن وزن ثقيل وتحديات كبرى ، بيد أن ضرب الجماعة والقضاء عليها في مهدها كان أكبر وأعظم من ذلك الوزن ، فكان لابد من الصبر ولابد من التحمل ، وقد كان من ذلك السلف البار ، ولابد أ، يكون من الخلف الحاضر ، والمنتظر إن شاء الله تعالى .

قد كان ذلك التحمل من السلف عندما قال آل ياسر ... للباطل لا حتى الموت .

ولقد سارت الأمة الإسلامية على طول أزمانها ، وامتداد أجيالها على هذا النهج الذي هو لا للباطل حتى الموت ، وستقول الأجيال القادمة من هذه الأمة أيضا ، لا للباطل وألف لا حتى الموت ، وذلك لأن الباعث الذي دفع آل ياسر إلى قولة "لا" ونفخ فيهم قوة التحمل والاستعلاء بالحق على الباطل ، باق ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، ذلك الباعث هو الإيمان بأن هناك قوة أكبر من هذا الباطل ، وأن هناك يوما يعدل فيه بين الناس ، وأن هناك جنة تنتظر الشهيد ونار تنتظر كل كافر عنيد .

فلابد أن يهتم الدعاة بذلك الباعث ، ليوجد الصبر ثم لتبقى الجماعة ، ثم يكون النصر للإسلام والمسلمين ، والله المستعان .  

المبحث السادس في المعلم السادس من سيرة الرسول وهو الإبعاد عن ساحة المعركة

1- مفهوم معلم الإبعاد عن ساحة المعركة :

ولما كان الكتمان ، والصبر غير كافيين لضبط أمور الجماعة وصيانة بنائها من الأذى ، لاختلاف الناس في القدرة على تطبيقهما ، ولاختلاط جوانب الكتمان بجوانب الإعلان عند أفراد الجماعة ، ولأن أكثر تعاليم الإسلام لابد أن تظهر على صاحبها سلوكا وثمرة ، ولاختلاف معادن الناس في الصبر على القهر والاستفزاز ، لما كان الأمر كذلك ، بادرت القيادة الحكيمة بإيجاد عامل الضبط لصيانة بناء الجماعة ، الذي سيترتب على بقائها ، نصرة الإسلام ونشر تعاليمه ، وعلى هلاكها تجميد أحكام الإسلام ومحق تعاليمه ، كما عبر عن ذلك رسول الهدى صلى الله عليه وسلم :" اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض " فكانت فكرة الإبعاد لأفراد الجماعة عن ساحة المعركة مع العدو بالهجرة هو ذلك العامل الذي استطاعت القيادة بموجبه حفظ براعمها من بطش قريش ، وتجنب الجماعة بعد ذلك عملية محق وهلاك محقق .

2- أهمية ذلك المعلم في صيانة بناء الجماعة :

إن فكرة إبعاد من أسلم عن ساحة المواجهة مع طغيان قريش وجبروتها توفيق من الله تعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم .

وهو توجيه كذلك للسائرين على هذه الطريق يقصدون نصرة الإسلام ، ورفع لوائه ، إن الابتعاد عن ساحة المعركة في مراحل التكوين التي لا تقوى الجماعة على المواجهة فيها ، أمر يوجبه الدين ، وتقتضيه حال الجماعة في مراحلها الأولى ، إنك تلمس من قول الرب تعالى شأنه :

" يا عبادي إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون "

إن الابتعاد عن ساحة المعركة فيه صيانة لعبادة الله سبحانه وتوحيده وتدرك أن إعطاء المؤمنين ولاءهم لمن كان في ساحة الكفر مرتبط بهجرته وابتعاده عن الفتنة في الدين ، لضعفه عن مقاومة ضغط قوى الكفر في مرحلة التكوين ، ولأن وجوده في الجماعة زيادة قوة لها قال تعالى :" والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا " .

قال تعالى : " فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله "

وتدرك أن حجة الملائكة على الذين ادعوا الاستضعاف في الأرض هي : " ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها " .

إن إبعاد الأفراد المستجيبين للدعوة عن ضغط السلطة الجائرة إلى أرض يأمنون فيها على أنفسهم ودعوتهم أمر يجب أخذه بعين الاعتبار من قبل الجماعة الإسلامية ، والدعاة إلى الله تعالى .

3- الجانب التطبيقي لمعلم الإبعاد في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم :

ولقد وضح الجانب التطبيقي لعامل الإبعاد لأفراد الجماعة عن ساحة المعركة في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم ، ووضحت كذلك نتائجه الحميدة ، والتي من أعظمها عودة أولئك المهاجرين إلى مكة فاتحين بعد تجمعهم في مكان آمن ، ذلك المكان هو المدينة المنورة .

بدأ التطبيق العملي في عامل الإبعاد بالإذن العام إلى كل أـفراد الجماعة في مكة بمغادرتها إلى أرض الحبشة ، لعلم القيادة بأمان ذلك المكان ، وإمكان عيش أولئك الأفراد فيه بسلام وأمن .

قال ابن إسحاق :" فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابه من البلاء وما هو فيه من العافية ، بمكان من الله ، ومن عمه أبي طالب ، وأنه لا يقدر على أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء ، قال لهم : لو خرجتم إلى أرض الحبشة ، فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة " . ثم الأمر العام لكل من أسلم من خارج مكة بالرجوع إلى أهله ، والبقاء هناك حتى ينصر الله الإسلام ويشتد عوده .

ومن الأمثلة على ذلك أمره عليه السلام لأبي ذر الغفاري والطفيل بن عمر الدوسي ومن جاءه من الأنصار وغيرهم ، بالعودة إلى بلدانهم حتى يفتح الله على الدعوة .

4- عامل الإبعاد أحبط جريمة قتل الرسول صلى الله عليه وسلم:

لقد شملت هذه الأوامر كل المستويات في الجماعة ، القوي منها والضعيف ، من كان له سند يدفع عنه ، ومن لم يكن له ذلك السند ،/ قال ابن كثير : " ولم يبق فيها إلا من فتن أو حبس " .

وختمت أخيرا بالقيادة نفسها ، متمثلة في شخص رسول الله صلى الله عليه وسلم وهجرته إلى المدينة المنورة ، وبهذا الأمر نجت الجماعة بأفرادها ، ونجت بقيادتها من محق وتدمير محقق ، قال تعالى : " وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين "

وكان المتفق عليه من مجتمعي الندوة هو القتل ، كما جاء ذلك في اتفاق دار الندوة المشئوم واختيارهم من كل قبيلة واحدا لتنفيذ عملية القتل الفاشلة ، وغلب الله على أمره وهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم ليواصل المسيرة المباركة ، وقد كانت الغلبة للحق نتيجة لذلك التوجيه الموفق لأفراد الجماعة بالابتعاد عن ساحة المعركة إلى مكان آمن .

وستكون تلك الغلبة إن شاء الله لطلائع البعث الإسلامي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ، متى روعي ذلك العامل الصياني العظيم من قبل قيادة ذلك البعث في كل زمان ومكان .

والله الموفق .

الفصل الرابع طبيعة الطريق إلى جماعة المسلمين

المبحث الأول في مفهوم طبيعة الطريق وكونها سنة من سنن الله تعالى

1- مفهوم تلك الطبيعة :

وبعد أن أوجزت في توضيح معالم الطريق إلى جماعة المسلمين ، وأنها تبدأ بنشر أفكار الدعوة ثم تكوين المستجيبين لهذه الدعوة على تعاليمها ، ثم إخضاع المعارضين لها ، وإجبارهم على التنحي عن طريقها وبعد أن بينت أهم عوامل الصيانة لحركة بناء الجماعة ، أشرع في بيان طبيعة تلك الطريق التي هي ابتلاء واختبار وامتحان ، لأضع السالك لهذه الطريق على بصيرة من أمره ، وعلى وضوح من حقيقة طريقه .

إنها طبيعة قد تكون شاقة على النفس البشرية ، ولكنها تنتهي بالصابر عليها إلى جنة عرضها السموات والأرض ، جنة فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، جنة تنسي من رزقه الله تعالى دخولها كل مشاق ومتاعب الطريق إليها ، هذه الجنة هي التي سار في الطريق إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بكل وعورتها وعقباتها حتى دخلها ، وعندما أعلن لنا بإيجاز بديع عن طبيعة هذه الطريق بقوله: " حفت الجنة بالمكاره " .

لقد سار رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الطريق فلقى فيها الساخرين المستهزئين ، ولقى عليها المعتدين الآثمين ، رأى على جوانبها السجون والمعتقلات ، رأى في منعطفاتها أدوات القتل ، والفتك والتعذيب ، رأى رفاقه من الرهط الكرام وهم ينشرون بالمناشير فيقسمون قسمين ، رأى الذين تمشط لحومهم بأمشاط الحديد ، رأى الأخدود وهي تتأجج بالنيران على المؤمنين ، رأى المصلوبين ، والمشنوقين ، والموتدين بالأوتاد ، رأى وعلم ، علم يقين كل هذا فعبر عند ذلك التعبير الصادق : " حفت الجنة بالمكاره " مبينا لنا أن هذه هي طبيعة طريق الدعاة إلى الله .

وأكد الرب سبحانه في أكثر من آية في كتابه العزيز على تلك الطبيعة لهذه الطريق :

قال تعالى : " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب " .

وقال تعالى : " أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين " .

وقال تعالى : " أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم " .

وقال تعالى : " أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم " .

وعلى الجانب الآخر من هذه الطريق كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشهد مصارع أولئك الساخرين المعتدين ، رأى نهاية كل الطغاة والجبابرة إلى جهنم يسحبون وبئس القرار . رأى تلك المشاهد المرعبة والعواقب الوخيمة ، ثم أخبرنا عنها ، لتطمئن القلوب المؤمنة إلى نهايتها ، ونهاية أعدائها .

ولقد عاش صلى الله عليه وسلم كذلك النوع الثاني من طبيعة طريق المسلمين المؤمنين جانب ما بعد النصر والتمكين ، جانب بسط النعمة في المال والأهل والولد ، وهو الجانب الذي يخشى على المؤمنين خطره ، إنه الجانب الذي يرافق الإنسان فيه غرور النصر والتمكين ، وهو الذي يحس الإنسان فيه بثقل اللحم والدم وجاذبية الأرض ، وهو الجانب الذي يجلب الإنسان إلى الدعة والراحة والاطمئنان ومن ثم يسقط في أثناء الطريق ، يسقط في متاهات الغرور ، والمتاع المؤقت الزهيد .

لقد عاش رسول الله صلى الله عليه وسلم كلا جانبي الطريق ، وذاق طبيعة كل منهما ذاق أشد الأذى من قومه ، فصبر وثبت حتى نهاية الطريق ، ثبت وصبر ، صبر أولي العزم من الرسل ، وقد تجلى عزمه وإصراره على مبدئه في قوله لعمه أبي طالب وهو يحاول تثبيطه عن دعوته : " يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني ، والقمر في يساري ، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله ، أو أهلك فيه ما تركته " .

وعرضت عليه كل عروض الجانب الثاني من زينة ومتاع ، أخرج الترمذي على أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " عرض علي ربي أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا فقلت : لا يارب أشبع يوما وأجوع يوما " .

هكذا أعرض عنه وهو يردد قولته المشهورة : " اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة " .

أعرض عنه فعاش في الكوخ والعريش ، ونام على الأرض والحصير .

أعرض عنه بكبح كل جاذبيته ومغرياته ، كبح النفس عن حب الدعة والمتاع متمثلا قول الرب سبحانه وتعالى :"ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا .... " .

وكبح الأزواج عن جذبه إلى أحضان ذلك المتاع الزائل ، كبحهن بقول ربه سبحانه :" إن كنتن تردن الحياو الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا ، وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما " .

هذه هي طبيعة الطريق إلى بناء جماعة المسلمين ، وذاك هو مفهومها أضعه أمام الدعاة إلى الله ليكونوا على بصيرة من أمرهم ، قبل ولوج تلك الطريق وليبصروا المستجيبين لدعوتهم بهذه الطبيعة ، حتى لا يسقطوا في أثناء الطريق ، والله المستعان .

2- أنواع طبيعة الطريق :

وهذه الطبيعة لتلك الطريق تحدث القرآن عنها كثيرا ، ونوعها إلى أنواع كثيرة نستطيع أن نحصرها في نوعين رئيسيين هما : الخير ، والشر . كما جاء في قوله تعالى : " كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة" .

وقد لخص الأستاذ سيد قطب أهم تلك الأنواع نختصرها هنا :

(أ) من الفتنة أن يتعرض المؤمن للأذى من الباطل وأهله ، ثم لا يجد النصير الذي يسانده ويدفع عنه .

(ب) ومن الفتنة فتنة الأهل والأحباء الذي يخشى عليهم أن يصيبهم الأذى بسببه ، وهو لا يملك عنهم دفعا وهم يهتفون به ليسالم ، وينادونه باسم الحب والرحم واتقاء الله في الرحم التي يعرضها للأذى والهلاك .

(جـ) ومنها فتنة إقبال الدنيا على المبطلين ، ورؤية الناس لهم ناجحين ، ولا يحامي عنه أحد .

(د) ومنها فتنة الغربة في البيئة ، والاستيحاش بالعقيدة ، حين ينظر المؤمن فيرى كل ما حوله وكل من حوله غارقا في دنيا الضلالة ، وهو في طريق غريب .

(هـ) ومنها فتنة أن يجد المؤمن أمما ودولا غارقة في الرذيلة ، وهي مع ذلك راقية متحضرة في حياتها ومجتمعها ، ويجدها غنية في الوقت الذي تشاق الله تعالى وتحارب دينه .

(و) ومنها فتنة الشهرة وجاذبية الأرض وثقلة اللحم والدم ، وهي الطامة لأنها مؤيدة بطبع الإنسان وفطرته .

(ز) ومنها فتنة إبطاء النصر وطول الطريق .

(حـ) ومنها فتنة الغرور ، والاتكال على النفس بعد النصر .

هذه الأنواع كلها تعرض للمؤمن في هذه الطريق ، والفائز هو الذي يستطيع أن يتجاوزها وهو في طريقه إلى الله تعالى وجناته .

3- أهداف هذه الطبيعة :

فصل القرآن الكريم كثيرا من الأهداف من وراء هذه الطبيعة لطريق الدعوة الإسلامية ، ولكنها كلها تصب في هدف واحد هو الوصول إلى الإنسان الأحسن عملا ، قال تعالى : " إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا " .

وقال تعالى : " الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا " .

وبما أن حركات الإنسان وأفعاله ذات علاقة أصيلة في تسيير دولاب الحركة البشرية – على هذه الأرض – من حيث السلب والإيجاب ، تصلح حركة ذلك الدولاب بصلاح حركة الإنسان ، وتفسد حركته بفساد حركة ذلك الإنسان وأفعاله ، قال تعالى : " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون " .

وقال تعالى : " ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها وادعوه خوفا وطمعا إن رحمة الله قريب من المحسنين" .

وللوصول إلى حركة وأفعال الإنسان الصالحة التي تصلح ، بموجبها حركة دولاب الحياة البشرية كلها ، جعل الله تعالى شأنه محكا لتمييز الطيب من الخبيث من تلك الحركات والأفعال ، وأرشد سبحانه رسله وأنبياءه إلى ذلك المحك ، ليقوموا بموجبه بذلك الفرز والتمحيص ، ولينسوه بعد ذلك للسائرين على طريقهم ، والمتبعين لخطاهم من البشر ، ليصلوا إلى المعادن الصالحة من بني الإنسان ، الذين سيكون على عاتقهم تسيير دولاب الحياة البشرية ، على هذه الأرض ذلك المحك هو الابتلاء والاختبار والامتحان ، الذي جعلناه طبيعة طريق الدعوة إلى الله تعالى .

فالهدف إذن من طبيعة هذه الطريق هو الوصول إلى الصالح من الناس من خلال أفعاله ، لتصلح بصلاحه الحركة البشرية على هذه الأرض .

ولتقريب ذلك المعنى إلى الذهن نأخذ عليه مثالا من قصة طالوت مع الملأ من بني إسرائيل ، قال تعالى : "ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله ... وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا .... قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم .... فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده ، فشربوا منه إلا قليلا منهم ، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ، قال الذين يظنون أنهم ملاقوا الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ، والله مع الصابرين ، ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا ربنا أفرغ علينا صبرا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ، فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه ما يشاء ..... " .

وشاهدنا من هذه القصة العظيمة يبدأ من قوله تعالى : " فلما فصل طالوت بالجنود " . " حيث قرر سيدنا طالوت أولئك الجنود على المحك مرة بعد مرة ، ليصل بموجبه إلى المعدن الذي يمكن أن يدخل به المعركة ، فلا يتخاذل ولا يتراجع طالوت عليه السلام أن أدرك بعلمه الذي هو الصفة الأولى من مؤهلات اختياره قائدا لذلك الجيش قال تعالى : " وزاده في بسطة في العلم والجسم " .

ضخامة المهمة الملقاة على عاتق جيشه ، وأن هذه المهمة تتطلب معدنا من الرجال تصمد إرادتهم للحرمان ، وتستعلي على الضرورات وتصبر على المتاعب والمشاق .

وأدرك أن الطريق إلى تلك المعادن أن يبتليهم ويختبرهم ليميز منهم الخبيث والهش ، وليبعد بذرة الضعف والخبال ، وينحي ذوي الهزيمة والخذلان ، ليميزهم ويبعدهم عن اللبنات المؤمنة الموقنة ، عن المعادن الصابرة الثابتة ، المستعلية على كل قوى الأرض وجبروت أصحابها .

ولقد كانت لطالوت النتيجة التي كان يرجوها ، لقد غربل الجيش بالعطش فخرج الذين لا يمكن أن يصبروا على شهوات ذواتهم وهم الكثير قال تعالى : " فشربوا منه إلا قليلا منهم " .

ثم غربلة مره ثانية في صورة ذلك القليل الذي لم يشرب ، وصبر على رغبات نفسه ومتطلبات شهوته ، غربل تلك الفئة القليلة ، ولم يقل لم يبق من الجيش إلا القليل فأقف عن الغربلة حتى لا ينفض من حولي ، لم يقل ذلك ومضى في غربلته ، لأن الميزان عنده ليست الكثرة ولكن الميزان وجود الإرادة الصامدة ولو في شخص واحد .

ولقد صدق ميزان طالوت ، وتقررت نهاية المعركة برجل واحد . قال تعالى : " وقتل داود جالوت " .

غربلها بتضخيم قوة جالوت ، وتقليل قوة الفئة المؤمنة ، فخرج منها الذين قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده ، ولم يثبت إلا الذين يظنون أنهم ملاقوا الله واتحدوا مع طالوت في الميزان وأيدتهم عليه السماء في صورة قاعدة عامة تتكرر كلما توفرت لوازمها .

تلك القاعدة هي كما قال تعالى : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين " .

تلك القلة المؤمنة هي التي برزت لجالوت وجنوده . قال تعالى : " فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت " .

والعبرة التي تهمنا هنا من هذه القصة ونسجلها من بين عبرها الكثيرة هي :

(أ) أن طالوت لم يغتر بحماس الكثرة . وهو يسمع دوي هتافها لنبيها : "ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله "

(ب) ولم يكتف بمحك واحد لنفوس جيشه بل عرضهم لتجارب متعددة حتى توصل إلى المعدن الذي يريده غير مكترث بالعدد والكثرة .

وهي عبرة على الدعاة أن يقفوا بأفرادهم عندها كثيرا وأن لا يدخلوا بهم مهمة قبل أن يمتحنوهم ويختبروهم بمواقف مشابهة لمواقف تلك المهمة ، كالجندي يتدرب على السلاح قبل استعماله في المعركة . وخلاصة هذه النقطة :

(أ) أن دولاب حركة هذه البشرية على هذه البشرية على هذه الأرض لا يمكن أن يسير السير الذي يريده الله تعالى له إلا أن تتسلمه أيد تربت التربية التي يريدها الله .

(ب) ولا يمكن الوصول إلى معرفة تلك الأيدي الصالحة إلا بعد تجارب فينكشف بموجبها الصالح من الطالح.

وتلك التجارب هي التي نسميها طبيعة الطريق .

والأيدي الصالحة هي كما قررنا هدف هذه الطبيعة المباركة .

4- طبيعة الطريق سنة من سنن الله :

و جعل الله تعالى شأنه طبيعة هذه الطريق سنة من سننه ، يخضع لها أصل خلق الإنسان : ﴿ إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا ﴾ .

و قال تعالى : ﴿ الذى خلق الموت و الحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا ﴾ .

و قال تعالى : ﴿ إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا ﴾ .

فالابتلاء فى الآيات معناه الاختبار و الامتحان لأفعال الإنسان على هذه الأرض ، و تميز الحسن منها الخبيث ، و الجماعة الإسلامية قيادة و أفراد جزء من ذلك الإنسان لما يخضع له أصلها . فتنطبق عليها سنة الله تعالى شأنه فى اختبار أعمالها ، و تمييز صفها ، و إبعاد الهش من لبناتها ،

قال تعالى : ﴿ولنبلونكم بشئ من الخوف و الجوع و نقص من الأموال و الأنفس و الثمرات و بشر الصابرين﴾ .

قال تعالى : ﴿ و لنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم و الصابرين﴾ .

و قال تعالى : ﴿ و رفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم فى ما أتاكم ﴾ .

و قال تعالى : ﴿ هنالك ابتلى المؤمنون و زلزلوا زلزالا شديدا ﴾ .

و كما أنها تنطبق على عامة المسلمين فهى أشد انطباقا على صفوة الإنسانية من الأنبياء و الرسل .

ثم على الذين يلونهم فى التقوى و الإيمان .

و قال تعالى : ﴿ و إذا ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن ..... ﴾ .

و قال تعالى : ﴿ فلما رآه مستقرا عنده قال هذا من فضل ربى ليبلونى ﴾ .

و روى الترمذي وغيره من حديث سعد بن أبي وقاص قلت :" يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال : الأنبياء ثم المثل فالأمثل " ... الحديث .

وعليه فالابتلاء سنة من سنن الله سبحانه وتعالى لا مفر منها لكل إنسان خلق على هذه الأرض وعلى الأخص دعاة الحق من ذلك الإنسان ، فهم بمجرد نطقهم بالحق يطالبهم الرب سبحانه وتعالى بالدليل على صدق دعواهم ، قال تعالى : " ألم . أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ، ولقد فتنا الذين من قبلهم " .  

المبحث الثاني نماذج من طبيعة الطريق

أولا : نماذج ما قبل البعثة النبوية :

وكما أن طبيعة الطريق سنة يخضع الإنسان لأحكامها ، والجماعة الإسلامية تتكون من ذلك الإنسان ، فنماذج هذه الطريق تبدأ من اللحظات الأولى لهذا الإنسان :

(أ) النموذج الأول :

قصة ابني آدم وما قرباه من قربان على هذه الأرض فالله سبحانه يروي لنا قصة من أول قصص الصراع بين الحق والباطل متمثلة في صورة ابني آدم وما قرباه من قربان .

قال تعالى : " واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق إذ قربا قربانا فتقبل من أحدهما ولم يتقبل من الآخر ، قال لأقتلنك قال إنما يتقبل الله من المتقين . لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين " .

من هناك من لدن سيدنا آدم عليه السلام بدأ الصراع بين الحق والباطل ، وطويت صورة من صور الحق على هذه الأرض لتعود إلى الجنة مرة ثانية منتصرة على الباطل ، الذي كان سببا في إخراجها منها .

فما أعظمها وأجلها من طبيعة لهذه الطريق ، وعظمتها تكمن في سرعة الحركة فيها ، إنها تفوق كل سرعة تعارف عليها البشر ، سرعة تقطع المسافة على طولها بسرعة أسرع من لمح البصر .

إن طول هذه الطريق هي المسافة بين الأرض والجنة . والوقت الذي تستغرقه هذه الرحلة بمقياس سرعة هذه الطريق ، هو لحظات إزهاق الروح فقط ، والذي يوضح هذه السرعة قصة الرجل المؤمن في .

(ب) النموذج الثاني : قصة المؤمن حبيب النجار :

وخير شاهد على سرعة الانتقال من أول هذه الطريق على هذه الأرض ، إلى آخر هذه الطريق وهي الجنة ، نلمسه من برقية بعث بها إلينا مؤمن بعد أن قطع هذه الطريق في أقل من لمح البصر كما بين ذلك قوله تعالى :

" إني آمنت بربكم فاسمعون .

قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " .

فآخر كلمة قالها على الأرض هي (فاسمعون) بعدها مباشرة (قيل ادخل الجنة ) وهي نهاية الطريق ، فالفترة التي استغرقتها رحلة ذلك المؤمن ، هي اللحظة ما بين نطقه بكلمة (فاسمعون) وكلمة قيل . كما يصور ذلك النص الرباني من واقع القصة ولحظاتها ، وذهبت تلك اللحظة وصارت عبرة تتلوها الأجيال ويرددها الكون نموذجا من نماذج هذا الطريق .

ومثل هذا ما وقع في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك الصحابي الذي كان في يده ثمرات فرماها وهو يقول إنها حياة طويلة ، فقاتل فقتل ، فإذا هو في الجنة .

فيا لها من حلاوة لا يتذوقها إلا من سار على هذه الطريق - طريق الدعوة إلى الله – ويا له من إكرام من رب العالمين للسائرين على هذه الطريق ، إكرام في الدنيا بأن تسجل أسماؤهم في سجل الخالدين ، وإكرام في الآخرة بأن يعيشوا في رحاب رب العالمين : " قال يا ليت قومي يعلمون بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين " .

يا لها من طبيعة حلوة المذاق في حقيقتها ، شديدة الوقع على النفس الإنسانية في ظاهرها ، عظيمة الوزن بمقياس رب العالمين لمن صبر عليها ، وسيئة الوطء بالمقاييس الأرضية الناقصة ، والطبائع البشرية القاصرة .

(جـ) النموذج الثالث : قصة أصحاب الخدود :

ومن مشهد حبيب النجار إلى نجران حيث جرى مشهد من مشاهد هذه الطريق . إنه مشهد قتل أصحاب الأخدود ، بالنار ذات الوقود ، وهي القصة التي أخذت من القرآن الكريم سورة كاملة سردا وتعقيبا ، ثم جاءت السنة المشرفة نبيينا وتفصيلا .

قال تعالى : " والسماء ذات البروج واليوم الموعود وشاهد ومشهود قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود إذ هم عليها قعود وهو على ما يفعلون بالمؤمنين شهود وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ...." .

وعن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ....... كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر فلما كبر قال للملك : إني كبرت فابعث إلي غلاما أعلمه السحر ، فبعث إليه غلاما يعلمه ، فكان في طريقه إذا سلك راهب فقعد إليه وسمع كلامه فأعجبه ، إلى أن قال ............ فقال : له الملك من رد عليك بصرك ؟ قال : ربي قال ولك رب غيري ؟ قال : ربي وربك الله . فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام. فجيء بالغلام فقال له الملك : أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل ، فقال : ‘ني لا أشفي أحدا ، إنما يشفي الله فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب ، فجيء بالراهب فقيل له ارجع عن دينك ، فأبى فدعا بالمنشار فوضه المنشار في مفرق رأسه فشقه حتى وقع شقاه ، ثم جيء بجليس الملك فقيل له : ارجع عن دينك فأبى ، فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه ،.

ثم جيء بالغلام فقيل له : ارجع عن دينك فأبى فدفعه إلى نفر من أصحابه فقال : اذهبوا به إلى جبل كذا كذا ، فصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه ، فذهبوا به فصعدوا به الجبل فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت فرجف بهم الجبل فسقطوا وجاء يمشي إلى الملك ، فقال له الملك : ما فعل أصحابك ؟ قال : كفانيهم الله تعالى ...... فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه فذهبوا به فقال : اللهم اكفنيهم بما شئت فانكفأت بهم السفينة فغرقوا وجاء يمشي إلى الملك .... فقال للملك إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به ، قال وما هو؟ قال تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ،.

ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل : بسم الله رب الغلام ، ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني فجمع الناس ..... ثم قال : بسم الله رب الغلام ، ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات فقال الناس : آمنا برب الغلام .............. فأتى الملك فقيل له : أرأيت ما كنت تحذر ؟ قد والله نزل بك حذرك ، قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت وأضرم النيران . وقال : من لم يرجع عن دينه فاحملوه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيها فقال لها الغلام : يا أمه اصبري ، فإنك على الحق " .

وقد استوقفت هذه القصة الأستاذ سيد قطب فجعلها معلما من " معالم في الطريق " نلخص بعضه هنا : "أن قصة الأخدود كما وردت في سورة البروج – حقيقة بأن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله ، إنها قصة فئة آمنت بربها واستعلنت ذلك الإيمان واستعلت به ، ثم تعرضت للفتنة من أعداء جبارين مستهترين بحق الإنسان في حرية الاعتقاد بالحق .

لقد تحررت هذه القلوب من عبوديتها للحياة فلم يستذلها حب البقاء .

وفي مقابل هذه القلوب الخيرة كانت هناك جبلات شريدة مجرمة تجلس على النار ملتهبة بمنظر النار و هى تتوقد بالأجساد المؤمنة الطاهرة .

هذه هى صورة المشهد كما يصورها سيد قطب ، ثم يعالج نقطة هامة فى هذه الطريق ، و هى أن ظاهر تلك النهاية المؤلمة على هذه الطريق يحتك فى الصدر شيئا بالمقايس البشرية ، و لكن القرآن الكريم يبدد هذه النظرة و يمسح ما يحيك فى النفس ، بتعليم المؤمن شيئا آخر ، و يكشف لهم عن حقيقة أخرى ، و يبصرهم بطبيعة القيم التى يزنون بها ، و بمجال المعركة التى يخوضونها ، إن الحياة و سائر ما يلابسها من لذائذ و آلام ليست هى القيمة الكبرى فى الميزان الإلهى ، إن القيمة الكبرى فى ميزان الله هى قيمة العقيدة ، و انتصار الروح على المادة ، و لقد كان ذلك الإنتصار لأصحاب الأخدود .

ثم يقرر السيد : نقطة أخرى و هى أن الناس جميعا يموتون و تختلف الأسباب و لكن الناس جميعا لا ينتصرون هذا الإنتصار .

ثم يقرر حقيقة أخرى من نفس القصة و هى : أنه كان فى استطاعة تلك الفئة المؤمنة أن تنجو بحياتها مقابل أن تنجو الهزيمة لإيمانها ، ثم يتسأل سيد و لكنها كم كانت تخسر هى نفسها و هى تقتل هذا المعنى الكبير ؟ و كم كانت البشرية كلها تخسر بقتل ذلك المعنى الكبير ؟ معنى قتل الإيمان مقابل الحياة الهزيلة المؤقتة .

ثم يواصل سيد استنباطه من قصة أصحاب الأخدود ، لينير بها حلكة تلك الطريق ، طريق الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى يقرر سيد أن قصة أصحاب الأخدود أخذ للمؤمنين ، وترك للمجرمين ، وفى أكثر قصص صراع الحق مع الباطل فى القرآن أخذ للمكذبين ، و نجاة للمؤمنين ، و يعلل ذلك بأن من حكمة الله تعالى شأنه أن يستقر فى حس المؤمنين فى كل زمان و مكان أنهم قد يدعون إلى نهاية كهذه النهاية - نهاية أخذ المؤمنين وترك الكافرين .

ثم يقرر واجب أولئك المؤمنين فى مثل ذلك الموقف بقوله : " إن عليهم أن يؤدوا واجبهم ثم يذهبوا – وواجبهم أن يختاروا الله و أن يؤثروا العقيدة على الحياة ، و أن يستعلوا بالإيمان على الفتنة و أن يصدقوا الله فى العمل والنية .

( ثم يعلل ) إنهم أجراء عند الله أينما و حيثما و كيفما أرادهم أن يعملوا عملوا ، و قبضوا الأمر المعلوم و ليس لهم و لا عليهم أن تتجه الدعوة إلى آى مصير فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير " .

هذا هو المشهد و النموذج الذى دارت وقائعه على أرض نجران . و الذى ذهب فئة آمنت بربها وزادها الله هدى .

و لقد آثرت الأستاذ سيد قطب على نفسى فى نقل وقائع ذلك المشهد الرهيب لاتساع باعه فى هذا المجال و لو لوجه هذه الطريق طريق تلك الفئة المباركة و تذوقه طعمها بجسمه النحيل و مشاهدته لآثارها بحسه المرهف – و فوزه أخيرا بالوصول إلى نهايتها وتشرفه بمرافقة الخالدين : ﴿ مع الذيم أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء و الصالحين ﴾ فى رحاب رب العالمين . و هو مشهد من آلاف المشاهد على هذه الطريق على امتداد الأزمان أختم به زمن ما قبل البعثة المحمدية العظيمة على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .

ثانيا : نماذج من زمن البعثة النبوية :

بعد الوقوف على شيئ من مشاهد طبيعة الدعوة إلى الله تعالى فى زمن ما قبل البعثة المحمدية أشرع فى التقاط صور جديدة من طريق الدعوة إلى الله تعالى بعد بعثة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم .

1- نماذج من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم :

(أ) نماذج من أذى المشركين له صلى الله عليه وسلم :

و أبدأ بأطهر و أشرف و أزكى إنسان دب على هذه الأرض ، و سار على طريق الدعوة إلى الله تعالى ، فتذوق مرارتها وحلاوتها ، ذلك الإنسان هو رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم ، لتهون متاعب هذه الطريق على الدعاة إلى الله ، وتستريح إلى طبيعتها نفوسهم ، و تطمئن بأحقيتها أرواحهم و أفئدتهم .

إن الأذى الذى تعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم من افزع أنواع السباب ، و تحمله صلى الله عليه وسلم كل ذلك ، لخير مضمد للمهتوكة أعراضهم ، و أنسابهم على هذه الطريق ، طريق الدعوة إلى الله تعالى .

إن التآمر على على قتل محمد بن عبد الله و هو أكرم إنسان على الله تعالى ، لخير بلسم تشفى و تطمئن به القلوب و الأرواح المهددة بالقتل و الشنق بين لحظة و أخرى .

و إن التجرؤ بوضع الروث و سلى الماشية على رأس محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم و هو أعظم رأس على الإطلاق ، لخير مسكن لأعصاب الدعاة إلى الله و هى تتلقى كل أنواع الأذى فى كل زمان و مكان .

و لأن التطاول على محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم برميه بالحجارة حتى تدمى عقباه و جبهته و تكسر رباعيته و يشج رأسه الشريف و هو صابر على ذلك كله ، لخير عامل يدفع السائرين على هذه الطريق إلى الأمام ، و ينزل عليه السكينة و الطمأنينة و الصبر على كل متاعب هذه الطريق و مشاقتها و عقباتها .

و لقد سجل لنا القرآن و مصادر السيرة المطهرة كل تلك المهازل و أنواع الأذى الذى تعرض لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ففى جانب الأذى .

قال تعالى : ﴿ و عجبوا أن جائهم منذر منهم و قال الكافرون هذا ساحر كذاب ﴾ .

قال تعالى : ﴿ أألقى الذكر عليه من بيننا بل هو كذاب أشر ﴾ .

قال تعالى : ﴿ و إذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك و يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين ﴾ .

و أخرج أحمد عن أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " لقد أوذيت فى الله و ما أوذى أحد و أخفت فى الله و ما يخاف أحد و لقد أتت ثلاثون من بين يوم و ليلة و مالى و لبلال ما يأكله ذو كبد إلا ما يوارى إبط بلال " .

قال : هذا عمه أبو لهب .

و أخرج أيضا عن ربيعة : " فقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بصر عينى بسوق ذى المجاز ، يقول يا آيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ، و يدخل فى فجاجها و الناس متقصفون عليه ، فما رأيت أحدا يقول شيئا ، و هو لا يسكت يقول : يا آيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا ، إلا أنه وراءه رجل أحول وضئ الوجه ذا غديرتين يقول : إنه صابئ كاذب ، فقلت من هذا فقالوا : محمد بن عبد الله و هو يذكر النبوة ، قلت : من هذا الذى يكذبه قالوا : عمه أبو لهب " .

أخرج أيضا عن ربيعة قال : " إنى لمع أبى رجل شاب أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو يتبع القبائل ووراءه رجل أحول وضئ دو جمه يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبيلة و يقول يا بنى فلان إنى رسول الله إليكم ، آمركم أن تعبدوا الله و لا تشركوا به شيئا ، و أن تصدقونى حتى أنفذ عن الله ما بعثنى به ، فإذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقالته .

قال الآخر من خلفه : يا بنى فلان إن هذا يريد منكم أن تسلخوا الات و العزى و حلفائكم إلى ما جاء به من البدعة و الضلالة ، فلا تسمعوا له ولا تتبعوه ، فقلت لأبى : من هذا ؟ قال : عمه أبو لهب "

و أخرج البخارى رحمه الله عن عروة رضى الله عنه أنه قال : سألت ابن عمرو بن العاص : أخبرنى بأشد شئ صنعه المشركون بالنبى صلى الله عليه وسلم ، قال : " بينما النبى صلى الله عليه وسلم يصلى فى حجر الكعبة ، إذ أقبل عقبة بن أبى معيط فوضع ثوبه فة عنقه فخنقه خنقا شديدا ، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه و دفعه عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : أتقتلون رجلا أن يقول ربى الله ..... الآية " .

و أخرج أبو داود و غيره عن جابر رضى الله عنه قال  : " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه بالوقف يقول : ألا رجل يحملنى إلى قومه ؟ فإن قريشا منعونى أن أبلغ كلام ربى " .

و أخرج البخارى و مسلم عن ابن عباس رضى الله عنه : " لما نزلت الآية ﴿ و أنذر عشيرتك الأقربين ﴾ صعد النبى صلى الله عليه وسلم على الصفا ، فجعل ينادى يا بنى فهر ، يا بنى عدى ، لبطون قريش حتى اجتمعوا ، فجعل الذى لا يستطيع أن يخرج يرسل رسولا لينظر ما هو ، فجاء أبو لهب و قريش فقال النبى صلى الله عليه وسلم : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادى تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي ؟ قالوا : ما جربنا عليك كذبا ، قال : فإنى نذير لكم بين يدى عذاب شديد ، فقال أبو لهب : تبا لك سائر اليوم ، ألهذا جمعتنا فنزل قوله تعالى : ﴿ تبت يدا أبى لهب وتب ﴾ الآية ..... الحديث " .

و أخرج أحمد عن ربيعة بن عباد قال : " رأيت النبى صلى الله عليه وسلم و هو يدعو الناس إلى الإسلام بذى المجاز و خلفه رجل أحول يقول : لا يغلبنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم . قلت لأبى و أنا غلام : من هذا الأحول الذى يمشى خلفه .

قال : هذا عمه أبو لهب " .

و أخرج البخارى و مسلم عن ابن مسعود : " أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يصلى عند البيت و أبو جهل و أصحاب له جلوس إذ قال بعضهم لبعض أيكم يجئ بسلى جزور بنى فلان فيضعه على ظهر محمد إذا سجد ؟ فانبعث أشقى القوم فجاء به ، فنظر حتى سجد النبى صلى الله عليه وسلم وضعه على ظهره بين كتفيه ، و أنا أنظر لا أغير شيئا ، لو كان لى منعه قال : فجعلوا يضحكون و يميل بعضهم على بعض ، و رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد لا يرفع رأسه حتى جائته فاطمة فطرحت عن ظهره ، فرفع رأسه ثم قال : اللهم عليك بقريش ثلاث مرات ، فشق عليهم إذ دعا عليهم ، قال : وكانوا يرون أن الدعوة فى ذلك البلد مستجابة ، ثم سمى : اللهم عليك بأبى جهل ، و عليك بعتبة بن ربيعة ، و شيبة بن ربيعة ، و الواليد بن عتبة ، و أميمة بن خلف ، و عقبة بن أبى معيط ، و عد السابع فلم يحفظه . قال : فو الذى نفسى بيده لقد رأيت الذين عد رسول الله صلى الله عليه وسلم صرعى فى القليب قليب بدر " .

و أخرج البخارى : و غيره عن عائشة رضى الله عنها زوج النبى صلى الله عليه وسلم أنها قالت للنبى صلى الله عليه وسلم : " هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد ؟ قال : لقد لقيت من قومك ما لقيت ، و كان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسى على ابن عبدياليل بن عبد كلال فلم يجبنى إلى ما أردت فانطلقت و أنا مهموم على وجهى فلم أستفق إلا و أنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتنى فنظرت فإذا فيها جبريل ، فنادانى فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك ، و ما ردوا عليك و قد بعثت إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم ، فنادانى ملك الجبال فسلم على ثم قال : يا محمد فقال : ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال : النبى صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا " .

و أخرج أبو نعيم فى الدلائل تتمة القصة عن عروة بن الزبير رضى الله عنه عنه قال : " و مات أبو طالب و ازداد من البلاء على رسول الله صلى الله عليه وسلم شدة ، فعمد إلى ثقيف يرجو أن يؤده ، و ينصروه فوجد ثلاثة نفر منهم سادة ثقيف و هم أخوة : عبد ياليل بن عمرو ، و خبيب بن عمرو ، و مسعود بن عمرو ، فعرض عليهم نفسه ، و شكا إليهم البلاء ، و ما انتهك قومه منه فقال أحدهم : أنا أسرق ثياب الكعبة إن كان الله بعثك بشئ قط ؟

و قال آخر : و الله لا أكلمك بعد مجلسك هذا كلمة واحدة أبدا لأن كنت رسولا لأنت أعظم شرفا و حقا من أن أكلمك . و قال الآخر : أعجز الله أن يرسل غيرك ؟

و أفشوا ذلك فى ثقيف الذى قال لهم ، و اجتمعوا يستهزءون برسول الله صلى الله عليه وسلم وقعدوا له صفين على طريقه ، فأخذوا بأيديهم الحجارة فجعل لا يرفع رجله و لا يضعها إلا رضخوها بالحجارة و هم فى ذلك يستهزءون و يسخرون .

فلما خلص من صفيهم و قدماه تسيلان الدماء عمد إلى حائط من كرومهم ، فأتى ظل حبله من الكرم فجلس فى أصلها مكروبا موجوعا تسيل قدماه الدماء فإذا فى الكرم عتبة بن ربيعة و سيبة بن ربيعة ، فلما أبصرهما كره أن يأتيهما لما يعلم من عداوتهما لله و لرسوله و به الذى به . فأرسلا إليه غلامهما عداسا بعنب و هو نصرانى من أهل نينوى . فلما أتاه و ضع العنب بين يديه فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( بسم الله ) فعجب عداس ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أى أرض يا عداس ؟ قال : أنا من أهل نينوى .

فقال النبي صلى الله عليه وسلم : من أهل مدينة الرجل الصالح يونس بن متى ؟ فقال عداس : و ما يدريك من يونس بن متى ؟ فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأ، يونس ما عرف و كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحقر أحدا يبلغه رسالات الله تعالى .

قال : يا رسول الله أخبرنى خبر يونس بن متى ، فلما أخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم من شأن من شأن يونس بن متى ما أوحى إليه من شأنه خر ساجدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ثم جعل يقبل قدميه و هما تسيلان الدماء . فلما أبصر عتبة وأخوه شيبة ما فعل غلامهما شكا ، فلما أتاهما قالا له : ما شأنك سجدت لمحمد و قبلت قدميه و لم نرك فعلت هذا بإحد منا . قال : هذا رجل صالح حدثتى عن أشياء عرفتها من شأن رسول بعثه الله تعالى إلينا ، يدعى يونس بن متى ، فأخبرنى أنه رسول الله فضحكا و قالا : لا يفتنك عن نصرانيتك ، إنه رجل يخدع ، ثم رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة "

فمن هذه القصص من الأذى الرهيب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تدرك شيئا من طبيعة طريق الدعوة إلى الله ، وأنها طبيعة عامة بالرسل وأتباعهم وأنه ليس أمامهم غير الاستمرار في الدعوة حتى ينصرها الله أو يموت في سبيلها .

(ب) نماذج من إغراء المشركين لرسول الله صلى الله عليه وسلم :

بعد أن عجزت قريش عن إيقاف المد الإسلامي بأساليب التنكيل والتعذيب سلكت أسلوب الإغراء ، قال تعالى : " وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا " .

قال ابن عباس في رواية عطاء : " نزلت في وفد ثقيف أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه شططا متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهوى لنا فإذا أخذناه كسرناها وأسلمنا ، وحرم وادينا كما حرمت مكة حتى تعرف العرب فضلنا عليهم فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعطيهم ذلك فنزلت هذه الآية " .

وقال السيوطي في الدر المنثور عن ابن عباس قال ابن أمية بن خلف وأبا جهل بن هشام ورجالا من قريش أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : تعالى فاستلم آلهتنا وندخل معك في دينك وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد اشتد فراقه قومه ويحب إسلامهم فرق لهم ، فأنزل الله تعالى الآية " . وذكر السيوطي عند قوله تعالى : " قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ....." .

قال ابن عباس : " إن قريشا دعت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أن يعطوه مالا فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه ما أراد من النساء فقالوا : هذه لك يا محمد وكف عن شتم آلهتنا ولا تذكر آلهتنا بسوء فإن لم تفعل فإنا نعرض عليك واحدة ولك فيها صلاح قال : ما هي ؟ قالوا : تعبد آلهتنا سنة ونعبد إلهك سنة . قال حتى أنظر بالتحقق من ربي فجاءه الوحي من عند الله : " قل يا أيها الكافرون ....." .

وقال ابن إسحاق : " وحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال حدثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيدا قال يوما وهو جالس في نادي قريش ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وجده : يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا ؟ وذلك حين أسلم حمزة ، ورأوا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيدون ويكثرون ، فقالوا : بلى يا أبا الوليد .

قم إليه فكلمه فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا ابن أخي : إنك منا حيث قد علمت ، من السطة في العشيرة (السطة : الشرف ) والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم ، فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم ، وعبت به آلهتهم ودينهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها ، لعلك تقبل منها بعضها ، قال : فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال يا أبا الوليد اسمع .

قال : يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا ، حتى لا نقطع أمرا دونك ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه ، لا تستطيع رده عن نفسك ، كلبنا لك الطب وبذلنا فيه أموالنا فنبرئك منه ، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه ، حتى إذا فرغ عتبة ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يستمع منه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قد فرغت يا أبا الوليد ؟ قال : نعم .

قال : فاسمع مني . قال : افعل .............

فقال : " بسم الله الرحمن الرحيم ........ حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون .

بشيرا ونذيرا .

فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قولبنا في أكنة مما تدعونا إليه " .

ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه ، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره ، معتمدا عليها ، يسمع منه ، ثم انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السجدة منها ، فسجد ثم قال : قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذاك .

فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض : نحلف بالله لقد جاءكم أبا الوليد بغير الوجه الذي ذهب به ، فلما جلس إليهم قالوا : ما وراءك يا أبا الوليد ؟ قال ورائي أني قد سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة ، يا معشر قريش ، أطيعوني واجعلوها بي وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه ، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به ، قالوا : سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه . قال : هذا رأي فيه فاصنعوا ما بدا لكم ..... " .

وقال ابن إسحاق : " اجمع عتبة بن ربيعة ، وشيبة بن ربيعة ، وأبو سفيان ابن حرب ، والنضير بن الحارث ، (بن كلدة) أخو بني عبد الدار وأبو اليختري ابن هشام ، والأسود بن المطلب ، وزمعه بن الأسود ، والوليد بن المغيرة ، وأبو جهل بن هشام ، وعبد الله بن أبي أمية ، والعاص بن وائل ، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهيمان ، وأمية بن خلف ، أو من اجتمع منهم ، قال : اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة ، ثم قال بعضهم لبعض : أبعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه ، فبعثوا إليه :

إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك ، فأتهم ، فجاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سريعا ، وهو يظن أن قد بدا لهم فيما كلمهم فيه بداء ، وكان عليهم حريصا يحب رشدهم ، ويعز عليه عنتهم ، حتى جلس إليهم ، فقالوا له : يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنكلمك ، وإنا والله ما نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه مثل ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وشتمت الآلهة ، وسفهت الأحلام ، ومزقت الجماعة ، فما بقى أمر قبيح إلا قد جئته ، فيما بيننا وبينك .

أو كما قالوا له : فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا ، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا ، وإن كنت إنما تطلب به الشرف فينا ، فنحن نسودك علينا ، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا ، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك – كانوا يسمون التابع من الجن رئيا – فربما كان ذلك بذلنا لك أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه ، أو نعذر فيه .

فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بي ما تقولون ، ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ، ولا الشرف فيكم ، ولا الملك عليكم ، ولكن الله بعثني إليكم رسولا ، وأنزل على كتابا وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا .

فبلغتكم رسالات ربي ، ونصحت لكم ، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه على أصبر لأمر الله ، حتى يحكم الله بيني وبينكم . أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم واصلوا فلما قالوا ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخروم – وهو ابن عمته – فهو لعائلة بنت عبد المطلب فقال له : يا محمد عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم ، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل ، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرضون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله فلم تفعل ، ثم سألوك أن تجعل لهم بعض ما تخوفهم به من العذاب ، فلم تفعل – أو كما قال – فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول . وإيم الله لو فعلت ذلك ما ظننت أني أصدقك ، ثم انصرف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان يطمع به من قومه حين دعوه ولما رأى من مباعدتهم إياه " الحديث

2- نماذج من أذى المشركين للصحابة رضي الله عنهم :

وما أصابه عليه الصلاة والسلام أصاب أصحابه رضي الله عنهم ، وهم صفوة هذه الأمة ، وعدولها ، وخير البرية وقمتها ، لقد أصابهم أقسى أنواع الأذى ، وأشده فصبروا في الله ، وتحملوا حتى لقوا الله تعالى على ذلك ، قال تعالى : " إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين " .

قال السيوطي في الدر أخرج عبد بن حميد عن قتادة :" أن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضكون قال في الدنيا ويقولون والله إن هؤلاء لكذبة وما هم على شيء استهزاءا بهم " .

قال ابن إسحاق : " ثم إن الإسلام جعل يفشوا بمكة في قبائل قريش في الرجال والنساء ، وقريش تحبس من قدرت على حبسه ، وتفتن من استطاعت فتنته من المسلمين " .

وقال أيضاً : " ثم إنهم عدوا على من أسلم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه فوثبت كل قبيلة على من فيها من المسلمين فجعلوا يحبسونهم ويعذبونهم بالضرب والجوع والعطش وبرمضاء مكة إذا اشتد الحر " .

ونقل صاحب البداية عن ابن إسحاق قوله :" ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم " .

وقال ابن إسحاق :" وكان أبو جهل الفاسق الذي يغري بهم في رجال من قريش إذا سمع بالرجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه وقال : تركت دين أبيك وهو خير منك لنسفهن حلمك ولنفيلين رأيك (أي نخطئه) ، ولنضعن شرفك ، وإن كان تاجرا قال والله لنكسدن تجارتك ، ولنهلكن مالك ، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به ....." . ومن أمثلة ذلك :

1- ما رواه البخاري رحمه الله عن خباب بن الأرت يقول : " أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت : ألا تدعو الله فقعد وهو محمر وجهه فقال : لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه " الحديث .

2- كما أخرج البخاري أيضا من حديث طويل في قصة إسلام أبي ذر فقال :" يا معشر قريش إني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله . فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ فقاموا فضربت لأموت فأدركني العباس وأكب علي ثم أقبل عليهم فقال : أتقتلون رجلا من غفار .... فلما أصبح الغداة رجعت فقلت مثل ما قلت بالأمس فقالوا : قوموا إلى هذا الصابئ فصنع بي مثل ما صنع بالأمس .... الحديث " .

3- وأخرجه أحمد في مسنده عن عثمان بن عفان رضي الله عنه من حديث طويل :" .......... ثم قال : ألا أحدثكما عنه يعني عمار أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذا بيدي نتمشى في البطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وعليه يعذبون فقال أبو عمار : يا رسول الله الدهر هكذا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اصبر ثم قال : اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت " .

4- ومن قصة إسلام عمر أخرج البخاري عن ابن عمر عن أبيه قال بينما هو في الدار خائف إذ جاءه العاص بن وائل اليهمي أبو عمرو ..... فقال ما بالك ؟ قال : زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت . قال : لا سبيل إليك بعد أن قالها آمنت فخرج العاص فلقى الناس قد سال بهم الوادي . فقال : أين تريدون ؟ فقالوا : نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ . قال : لا سبيل إليه فكر الناس ..... الحديث

وقال ابن إسحاق :" رجع أبو بكر يومئذ وقد فرق رأسه مما جذبوه بلحيته وكان رجلا كثير الشعر " .

وقال :" وكان أمية بن خلف بن وهب بن حذامة بن جمع يخرج بلالا إذا حميت الشمس فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له : لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى . فيقول وهو في ذلك البلاء : أحد أحد " .

وقال : " وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر وبأبيه وأمه وكانوا أهل بيت إسلام إذا حميت الظهيرة يعذبونهم برمضاء مكة " .

هذه صورة من مرحلة ما قبل النصر أما ما بعد النصر فقد كان التشكيك من اليهود والتثبيط من المنافقين والعصيان في أحد والغرور في حنين .

هذا الابتلاء كله وذاك الاختبار كله والفئة المباركة صابرة وثابتة على دينها وسائرة على الطريق شعارها قوله تعالى : " هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما " .

هذه المشاهد وغيرها كثير وقعت لتلك الصفوة المبارك بقيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذه الطريق – طريق الدعوة إلى الله - ثم تكررت هذه الأحداث على امتداد الألف والأربعمائة عام خلت من حياة الإسلام والمسلمين .... كلما حاول الباطل أن يعتدي على الحق ويصده عن مواصلة رحلته في النفس البشرية والحياة البشرية .

وبما أن العبرة قد حصلت مما سردنا من أمثلة وشواهد من ماصي هذه الأمة في صورة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قمة هذه الأمة ، وصحابته رضي الله عنهم وهم صفوة البشرية ، وسيرهم على هذه الطريق على وعارتها وصبرهم على كل صعابها ، وهم في تلك القمة يجعل سير الدعاة إلى الله من بعدهم على هذه الطريق من باب أولى ، وعليه فإني سأنتقل من صدر تاريخ الأمة الإسلامية إلى العصر الحديث دون أن أعرج على شيء من مشاهدة هذه الطريق في تلك الحقبة من الزمن على الرغم من أنها مفروشة بأشلاء الضحايا من دعاة الحق في كل بقعة من تلك الطريق .

وسأبدأ بنقل الشواهد الجديدة من زمن صحوة الأمة الإسلامية بعد ما أصابها من صدمات ونكسات هذه الصحوة التي ظهرت إشعاعاتها في العقد الثالث من القرن الرابع عشر الهجري .

لأن كل دعاة اليوم هم امتداد لها ، إما امتداد مباشر أو عن طريق الاطلاع على مبادئها من بعد .

ولأن مخططات القمع والإرهاب ومحاولة الاحتواء بكل متاع هذه الحياة جهة إلى طلائع ذلك البعث الإسلامي من تلك الصحوة المباركة .

وإلى أولئك الدعاة – أولئك الدعاة الذين سأحاول جهدي تذكيرهم ببعض ما حدث ويحدث لإخوانهم على هذه الطريق في هذا العهد ليعتبروا بهم ويثأروا لهم في الوقت المناسب .

ومحاولة النجاة بهم مما يعد لهم ويرتب من قبل أعدائهم في مستقبلهم ليحذروه ويحتاطوا له .

أولا : التذكير ببعض ما حدث ويحدث :

(أ) المشهد الأول على هذا الطريق من أرض تركستان وما جاورها من البلاد الإسلامية ، الجاثم على صدرها الحكم الشيوعي الغاشم ، وقع هذا المشهد على أرض تكبر مساحتها إفريقيا ، وهي الأرض التي غطاها الإسلام بنوره ثم غمرها المد الشيوعي واغتصبها ، وقد ذهب ضحية ذلك المشهد 26 مليونا من المسلمين هناك تعذيبا وتقتيلا .

وشرد ومسخ باقي الشعوب الإسلامية في تلك البلاد بأشنع الأساليب وأبشعها .

ذكر الباتكين أن وسائل المد الشيوعي لحمل المسلمين على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها ما يلي :

1- إجبارهم على السير حفاة الأقدام على جمرات فحم مشتعلة .

2- غرس المسامير بين الأظافر .

3- سكب الزيت المغلي على الجسم .

4- سلخ جلد الجسم والرأس .

5- ترك المعذب واقفا على قدميه أياما متوالية .

6- تعليقه في جوال من الخيش مبلل على الأشجار في أشد أيام الشتاء .

7- إدخاله وهو عار في ثلاجات مملوءة بالثلج في أشد أيام الشتاء .

ضربه بسياط سلكية .

ونقل صاحب طريق الدعوة تتمة ذلك بقوله :

1- دق مسامير طويلة في الرأس حتى تصل إلى المخ .

2- إحراق المسجون بعد صب البترول عليه وإشعال النار فيه .

3- جعل المسجونين هدفا لرصاص الجنود يتمرنون عليه .

4- حبس المسجونين في سجون لا ينفذ إليها هواء ولا نور وتجويعهم إلى أن يموتوا .

5- وضع خوذات معدنية على الرأس وإمرار التيار الكهربائي فيها .

6- ربط الرأس في طرف آلة ميكانيكية وباقي الجسم في ماكينة أخرى ، ثم تدار كل من الماكينتين في اتجاهات مضادة ، فتعمل كل واحدة مقتربة من أختها حينا ومبتعدة حينا آخر ، حتى يتمدد الجزء من الجسم الذي بين الآلتين ، فإما أن يقر المعذب وإما أن يموت .

7- كي كل عضو من الجسم بقطعة من الحديد مسخنة إلى درجة الاحمرار .

8- صب زيت مغلي على جسم المعذب .

9- دق مسمار حديدي أو إبر الجراموفون في الجسم .

10- تسمير الأظافر بمسمار حديدي حتى يخرج من الجانب الآخر .

11- ربط المسجون على سرير ربطا محكما ثم تركه لأيام عديدة .

12- إجبار المسجون على أن ينام عاريا فوق قطعة من الثلج أيام الشتاء .

13- نتف كتل من شعر الرأس بعنف ، مما يسبب اقتلاع جزء من جلد الرأس .

14- تمشيط جسم المسجون بأمشاط حديدية حادة .

15- صب المواد الحارقة والكاوية في فم المسجونين وأنوفهم وعيونهم بعد ربطهم ربطا محكما .

16- وضع صخرة على ظهر المسجون بعد أن توثق يداه إلى ظهره .

17 – ربط يدي المسجون وتعليقه بهما إلى السقف وتركه ليلة كاملة أو أكثر .

18 – ضرب أجزاء الجسم بعصا فيها مسامير حادة .

19- ضرب الجسم بالكرباج حتى يدميه ، ثم يقطع الجسم إلى قطع بالسيف أو بالسكين .

20- إحداث ثقب في الجسم وإدخال حبل ذي عقد واستعماله بعد يومين كمنشار لتقطيع قطع من أطراف الجرح المتآكل .

21- ولكي يضمنوا أن يظل المسجون واقفا على قدميه طويلا يلجأون إلى تسمير أذنيه في الجدار .

22- وضع المسجون في برميل مملوء بالماء في فصل الشتاء .

23- خياطة أصابع اليدين والرجلين وشبك بعضهما إلى بعض .

24 – والنساء حظهن من مثل هذا العذاب أنهن يعرين ويضربن ضربا مبرحا على ثديهن وصدورهن . أما بقية تعذيب النساء فإننا نمسك عنه . لأن المواقع التي اختاروها من أجسامهن والطرق الدنيئة التي استعملوها تجعلنا نستحي من ذكرها وكتابتها .

هذا مشهد من مشاهد طريق الدعوة إلى الله لا يكاد يتصوره عقل ، لهول عدد ضحاياه ، وشناعة أساليب التنكيل فيه ، ولكنه حقيقة وقعت أحداثها على أرض تركستان الحبيبة وأكدها أكثر من مصدر موثوق .

(ب) ومن تركستان إلى الهند لنقل المشهد الثاني من مشاهد هذه اطريق ، وأترك الأستاذ سيد قطب يروي لنا قصة ذلك المشهد كما نقله عنه صاحب طريق الدعوة .

والواقع التاريخي يعطينا هذه الصورة .

إن ما وقع من الوثنيين الهنود ، عند انفصال باكستان لا يقل شناعة ولا بشاعة عما وقع من التتار في بغداد .

إن ثمانية ملايين من المهاجرين المسلمين من الهند – ممن أفزعتهم الهجمات البربرية المتوحشة على المسلمين الباقين في الهند فآثروا الهجرة على البقاء – قد وصل منهم إلى أطراف باكستان ثلاثة ملايين فقط أما الملايين الخمسة الباقية فقد قضوا في الطريق بعدما طلعت عليهم العصابات الوثنية المنظمة المعروفة للدولة الهندية جيدا ، والتي يهيمن عليها ناس من الكبار في الحكومة الهندية ، فذبحتهم كالخراف على طول الطريق وتركت جثثهم نهبا للطير والوحش ، بعد التمثيل بها ببشاعة منكرة لا تقل – إن لم تزد – على ما صنعه التتار بالمسلمين من أهل بغداد .

أما المأساة البشعة المروعة المنظمة فكانت في ركاب القطار الذي نقل الموظفين المسلمين في دوائر الهند إلى باكستان ، حيث تم الاتفاق على هجرة من يريد الهجرة من الموظفين المسلمين في دوائر الهند إلى باكستان ، واجتمع في هذا القطار خمسون ألف موظف ... دخل القطار بالخمسين ألف موظف في نفق بين الحدود الهندية الباكستانية يسمة (ممر خيبر) وخرج من الناحية الأخرى وليس به إلا أشلاء ممزقة متناثرة في القطار .. لقد أوقفت العصابات الهندية الوثنية المدربة الموجهة للقطار في النفق ولم تسمح له بالمشي في طريق إلا بعد أن تحول الخمسون ألف موظف إلى أشلاء ودماء وصدق قول الله سبحانه : " كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة " .

وما تزال هذه المذابح تتكرر في صور شتى حتى الآن . كذلك قامت العصابات الهندية بإبادة المسلمين إبادة تامة في ولايات (بهرات بور) و (الوار) و (كابورتالا ) وكان عددهم في هذه الولايات على التوالي : 110000 و 250000 و 213704 فلم يعد أحد منهم يرى النور .

ولقد بلغ قتلى المسلمين خلال المذابح التي جرت في شرق البنجاب في شهر أغسطس سنة 1947 وفقا لتعداد رسمي 472000 نفس .. ثم ماذا فعل خلفاء التتار في الصين الشيوعية وروسيا الشيوعية بالمسلمين هناك ؟ لقد أبادوا من المسلمين في خلال ربع قرن ستة وعشرون مليونا .. بمعدل مليون في السنة ، وما تزال عمليات الإبادة ماضية في الطريق .. وذلك غير وسائل التعذيب الجهنمية التي تقشعر لها الأبدان .

ونحن بحكم بعدنا عن هذه الأحداث وعدم ملامستنا لها ، فقد يساورنا شك في صحتها ، أو أنها مبالغ فيها ، والحقيقة أن الأرقام المذكور لضحايا هذا المشهد قد لا تكون قد استقصت كل الأشلاء التي ترامت في كل مكان من ذلك المشهد ، حيث أن المحصي قليلا ما يدقق في مثل هذه الحالات الحرجة ، وحيث أن كثيرا من الضحايا وقعت بعيدا عن أعين الناس .

فالذي أريد تأكيده أن أرقام الضحايا أكثر بكثير مما ذكر ، خاصة وأن أجهزة الإعلام وهي المعتمدة في نقل أحداث العالم بيد الكفر ، وتنشر ما تريد وتخفي ما لا تريد نشره ، وعلى الرغم من ذلك فإن أخبار تلك الوحشية في معاملة المسلمين في الهند تتسرب إلينا بين حين وآخر ، وفيها ما يدمي القلب ويحرق الفؤاد لما يصيب المسلمين هناك ولا حول ولا قوة إلا بالله .

(ج) من المشهد على أرض الهند إلى مشاهد متعددة حدثت في أماكن مختلفة في العالم الإسلامي ، مستهدفة عناصر البعث الإسلامي من الأمة الإسلامية ، وموجهة من قوى عالمية ذات طابع كفري واحد ، تلك القوى هي أمريكا ، وروسيا ، وبريطانيا ، وفرنسا ، قررت ذلك في اجتماع لسفرائها في القاهرة عام 1954

وقد كان لها ذلك بواسطة أذنابها في البلاد الإسلامية ، كان لتلك القوى ما أرادت .

فضربت الحركة الإسلامية في أندونيسيا وفي مقدمتها حزب ماشومي ، وقتل أكثر رجالها وشرد الباقون .

وضربت الجماعة الإسلامية في القارة الهندية وحكم على مؤسسها الأستاذ أبو الأعلى المودودي بالإعدام وضربت جماعة الإخوان المسلمين في البلاد العربية ، وقتل قادتها وسجن وشرد الباقي ، وصودرت أموالها وممتلكاتها

وضرب حزب فدائيات إسلام في إيران وحكم بالقتل على كل أفراده .

كل هذه الإبادة لعناصر البعث الإسلامي كانت في أيام معدودة والأمة الإسلامية .

ففي يوم واحد أبيدت جزيرة أبا في السودان بكل سكانها .

وفي يوم واحد قتل في جزيرة زنجبار أكثر من خمسة عشر ألف مسلم ، وفي الفلبين قتل إلى الآن أكثر من ثمانين ألف مسلم وحرقت مدنهم وقراهم ، وفي أوغندا دخلت تلك القوى سافرة في حرب مباشرة مع المسلمين قتل على إثرها جل الشعب المسلم هناك وشرد من أرضه ووطنه ، وفي لبنان مر ويمر المسلمون بمحنة قاتلة في الحرب الأهلية الأخيرة ، وفي تشاد تدور حرب أهلية طاحنة هدفها الرئيسي إبادة المسلمين .

وفي المغرب تطارد العناصر الإسلامية .

وما يجري في ِأفغانستان اليوم من تقتيل للشعب الأفغاني بمخلب الدب الروسي أكبر دليل على ذلك .

لقد سلط ذلك الأخطبوط الرباعي أضواء على عناصر الدعوة الإسلامية والبعث الإسلامي في كل مكان فأنشب مخالبه في ذلك البعث الهادر .

ولكن ذلك التسلط الشامل وذلك السحق الوحشي لم يزد تلك الطلائع إلا تمسكا بتعاليم دينها ونشرها وتضحية في سبيلها ولم يزدها إلا عنادا للباطل وخروجا عليه .

عبر عن ذلك شاعرهم في قصيدته المشهورة : من وراء القضبان وأجابه آخر مؤكدا مواصلة السير على الطريق مهما كانت العقبات والصعاب .

ثالثا : خطط الكفر المستقبلية :

بعد أن أوجزت في مشاهدة المحن التي مرت بالمسلمين في عهدهم القريب ، ولا تزال ، أوجز أيضا في المخططات المستقبلية لقوى الشر في حرب الأمة الإسلامية وسحق طلائع البعث الإسلامي ، فعلى الرغم من وضوح الهدف عن تلك القوى الكافرة وهو تشتيت الأمة الإسلامية وإخماد كل صوت ينادي وحدتها ورفع رايتها .

وعلى الرغم من أن الوسائل المستعملة للوصول إلى ذلك الهدف الرهيب واضحة لهم أيضا من قديم الزمان ومتشابهه ومتواصى بها كافرا عن كافر .

قال تعالى : " كذلك قال الذين من قبلهم مثل قولهم تشابهت قلوبهم وقد بيننا الآيات لقوم يوقنون "

وقال تعالى :" أتواصوا به بل هم قوم طاغون "

على الرغم من وضوح ذلك كله إلا أن للتجارب والملاحظات دورا كبيرا في المزيد من الخبث والمكر في حوك المؤامرات على الأمة الإسلامية .

ففي العقيدين الماضيين نزلت الاستخبارات الأمريكية البريطانية بصفوة رجالها إلى الشرق الإسلامي للإشراف المباشر على خطط السحق والتدمير لقوة الأمة الإسلامية ، في صورة طلائعها المباركة وهي الخطط التي ظهرت أخيرا في صورة كتب ووثائق منشورة بعد أن أعطت ثمارها .

منها على سبيل المثال لا الحصر كتاب لعبة الأمم لمايلز كوبلاند وهو الكتاب الذي كان مؤلفه على رأس اللجنة الموجودة للجهاز التنفيذي للخطة – وهي الانقلابات العسكرية – وهو الجهاز الذي استطاع ضرب الحركة الإسلامية وعرقلة سيرها لفترة من الزمن دون أن ينتصر عليها ، حيث أنه ذهب ملعونا من الله وملائكته والناس أجمعين وبقيت الأمة الإسلامية بقيادة طلائعها المباركة كأقوى ما تكون وأعظم ما تكون وكما أن تلك القوى الكافرة قد فشلت في مواجهة الحركة الإسلامية بالجهاز المشار إليه فإنها ستفشل مهما جاءت ببدائل لذلك الجهاز الفاشل ، لأن كيدها مهما يكن فهو كيد بشر هزيل وكيد شيطاني ضعيف ، قال تعالى : " فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا " أمام حفظ إلهي للإسلام ودفاع رباني عن المؤمنين الصادقين .

قال تعالى : " إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون "

وقال تعالى : " إن الله يدافع عن الذين أمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور "

ومنها الوثيقة الخطيرة التي وضعت لإبادة الحركة الإسلامية في مصر وهي الوثيقة التي نفذت بموجبها محنة الإخوان المسلمين في مصر في العقد السابع من القرن العشرين الميلادي باعتراف واضعيها ومنفذيها وكما جاء مفصلا في المصادر التي أشرنا إليها في محنة الجماعة المذكورة ، وهي الوثيقة المرفقة بملحقات هذه الرسالة لأهميتها .

وبما أن تلك الخطط قد كشفها الله تعالى فقد فكرت أجهزة الكفر في إيجاد خطط جديدة أشد مكرا وخبثا لضرب التيار الإسلامي القادم الذي يهدد الكفر في كل أرجاء الأرض فمن هذه الخطط :

1- التقرير المرفوع إلى بعض المسئولين في البلاد العربية لمكافحة التيار الديني في بلده والعالم الإسلامي وهو التقرير الذي تعاونت على إعداده صفوة رجال الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية وبعض استخبارات الدول العربية .

2- التقرير المرفوع من ريتشارد ب. ميشيل إلى رئيس هيئة الاستخبارات المركزية الأمريكية وهو التقرير الذي ينصح فيه بالكيفية الجديدة لضرب الحركة الإسلامية والأمة الإسلامية وهما التقريران اللذان سيكونان من الملحقات الوثائقية لهذه الرسالة لاحتوائهما على البنود التي ستتبع مستقبلا في ضرب الإسلام والمسلمين.

والذي يجب على قيادات العمل الإسلامي والدعاة الإسلاميين في كل مكان إحباطها بكشفها للمسلمين وأخذ كل الاحتياطات اللازمة لتجنب الأمة الإسلامية خطرها ومكايدها . وأخذها بعين الاعتبار في خطط العمل الإسلامي الأمنية .

وليكن الدعاة الإسلاميين أكبر من قوى الكفر تنظيما وتخطيطا وتنفيذا ولا يصح أبدا أن يلدغوا من جحر مرتين – أي إذا استطاعت قوى الكفر بخططها الماضية النيل من العمل الإسلامي والأمة الإسلامية . فلا يصح بحال من الأحوال أن تعطي فرصة ثانية لضرب الدعوة الإسلامية والعمل الإسلامي والله تعالى ولي المؤمنين .

6- خلاصة هذا الموضوع :

وخلاصة موضوع طبيعة طريق الدعوة إلى الله .

أنها طبيعة شاقة على النفس البشرية ولكن لابد منها . للوصول بالعمل الإسلامي إلى غايته .

ولقد تذوق هذه الطبيعة كل الذين ساروا على طريق الله الدعوة إلى الله من الأنبياء والمرسلين وأتباعهم حيث هي الطريق الوحيد إلى الجنة .وأن هذه الطبيعة ذات ألوان كثيرة قد تكون في صورة غياهب سجون وأدوات تعذيب رهيب وأعمدة مشانق .

وقد تكون في صورة بسط متاع ورغد عيش ، وقد تكون في صورة غرور ينسي صاحبه الله تعالى واليوم الآخر .

وإن لهذه الطبيعة هدفا هو معرفة الصالح من الطالح ونفي الخبيث عن الطيب وتصفية الصف من أسباب الخبال . وإبعاد اللبنة الهشة من البناء .

هذه هي خلاصة موضوع طبيعة الطريق إلى الله على الدعاة أن يتدبروا ويقفوا عندها طويلا ، وألا يدخلوا من استجاب لدعوتهم في هذه الطريق إلا بعد أن يبصروههم بطبيعتها ويدربوهم على نماذج منها . حتى لا يسقطوا في أثناء الطريق فيخسرون جميعا .

والله ولي التوفيق وهو المستعان ..  

الباب الثالث أهم الجماعات العاملة في حقل الدعوة الإسلامية

الفصل الأول حالة العمل الإسلامي بعد سقوط الخلافة العثمانية

1- عمل فردي :

منذ أن سقطت الخلافة العثمانية سنة 1924م ورجالات الأمة الإسلامية وعلماؤها يجاهدون لإعادة الخلافة ونصب الإمامة في الأمة أمر يوجبه الدين وحسب ، ولكن لإدراكهم أيضا أن حال الأمة لا يمكن أن يستتب ويلتئم بدون قيادة عامة تجمع تلك الأمة ، على اختلاف أجناسها وألوانها ، وتباعد أوطانها.

ولقد أخذ هذا الجهاد صورا مختلفة على امتداد الأيام .

ظهر هذا الجهاد في صورة فردية ، كأن يدعو إلى الخلافة الإسلامية عالم من علماء الأمة عن طريق الخطب ، والمقالات في الصحف ، أو تأليف الكتب ، دون أن يكون لهذه الدعوة سند جماعي أو تنظيم حركي .

2- عمل جماعي :

وظهر هذا الجهاد في صورة عمل جماعي ، كأن يؤسس عالم من علماء المسلمين جماعة من المسلمين يكون هدفها إعادة الخلافة الإسلامية إلى حياة المسلمين ، وهذا الجهاد في صورته تلك انقسم من حيث الهدف إلى قسمين :

(أ) عمل جماعي هدفه المباشر إقامة الخلافة :

فقسم جعل هدفه المباشر إقامة الخلافة الإسلامية ، وخطط لنفسه وسائله إلى ذلك الهدف ، ومن أصحاب هذا العمل :

حزب التحرير في سوريا والأردن ، ودعوة الإخوان المسلمين في مصر وسوريا والسودان وباقي الوطن الإسلامي ، وحزب ماشومي في إندونيسيا ، والجماعة الإسلامية في الهند وباكستان ، وفدائيان إسلام في إيران . (ب) عمل جماعي هدفه المباشر دعوة اجتماعية أو ثقافية أو صوفية :

وقسم جعل هدفه المباشر دعوة اجتماعية وثقافية مثل أنصار السنة في مصر ، والجمعية الشرعية في مصر أيضا ، أو دعوة صوفية مثل جماعة التبليغ ، والمهدية في السودان ، والسنوسية في المغرب العربي والحجاز.

(ج) عمل جماعي مندثر وآخر مستمر :

وانقسم هذا العمل أيضا من حيث الاستمرارية إلى قسمين :

1- قسم تغلبت عليه الصعاب والعقبات وتوقف عن مواصلة السير ، وانتهى بانتهاء مؤسسه مثل الوهابية والسنوسية .

2- قسم بقى مستمرا في دعوته ، متغلبا على كل الصعاب والعقبات في طريقه للوصول إلى هدفه .

وهذا القسم الذى لا يزال مستمرا فى دعوته انقسم إلى قسمين أيضا من حيث المحدودية والشمول فى الدعوة.

حددت الظروف اتجاهه فأصبح يمثل اتجاها معينا، من الاتجاهات السائدة فى الأمة الإسلامية،كأن تمثل جماعة أنصار السنة المحمدية اتجاه السلفيين فى الأمة ، وكأن يمثل الدعوة الصوفية مثلا المهدية ، أو جماعة التبليغ ، وكأن يعبر عن الإتجاه السياسى في الأمة حزب التحرير مثلا، والقسم الثانى هو الذى يحاول أن يكون شاملا لكل الإتجاهات السائدة فى الأمة فكما أنه يدعو إلى الجانب السياسى بإقامة الخلافة الإسلامية فهو يمثل الصوفية فى جانب تزكية الروح وتطهيرها،والسلفية فى جانب مطالبة الأمة بالعودة إلى الكتاب والسنة.

ويعتبر هذا القسم أن كل هذه الإتجاهات مشمولة بشمول الإسلام ، وأنه يدعو إلى ذلك الشمول الإسلامى العام ، ويمثل هذا القسم أو تلك الدعوة الجماعة الإسلامية1 فى الهند والباكستان التى أسسها الداعية الإسلامى ابو الأعلى المودودى رحمه الله تعالى.

و جماعة الاخوان فى العالم العربى ، و حزب ما شومى فى جزر الأرخبيل و فدائيان إسلام فى فارس . و نحن فى هذه العجالة سنوجز الحديث عن صورة ذلك العمل الجماعى باتجاهيه المحدود ، والشامل ، بأخذ مثلا واحدا عن كل اتجاه للتعريف به و الحكم عليه .

فسنأخذ من القسم الأول و هو المحدود الاتجاه ، جماعة أنصار السنة المحمدية عن الاتجاه السلفى ، و عن الاتجاه الصوفى جماعة التبليغ ، و عن الاتجاه السياسى حزب التحرير .

و عن القسم الثانى وهو القسم الذى حاول أن يشمل كل الاتجاهات ، سنأخذ جماعة إخوان المسلمين لتوفر مصادرها فى الوطن العربى ، و لأنها الجماعة التى تأثرت بها كل الجماعات الإسلامية فى العالم الإسلامى و سارت على خطتها و فكرتها ، و لأنها أكبر الجماعات الإسلامية ذات الاتجاه الشمولى ، محاولين استقصاء أهم غايات و جهود ذلك العمل لإقامة جماعة المسلمين ، ووسائله إلى ذلك .

و سأقصر فى الكتابة على غايات و جهود ووسائل العمل الجماعى دون الفردى و المستمر دون المندثر . و مثال واحد عن كل اتجاه للأسباب الآتية :

1- لاعتقادى أن الدعوة الإسلامية لا يمكن أن يحملها إلا جماعة وأن العمل الفردى بالنسبة لها يبقى صيحة فى فلاة .

2- و لأن الجماعة التى لم يبق لها نفوذ فى ساحة العمل الإسلامى لاندثارها أو انحسارها ، لا يمكن أن تقود الأمة و هى فى ذاتها قد اندثرت أو انزوت . و لأن هدفنا توضيح الجهة التى يجب أن يعطيها كافة الناس فى الأمة الإسلامية ولاءهم و نصرتهم . لتتكامل الجهود و تتوحد الوجهات . فكيف ندل على جماعة قد اندثرت ؟!

صحيح قد يستفاد من تجارب تلك الجماعات المندثرة و لكن الذى سيستفيد هى الجماعة المستمرة و ليس عامة المسلمين كأفراد ، لأن الفرد إذا حاول تجميع تجارب الآخرين ليقيم عليها عملا جماعيا جديدا فعمله من حيث هو باطل ، لأنه يزيد فرقة الأمة فرقة ، و لأن الأصل فيه أن يكون مكملا للعمل الموجود و متمما له .

3- و مثال واحد عن كل اتجاه ، دون الاستقصاء لكل الجماعات القائمة فى العالم الإسلامى لضيق المقام ، و صعوبة الحصر .

و سأبدأ بالجماعات المحدودة الجهود و الاتجاهات لقلة الكتابة فيها ، و سأؤخر الكتابة عن جماعة الإخوان المسلمين لاتساع نشاطها و لكثرة الكتابة عنها ، و لأهميتها ككبرى الحركات الإسلامية كما سماها الدكتور اسحاق الحسينى ، و سأبدأ بجماعة أنصار السنة المحمدية . و بالله التوفيق .  

الفصل الثانى جماعة أنصار السنة المحمدية

1- نبذة عن تأسيس الجماعة و مؤسسها :

تأسست هذه الجماعة فى عام 1345 ه – 1926 م بمدينة القاهرة حى عابدين باسم جماعة أنصار السنة المحمدية ، أسسها فضيلة الشيخ محمد حامد الفقى ، ولد بقرية جزيرة نكلة العنب محافظة البحيرة بمصر سنة 1310 ه و هو من خريجى الأزهر بدأ دعوته إلى الكتاب والسنة ، و الدعوة السلفية فى أثناء فترة دراسته بالأزهر ، و بعد عمل عظيم وعمر زاهر توفى إلى رحمة الله تعالى فى 7 رجب 1378 ه و هو الذى تولى رئاستها حتى توفاه الله تعالى .

2- الهيكل الإدارى للجماعة  :

يتكون هيكل المركز العام للجماعة من :

(أ) الرئيس العام للجماعة وهو الذى ينتخب من قبل الجمعية العمومية للجماعة .

(ب) الجمعية العمومية للجماعة حيث يمثل كل فرع عضوين فقط ، ما عدا القاهرة حيث يمثلها خمسة عشر عضوا ، و الاسكندرية سبعة أعضاء لاتساعهما و كثرة سكانهما .

(ج) مجلس إدارة شئون الجماعة ، و هو المجلس الذى ينتخب من بين أعضاء الجمعية العمومية للجماعة .

(د) الهيئة التنفيذية لأعمال الجماعة و هى المعنية من قبل أعضاء مجلس الإدارة ومناصبها كما يلى :

1- الرئيس .

2- نائب الرئيس .

3- الوكيل .

4- السكرتير .

5- أمين الصندوق .

الرئيس ونائبه

الجمعية العمومية للجماعة


مجلس إدارة الجماعة


الهيئة التنفيذية


الرئيس

نائب الرئيس

الوكيل


السكرتير أمين الصندوق

" الهيكل الإدارى لجماعة أنصار السنة المحمدية "

3- مقاصد الجماعة :

أما مقاصد و أهداف جماعة أنصار السنة المحمدية فقد لخصها مؤسس الجماعة الشيخ محمد حامد الفقى رحمه الله – فى كتابه ( جماعة أنصار السنة المحمدية دعوتهما و أهدافها ) ، و كذا اللائحة الداخلية للجماعة فيما يلى :

1- دعوة الناس إلى التوحيد الخالص .

2- إرشاد الناس إلى أخذ دينهم من نبيعه الصافين : صريح الكتاب و صحيح السنة .

3- إرشادهم إلى أن نصوص الكتاب و السنة لا محيد عنها ألبتة .

4- الدعوة إلى حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حبا صادقا صحيحا يحمل على اتخاذه مثلا أعلى .

5- الدعوة إلى مجانبة البدع و محدثات الأمور .

6- محاربة الخرافات و العقائد الفاسدة .

7- إرشاد الناس إلى أن حياتهم الدنيوية و الأخروية مرتبطة كل واحدة منها بالأخرى أوثق ارتباط .

8- إرشاد الناس إلى أن الله تعالى مدح الخير ووعد فاعله بالمغفرة و ذم الشر و توعد فاعله .

9- إرشادهم إلى أن الفسوق و العصيان نتيجة لازمة لعدم إيمانهم بالله و اليوم الآخر .

10- إرشاد الناس إلى أن أوامر الدين ، و نواهيه هى رحمة بهم .

11- إرشادهم إلى أن تحريم الرسول بتشريف القبور لأنه ظلم يمقته .

12- إرشاد الناس إلى أن الحكم بغير ما أنزل الله تعالى هلكة فى الدنيا و شقاوة فى الآخرة .

13- إرشاد الناس إلى أن موقفهم من صفات الرب سبحانه و أسمائه يجب أن يكون مطابقا لموقف الرسول صلى الله عليه وسلم ، و صحابته رضى الله عنهم .

14- إرشاد الناس إلى أن أصل الداء هو سماحهم للنساء بارتياد الملاهى و دور السينما .

15- إرشاد الناس إلى وجوب تمسكهم بالرجولة لتظل لهم القوامة على نساءهم .

و زادت لائحة الجماعة على ما جاء فى رسالة الشيخ الفقى :

1- توثيق روابط الإخاء و التضامن بين الجماعة و الجمعيات الإسلامية الأخرى .

2- التعاون مع مختلف الهيئات العلمية و الثقافية على إحياء التراث الإسلامى .

3- تنشئة الشباب تنشئة دينية و ثقافية و اجتماعية .

و لخص أحد قادة الجماعة هذه المقاصد فى عشرة نقاط بقوله : ( فهذه عقيدة أنصار السنة المحمدية واضحة فى مبادئها العشرة ) :

1- نعتقد أن الأصل فى الدين هو الكتاب و السنة – أما الأئمة المجتهدون و العلماء و المحدثون فهم أئمة خدموا الإسلام أجل خدمة ، و هم بمنزلة المعلمين و المبلغين ، نحبهم و نجلهم و نعظمهم و ندافع عنهم ونتبعهم اتباع المستنير المتأمل ، لوجوه الاستدلال لمن يكون من أهل التأمل و الاستدلال ، ثم نتعاون فيما نتفق عليه ، ونتسامح فيما نختلف فيه .

2- نعتقد أن صفات الله عز وجل هى كما وصف نفسه ووصفه به رسوله صلى الله عليه وسلم حقيقة من غير تشبيه و لا تأويل و لا تعطيل ، ثم نكف عن الجدل فى ذلك ، و نسكت عما سكت عنه الصحابة و السلف ، و نتكلم فيما تكلموا ، لنا فيهم أسوة حسنة ، و نشتغل بالحكمة و الإلهية فى الخلق و التشريع لقوله - صلى الله عليه وسلم - : " تفكروا فى آلاء الله ، و لا تفكروا فى ذات الله فإنكم لا تقدرون قدره " .

3- نعتقد إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادة من نذر و حلف و استغاثة و استعانة ، ثم مقاومة كل من يوجه شيئا من ذلك صريحا أو تأويلا بتغيير اسمه إلى غير الله .

4- نعتقد أن الإيمان هو التصديق الإذعانى الذى ينتج العمل و يظهر على الجوارح و كل نقص فى العمل مع التمكن منه و القدرة عليه هو فى الإيمان بقدره ، و ليس الإيمان مجرد الحكم بثبوت الشئ أو ادعائه أو التلفظ به ، و إنما هو قول و اعتقاد و أخلاق و آداب .

5- نعتقد أن البدعة الشرعية هى كل جديد فى العبادات على غير مثال سابق من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم سواء كان من أصله أو طريقة أدائه .

6- نتفانى فى حب رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن نتمسك جهد المستطاع بكل ما أمر و نتجنب كل ما نهى والإكثار من الصلاة و السلام عليه و على آل بيته الأطهار .

7- نعتقد أنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث ........ الخ – و أن الله سبحانه وتعالى يشفع من يشاء فى عباده لمن ارتضى و أنه - صلى الله عليه وسلم- صاحب الشفاعة الكبرى و أنه صاحب المقام المحمود و الجاه العظيم يوم القيامة .

8- نقرأ القرآن للذكرى و التدبير ﴿ و لقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر﴾ . و نعترف أن استنباط الأحكام منه يكون من اختصاص أهل العلم .

9- نعتقد أن الدين الإسلامى جماع الخير فى الدين و الدنيا يريد من أهله أن يكونوا أقوياء محسنين فى أعمالهم حتى يكونوا ورثاء الأرض " المؤمن القوى خير من المؤمن الضعيف " .

10- نعتقد أن الإسلام دين و دولة و عبادة و حكم و أنه صالح لكل زمان و مكان .

4- وسائل الجماعة للوصول لأهدافها :

بعد أن بينا بإيجاز أهداف الجماعة للوصول بالأمة الإسلامية إلى الغاية التى أخرجت من أجلها ، و هى الأوسطية و الشهادة على الناس تأمرهم بالمعروف و تنهاهم عن المنكر و تحكم فيهم بكتاب الله تعالى و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم نوجز أيضا وسائل الجماعة إلى أهدافها كما نصت عليها لائحة الجماعة  :

1- الدعوة للمؤتمرات فى المناسبات المختلفة لتوعية العامة .

2- محاربة الأمية عن طريق :

(أ) فتح فصول دراسية فى كافة فروع الجماعة و مساجدها .

(ب) إعداد مدارس للتعليم الإعدادى و الثانوى لتقوية الطلبة .

(ج) إعانة الطلبة المستحقين لتمكينهم من مواصلة دراستهم .

3- البر بالفقراء و المساكين بقدر ما تسمح به مالية الجماعة .

4- رعاية الأعضاء و أسرهم اقتصاديا و اجتماعيا .

5- إلقاء المحاضرات العامة فى الأخلاق الإسلامية و الآداب الاجتماعية .

6- طبع الكتب المؤيدة للسلف الصالح و نشرها بين المسلمين .

7- إصدار مجلة دينية علمية و توزيعها بين المسلمين لتثقيفهم .

8- إقامة المساجد و المدارس و الملاجئ و مكاتب تحفيظ القرآن الكريم لتنشئة أبناء لالمسلمين على العقيدة الإسلامية الصحيحة .

9- إصدار الرسائل فى الموضوعات التى تهم جميع المسلمين و بيان رأى الجماعة فيها .

10- تعليم المسلمين السيرة و السنة النبوية علما و عملا فى مساجد الجماعة .

11-تيسير رحلات الحج و العمرة تيسيرا منظما و تحت إشراف الجماعة ، ومن خلالها .

5- ميدان عمل الجماعة كما حددته لائحتها :

أولا : ميدان الخدمات الدينية و الثقافية و الاجتماعية .

ثانيا : ميدان المساعدات الاجتماعية وأنها لا علاقة لها بالجدل العقائدى و السياسى كما ينص على ذلك البند رقم 3 من لائحتها .

6- و تتكون الموارد المالية للجماعة من المصادر الرئيسية الآتية :

(أ) الاشتراكات الرسمية للفروع .

(ب) التبرعات و الهبات و الوصيات لهذه الجماعة من المحسنين .

(ج) حصيلة إرادات أملاك الجماعة .

(د) الإعانات التى تحصل عليها الجماعة من الدولة ، هذا إلى جانب باقى الموارد غير الثابتة كالربح من طباعة بعض الكتب .

7- أهم جهود الجماعة :

1- بعد أن تأسست الجماعة فى مدينة القاهرة وقام رجالها بنشر مبادئها فانتشرت دعوتها فى أنحاء مصر حتى أصبح ما يقارب من الخمسين فرعا ، فى مصر وحدها ، إلى جانب فروعها فى السودان و كذا ما يتعاطف معها فى باقى البلاد الإسلامية مثل المغرب و المملكة السعودية و غيرها .

و كل فرع يمثل وحدة متكاملة و هو صورة عن المركز العام ، كما يشرف كل فرع – فى هيكل الإدارة الآنف الذكر – على عدد من المساجد التابعة للجماعة فى حدود منطقته ، و ما يتبع ذلك من مدارس و مجمعات طبية .

2- قامت الجماعة ببناء ما يقارب الثلاثمائة مسجد فى أنحاء مصر بكل لوازمها ، و بعضها يضم مدرسة لمحو الأمية ، و مجمعا طبيا و صالة للمحاضرات و عددا من الغرف لاستقبال الضيوف الزائرين للجماعة من الخارج .

3- قامت الجماعة بتأسيس عدد من المدارس لتحفيظ القرآن الكريم و محو الأمية .

4- يتبع الجماعة عدد من المجمعات و المستوصفات الطبية ، و التى يداوم فيها عدد من أطباء الجماعة فى تخصصات مختلفة ، فى فترتى ما بعد العصر و المغرب ، و تقوم هذه المجمعات بعلاج المرضى بأجرة رمزية .

5- تقيم الجماعة مؤتمرات إسلامية فى فترات مختلفة بحسب المناسبات و الأعياد ، تقوم فيها بتوعية الأمة ، و نشر الفضيلة بينهم .

6- أصدرت الجماعة مجلتين إسلاميتين شهيرتين ،. الأولى باسم الهدى النبوى ، والثانية باسم التوحيد . ثم أوقفت الأولى و تابعت الثانية مسيرتها و هى مجلة واسعة الانتشار فى العالم الإسلامى ، و تعالج كثيرا من مشاكل المسلمين الثقافية و الاجتماعية .

7- تقوم الجماعة بتقديم الكثير من المساعدات لأسر إسلامية فقيرة و إعانات لطلاب قعدت بهم الظروف عن مواصلة الدراسة النظامية فى المدارس و الجامعات .

8- تقيم الجماعة مخيما لحجاج من أعضاء الجماعة فى كل عام تكفل نقلهم من مصر و إليها ، وكذا تنقرتهم فى المشاعر المقسة بأجور رمزية . 8- الجماعة فى نظر الأخرين :

و فى مجال نقد الجماعة فى صورة الدعوة السلفية فقد نقدها كثير من المعاصرين منهم الدكتور صادق أمين فى كتابه الدعوة الإسلامية .

ومن مأخذه عليها :

1- كون الجماعة لا تمثل حركة ذات منهج فى التربية و التكوين و التخطيط .

2- كون الجماعة ليس لديها أهداف مرحلية محددة .

3- كما لا يوجد عندها تنظيم يربط أفراد الجماعة بعضهم ببعض .

4- اقتصار الجماعة على عدد قليل من المتدينين .

5- كون جهد الجماعة يذهب فى الجدال حول فرعيات الدين و التى ليس من مصلحة الدعوة الإسلامية الخوض فيها فى الوقت الحاضر .

6- اعتبارهم النظام والتنظيم بدعة عصرية لا أصل لها .

7- اعتبارهم البيعة لإمام أو أمير أيضا بدعة عصرية لا أصل لها .

و قد فصل الإجابة عن هذه الأمور بما يراه و ذكر بعض الأحاديث النبوية مدللا بها على أقواله .

و من اللذين تعرضوا لنقد الجماعة أيضا سليم الهلالى و زياد الدبيج فى كتابهما الجماعات الإسلامية فى ضوء الكتاب و السنة ومن مأخذهما عليها :

1- أنها غير جادة فى استئناف الحياة الإسلامية و إنشاء المجتمع الإسلامى ، لأن ذلك يقتضى جماعة منظمة لها أهدافها و هذا ما تفقده الجماعة .

2- افتقار الجماعة إلى خطة فى التربية الإسلامية .

3- كون الجماعة تعارض فى النظام و التنظيم مدعية أنه غير ضرورى و لا جدوى منه .

9- قاعدة تقويم الجماعات عندى :

بعد أن لخصت الكتابة عن الجماعة ، و أهدافها و وسائلها ، وجهودها و مكانتها فى نظر بعض المفكرين الإسلامين ، و قبل أن أدخل فى تقويمى للجماعة أحب أن أقعد قاعدة لتقويم الجماعات عموما ألخصها فيما يلى :

1- القاسم المشترك الذى سأرجع إليه تقويمى للجماعات الإسلامية هو الإسلام ، و به سأزن أهدافها ، ووسائلها ، و أفكارها ، و سميته قاسما مشتركا لأنى أشترك مع كل الجماعات الإسلامية أنه هو المرجع الوحيد الذى يجب أن يرجع إلية المسلمون عند الاختلاف على أمر من أمورهم .

قال تعالى : ﴿ فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما ﴾ .

و قوله تعالى : ﴿ فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول ﴾ .

و قال صلى الله عليه وسلم : " لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به " .

2- أنى لا أحكم على الجماعات الإسلامية من خلال تصرف من تصرفات بعض أفرادها ، أو خطأ و قع فيه بعض من أفراد تلك الجماعة ، و لكن حكمى سيكون بعد دراسة مستوعبة لغايات ووسائل و أفكار نفس الجماعات ، أى ما كان مقرا عندها كجماعة و ذلك لاعتقادى :

أولا : أن الفرد فى حد ذاته لا يمكن بحال من الأحوال أن يكمل يوما ما ، و الذى يمكنه هو أن يصلح و يتوب من أخطائه فى جانب من جوانب حياته ، أو تصرف من تصرفاته ، و يخطئ فى جانب أو جوانب أخرى فى حياته . بل و يخطئ و هو يصلح نفس الخطأ الأول . و سند ذلك الاعتقاد ما يلاى :

(أ) أن هذا الإنسان قاصر و ناقص فى كل جزء من تركيبه ، لحكمه عند خالقه تعالى شأنه ، فهو محدود فى بصره و سمعه و عقله و كل شئ فيه ، فهو يبصر و لكن إبصار ناقص ، ووجه نقصه المحدودية فى المسافة المبصرة ، و يسمع و لكنه ناقص ووجه نقصه المحدودية فى جهاز الاستقبال عنده ، وعليه فلا كمال لذلك الإنسان .

و من طلب منه ذلك فهو يطالبه بالمستحيل .

(ب) و لقول النبى صلى الله عليه وسلم : " كل بنى آدم خطاء و خير الخطائين التوابون " .

(ج) ولأن مجتمعه صلى الله عليه وسلم وهو خير القرون على الإطلاق لم يخل من مقصر أو فقد كان فيه حاطب بن أبى بلتعة كما روى قصته البخارى عن على رضى الله عنه قال : بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا والزبير و المقداد ، فقال: "انطلقو حتى تأتو روضة خاخ ، فإن بها ظعينة معها كتاب فخذوه منها" ، قال : فانطلقا.... فأخرجته من عقاصها فأتينا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا فيه (عن حاطب بن أبى بلتعة – إلى ناس بمكة من المشركين – يخبرهم ببعض أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "يا حاطب ما هذا ؟" فقال : يا رسول الله لا تعجل على إنى كنت امرأ ..... فقال عمر : يا رسول الله دعنى أضرب عنق هذا المنافق. فقال :"إنه قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا قال : اعملو ما شئتم فقد غفرت لكم " .

فأنزل الله : ﴿يا أيها الذين آمنو لا تتخذو عدوى وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق .... إلى قوله تعالى: فقد ضل سواء السبيل﴾ الحديث أ . ه .

وفى ذلك المجتمع كان أبو لبابة كما جاءت قصته فى السيرة النبوية وملخصها أنه حكم على نفسه بخيانة الله ورسوله ، عندما أرسله النبى صلى الله عليه وسلم إلى يهود بنى قريظة بناء على رغبتهم ليستشيروه فى أمر حصار النبى صلى الله عليه وسلم لهم خمسا وعشرين ليلة ، فأرسله النبى صلى الله عليه وسلم فلما رأوه قام إليه الرجال ، وجهش إليه النساء والصبيان يبكون فى وجهه، فرق لهم وقالوله : يا أبا لبابه أترى أن ننزل على حكم محمد؟ قال : نعم وأشار بيده إلى حلقه ، إنه الذبح .

قال أبو لبابة : فو الله ما زالت قدماى من مكانهما حتى عرفت أنى قد خنت الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ، ثم انطلق على وجهه ولم يأت النبى صلى الله عليه وسلم حتى ارتبط فى المسجد إلى .... و قال إبن هشام : وأنزل الله تعالى فى أبى لبابه : ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ﴾ .

هذه النماذج وغيرها كانت فى المجتمع الأول ،وهو المجتمع الذى كان يشرف على قيادته المباشرة رب العالمين ، ينبه على أخطائه أولا بأول.

ثانيا: إن تصرفات الأفراد عندى لا يمكن أن يحكم بموجبها على الجماعات التى ينتمى إليها أولئك الأفراد .

( أ ) لأنه فى نظرى تجنى ، ولأنه حكم على ذات غير الذات المرتكبة للخطأ . يشبه ذلك الحكم ، حكم اولئك الجهلة الذين يحكمون على الإسلام أنه دين غير صالح لمسايرة العصر الحالى ، لتخلف اهله ومعتنقيه ، حيث حكموا على ذات الإسلام بعدم الصلاح لأن أهله متخلفون وهو حكم فاسد .

(ب) ولأن مجتمع الرسول صلى الله عليه وسلم كان يضم فى عضويته طائفه من المنافقين ولم يقل أحد من الناس أن ذلك المجتمع غير صالح لأن فيه تلك الطائفه الفاسده . بل قيل إنه المجتمع الذى لا يمكن أن يتكرر فى سموه وأفضليته .

بموجب هاتين القاعدتين سيكون تقويمى للجماعات الإسلامية التى سأتحدث عنها فى بحثى . والله ولى التوفيق .

10- تقويمى لجماعات أنصار السنة :

وتقويمى لجماعات أنصار السنة المحمدية ينطلق من دراسة موسعة لكل ما كتبوا أو كتب عنهم تقريبا ، ومخالطة لقياداتهم ، بل والوقوف على كثير من أعمالهم وحركة فروعهم فى مصر ، عندما كنت فيها .

فمن هذا المنطلق أبدا بتقويمى للجماعة من خلال غاياتها ووسائلها أن أهداف وغايات ومبادئ أنصار السنة المحمدية أهداف وغايات ومبادئ سامية منها تتفق فيها مع أكثر الجماعات الإسلامية المعاصرة ، ولكن وسائل الجماعة إلى تلك الأهداف و المبادئ وسائل قاصرة ومحدودة ولا يمكن أن توصل إلى أهداف الجماعة الكبيرة إذا بقيت تلك الوسائل قاصرة على قصورها ومحدوديتها .

ولنأخذ واحدا من أهدافها مثلا لندلل على قصور وسائل الجماعة ، وأنها لا يمكن أن توصل إلى أهدافها بتلك الوسائل ، هذا الهدف هو ما عبر عنه مؤسس الجماعة : (دعوة الناس إلى التوحيد الخالص ) . هذا الهدف وحده أرسل الله من أجله كافة الرسل .

وهو الهدف الذى مكث رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة عشرة سنة فى مكة وجاهد باقى عمره فى المدينة المنورة لتثبيته والمحافظة عليه ، ...وإليه دعا الناس ، وعليه كون من استجاب له ، ومن أجله حمل السلاح فى بدر ، وفى كافة معاركه دفاعا عن ذلك الهدف السامى ، وأعلن للناس كافة ، وكما جاء فى الحديث : " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله " الحديث ".

ووسائل الجماعة إلى هذا الهدف كما بيناها تتلخص جميعها فى مرحلة واحدة من مراحل دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم.

هذه المرحلة هى مرحلة نشر الدعوة .

بالخطب و المحاضرات و العرض على القبائل ، و إقامة الولائم ن و رفع الظلم عن المساكين ، و الرسائل إلى الملوك و الرؤساء ، إلى غير ذلك من وسائل نشر الدعوة .

و مراحل دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام كثيرة منها مرحلة دار الأرقم بن أبى الأرقم وهى المرحلة التى تلى مرحلة النشر والتبليغ و التى كان يتم فيها البناء النفسى والروحى للأفراد الذين استجابوا للدعوة ، و مثل مرحلة المواجهة ( الجهاد ) .

و التى بدأت بالهجرة ، ثم إشهار السلاح لإزهاق الباطل ، و إحقاق الحق . هذه المراحل من دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم تقف دونها وسائل الجماعة ، و لم تتطرق إليها كتابات جماعة أنصار السنة المحمدية ، و لا حركتهم فى العمل لتحقيقها كما لمست من مخالطتى لهم فى مصر .

هذه المحدودية التى لمستها فى الجماعة وذكرتها هنا ، لم أذكرها للتشهير و الانتقاص من حيث الخطة التى رسمتها الجماعة لنفسها ، لأن خطط الجماعة توضع على أساس إمكانيتها ، و المرحلة التى تعيشها ، ولكنى ذكرت تلك السلبية و هى المحدودية لكونها فى ميدان عمل الجماعة ووسائلها ، و لأنها محدودية يرفضها الإسلام و لأننى قست الجماعة بميزانين . الأول : غايات و مقاصد الجماعة التى أعلنتها للناس و هى غايات ومقاصد شاملة لأحكام الدين و غير محدودة .

و الثانى : هى حركة الرسول صلى الله عليه وسلم فى دعوته ، والتى نحن مطالبون بان نجعلها نبراسا فى طريقنا كلما أردنا وحاولنا إعادة الناس إلى الإسلام و إرشادهم إليه .

و بدون أن ننهج نهجه صلى الله عليه وسلم فى خطواته ومراحله نكون قد جانبنا خط السير الصحيح للدعوة إلى الإسلام ، وهى حركة واضحة المعالم شاملة لكل حركات البشرية الصحيحة .

فلا أظن أن أحدا من السادة أعضاء جماعات أنصار السنة المحمدية يخالفنى فى هذين الميزانين .

لأن الأول : و هو أهداف و مقاصد الجماعة من وضعهم .

و لأن الثانى : و هو وزن الحركة بميزان الكتاب و السنة هو جزء من عقيدة الأمة الإسلامية .

و هذه المحدودية فى الوسائل عند الجماعة جاءت من جانبين :

الجانب الأول : لأن ميدان عملها محدود من قبل الدولة .

و هذا قيد يخضع الجماعة لأن تحدد وسائلها بموجبه و أن لا تخرج عنه ، و ينص البند (3) من لائحة الجماعة أيضا على تحريم الخوض فى الأمور السياسية و على عدم مس العقائد الدينية لبقية الطوائف فى الشعب المصرى ، مثل النصرانية و اليهودية وغيرها .

فيقول البند (3) من لائحة الجماعة : ( لا يجوز للجماعة أن تجادل فى الأمور السياسية أو العقائد الدينية ).

و هذا قيد آخر حددت بموجبه و سائل الجماعة ، و هذا قيد يتعارض مع بديهيات الدعوة للإسلام ، و يجب على كل مسلم رفضه و من باب أولى الجماعات الإسلامية لأنها قدوة لأفراد الأمة الإسلامية الذين يطلب منهم إقامة جماعة المسلمين .

الجانب الثانى : هو اعتبار الحكومة المصرية هذه الجماعة مؤسسة تابعة لوزارة الشئون الاجتماعية . أى أن أنصار السنة المحمدية مؤسسة حكومية تدار من قبل القطاع الخاص ، و أنه من حق وزير الشئون الاجتماعية فى مصر تعيين محل تلك الإدارة من القطاع الخاص موظفين من قبله يقومون عنه بإدارة شئون الجماعة متى شاء .

ينص على ذلك البند (28) من لائحة الجماعة حيث يقول النص :

(لوزير الشئون الاجتماعية أن يعين ممثلا للوزارة و ممثلا لكل هيئة من الهيئات فى أعضاء مجلس الإدارة) .

هذا القيد جاء بعد أن شرحت اللائحة مهام الهيكل الإدارى للجماعة .و هذا النص يعنى أن الجماعة تعطى ولاءها للدولة و إن كانت تحكم بغير ما أنزل الله .و هو معنى مرفوض . قال تعالى : ﴿ و المؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض ........ ﴾ .

و قال تعالى : ﴿ و الذين كفروا بعضهم أولياء بعض إلا تفعلوه تكن فتنة فى الأرض و فساد كبير ﴾ .

و قال تعالى : ﴿ و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ﴾ .

و أما من حيث قيامهم بأعمال مثل جمع تبرعات لإقامة المساجد والمجمعات الطبقية ، وفتح الفصول الدراسية ، فإن الجماعة قائمة بمجهود – كما قدمنا – كبيرة و طيبة . نسأل الله تعالى أن يكتب ذلك فى سجل حسنات العاملين عليها و أن يفتح أمامهم مجالات أوسع و أكبر .

هذا تقويمى للجماعة أسأل الله تعالى أن يرشد رجالتها إلى الأفضل و الأكمل إنه على كل شئ قدير .  

الفصل الثالث حزب التحرير

1- نبذة عن تأسيس حزب التحرير :

نشأ حزب التحرير فى الأردن ، و أسسه السيخ تقى الدين النبهانى ، أحد خريجى جامعة الأزهر ، ثم افتتح له فرع فى لبنان فى 19 / 10 / 1378 ه . على إثر طلب تقدم به مجموعة من أعضائه هناك إلى الحكومة اللبنانية .

2- أهداف الحزب وغايته :

و غايات الحزب ملخصة فيما يلى :

(أ) استئناف الحياة الإسلامية ، و هذه الغاية تعنى إقامة الدولة الإسلامية فى البلاد العربية أولا ، ثم تستأنف هذه الدولة تطبيق الأحكام والتشريعات الإسلامية فى المجتمع العربى ، كنقطة انطلاق أولى إلى بقية البلاد الإسلامية لاستئناف الحياة الإسلامية فيها بعد أن تسيطر دولة الحزب على تلك البلاد .

(ب) حمل الدعوة الإسلامية :

و هذه الغاية تعنى فى مفهوم الحزب نقل الدعوة الإسلامية إلى غير الأمة الإسلامية بواسطة الدولة الإسلامية ، و التى سبق أن قامت فى البلاد الإسلامية ،أى أن مرحلة هذه الغاية لا تأتى إلا بعد أن يغطى الحزب كامل البلاد الإسلامية بدولته ، و يستأنف الحياة الإسلامية فيها .

(ج) إعادة بناء المجتمع على أسس جديدة ، وبحسب دستور الحزب  :

و هو الدستور الذى يتضمن مائة و اثنتين و ثمانين مادة .

تعرض الحزب فى هذه المواد للأحكام العمة فى سياسة دولته ثم نظام الحكم فى الدولة . حيث قسمه إلى :

1- رئيس 2- معاونين 3- ولاة 4- قضاة

5- الجهاز الإدارى 6- الجيش 7- مجلس شورى .


ثم فصل فى مهام تلك الأقسام و توسع فى نظام مجلس الشورى و أعضائه و أنهم من الرجال و النساء مسلمين و غير مسلمين ، ثم فصل بعد ذلك النظام الاجتماعى و الاقتصادى و التعليمى .... الخ . ثم فى السياسة الخارجية ، و قد شرح الحزب هذا الدستور شرحا موسعا مدللا على كل مادة من مواده من الكتاب والسنة و الإجماع و القياس .

3- وسائل الحزب :

فأما وسائل الحزب إلى غايته الآنفة الذكر ، فقد جمعها فى المادة الرابعة من نظامه ونصها : ( طريق الحزب إلى هذه الغاية هى تسلم الحكم عن طريق الأمة ) ، ثم فصل فى الوسائل الموصلة إلى جعل الأمة تساعه على تسلم الحكم ، فى المادتين السابعة والثامنة من نظام الحزب السياسي نلخصها فيما يلى :

(أ) عن طريق المجالس النيابية فى الأمة . لبيان رأيه فى كل ما يتعلق بالدولة و الأمة من نافذة رسمية .

(ب) نشر الأفكار التى يتبناها الحزب عن طريق الكتب و النشرات و المجلات و الصحف و الخطب و المناقشات و غير ذلك من وسائل الإعلام ، لإيصال أفكار الحزب إلى الأمة .

(ج) عقد الاجتماعات العامة ، و الخاصة لإعلان مبادئ الحزب .

(د) تقديم المذكرات و الكتب و ما شاكلها إلى الجهات الرسمية و غيرها لتوضح أفكار الحزب و مبادئه .

(ه) تأليف الوفود إلى جهات الأمة .

(و) الاتصالات الخاصة و العامة بالسياسين ، و الحكام ، وجميع من له علاقة بالحكم .

(ز) الاتصالات الخاصة و العامة بكل فئات الأمة من تجار و صناع وزراع وعمال وأصحاب أملاك إلى غير ذلك من فئات الأمة .

و فى كتاب صدر أخيرا عن الحزب تحت عنوان نقد الدستور الإيرانى بين فيه أن وسيلته إلى الحكم هى الجهاد .

4- مبادئ الحزب و أفكاره :

بعد أن أوجزنا فى ذكر غايات الحزب ووسائله إليها نختصر أيضا بعضا من مبادئه و أفكاره ، فى الجوانب الحياتية المختلفة :

(أ) فى الجانب الاعتقادى :

يعتمد الحزب فى هذا الجانب على ما أدركه العقل واستساغه الفكر . يقول الحزب فى كتابه الإيمان :

ثابتة بالعقل مثل القرآن والحديث المتواتر )

ويقول الدكتور صادق أمين نقلا عن كتاب الحزب (الدوسية)  :

(إن العقائد لا تؤخذ إلا عن يقين . وأنه يحرم أخذ العقيدة بناء على دليل ظني ، وأن حبر الواحد ظني ) .

وفي نطاق رده على الحزب في هذه النقطة : ( ولا يزال حزب التحرير يحرم على أعضاءه الاعتقاد بعذاب القبر وظهور المسيح الدجال . لأن أحاديثها ظنية ) .

(ب) وفي الجانب العملي للأحكام الإسلامية :

1- لا يرى الحزب القيام بأي أعمال من دعوة إلى صلاة أو صيام أو غير ذلك من الأحكام الإسلامية لأن هذه الأحكام في نظره نت خصوصيات الدولة الإسلامية بعد قيامها .

يقول الحزب في مفاهيمه :

(وأما الفرق بين الدعوة التي يحملها جماعة في أمة إسلامية وبين الدعوة التي تحملها دولة إسلامية فهو أن الدعوة التي تحملها الدولة الإسلامية تتمثل فيها الناحية العملية ، فهي تطبق الإسلام في الداخل تطبيقا كاملا).

وأما الدعوة التي تحملها جماعة أوكتلة فهي أعمال تتعلق بالفكر ولا تتعلق بالقيام بأعمال أخرى .

ويقول في موضع آخر : ( عندما تعمل الأمة في مجموعها تحت قيادة كتلة الدعوة حتى يصلوا إلى الحكم فيوجدوا الدولة الإسلامية وحينئذ تتخذ تلك الدولة حياة الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة قدوة تسير بحسبها في تطبيق الإسلام ).

(ولهذا كان لا شأن للكتلة الإسلامية بالنواحي العملية وتعتبر القيام بأي عمل من الأعمال عملا ملهيا ومخدرا ومعوقا للدعوة ) .

2- ويرى الحزب عدم التعرض للنهي عن الفحشاء والمنكر أو الأمر بالمعروف . لأن ذلك يخالف مرحلة ومهمة الكتلة مستدلا بأن : رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يدعو في مكة إلى الإسلام وهي مملوءة بالفسق والفجور وكانت الأصنام تطل على رأسه من الكعبة ولم يرو عنه أنه مس صنما منها ، وكان يقتصر على القول وعلى الناحية الفكرية .

ولهذا لا يجوز للكتلة أن تقوم بأي أعمال أخرى لأن عملها إقامة دولة لحمل دعوة يرتكز الحزب بأفكاره هذه على فهم مغلوط لقوله تعالى : " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور " .... الآية

(ج) الجانب الأخلاقي والتعليمي :

لا يرى الحزب الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة ، أو فتح مجالات لرفع مستوى الأمة التعليمي والعلمي ، بل حدد مهمته بقوله : ( لذلك يجب أن تكون الكتلة التي تحمل الدعوة الإسلامية كتلة سياسية ، ولا يجوز أن تكون كتلة روحية ، ولا كتلة أخلاقية ، ولا كتلة علمية ، ولا كتلة تعليمية ، ولا شيئا من ذلك ولا ما شيشبهه ، بل يجب أن تكون كتلة سياسية ، ومن هنا كان حزب التحرير حزبا سياسيا يشتغل بالسياسة ، ويعمل لتثقيف الأمة ثقافة إسلامية تبرز فيها الناحية السياسية ) .

وينتقد الحزب الجمعيات الإسلامية التي جعلت منهجها الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة . ويقرر أن الأمم لا تنهض بالأخلاق ، وإنما تكون بالعقائد التي تعتنقها ، وبالأفكار التي تحملها ، وبالأنظمة التي تطبقها .

(د) الجانب الفقهي :

أما في الجانب الفقهي فإن للحزب كتابا موسعا – فيما يقارب الألف صفحة مطبوعا في ثلاثة أجزاء – تعرض في هذا الكتاب إلى أبواب فقهية كثيرة ، وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بالخلافة وأحوالها والجهاد وأبوابه ، وسياسة الدولة الإسلامية الخارجية ، ثم مسائل متفرقة مثل الموالاة للكفار ، والهجرة ، والرق ، وبيع الثمار على أصولها ، والإجارة ، والرهن ، والحوالة ، وقد أخذ الدكتور صادق أمين بعض المسائل على الحزب في هذا الجانب .

ألخص منها ما يلي  :

1- أخذ على الحزب تجويزه تقبيل المرأة الأجنبية ومصافحتها .

2- وأخذ عليه إباحته للصور العارية .

3- وأخذ عليه قوله بسقوط الصلاة عن رجل الفضاء المسلم .

4- وأخذ عليه فتواه بسقوط الصلاة عن سكان القطبين المسلمين .

5- وأخذ عليه حكمه بالسجن عشر سنوات على من زنا بإحدى محارمه المؤبدة (مثل الأخت والأم) أ هـ.

(هـ) في الجانب السياسي :

أما في الجانب السياسي .

فله وجهات نظر كثيرة حول أكثر المسائل السياسية المعاصرة . ضمنها عدة كتب ونشرات صدرت عنه . اطلعت على بعضها وهي :

1- نظرات سياسية لحزب التحرير .

2- مفاهيم حزب التحرير .

3- الفكر الإسلامي .

وهي لا تخرج عن كونها تحليلات سياسية مبنية على التخمين في غالب الأحوال . وله دستوره الذي ضمنه سياسة دولته المستقلة . وهو في مائة واثنتين وثمانين مادة كما أشرنا إلى ذلك ومن ابرز ما يؤخذ على الحزب في دستوره :

1- كون الحزب يجعل من الأمة أحزابا وفرقا متعددة في داخل الدولة الإسلامية كما تنص على ذلك المادة (19) من دستور الحزب : (للمسلمين الحق في إقامة أحزاب سياسية لمحاسبة الحكام ، أو للوصول إلى الحكم عن طريق الأمة ) .

2- كون الحاكم في نظره صاحب حق سن للدستور والقوانين .

تقول الفقرة (و) في المادة (120) من الدستور : (لرئيس الدولة وحده حق تبني الأحكام الشرعية فهو الذي يسن الدستور وسائر القوانين ) .

3- كونه يعطي الحق لغير المسلمين في الأمة الإسلامية في عضوية مجلس الشورى كما تنص على ذلك المادة (22) من الدستور : (يجوز لغير المسلمين أن يكونوا في مجلس الشورى من أجل الشكوى من ظلم الحكام ) .

4- كون الحزب يعطي المرأة حق العضوية في مجلس الشورى كما قررت ذلك المادة (24) من الدستور المذكور : ( لكل من يحمل التبعية إذا كان بالغاعاقلا في أن يكون عضوا في مجلس الشورى رجلا كان أو امرأة ) ولأهمية هذه النقاط ننبه إلى الصواب فيها إن شاء الله تعالى :

أولا : تعدد الأحزاب في الدولة الإسلامية :

(أ) عندما تقوم الدولة الإسلامية تصبح الأمة الإسلامية قاطبة حزبا واحدا وجسدا واحدا ، ويجب على كل فرد في هذه الأمة أن يعطي ولاءه لهذه الدولة لأنها هي الكيان الوحيد للأمة ، وكل فرد أو جماعة لا يدين لهذه الدولة بالولاء فإنه يعتبر ببدهيات الدين خارجا على الد

ولة الإسلامية ، وشاقا لعصا الطاعة فيها . كما قال صلى الله عليه وسلم : " من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر عليه فإنه من فارق الجماعة شبرا فمات إلا مات ميتة جاهلية " .

(ب) وتعدد الأحزاب في الأمة الإسلامية والدلة الإسلامية تعني تعدد الولاءات فيها وهذا ممنوع شرعا ، فقد قال تعالى : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض .... " الآية .

قال الطبري : (بعضهم أنصار بعض ) فإذا كان كذلك فكيف تجتمع نصرتين ، نصرة الحزب ، ونصرة الدولة . وعندما يختلف الإثنان – الدولة والحزب ؟؟؟!!

(ج) ولا حزب إلا بقيادة ولا قيادة إلا ببيعة وطاعة . وفي الإسلام لا قيادة ولا بيعة إلا لقيادة واحدة وهذه القيادة هي الخلافة ولا طاعة إلا لجهة واحدة هي الدولة .

قال تعالى : " با أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ....." الآية .

وقال صلى الله عليه وسلم : " وإذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما " الحديث .

(د) وتعدد الأحزاب في الأمة يعني فتح باب التنازع والاختلاف في تلك الأمة وهذا مما نهى الإسلام عنه وحذر منه . قال تعالى : " واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمة الله إخوانا وكنتم على شفى حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون ، ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئكهم المفلحون ، ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم " .

وقال تعالى : " وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين "

ثانيا : مهمة الحاكم في الإسلام :

(أ) إن مهمة الحاكم في الدولة الإسلامية باختصار تنفيذ ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلى الله عليه وسلم - حيث أن جميع ما تحتاجه البشرية من أحكام موجود في كتاب الله وسنة رسوله مفصلة ومبينة . قال تعالى : " وكل شيء فصلناه تفصيلا " .

وقال سبحانه : " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " .

(ب) وكل ما جد على الأمة من جديد في أثناء حركتها على امتداد الزمن يرده المجتهدون إلى الأصول المقعدة في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، يربطونخ بها فروعا لتلك الأصول موحدين بين عللها وأحكامها.

(ج) وليس للحاكم أن يسن أو يقنن من عند نفسه في هذا الدين الحنيف إنه كامل من عند الله تعالى الذي أحاط بكل حركة وسكنة يمكن أن تحدث على هذه الأرض ماضيا أو حاضرا أو مستقبلا . قال تعالى : " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ... " .

ثالثا : مجلس الشورى :

(أ) مجلس الشورى في الأمة الإسلامية هو المجلس الذي يضم في عضويته عدول الأمة من أهل الحل والعقد أهل العلم والمعرفة ، كما عبر عنهم البخاري رحمه الله في صحيحه : (وكانت الأئمة بعد النبي صلى الله عليه وسلم يستشيرون الأمناء من أهل العلم ) . وكان القراء أصحاب مشورة عمر كهولا كانوا أو شبانا ) .

(ب) مجلس الشورى في الأمة هو الذي إذا أجمعت كلمته على أمر تعتبر معصومة . هذا المجلس الذي يعتبر قمة الأمة وصدرها ، لا يحق لكافر أن يدخله أو يجوس خلاله ، لأنه يعتبر من الأمة التي لا تجتمع على ضلالة ، ومجلس الشورى هو الذي يمثل هذا الاجتماع . قال عليه الصلاة والسلام :" إن أمتي لا تجتمع على ضلالة " .

(ج) إن مجلس الشورى من أركان الحكم ، كما يقرر ذلك الحزب نفسه وإذا كان كذلك فلا يصح أن يتقدم إلى عضويته كافر ، حتى لا يحكم كافر مسلما .

(د) أن مجلس الشورى تبحث فيه أهم قرارات الحكومة الإسلامية ، فكيف يصح أن تعطى أسرار هذا المجلس لكافر لأنه عضو فيه ، حاضر لكل جلساته ، ومستمع لكل مناقشاته ؟؟!! (هـ) كيف نسمح لمن قال الله تعالى فيهم : " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ..... " الآية . وقال تعالى : " إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا ..... " الآية .

أن يكونوا أعضاء في مجلس الشورى .

(و) إذا كانت العلة الشكوى أو محاولة إصلاح الحاكم ، كما علل ذلك دستور الحزب فهناك مجالات واسعة وكثيرة .

منها وسائل الإعلام ، ومنها الرسائل الخاصة ، ومنها تقديم طلب بالشكوى إلى الدولة مباشرة ومنها اللقاءات المباشرة ... إلى غير ذلك من المجالات . إذا وضح ذلك . فلا يصح أبدا أن نفتح مجلس الشورى وهو رأس امة الإسلامية للكافرين ليكونوا أعضاء فيه .

رابعا : من أبرز مهام الرجل والمرأة :

(أ) وضح الإسلام كل الوضوح مهمة الرجل والمرأة في هذه الحياة كل بحسب بنيته وقدراته . ومن أبرز مهام الرجل أنه صاحب القوامة . قال تعالى : " الرجال قوامون على النساء ....." الآية . فإذا جعلنا المرأة عضوا في مجلس الشورى كان الأمر معكوسا تماما .

(ب) ومن أبرز صفات الرجل التفرغ للعمل والانصراف إليه ، ومن الصعب انصراف المرأة إلى هذا ، ولو فعلت لتقوضت دعائم الأسرة في الأمة الإسلامية .

(ج) ومجلس الشورى من أبرز صفات أعضائه رجاحة العقل وعمق الفكرة والمرأة لا تعانقه في ذلك . أخرج البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من أحدكن " .... قلن " وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله ؟ قال : " أليس شهادة المرأة نصف شهادة الرجل ؟ قلنا : بلى . قال : " فذلك من نقصان عقلها ، أليس إذا حاضت لم تصلي ؟ " قلنا : بلى ، قال " ذلك من نقصان دينها .... " الحديث .

(د) ومجلس الشورى يعتبر قمة الحكم حيث هو الذي يقر أو لا يقر خطط الحكم ووسائل التنفيذ ، فكيف نجعل المرأة عضوا فيه وقد ذم ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي بكرة .... لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال : " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " .

(هـ) إن من أبرز صفات المرأة أنها ربة بيت وحاضنة الأجيال في ذلك البيت فلا يصح أبدا أن نخرجها من ذلك البيت إلى غيره لأن في خروجها فقط فسادا عظيما . فكيف إذا كان خروجا واختلاطا ؟

(5) تقويم حزب التحرير :

بعد بيان غاية الحزي ووسيلته ، وسرد بعض أفكار الحزب المعلنة ومحاولة تفنيد بعضها مما له علاقة بصلب موضوع الرسالة ، مثل الشورى ومهمة الحاكم في الإسلام ...

أشرع في تقويم الحزب بإيجاز :

أولا : تقويم الحزب من حيث الغاية والوسيلة :

1- يتفق الحزب مع جماعتي أنصار السنة المحمدية ، وجماعة التبليغ من حيث الوسائل في الاقتصار على بعض غايات الإسلام ، وتوجيهاته ، وترك البعض الآخر !!!

ويزيد الحزب على الجماعتين المذكورتين :

(أ) بالمحدودية في ذات الغاية .

(ب) ويقلب ترتيب وسائل الرسول صلى الله عليه وسلم للوصول إلى الحكم .

أما المحدودية فقد دخلت على غاية الحزب لأن تلك الغاية خاصة بالبلاد العربية والإسلام جاء إلى سكان الكرة الأرضية كلها .

أما قلب الحزب لترتيب وسائل الرسول صلى الله عليه وسلم للوصول إلى الحكم كون وسيلته المباشرة لغايته الجهاد أو تسلم الحكم عن طريق الأمة بنوعيتها سياسيا .

بينما ترتيب وسائل الرسول صلى الله عليه وسلم للوصول إلى الحكم كما فصلت ذلك في مكانه .

1- إخبار الناس بتعاليم الإسلام .

2- تكوين المستجيبين لدعوته على تعاليم الإسلام وتوجهاته .

3- المرحلة الأخيرة هي المواجهة المسلحة لمن لم يستجب لدعوتها ووقف في طريقها وعرقل سيرها .

فالأخيرة في وسائل الرسول صلى الله عليه وسلم (الجهاد ) للوصول إلى الحكم الإسلامي هي الأولى بل والوحيدة عند حزب التحرير !!! بل أعرض عليه الصلاة والسلام عن عرض قريش له بتسليم الحكم فيها عندما كان في المرحلتين الأوليين لأنه مرحلة سابقة لأوانها .

وإن تعجب فعجب لمجاهد في سبيل شيء لا يعلمه لوم يتكون عليه .

ثانيا : تقويم الحزب من حيث الفكر :

الاننحراف الفكري عند الحزب والذي سردت جانبا منه نتيجة لانحرافه عن منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته .

فبما أن الحزب ليس لديه (مرحلة تكوين) وهي المرحلة التي مكث فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يقارب الثلاثة عشر سنة في مكة ثم باقي عمره في المدينة المنورة عدم وجود هذه المرحلة في خطة الحزب نتج عنه تلك الأفكار الشاذة عن الإسلام بل عن السنن الكونية والطبائع البشرية .

(أ) فكون الحزب كتلة سياسية لا أخلاقية شذوذ عن صحيح تعاليم الإسلام .

(ب) وكون الحزب كتلة سياسية لا عبادية ولا عملية شذوذ عن صحيح تعاليم الإسلام بل خروج عن ملته .

(ج) وكون الحزب لا يعتقد إلا بما ثبت في عقول رجاله أمر فيه محق لأكثر لأحكام الإسلام .

(د) كون الحزب يبتعد عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يصفه بأعظم صفة أخذت على بني إسرائيل.

هذه الأمور وغيرها مما سردته في فقرة أفكار الحزب كانت نتيجة ، لعدم وجود مرحلة تكوين عند ذلك الحزب ، وهي أمور خطيرة يجب على قيادة الحزب تلافيها وتصحيحها ليتفق منهج الحزب مع الإسلام ، وليصبح بعد ذلك إسلاميا بحق والله تعالى الهادي .

الفصل الرابع جماعة التبليغ

1- نبذة عن تأسيسها ومؤسسها:

تأسست جماعة التبليغ فى القارة الهندية بمدرية سهار نفور بعد أن انكشف لمؤسسها طريقة التبليغ التى تتبعها فى دعوتها ، ومما ألقى فى روعه فى المنام من تفسير قوله تعالى :﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس﴾.

إن معنى أخرجت عنده أى تخرج للسياحة وتبليغ الناس الدعوة الإسلامية،فمن يومها كانت تلك الرؤيا المللقاة فى روع مؤسسها خطتها فى الدعوة إلى الله تعالى. وأما مؤسسها :

فهو محمد إلياس بن الشيخ محمد إسماعيل . الحنفى. الديوندى . الجشتى- الكاندهلوى . ولد رحمه الله تعالى عام1303 ه وتوفى عام 1364ه وكان من أسرة متوغلة فى الطريقة الجشتية الصوفية والطريقة المنتشرة فى القارة الهندية ، وكان والده على سعة فى المال والعلم، درس محمد إلياس الكتب الإبتدائية وحفظ القرآن فى قريته ، ثم رحل إلى المدرسة ديوند بعد أخذ البيعة من شيخ رشيد أحمد الكفكوفى .

2- بعض أفكار الجماعة ومبا دئها :

(أ) القول بوجوب التقليد وفريضته،لأن شروط الاجتهاد التى شرطها السلف مفقودة فى العلماء اليوم .

(ب) تعتقد الجماعة أن التصوف هو الطريق لإجاد التعلق بالله وحلاوة الإيمان ،وهو المقياس الذى تقيس به الجماعة مدى التزام العضو فيها ، وهو الفاروق بين الجماعة وجماعة أبى الأعلى المودودى من حيث المذهب والسلوك .

ومن لم يفهم هذا الفارق بين الجماعتين فهو مخادع وواقع فى الخداع .

(ج) لاترى الجماعة النهى عن المنكر بحال من الأ حوال ، معللين ذلك أن المرحلة عندهم هى إيجاد الجو الصالح فيمن استجاب بالدخول فى جماعتهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من المعرقلات لهذه المرحلة .

(د) لا يرون الخروج عن الأصول الستة التي حددها لهم محمد إلياس ويعتبرون الخروج عليها خروجا على خطة الجماعة .

(هـ) يمنعون أفاردهم من التوسع فى العلم و الاطلاع على الفلسفات السائدة فى المجتمع من حولهم .

(و) يفرقون بين الدين و السياسة ، فلا يحق لأحد من أفرادهم البحث فى السياسة ، أو الخوض فى أى أمر يتعلق بالحكم ، وعليه فإنهم غير مشتركين فى جبهة المعارضة الباكستنية .

(ز) لا يرون أن دعوة الفرد منهم فى نفس البلد التى هو منها بل على أهل المدينة الفلانية أن يدعو أهل المدينة الفلانية الأخرى و العكس . معللين ذلك بما يلى :

1- بأن الله تعالى يقول : ﴿ كنتم خير أمة أخرجت ﴾ أى إلى خارج بلادهم .

2- و لأن الإنسان فى بلاده معروف بقصوره غالبا فلا يستجاب له فإذا كان يدعو ناسا يجهلون عيوبه سيستجيبون له .

(ح) لهم مواقف معادية لأصحاب الدعوات الإسلامية الحقة مثل الشيخ محمد بن عبد الوهاب بنجد ، و الشيخ أبى الأعلى المودودى بباكستان و الأستاذ سيد قطب بمصر ، و إليك بعض النقول التى تؤيد ذلك ..... و أنا عندما أنقل هذه الأقوال لا أقصد بها عيبا فى الجماعة كجماعة لأن ذلك خلاف مقياسى فأنا لا أحكم على الجماعات من خلال تصرفات أفرادها ، حتى و لو كان هؤلاء الأفراد يمثلون قيادات فى تلك الجماعات كما سأذكر ، و لكنى أثبت هذه الأقوال كعيب فى نفس الأفراد و أن هذا العيب يجب ألأ يكون ، لنفس السبب الذى سنناقش بموجبه قول الدكتور الهلالى فى أهداف جماعة التبليغ ، و ذلك السبب هو أن الأمة الإسلامية تعانى من فرقة قاتلة ، فيجب على علماء المسلمين أن لا يزيدوا هذه الفرقة بتتبع العيوب و نشرها ، وأن عليهم أن يتناصحوا فيما بينهم ، وأن يعلنوا هذه العيوب ، حتى لا تتحول إلى تشهير ، وجهر بالسوء من القول ، والله تعالى لا يحب ذلك ، وإليك بعض هذه الأقوال وهي لكبار قادة الجماعة وعلمائها :

1- نقل محمد أسلم عن الشيخ حسين أحمد الحنفي أحد كبار جماعة التبليغ قوله : عن الشيخ محمد بن عبدالوهاب : (اعلموا أن محمد بن عبد الوهاب ظهر أمره في أوائل القرن الثالث عشر في نجد ، وكانت له عقائد فاسدة ونظريات باطلة ) .

وقال : ( وكان يستحيل نهب أموال أهل السنة وقتلهم ، وكان يظن أن في قتلهم ثوابا ، وعلى الأخص من ذلك أهل الحجاز ، فإنه آذاهم أشد الإيذاء ، وكان يسب السلف الصالح ويأتي في شأنهم بغاية سوء الأدب ) ، ( والحاصل أنه ظالم باغ سفاك فاسق ، ولذلك أبغضه العرب أشد من اليهود والنصارى) أ. هـ.

2- ونقل عن الشيخ محمد يوسف البنوري وهو أيضا من كبار قيادات الدماعة قوله : في الأستاذ أبي الأعلى المودودي : ( أنادي على رؤوس الأشهاد أن الرجل " أبا الأعلى المودودي " زائغ ضال مضل ، في كتبه ورسائله الطامات ) .

وعن سيد قطب يقول : ( إن الرجل جمع بين الشيعية والشيوعية في وقت واحد ) .

3- ونقل قولا عن الشيخ غلام الهزاروي : وهو من علماء الجماعة أيضا قوله : في الأستاذ سيد قطب : (إنه يكفي جمال عبد الناصر لدخوله الجنة أنه صلب السيد قطب الباغي الضال ) .

إن مثل هذه الأقوال ما كان ينبغي أن تقال في عامة المسلمين فكيف تقال في علماء المسلمين وصفوة الأمة!!! إن على أصحاب هذه الأقوال أن يعلنوا رجوعهم على رؤوس الأشهاد لإسقاط ما اتهموهم به من أذهان العامة وأن يستغفروا الأحياء منهم الله تعالى .

3- مبادئ جماعة التبليغ الرئيسية :

وأما عن مبادئ الجماعة الرئيسية فقد لخصها الأستاذ محمد أسلم في ستة بنود  :

1- الكلمة الطيبة لا إله إلا الله محمد رسول الله .

2- إقامة الصلوات .

3- العلم والذكر .

4- إكرام كل مسلم .

5- الإخلاص .

6- النفر في سبيل الله .

وتناول الدكتور تقي الدين الهلالي . هذه المبادئ بالتبيين والتفسير من وجهة نظره ، وذلك في كتابه (السراج المنير) .

مبينا أن (لا إله إلا الله ) لا تنفع إلا من قالها بلسانه وعرف معناها . واعتقد ذلك المعنى بقلبه وعملت جوارحه بكل ما تقتضيه هذه الكلمة .

واستشهد على ذلك بقصة أبي بكر رضي الله عنه عندما حارب وقاتل بني حنيفة قتال الكفار ، وهم يقولون هذه الكلمية ( لا إله إلا الله محمد رسول الله ) ويصومون ويصلون ، إلا أنهم امتنعوا عن أداء الزكاة فقط ، فاعتبر أبو بكر رض الله عنه هذا الفعل منهم خروجا عن مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله .

ثم عدد الهلالي كثيرا من مقتضيات هذه الكلمة مثل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . والموالاة في الله سبحانه والمعاداة فيه إلى آخر ما ذكر .... وخرج من هذا السرد في بيان معنى المبدأ الأول لجماعة التبيلغ أن عمل الجماعة مخالف لمقتضيات هذا المبدأ .

ثم دخل في شرح المبدأ الثاني وهو إقامة الصلاة ، معترضا على محمد أسلم بأنه أخطأ في التعبير عن هذه القاعدة (بإقامة الصلوات ) ، معللا اعتراضه بأن جماعة التبليغ تأمر بالصلاة لا بإقامتها ، حيث أن الصلاة المخالفة لصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تعتبر مقامة .

ووجه مخالفة صلاة جماعة التبليغ لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم عنده كونهم لا يقرأون فيها بفاتحة الكتاب ، ونقل عنهم أنه يمكن للمصلي أن يقرأ بدلا من فاتحة الكتاب كلمة (دوسيز) وهي ترجمة لقوله تعالى (مدهامتان) بالفارسية .

ثم رد الدكتور المبدأ الثالث لجماعة التبليغ وهو (العلم والذكر) بأنهما مبهمان حيث العلم علمان نافع وغير نافع ، وجعل علم جماعة التبليغ من العلم غير النافع ، ورد صورة الذكر عند جماعة التبليغ بقصة ابن مسعود مع القوم الذين جلسوا بمسجد الكوفة يذكرون الله بالحصى .

وبعد أن رد الدكتور المبادئ الثلاثة الأولى لجماعة التبليغ رد الثلاثة الأخيرة .

فجعل إكرام كل مسلم وهو المبدأ الرابع عند الجماعة ، بأنه خاص بمن وافقهم على بدعتهم على حد تعبيره.

وكذا رد المبدأ الخامس وهو الإخلاص بجعله خاصا بمن آمن ببدعتهم ولو يورد على دعواه تلك دليل من عمل الجماعة .

وأما المبدأ السادس للجماعة ، وهو النفور في سبيل الله تعالى للسياحة فقد جعله الهلالي من مبادئ (البراهمية والبوذية ) إن الدين الإسلامي قد أبدل هذه السياحة بالجهاد .

وهو تحامل واضح من الشيخ ، ما كان ينبغي له ذلك خاصة والأمة الإسلامية تعيش فرقة قاتلة ، باعدت بين شعوبها وأوطانها ، بل وبين أسرها وأفرادها ، والذي ينبغي سد الثغرات ولأم الشمل بأفضل الطرق لا بالتشهير ، وتضخيم العيوب وغمط الحقوق .

والجماعة على ما فيها من محدودية في أهدافها ووسائلها سنحددها في تقويمنا للجماعة – إلا أنها جماعة ناجحة في أسلوبها في تبليغ جانب من الدعوة الإسلامية .

وقد شهد بذلك محمد أسلم وهو يعتبر من أهل الجماعة لأنه من بلادهم وأهل مكة أدرى بشعابها وهو المصدر الوحيد للدكتور الهلالي لكتاباته عن الجماعة .

وخلاصة شهادته :أن الدعوة الإسلامية في أقطار العالم الإسلامي تقوم عليها جماعات عديدة من أنشطها جماعة التبليغ التي تواصل ليلها بنهارها في شئون الدعوة ، وقد بلغ أمرها إلى حد شهد به أكثر الناس في هذه المعمورة ، وأن رجالها قد لعبوا دورا هاما في تحقيق أهداف هذه الجماعة ، فهي حركة عظيمة قوية منتشرة في العالم كله ، وهي كما قال : (والسر في نجاح هذه الحركة هو إخلاص رجالها وتفانيهم في أمر الدعوة ومصابرتهم وجهادهم في التبليغ ) .

وواصل محمد أسلم شهادته لهذه الجماعة بقوله : ( إنه لابد من الإشارة إلى أمر هام لا ينكره أحد ، ألا وهو أن هذه الجماعة قد كان لها دور بارز في إصلاح الناس ، ، فكثير من الناس قد تابوا من فسقهم وفجورهم ، ورجعوا إلى الخير بجهود هذه الجماعة ، وهم الآن من دعاة هذه الجماعة يواصلون ليلهم بنهارهم لإنقاد البشرية من الضلالة والغواية ، ويرشدونهم إلى النور والهداية ، ويواصل القائد الباكستاني محمد أسلم تقريظه للجماعة بأنها الجماعة الوحيدة التي استطاعت تغطية بلاد العالم بالدعوة حتى البلاد الشيوعية وإسرائيل ، وهي الجماعة التي أعادت الحياة إلى المساجد التي أغلقت أبوابها من عصور بعيدة فأقامت فيها الصلاة ، وجعلت منها مكانا يذكر فيه اسم الله تعالى ويتلى فيه كتابه ، بعد أن هجرت تلك المساجد .

ورغبت أهل تلك البلاد في بناء المساجد ، وختم محمد أسلم قوله هذا ولا تكفي هذه العجالة لذكر حسنات هذه الجماعة فإن ذلك يحتاج إلى كتاب مستقل .

وأنقل شهادة إلى جانب شهادة محمد أسلم ، وهي لأحد رحالات الهند أيضا تأخذ الأولوية أيضا على شهادة الدكتور الهلالي عند علماء الجرح والتعديل ، لأنها من أحد رجالات البلدة التي تأسست فيها تلك الجماعة ومنها خرجت إلى العالم كله .

هذه الشهادة تثبت للجماعة قدم نجاحها وانتشارها في أرجاء المعمورة .

يقول الشيخ محمد يوسف في نطاق حديثه عن أحد قيادات الجماعة ( لقد بلغت الدعوة في عهده إلى الأقطار العربية وإلى أمريكا وأوربا واليابان وجزر المحيط الهندي ) .

وقد أوردت هاتين الشهادتين للجماعة لأبين أن الدكتور الهلالي :

1- لم يوف الجماعة حقها ، وتحامل عليها ، وذلك لأنه لم يعايش أفرادها ، بل اكتفى بما قرأه في رسالة محمد أسلم ولو لا يكفي .

2- وهو لم يزد الأمر بكتابة هذا إلا سيرا في الجانب السلبي ، والأمة الإسلامية كما قلنا تعيش فرقة قاتلة ، شتت جهودها ، ومحقت قوتها ، والذي ينبغي هو التعاون على تشخيص أهم مشاكل الأمة وحلها .

ولا مانع من إبداء النصيحة وإهداء العيوب ، ولكن من طريقها وبأسلوبها ، الذي علمنا إياه الإسلام ، من سرية وحكمة وموعظة حسنة ، لا بالتشهير وتضخيم الأخطاء والناس كلهم خطاءون . إن غمط الدكتور الجماعة حقها وتفسيره لمبادئها على النحو السابق وجعله تلك المبادئ أو هي من يبت العنكبوت – على حد تعبيره – أمر عظيم على الشيخ ليعيد النظر فيما كتبه ويتحرى الصواب ، ويسلك طريق الانصاف ، ليحتل كلامه المكان اللائق به ، ولو فعل لأسدى خيرا وأفاد .

4- أهم وسائل الجماعة إلى أهدافها  :

بعد أن لخصنا بمادئ الجماعة الستة مع ما قيل عن هذه المبادئ نوجز الكتابة عن أهم وسائل الجماعة في دعوتها إلى أهدافها الستة :

(أ) وسيلة الوعظ والإرشاد :

وهي أن يقوم من سبقت له العضوية في هذه الجماعة بإلقاء كلمات في مساجد معينة لهذه الجماعة .

وبعد أن تنتهي كلمته يطلب من الحضور أن يعطوا الجماعة بعضا من أوقاتهم . ويعينون هذه الأوقات بحسب ظروف المستجيبين لهم ، يبدأ التعيين برقم أعلى ستة شهور ، ثم ينزل إلى ثلاثة شهور ، ثم أربعين يوما ، فعشرين يوما ، فأسبوع ، فثلاثة أيام ، ثم يسجل اسم المستجيب وأمامه الفترة الزمنية التي حددها بحسب ظروفه .

(ب) وسيلة الرحلة أو السياحة :

وتبدأ هذه الوسيلة بحسب ما عندهم من أسماء مسجلة وتعطى الأولوية للأماكن التي لم ترتحل إليها الجماعة من قبل .

وهذه الأولوية تخضع للزمن المقدم من قبل المستجيبين للرحلة ، إن كان يتسع هذا الزمن لبعد المكان أو لا يتسع .

وبعد فرز الأسماء وتعيين الأمكنة المرتحل إليها ، يعين على كل مجموعة أمير ، وتسمى هذه المجموعة (قافلة التبليغ ) ثم يطلب كل أمير من أمراء هذه المجموعات من أفراده أن يأخذ معه ما يكفيه من الفرش والزاد لتلك الرحلة من حسابه الخاص ، مع التوجيه بعدم التكلف في هذا الجانب .

ثم تتوجه تلك القوافل إلى المكان المعين لها من قبل أمير المنطقة التي انطلقت منها ، وتقصد القافلة المسجد في ذلك المكان ، فإن لم يكن به مسجد تستأجر مكانا على حساب كافة أعضاء القافلة .

ثم يوزع الأمير على هذه القافلة الأعمال :

1- فمنهم من يتعين عليه الخطابة والوعظ .

2- ومنهم من يتعين عليه نظافة المسجد ، أو المكان الذي نزلت فيه القافلة .

3- ومنهم من يتعين عليه الجولة على أهل هذا المكان في بيوتهم وحوانيتهم يطلبون منهم الحضور لسماع الوعظ والارشاد .

فإذا جاء موعد الخطابة جلس كافة أعضاء الرحلة في الدرس يستمعون ويدعون للخطيب الواعظ بالتوفيق والإخلاص .... إلخ ..... دعواتهم المعينة لهم .

فإذا انتهت فترة الوعظ ، تكرر ما كان في الوسيلة الأولى من طلب المساهمة من الحضور ببعض أوقاتهم للدعوة وهكذا دواليك .

وتناول هذه الجماعة من حيث الوسائل الدكتور صادق أمين في كتابه الدعوة الإسلامية فريضة شرعية وضرورة بشرية ، وبين أن وسائل الجماعة :

1- مقتصرة على الوعظ والإرشاد ، والترغيب والترهيب ، وإثارة العواطف والتأثير الوقتي ، وقدر من هذه الوسائل إذا بقيت هي أسلوب جماعة التبليغ مستقبلا فإنها لا يمكن أن تكسب المعركة مع الجاهلية ، بل ولا حتى الوقوف في وجه تلك الجاهلية العاتية ، معللا تقديره ذلك بأن الجماعة ليس لديها الاتصال المنظم و المستمر مع الأفراد الذين يسمعون من دعاتها ، و يتأثرون بهم . و يقرر الدكتور صادق أن هؤلاء الأفراد يحتاجون إلى رعاية كافية حتى ينموا و يترعرعوا .

2- و لأن الجماعة نشأت فى الهند أغلب سكانها غير مسلمين فهذه البيئة أبعدت الجماعة عن اتخاذ الأساليب و الوسائل التى هى أكثر شمولا .

و لأن عملهم يكاد يقتصر على المسجد و هذا الاقتصار لا يكفى لإقامة أحكام الإسلام فى حياة الناس .

5- مواردهم المالية :

تعتمد الجماعة فى حركتها من الناحية المالية على نفس الأفراد الذين يستجيبون للدعوة ، فكل واحد من المستجيبين يتولى الصرف على نفسه دهابا و عودة إلى المكان الذى تعينه الجماعة له ، و كذا مصاريف مطعمه ومشربه .

هذا من جانب و من جانب آخر .

هناك بعض الأغنياء من أفراد الجماعة ، هؤلاء يقومون ببعض التموينات للحفلات الكبيرة فى الهند وغيرها ، حيث للجماعة حفلات فى كل عام تقام فى الهند وباكستان ، يحضرها المتوغلون فى عضوية الجماعة ، و خاصة من أنحاء العالم ، هذه الحفلات يتولى الإنفاق عليها أولئك التجار من أعضاء الجماعة ، و لكن بصفة خاصة و فى حينها ، حيث لا يوجد فى الجماعة باب تلقى تبرعات و هذه تذكر لهم ، و كذا يقوم هؤلاء التجار بتموين بعض المرحلتين إلى أماكن بعيدة ، تكون كلفة نفاقتها كثيرة ،و أيضا بصفة خاصة أى بموجب اتفاق بين تاجر و مرتحل بدون و ساطة الجماعة .

و على ذلك فلا يوجد عندهم جهاز لإدارة أموال الجماعة و ضبطها .

6- بعد أن أوجزنا الكتابة عن أهم ما ينبغى كتابته عن جماعة التبليغ ، نصل إلى تقويم الجماعة من وجهة نظرنا ، و هو يخضع لما قدمناه ، أن مقياسنا فى ذلك هو الإسلام . حيث أن دعوة الجماعة الإسلامية و الذى سنقيسه ونحاول تقويمه فيها هو :

أ) أهداف الجماعة .

ب) مبادئ الجماعة .

ج) وسائل الجماعة إلى تحقيق تلك الأهداف .

أما عن الأهداف فقد حددتها الجماعة بستة أهداف كما تقدم و هى ثابتة عليها لم تتزحزح عنها منذ تأسيسها حتى يومنا هذا ، مقيدة بها أفرادها ، و ملزمة إياهم بالسير عليها بحيث لا يفهمون غيرها بل ويحاربون سواها . و لا أدرى أين و جدت قيادات الجماعة ذلك التذلك التحديد فى الإسلام ؟؟ صحيح لكل واحد من هذه الأهداف الستة أدلة تحث عليه فى ذاته .

إنما تحديد الدعوة فى إطار هذه المبادئ الستة فقط و جعلها كل الدين أمر يصطدم ببدهيات الدين ، الذى أنزل ليحكم فى كل حركة من حركات هذه البشرية فى كل زمان ومكان .

قال تعالى : ﴿ و نزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شئ ...... ﴾ . وقال تعالى : ﴿ و كل شئ فصلناه تفصيلا ......﴾ .

فهل تلك الأهداف المحددة من قبل الجماعة هى كل شئ ؟؟ و هل هى المفصلة تفصيلا فى الكتاب والسنة ؟؟!!

إن الجواب البديهى أن هذه الستة جزء من نيف وستين شعبة فى هذا الدين الحنيف ، و تحت كل شعبة مئات من الأحكام التى يهدف إليها الدين حتى تسير البشرية على مقتضى أحكامه وتعاليمه . أما بالنسبة للمبادئ و الأفكار التى تبنتها الجماعة فهى تتعارض مع تعاليم الدين تعارضا صريحا .

أ) فإيجاب الجماعة على أفرادها التقليد . أمر يتعارض مع الاتباع .

ب) و تحريم الاجتهاد عليهم أمر يتعارض مع أحكام الشمول فى الدين لكل مشاكل البشرية المستقبلية ضمن خطوطه العريضة .

ج) جعل النهى عن المنكر من الممنوعات فى خطة الجماعة أمر يتعارض مع مجموع أوامر الكتاب والسنة و نواهيها .

د) تثبيط الأعضاء فى الجمتعة عن مواصلة طلب العلم و التوسع فيه يتعارض أيضا مع بدهيات الدين ، فطلب العلم فريضة على كل مسلم و مسلمة و طلب التوسع فيه واجب و لو كان آخره فى الصين .

ه) تحريم العمل السياسى فى خطة الجماعة أمر يتعارض مع أحكام الدين وفرائضه فالعمل لإقامة الخلافة مثلا من فرائض الدين و هى قضية سياسية . فكيف تحرم ذلك الجماعة ؟ إلخ .... مع ما عندهم من مبادئ و أفكار تتعارض صراحة مع تعاليم الدين الإسلامى .

أما بالنسبة لقصور وسيلة الجماعة على الوعظ و الإرشاد فقد فصلنا القول فيه فى تقويمنا لجماعة أنصار السنة المحمدية و لا حاجة لإعادة ذلك هنا .

و الخلاصة :

أن الغايات و الأهداف و المبادئ و الوسائل إلى الغايات كل ذلك قد تحدد من قبل الشارع الحكيم ، و فصل تفصيلا فى كتاب الله تعالى و سنة رسوله صلى الله عليه وسلم .و أى فرد أو جماعة يحاول النقص أو الزيادة فى الغايات او المبادئ أو الوسائل فأمره مردود عليه و باطل فعله .

لأن اين قد تم و كملت أحكامه . فقد قال تعالى : ﴿ اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتى و رضيت لكم الإسلام دينا ﴾ ... الآية .

و قال صلى الله عليه وسلم : " من أحدث فى أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد . الحديث .

و نحن مطالبون بكل تلك الإحكام قولا و فعلا .

و لكن الذى يحق لأى فرد أو جماعة فى الأمة الإسلامية هو الإتيان بما يستطيعه من تلك الغايات و بما حدد له الشارع من وسائل إلى تلك الغايات و بالقدر الذى تحدده إمكانيات ذلك الفرد أو تلك الجماعة ، و بحسب المرحلة التى يعيشها ذلك الفرد أو تلك الجماعة ، و لا يحق لأى منهما أن يقول غايتى كذا دون غيرها من غايات الدين ، أو و سيلتى كذا دون غيرها من وسائل الدين إلى تلك الغايات .

و لنأخذ على ذلك مثالا يوضح ما قلنا :ان لكل فرد فى هذه الأمة إن كانت إمكانياته الصحية لا تمكنه من الإتيان بفرض الصلاة و هى غاية له ، إلا عن طريق الجلوس ، و هى وسيلة إلى تلك الغاية التى هى الصلاة فله ذلك ، فواضح من المثال أن الغاية حددت من قبل الشارع و أن الوسيلة حددت أيضا من قبل الشارع و الذى جعل ذلك الفرد يسلك تلك الوسيلة إلى تلك الغاية هى إمكانياته الصحية ، و أما من ناحية اكتفائه بالصلاة دون غيرها ، فلا يحق له بحال من الأحوال كما أن الخلفية الأول أبو بكر الصديق لم يقبل من قبائل العرب الشهادة و الصلاة دون زكاة .

فمن المثال يتضح أن الفرد أو الجماعة يطالبها الشرع بما يستطيعانه و تيسره لهما إمكانياتهما من غايات هذا الدين ، و بالوسائل المحددة إلى تلك الغايات من قبل الشارع و لا يصح لهما أبدا أن يزيدا أو ينقصا فيما هو من اختصاص الشارع بحال من الأحوال .

و جماعة التبليغ التى نحن بصدد تقويمها ، من الجماعات التى أخذت بعضها من الغايات التى حددها الشارع للجماعات الداعية إلى الإسلام ، و رسمت لنفسها وسائل إلى ذلك البعض من الغايات تنسجم مع الميل الإنسانى إلى الأقل تكلفة وصعوبة .

و هذه الجماعات بتحديدها لغايات تعالج جانبا من جوانب الدين الإسلامى كإحياء جانب العبادات العينية فى الدين دون جانب السياسة ، أو الجهاد ، أو الاقتصاد ...... كما تفعل جماعة التبليغ .

أو إحياء الجانب السياسى فى هذا الدين ، و الإحجام عن غيره كما يفعل حزب التحرير !!!أو الإهتمام بالجانب الثقافى ، أو مظاهر الدين الفرعية دون أصوله كما هو واضح من منهج السلفين متمثلا فى جماعة أنصار السنة .

و بتحديدها وسائل إلى تلك الغايات دون غيرها من وسائل الدين الإسلامى تخرج نفسها من نطاق الجماعة المرشحة لحمل دعوة الإسلام إلى المسلمين من جديد ثم إلى العالمين أجمعين .

إن الجماعات التى جعلت لنفسها غايات ووسائل إليها جزئية من الدين الإسلامى تأخذ تبعيض أحكام الدين الإسلامى و هو المبدأ المحرم فى الدين الإسلامى .

إن منهج تلك الجماعات المبعضة لتعاليم الدين مرفوض ، و عليها أن تصلح ذلك المنهج بحسب شمول الدين و اتساع تعاليمه .

رفض الله تعالى ذلك النهج بقوله : ﴿ أفتؤمنون ببعض الكتاب و تكفرون ببعض ، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزى فى الحياة الدنيا و يوم القيامة يردون إلى أشد العذاب و ما الله بغافل عما تعملون أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة ، فلا يخفف عنهم العذاب و لا هم ينصرون ﴾ .

و بقوله تعالى : ﴿ و لولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ، إذن لأذقناك ضعف الحياة و ضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا ﴾ .

و بقوله تعالى : ﴿ و أن احكم بي بما أنزل الله و لا تتبع أهوائهم ، و احذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ﴾ .

و أمر سبحانه وتعالى المؤمنين بأخذ الدين كله دون تبعيضه قال تعالى : ﴿ يا أيها الذين آمنوا ادخلوا فى السلم كافة ﴾ .

و لقد رفض ذلك التبعيض رسول الله صلى الله عليه وسلم و هو فى أشد الحاجة إلى العون و النصرة .

رفض صلى الله عليه وسلم ذلك التبعيض و هو يعانى أشد لحظات السخرية و الاستهزء ، ببعض مكة و شوارعها .

و رفضه فى لحظات كان فيها مهددا بالقتل و التشريد من قريش و حلفائها .

رفضه بقولته العظيمة لقبيلة بني شيبان بن ثعلبة عندما كان يعرض نفسه على القبائل في مكة ، عندما حاولت تلك القبيلة أخذ الذي لا تكرهه الملوك من هذا الدين ، فأجابها بقوله من حدبث طويل : " ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق ، إنه لا يقوم بهذا الدين إلا من أحاطه من جميع جوانبه " .

إن أي تبعيض لهذا الدين مرفوض ولو في أشد حالات الدعوة الإسلامية محنة وابتلاء .

إن هذه الدعوة الإسلامية لا يمكن أن يقوم بها إلا من أحاطها من جميع جوانبها .

إن قولة الرسول صلى الله عليه وسلم لبني شيبان يجب أن تكون من مقاييس الدعاة وهم يختارون الجماعة التي سيعملون تحت لوائها .

إن الجماعات التي تقوم على تبعيض الإسلام يجب أن ترفض عند اختيار الجماعة التي سينخرط الداعية في صفها ، كما رفضها رسول الله صلى الله عليه وسلم في أشد حالات الشقاء والعسرة من قومه ، لقد رفض التبعيض وهو في أشد الحاجة إلى من ينصره ويحميه ، رفضه في وقت اعتدى عليه قومه ومنعوه تبليغ رسالة ربه .

والجماعة المرشحة في نظري لحمل الدعوة الإسلامية إلى البشرية ، غير تلك الجماعات المجزئة لدين الله وبحسب ما يحب ويكره الحكام .

إنها الجماعة التي تحمل الدين كله متحديا به كل الصعاب والمتاعب .

إن الجماعة المرشحة لذلك ، والتي يجب على كل مسلم أن يعطيها ولاءه ونصرته ، هي الجماعة ذات الغايات الشاملة لكل غايات الدين الإسلامي ، والمتخذة كل الوسائل التي حددها الشارع إلى تلك الغايات ، ضمن خطة مرحلية مدروسة وبحسب ما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوته عندما قرر أن يعيد هذه البشرية إلى ربها .  

الفصل الخامس جماعة الإخوان المسلمين

1- نبذة عن تأسيس الجماعة :

في ذي القعدة من عام 1347 هـ وفي مدينة الإسماعيلية تأسست جماعة الإخوان المسلمين ، بعد اجتماع في منزل مؤسس الجماعة ومرشدها الأول الإمام حسن البنا رحمة الله تعالى عليه – ضم هذا الاجتماع ستة من الذين سمعوا خطب الشيخ وتأثروا به ، وفي هذا الاجتماع تبايع السبعة على أن يحيوا إخوانا عاملين للإسلام ومجاهدين في سبيله .

2- نبذة عن حياة مؤسس الجماعة :

ومؤسس جماعة الإخوان المسلمين هو : الشيخ حسن بن أحمد بن عبد الرحمن البنا .

ولد عام 1906 م في المحمودية بمصر في بيئة إسلامية حيث كان على رأس أسرته والده وهو أحد العلماء المشهورين في عصره .

درس حسن البنا دراسته الابتدائية في قريته ، وفيها حفظ أكثر القرآن الكريم ثم انتقل إلى مدرسة المعلمين بدمنهور ، ثم تخرج من دار العلوم بالقاهرة معلما عام 1927م .

وبعد عمر حافل بالعمل للإسلام ، والدعوة إليه لقى الإمام حسن البنا ربه شهيدا في 12 فبراير سنة 1949م .

وقد كتب عن هذه الشخصية الفذة ، وعن جماعته الكثير من العلماء ممن عاصرها وعرف عنها وعن أحوالها ، ولم يبق لي مزيد سوى الاقتباس القليل بما يناسب المقام من هذه المؤلفات الكثيرة والضخمة . قال الدكتور الحسيني في مجال تفريقه بين شخصية حسن البنا وغيره ممن سبقه من الدعاة إلى الإسلام : (لقد سبق في العصر الحديث زعماء دينيون كجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ولكن البنا كان من طراز آخر يختلف عنهم من جملة وجوه ولعل أبرز هذه الوجوه أن أولئك ذهبوا ولم يخلفاو وراءهم دعوة واضحة المعالم بينة المنهج يعتنقها أتباع مخلصون وربما أصدق نعت يصح أن يطلق عليه أنه كان داعية وكان من سبقه رجال دين ) .

ونقل الشيخ سعيد حوي عن إمام حماة الشام وعالمها الجليل الشيخ محمد الحامد قوله :

(إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين في مجموع الصفات التي تحلى بها ، وخفقت أعلامها على راسه الشريف – لا أنكر إرشاد المرشدين وعلم العارفين وبلاغة الخطباء والكاتبين ، وقيادة القائدين ، وتدبير المدبرين ، وحنكة السائلين – لا أنكر هذا كله عليهم سابقين ولاحقين ولكن هذا التجمع لهذه المتفرقات من الكمالات قلما ظفر بها أحد كالإمام الشهيد رحمه الله . والذي أقوله فيه قولا جامعا هو أنه كان لله بكلية روحه وجسده بقلبه وقالبه ، بتصرفاته كلها كان لله فكان الله له . واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار) .

وكتب الشيخ أبو الحسن الندوى في شأن حسن البنا مختصرا :

(إن كل من عرف ذلك الرجل عن كثب لا عن كتب ، وعاش متصلا به عرف فضل هذه الشخصية التي قفزت إلى الوجود ، وفاجأت مصر ، ثم العالم الإسلامي كله ، بدعوتها ، وتربيتها ، وجهادها ، وقوتها الفذة . وواصل الشيخ الندوى شهادته : إنها الشخصية التي جمع الله فيها : العقل الهائل المنير ، والفهم المشرق الواسع ، والعاطفة القوية الجياشة ، والقلب المبارك الفياض ، والروح المشبوبة النظرة ، واللسان الذرب البليغ ، والزهد والقناعة دون عنت في الحياة الفردية ، والحرص وبعد الهمة دونما كلل ، في سبيل نشر الدعوة والمبدأ ، والتواضع في كل ما يخص النفس ، تواضعا يكاد يجمع عليه شهادة عارفيه .

وواصل الندوي تقريظه : لقد تعاونت هذه الصفات والمواهب في تكوين قيادة دينية واجتماعية لم يعرف العالم العربي وما وراءه قيادة دينية سياسية أقوى وأعمق تأثيرا ، وأكثر إنتاجا منها منذ قرون .

وختم الندوي تقريظه ذلك بقوله :

وقد تجلت عبقرية الداعي مع كثرة جوانب هذه العبقرية ومجالاتها ، في ناحيتين خاصتين لا يشاركه فيهما إلا القليل النادر من الدعاة المربين ، والزعماء والمصلحين أولهما : شغفه بدعوته ، وإيمانه وإقتناعه بها ، وتفانيه فيها ، وانقطاعه إليها بجميع مواهبه ، وطاقاته ووسائله .

وعلق الندوى على هذه الناحية بقوله :وذلك هو الشرط الأساسي والسمة الرئيسية للدعاة والقادة الذين يجري الله على أيديهم الخير الكثير .

ثانيهما : تأثيره العميق في نفوس أصحابه ، وتلاميذه ، ونجاحه المدهش في التربية والإنتاج ، فقد كان منشئ جيل ، ومربي شعب ، وصاحب مدرسة علمية ، وفكرية وخلقية . وعن الجماعة قال الشيخ الندوى :

(لقد نجح في تكوين حركة إسلامية يندر أن تجد في دنيا العرب خاصة ، حركة أوسع نطاقا ، وأعظم نشاطا ، وأكبر نفوذا ، وأعظم تغلغلا في أحشاء المجتمع وأكثر استحواذا على النفوس منها الدعوة التي أعادت إلى الجيل الجديد في العالم العربي الثقة بصلاحية الإسلام ، وخلود رسالته ، وأنشأت في النفوس والقلوب إيمانا جديدا ، وقاومت مركب النقص في نفوسهم والهزيمة الداخلية التي لا هزيمة أشنع وأكبر خطرا منها ).

ثم نقل الندوي ما قاله فيها شاعر الإسلام الدكتور محمد إقبال :(لقد خلقت في جسم الحمام الرخو الرقيق قلب الصقور والأسود ) .

حتى استطاع هذا الجيل أن يصنع عجائب من الشجاعة والبسالة والاستقامة والثبات .

ودلل الندوى على شجاعته وثبات ذلك الجيل بالإشارة إلى المحن التي مرت بها جماعة الإخوان المسلمين قديما وحديثا وهي المحن التي حاول فيها الطغاة طمس آثار هذه الحركة ، وسحق رجالها ، وأبى الله تعالى إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ، فهلك أولئك الطغاة وانهارت تنظيماتهم وبقيت جماعة الإخوان كأقوى ما تكون .

قال الندوى : ( إن محاولة القضاء على أثر هذه الحركة ، وطمس معالمها ، وتعذيب جنودها ، وتشريد رجالها ، جريمة لا يغتفرها التاريخ الإسلامي ، ومأساة لا ينساها العالم الإسلامي ، وإساءة إلى العالم العربي لا تعدلها إساءة ، ولا تكفر عنها أي خدمة للبلاد ، وأي اعتبار من اعتبارات السياسة .

إنها جريمة لا يوجد لها نظير إلا في تاريخ التتار الوحوش ، وفي تاريخ الاضطهاد الديني ومحاكم التفتيش ، في العالم المسيحي القديم ) .

وعلى الرغم من ذلك كله فقد صبر الإخوان ، وثبتوا على دينهم ومبادئهم وخرجوا من هذه المحنة منتصرين .

وعن الإمام البنا كتب الأستاذ سيد قطب رحمه الله كلاما طويلا منه نقتبس قوله : ( في بعض الأحيان تبدو المصادفة العابرة كأنها قدر مقدور ، وحكمة مدبرة في كتاب مسطور ، حسن البنا .

إنها مجرد مصادفة أن يكون هذا لقبه ، ولكن من يقول إنها مصادفة والحقيقة الكبرى لهذا الرجل هي البناء ، وإحسان البناء بل عبقرية البناء ؟ .....) .

ويواصل الأستاذ سيد عن حسن البنا : ( ويمضي حسن البنا إلى جوار ربه ، ويمضي وقد استكمل البناء أسسه ، يمضي فيكون استشهاده على النحو الذي أريد له عملية جديدة من عمليات البناء ... ، وما كان ألف خطبة ولا ألف رسالة للفقيد الشهيد لتلهب الدعوة في نفوس الإخوان كما ألهبتها قطرات الدم الزكي المهراق .

وعن الجماعة كتب الأستاذ سيد قطب : وحينما سلط الطغاة الأقزام الحديد والنار على الإخوان كان الوقت قد فات ، وكان البناء الذي أسسه حسن البنا قد استطال على الهدم ، وتعمق على الاجتثاث ، كان قد استحال فكرة ، لا يهدمها الحديد والنار ...... ، واستعلت عبقرية البناء على الطغاة الأقزام ، فذهب الطغيان وبقى الاخوان ، وختم الأستاذ سيد كتابته عن الجماعة :

بأن مثلها بالشجرة الضخمة ، ومرة بعد مرة يحاول أعداء هذه الجماعة اقتلاعها فيمسكون بفرع من فروعها يحسبونه سيؤدي إلى اقتلاعها ، فإذا جذبوا ذلك الفرع إليهم خرج في أيديهم جافا يابسا ، كالحطبة الناشفة ، لا ماء فيها ولا ورق ، ولا ثمار .

وإذا بالشجرة العميقة الجذور ، لا تتأثر بما جذب منها ، وتسمو فروعها نحو السماء .

ونلخص ما كتبه الشيخ سعيد حوي من كلام الأستاذ عبد الحكيم عابدين أمين سر جماعة الإخوان المسلمين في عهد الإمام حسن البنا ، حيث استنبط عشر دعائم أقام عليها الإمام حسن البنا جماعة الإخوان المسلمين:

1- دوام استهداف الوحدة بين صفوف المسلمين وربط قلوبهم .

2- كل من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم – يلتقي مع الإخوان في ظل التوحيد ، وتجمعه وإياهم كلمة الإسلام ، وتعصم دمه وماله وعرضه الأخوة في الله .

3- اتهام النفس وإحسان الظن بالمخالف ، ليكون الفرد منهم منصرفا إلى اتهام نفسه بالخطأ ، ذاكرا في ذلك أدب الإمام الشافعي رضي الله عنه إذ يقول : ما جادلت أحداً إلا تمنيت أن يظهر الله الحق على لسانه .

4- أدب الأفكار والاختصام بألين الوسائل ، وأفضلها مستأنسين بقصة الحسن والحسين في نقد الشيخ الذي لم يحسن الوضوء .

5- تذميم الجدال والمكابرة .

6- إحياء فقه تعدد الصواب بين جانبي الخلاف في المسألة الواحدة حيث أدت إلى تدارس الأمور وتفهمها ، والابتعاد عن التدابر والتزاحم .

7- التعاون في المتفق عليه بين المسلمين ، وتبادل العذر في المختلف فيه .

8- استحضار خطر العدو المشترك لكل المسلمين ومحاولة جمعهم في صعيد واحد لمواجهته .

9- الرثاء للضال لا الشماتة والتشهير به .

10- فتح إقامة العمل والانتاج لكل فرد من الجماعة وإستغلال طاقته .

ثم نقل الأستاذ سعيد حوي كلام المجاهد عبد الكريم الخطابي رحمه الله في الإمام حسن البنا : ( ترى أين يكون الأولياء إن لم يكن منهم بل في غرتهم حسن البنا الذي لم يكن في المسلمين مثله ..... ) .

من خلال هذه الشهادات للإمام حسن البنا وجماعته ، من هؤلاء الرجال الأفاضل وغيرهم من الذين كتبوا عن هذه الجماعة وإمامها نلمس أن الجماعة مثلت دورا تاريخيا في حياة الأمة الإسلامية في العصر الحديث .

ومن خلال دراستنا لمبادئها وأفكارها والتي سنلخص بعضها في المباحث الآتية يتقرر أنها أقرب الجماعات المرشحة لتخليص الأمة الإسلامية مما تعانيه من فساد وضياع وأنها الجماعة التي سيكون على يدها عودة مجد الأمة الإسلامية وكرامتها بإذن الله تعالى .   3- الهيكل التنظيمي والإداري لجماعة الإخوان وبيانه :

أولا : الهيكل التنظيمي والإداري للإخوان المسلمين  :

الهيئة الفنية للجان الوحدات المنفذة والأقسام الرئيسية الهيئة الإدارية
الوحدات المنفذة الأقسام الرئيسي
المالية مكاتب إدارية قسم نشر الدعوة موظفو السكرتارية للمرشد العام
السياسية مناطق قسم العمال والفلاحين السكرتارية العامة
القضائية شعب قسم الجوالة مراقب المركز العام ومعاونه
الإحصائية أسر قسم الأسر موظفو الخزانة
الخدمات قسم الطلبة قسم المبيعات والمكتبة
الإفتاء قسم التربية البدنية سعاة وفراشون
الصحافة والترجمة قسم المهن وفروعها الأطباء
المهندسين
قسم الأخوات المسلمات القانونيين
المعلمين
التجار
الزراعيين
الاجتماعيين
الصحفيين
الموظفين

ثانيا : بيان الهيكل الإداري لإخوان المسلمين :

1- الهيئة التأسيسية  :

وهي الهيئة التي تنبع منها السلطة الأولى في الإخوان ، وهي تقوم مقام الجمعية العمومية في سائر المنظمات ، والهيئة التأسيسية هي مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين.

وتتكون الهيئة التأسيسية من الإخوان المسلمين الذين سبقوا بالعمل للدعوة ، ومهمتها " الإشراف العام على سير الدعوة ، واختيار أعضاء مكتب الإرشاد وانتخاب مراجع الحسابات إلى غير ذلك من أعمالها " .

واجتماعات الهيئة الدورية أول شهر المحرم من كل عام هجري لسماع ومناقشة تقرير مكتب الإرشاد عن نشاط الدعوة في العام الجديد ، واختيار الأعضاء الجدد إذا حل موعد اختيارهم ، ومناقشة تقرير المراجع عن الحساب الختامي للسنة الماضية ، والميزانية المقترحة للسنة الآتية ، وللنظر في غير ذلك من الأعمال والمقترحات التي تعرض عليها ، وتجتمع في غير هذا الموعد اجتماعا فوق العادة بدعوة من المرشد العام ، إذا حدث ما يدعو إلى ذلك ، أو بقرار من الذي يرأس الاجتماع ، ويكون الاجتماع صحيحا إذا حضرته الأغلبية المطلقة ( النصف زائدا واحدا) .

ويشترط في أعضائها ما يلي :

(أ) أن يكون من الأعضاء المثبتين .

(ب) ألا تقل سنه عن خمس وعشرين سنة هلالية .

(ج) أن يكون قد مضى على اتصاله بالدعوة خمس سنوات على الأقل .

(د) أن يكون متصفا بالصفات الخلقية والثقافية والعملية التي تؤهله لذلك ، ويجب ألا يزيد عدد من يمنحون هذه العضوية على عشرة إخوان في كل عام ، على أن يراعى في اختيار هؤلاء تمثيل المناطق بقدر الإمكان.

2- المرشد العام  :

يتم انتخاب المرشد العام عن طريق الهيئة التأسيسية ، بحضور ما لا يقل عن أربعة أخماس أعضائها ، وبموافقة ثلاثة أرباع الحاضرين منهم ، فإذا لم يكتمل النصاب القانوني أجلت الجلسة لفترة لا تقل عن أسبوعين ولا تزيد عن أربعة أسابيع من تاريخ انعقادها الأول فإذا لم يكتمل النصاب مرة أخرى أجلت الجلسة بنفس الشروط ، على أن يتم الإعلان عن الإجتماع المزمع عقده وعن أهدافه ، ويتم الانتخاب في هذه الجلسة بنسبة ثلاثة أرباع الحاضرين أيا كان عددهم .

ويجب أن يتوافر في المرشد العام ما يلي :

(أ) ألا تقل مدة عضويته في الهيئة التأسيسية عن خمس سنوات قمرية .

(ب) أن يكون عالما متصفا بالأخلاق والدراية بالشئون العملية ، وبعد الانتخاب يقسم المرشد الجديد اليمين التالي : " أقسم بالله العظيم ، أن أكون حارسا أمينا لمبادئ الإخوان المسلمين ، ونظامهم الأساسي ، وألا أجعل مهمتي سبيلا إلى منفعة شخصية ، وأن أتحرى في عملي وإرشادي مصلحة الجماعة ، وفق الكتاب والسنة ، وأن أتقبل كل اقتراح أو رأي أو نصيحة ، من أي شخص بقبول حسن ، وأن أعمل على تنفيذه متى كان حقا ، وأشهد الله على ذلك ".

ثم تبايع الهيئة التأسيسية المرشد الجديد ، وكذلك يبايعه أعضاء الجماعة سواء بتقديم البيعة إلى رؤسائهم ، أو عند أول لقاء لهم بالمرشد ونص بيعة الولاء هو كالآتي :

" أعاهد الله العلي العظيم ، على التمسك بدعوة الإخوان المسلمين ، والجهاد في سبيلها ، والقيام بشرائط عضويتها ، والثقة التامة بقيادتها والسمع والطاعة في المنشط والمكره وأقسم بالله العظيم على ذلك وأبايع عليه والله على ما أقول وكيل " .

ويظل المرشد في منصبه مدى الحياة . وفي حالة وفاته أو عجزه يقوم بعمله وكيله ، إلى أن تجتمع الهيئة التأسيسية في خلال شهر من تاريخ خلو المنصب لانتخاب المرشد الجديد .

3- مكتب الإرشاد  :

ومكتب الإرشاد العام الذي تنتخبه الهيئة التأسيسية يتكون من اثني عشر عضوا ، ينتخبون من بين أعضاء الهيئة ، عدا المرشد العام ويلاحظ في انتخابهم أن يكون تسعة منهم من إخوان القاهرة ، والثلاثة الباقون من بين إخوان الأقاليم .

ويشترط فيمن يرشح لعضوية المكتب أن تتوفر فيه الشروط الآتية :

(أ) أن يكون من بين أعضاء الهيئة التأسيسية ، وأن يكون قد مضى على عضويته فيها مدة لا تقل عن ثلاث سنوات .

(ب) أن يكون مؤهلا من النواحي الخلقية والعلمية والعملية لهذه العضوية .

(ج) ألا تقل سنه عن ثلاثين سنة هجرية .

ويتم الانتخاب بالاقتراع السري ، وبعد إعلان النتيجة يقسم العضو على أن يكون حارسا لمبادئ الإخوان ، واثقا بقيادتهم ، منفذا لقرارات المكتب القانونية ، وإن خالفت رأيه ويبايع على ذلك .

ثم تنتخب الهيئة التأسيسية أيضا من بين الإخوان التسعة القاهريين وكيلا ، وسكرتيرا عاما ، وأمينا للصندوق ، ومدة عضوية المكتب سنتان ، ويتجدد الانتخاب في نهاية المدة ، ويجوز اختيار العضو لأكثر من مدة، وإذا خلا مكان أحد الأعضاء قبل مضي المدة حل محله الذي يليه في عدد الأصوات ، في انتخابات الهيئة.

من هذه الأركان الثلاثة يتكون المركز العام للإخوان المسلمين، ومكانه في عاصمة البلاد ، ويتفرع عن المركز العام المكاتب الإدارية ، والمناطق ، والشعب ، والأسر ، ومهمتها كما يلي :

1- المكتب الإداري  :

له مجلس إدارة يتكون من رئيس المكتب الإداري ، ويكون عادة رئيس الشعبة الرئيسية ، ويجوز أن يختاره مكتب الإرشاد العام ، وإن لم يكن رئيس شعبة أو عضوا فيها ، ووكيل المكتب الإداري وسكرتيره وأمين صندوق ويكونون عادة يشغلون هذه المناصب في الشعبة الرئيسية ، أما بقية أعضاء مجلس إدارة المكتب الإداري فهم رؤساء المناطق في دائرة المكتب ، وأعضاء الهيئة التأسيسية بنفس الدائرة ، ومندوبو النشاط في المكتب الإداري ، وزائر مكتب الإرشاد ، ورأيه استشاري وليس له حق التصويت .

2- المنطقة  :

ويتكون مجلس إدارة المنطقة من رئيس الشعبة الرئيسية في المنطقة ورؤساء بقية الشعب الداخلة في المنطقة ، وزوار الشعب ، وزائر المكتب الإداري ومندوبو أوجه النشاط في الشعبة الرئيسية .

3- الشعبة :

ومجلس إدارة الشعبة يتكون من خمسة أشخاص ، أحدهم يختاره المركز العام وهو رئيس الشعبة ، والأربعة الباقون تنتخبهم الجمعية العمومية للشعبة على أن يكون اثنان منهم وكيلين ، والثالث سكرتير ، والرابع أمين صندوق ، وعلى أن يكون الانتخاب سريا ، ويسترط في عضو مجلس إدارة الشعبة أن لا يقل سنة عن 21 سنة هلالية على الأقل ، وأن يكون قد مضى على عضويته في الشعبة ، سنتين على الأقل ولم يعرف عنه في أثنائها ما يتنافى مع واجبات العضوية .

ويشترط في عضو الشعبة ما يلي :

(أ) أن لا يقل عمره عن ثمانية عشر عاما .

(ب) أن يكون حسن السير والسلوك ولم تصدر ضده أحكام مخلة بالشرف .

(ج) أن يكون فاهما فكرة الإخوان ناهضا بواجباته .

(د) أن يفرض على نفسه اشتراكا شهريا يدفعه للشعبة بانتظام .

(هـ) أن يتعهد بالعمل بقانون الإخوان المسلمين ويبايع بيعتهم .

4- الأسرة :

وهي الخلية الواحدة ، من مجموع الخلايا التي تتكون منها جماعة الإخوان المسلمين ، وهي تتكون من خمسة أشخاص على رأسهم نقيب ، وسيأتي الإشارة إلى واجبات وشروط العضو فيها في فصل واجبات وشروط الفرد في الجماعة .

وقد كان عدد شعب هذه الجماعة في عام 1948 م 2000 شعبة تحتها ما يقارب المليون عضو ، أما المكاتب الإدارية فكانت على عدد محافظات مصر ، وأما عدد المناطق فكانت أكثر من 300 منطقة في مصر وحدها ، هذا هو الهيكل الإداري لجماعة الإخوان المسلمين ، والإشارات إلى بعض مهام أجزائه .

وقد كتب في ذلك الهيكل الدكتور ريتشارد ميشل كتابه المشهور (أيديولوجية جماعة الإخوان المسلمين ) أحيل عليه من أراد التوسع أو مزيدا من الاستيضاح عن باقي مهام الهيكل ، ومميزاته عن غيره ، وأنه هو الهيكل الذي رسم بما يوحيه الشرع الإسلامي ، وما تقتضيه التنظيمات الإدارية الحديثة ، فالأسرة خاضعة للشعبة التابعة لها ، والشعبة خاضعة للمنطقة التي تتبعها ، والمنطقة خاضعة للمكتب الإداري الذي تتبعه ، والمكتب الإداري خاضع لمكتب الإرشاد العام ، ومكتب الإرشاد العام خاضع للمرشد العام ، وحركة المرشد العام تسير ضمن الإطار العام الذي يرسمته الهيئة التأسيسية .

ويكون الاتصال بين هذه الوحدات طرديا أو عكسيا عن طريق هذا التسلسل كما مثله الدكتور الحسيني بالساعة وهى تؤدى حركتها ، كل ترس فيها يقوم بمهمته ليصل الجميع فى النهاية إلى ضبط الوقت ، وذلك عند ربطه بين عبقرية حسن البنا فى التنظيم ، وتعلمه لصناعة الساعات وإصلاحها مع والده .

وهذه الدقة والوضوح فى النظام والتنظيم ، هو ما ينبغى على كل جماعة من الجماعات الإسلامية الا هتمام به ،خاصة فى هذا الوقت الذى نظم الكفر نفسه ليحول بين المسلمين وتحقيق أهدافهم .

وإلى النظام والتنظيم فى الجماعة الإ خوانية أشار الشيخ سعيد حوي وسلط الضوء على جوانب مهمة منه نلخصها فيما يلى :

( أ ) جعل أولى الخطوات فى حياة المسلم انضمامه إلى جماعة منظمة ، مبينا أنه لا يمكن أن تتحقق مبادئ الإسلام إلا بهذا الإنضمام ، مستدلا بالقاعدة الأصولية : " ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب " وبقوله تعالى : ﴿ المؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ﴾. مبينا أن الولاء المذكور فى الاية لا يتحقق إلا فى جماعة.

و أن الآية الكريمة فى قوله تعالى :﴿يا آيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و أولى لأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله و اليوم الآخر ذلك خير و أحسن تأويلا﴾ .

تنص على أن يعطى المسلم ولاءه لجهة معينة ، هذه الجهة هى التى تنص عليها الآية الكريمة ، و هى كتاب الله وسنة رسوله ، وأولى الأمر .

و بما أن ولاة الأمر فى الأمة اليوم بين كافر أو منافق أو فاسق لا تصح موالاتهم ، فأقرب جهة يجب أن يعطيها المسلم ولاءه هى أكمل الجماعات الإسلامية الموجودة فى عصرنا الحاضر . و الحث على لزوم الجماعة فى كتاب الله و سنة رسوله غير خاف على كل مسلم .

قال تعالى : ﴿ و اعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا و اذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا و كنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون و لتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر و أولئك هم المفلحون و لا تكونوا كالذين تفرقوا و اختلفوا من بعد ما جائهم البينات و اولئك لهم عذاب عظيم ﴾

وقوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان عندما سأله عن الطريق المستقيم عندما تحل الفتن : " أن تلزم جماعة المسلمين وإمامهم " .

والأحاديث التي تثبت وجود جماعة من المسلمين على الحق في كل زمان وطور لهذه الأمة الإسلامية ثابتة ومتواترة . تعلن لكل من وجد في نفسه مثقال حبة من خردل من إرادة العمل للإسلام والعمل على إعلاء رايته أنها موجودة ، وأنها متصورة ، وأنها ظاهرة بالحق على من خذلها ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .

(ب) ثم بين المؤلف بعض محاسن التنظيم ، من أنه يدفع الإنسان إلى العمل في أطواره كلها فلا تموت حركته .

(ج) وأنه يضم قوة المسلم إلى قوة إخوانه ، فتصبح له مجموع قوتهم كما أن قوته ترفعهم .

(د) وبالتنظيم يكمل الجيل اللاحق عمل الجيل الجيل السابق ، فلا يضطر كل جيل إلى أن يبدأ من الصفر .

(هـ) وفي الجماعة يتم التواصي بالحق والصبر ، ويقام الجهاد بأنواعه ويساعد المجتمعون بعضهم بعضا على الاستقامة الكاملة ، فلا يكون بينهم انحراف .

(و) أكد المؤلف على وجوب التنظيم ، والتنظيم الصالح لأن التنظيم السيء قد يكون معوقا عن العمل ، شالا لطاقات الإنسان ومجمدا لها .

(ز) ثم كتب المؤلف بعضا من شروط التنظيم الصالح :

1- أن تكون على رأسه قيادة تعرف ما تريد والوسائل إلى ما تريد .

2- أن تركز على منهاج ثقافي وتربوي سليم ، وخطة شاملة تقي الصف من الاختلاف والانقسام .

3- أن تكون حركة التنظيم نحو الخارج مستمرة ، في اتزان دائم ليندفع الركود الذي يرافقه في الغالب الفرقة والخلافات الداخلية .

4- أن يضم التنظيم كافة أعضائه ، فلا يهمل البعض فتموت حركتهم وعلى هذا فلابد أن يشعر كل أعضاء التنظيم جميعا أنهم في الصف والصف يستفيد منهم .

5- أن يجعل الثقة بين القيادة والجند على أعلاها فبدونها لا يمكن السير خطوة واحدة .

6- أن يأخذ كل واحد في الصف مكانه المناسب ، على حسب إمكاناته فلا أخطر على الجماعة من قضية أن يصل إلى مركز القيادة من ليس كفئا لها .

7- أن تحكم هذا التنظيم قواعد متعارف عليها ( متمثلة بنظام تراعى فيه كل الأمور المشار إليها ) .

(ح) ثم أكد حتمية وجود ذلك النظام ، لتحديد بنية التنظيم ، وإطاره ومعالم العمل ومسئولية العامل ، لأن التعريف بالدعوة ، والتكوين عليها ، والتنفيذ من أجلها ، يحتاج إلى أمور متداخلة ، لابد أن يحويها نظام لا يضخم فيه جانب على حساب جانب آخر ، أو يتعارض جانب فيه مع جانب آخر .

(ط) ثم بين بعض ما يجب أن يراعى في ذلك النظام :

1- الاستفادة من تجارب العمل كله .

2- تفهم حاجة الدعوة الإسلامية الماسة إلى كفاءة في الرجال ومتانة في البناء وكمال في العلم والفهم والسلوك ، فلابد من نظام يوفر ذلك .

3- أن لا تعطى الشورى إلا لأهلها ، لأن الواجب أن يقرر مصير الجماعة وأهدافها ويحدد مواقفها المخلصون الواعون من أبنائها ، وألا يصل إلى مركز القيادة إلا من هو أهل لها .

4- أن يكون التوسع العام في القاعدة متناسقا مع توسع القيادة .

5- أن يشمل العمل الإسلامي جميع مرافق الحياة .

6- أن ينظم الجماعة ويقيمها على وضع لا يبقى لأحد حجة صحيحة عليها .

7- أن يصبح التنظيم هو العقل المفكر، والمحرك للمسلمين ، والبعيد بنفس الوقت عن الأضواء والضجيج ليقود المسلمين إلى النصر المؤزر .

8- أن يؤمن صفا لا يخترقه فكر دخيل أو عدو أو عميل .

9- أن يحرك الطاقات ويطلقها إلى أبعد حد ممكن .

10- أن يحقق أكبر قدر ممكن من التلاحم بين القيادة والقاعدة .

11- أن يحقق أرقة أشكال التنظيم المكافئ لكل وضع ، ليكفل أقوى أنواع الأمن الداخلي للتنظيم .

12- أن يحقق وضعا لا يظلم فيه أحد ولا تقوم فيه ولاءات شخصية أو عيوب جانبية في داخل التنظيم .

13- كونه واقعيا يمكن تطبيقه .

ثم ختم الشيخ سعيد حوي كلامه عن التنظيم والنظام وما ينبغي لكل واحد منهما بقوله : ( إن جماعة الإخوان المسلمين تسعى لذلك كله غير ناسية صعوبة الطريق مدركة أنه لا خيار أمامها في السير في ذلك الطريق أو عدم السير فيه ، منطلقة من بعد خمسين عاما سيرا وحركة وتجارب ، وهي تعتقد أن الأمر أولا وأخيرا يحتاج إلى توفيق الله تعالى ، ثم إلى الإحسان في النية والأخذ بالأسباب في عالم قفز به استخدام الأسباب إلى قمم كانت أحلاما ) .

4- غايات الجماعة :

لخص الإمام حسن البنا غايات جماعته في عدة مواضع من رسائله نذكرها من أكثر المواضع شمولا ، يقول في شرحه ركن العمل وهو الركن الثالث من أركان البيعة في الجماعة (وأريد بالعمل ما يلي :

1- إصلاح الفرد نفسه .

2- تكوين البيت المسلم .

3- إرشاد المجتمع .

4- تحرير الوطن من كل سلطان أجنبي .

5- إصلاح الحكومة .

6- إعادة الكيان الدولي للأمة الإسلامية .

7- أستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه ).

فهدف الجماعة الأول بناء الفرد المسلم ، ثم تطلب من كل فرد من هؤلاء الأفراد أن يبني كل واحد منهم البيت المسلم ، وبتوافر الأسر الإسلامية تكون الجماعة قد سارت في هدفها الثالث ، وهو بناء المجتمع المسلم وعندما يصبح المجتمع مسلما يدرك واجبه نحو وطنه ، وواجبه نحو أمته ، وواجبه نحو البشرية كافة ، فبقدر هذا الإدراك لهذه الواجبات تكون الجماعة سائرة في أهدافها السبعة ، في تدريج سليم يوصل الأول منها إلى الثاني وهكذا ولو طالت طريقها .

5- وسائل الجماعة إلى أهدافها :

أما وسائل الجماعة إلى غايتها فقد لخصها الإمام حسن البنا في أمور ثلاثة :

(أ) الإيمان العميق .

(ب) التكوين الدقيق .

(ج) العمل المتواصل .

ثم بين أنه عندما يؤمن الفرد والأسرة والمجتمع بأحقية الدعوة الإسلامية ويتكون الجميع بتعاليمها ، ثم يواصل الجميع العمل بهذه التعاليم ، والدعوة إليها ونشرها بين الناس ، وتكوينهم عليها . تكون الجماعة في خط صحيح ، وعلى اساس سليم ، وفي حركة مستمرة متواصلة نحو أهدافها كلها .

6- أركان البيعة في الجماعة :

من مراتب الجماعة في تصنيف أعضائها العضو المجاهد ، وأركان البيعة تخص هذه المرتبة من الأعضاء.

يقول مرشدهم : " أيها الإخوان الصادقون أركان بيعتنا عشرة فاحفظوها  :

1- الفهم

2- الإخلاص

3- العمل

4- الجهاد

5- التضحية

6- الطاعة

7- الثبات

8- التجرد

9- الأخوة

10- الثقة

وقد شرح المرشد هذه الأركان العشرة في رسالة كاملة نلخصها فيما يلي :

(أ) الفهم :

وقصد الإمام من ركن الفهم أن يفهم هؤلاء الإخوان أن فكرتهم إسلامية صحيحة .

وأن يفهموا الإسلام على أنه نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعا .

وأن الكتاب والسنة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام .

وأن يفهموا أن الطريق إلى فهم القرآن لغة العرب ، وأن الطريق إلى السنة رجال الحديث الثقات .

وأن الإيمان الصادق والعبادة الصحيحة نور يقذفه الله في قلب من يشاء من عباده ، وأن الإلهام والخواطر والرؤى ليست من أدلة الأحكام .

والتمائم والكهانة والودع وإدعاء معرفة الغيب منكر يجب أن يزول .

وأن رأي الإمام ونائبه معمول به ما يم يصدم بنص .

وأن كل واحد يؤخذ من كلامه ويرد ، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم ، وأن لا يعرضوا للأشخاص فيما اختلف فيه بطعن وأن يكلوهم إلى نياتهم .

وأن على كل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماما من أئمة الدين ، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل ، وأن يستكمل نقصخ ليصبح من أهل النظر .

وأن الخلاف الفقهي لا يكون سببا للتفرقة في الدين ، بل يجب التفاهم فيه في ظل الحب والإخاء .

وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكليف المنهي عنه .

وآيات الصفات وأحاديثها نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل .

وأن كل بدعة في الدين بالزيادة فيه أو بالنقص منه ضلالة تجب محاربتها .

وأن الأولياء هم " الذين أمنوا وكانوا يتقون " وأنهم لا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ، فضلا عن أن يهبوا أشياءا من ذلك لغيرهم .

وزيارة القبور سنة مشروعة بالكيفية المأثورة ولكن تشييدها أو الإستعانة بأصحابها كبائر تجب محاربتها .

والعرف الخاطئ لا يغير من حقائق الألفاظ الشرعية شيئا .

والعقيدة أساس العمل وعمل القلب أهم من عمل الجارحة .

والإسلام يحرر العقل ويحث على العلم والنظر في الكون ، ويجعل الحكمة ضالة المؤمن أين وجدها فهو أحق بها .

وأن النظر الشرعي مقدم على النظر العقلي ، وأنه لا يمكن أن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة .

وأن لا يكفر مسلم أقر بالشهادتين وعلم بمقتضاهما برأي أو معصية .

(ب) الإخلاص :

ويقصد بالإخلاص – إخلاص العضو عمله لله تعالى .

(ج) العمل :

ويقصد بالعمل – أن يعمل العمل ضمن مراتب العمل المقررة في الجماعة وهي :

1- بناء الفرد

2- بناء الأسرة

3- إرشاد المجتمع

4- إصلاح الدولة

5- تحرير الوطن

6- إعادة كيان الأمة الإسلامية

7- سيادة العالم بنشر تعاليم الإسلام في ربوعه

(د) الجهاد :

ويقصد بالجهاد – الفريضة الماضية إلى يوم القيامة بمراتبه الثلاثة بالقلب واللسان واليد .

(هـ) التضحية :

ويقصد بالتضحية – بذل العضو ماله ونفسه وكل شيء في سبيل الغاية .

(و) الطاعة :

ويريد بالطاعة امتثال العضو الأمر وإنفاذه توا في العسر والمنشط والمكره .

وهي لازمة في مرحلتي الدعوة ( التكوين والتنفيذ ) .

(ز) الثبات :

ويقصد بالثبات – أن يظل العضو عاملا في سبيل غايته مهما طالت المدة ويعتبر الوقت جزءا من العلاج .

(ح) التجرد :

ويريد بالتجرد أن يتجرد العضو لدعوته وجماعته عمن سواها .

(ط) الأخوة :

ويريد بالأخوة أن ترتبط القلوب في الجماعة برباط العقيدة ( أن يرى كل واحد أخاه أولى من نفسه ) .

(ك) الثقة :

ويقصد بالثقة – اطمئنان العضو إلى قيادة الجماعة وكفاءتها .

7- خصائص دعوة الإخوان  :

ومن أبرز ما اختصت به جماعة الإخوان عن غيرها من الجماعات الإسلامية المعاصرة ما يلي :

أ) أنها ربانية ، لأن الأساس الذي تقوم عليه أهدافها جميعا أن يتقرب الناس إلى ربهم عز وجل .

ب) وأنها عالمية ، لأنها موجهة إلى الناس كافة لأن الناس في حكمها أخوة من أصل واحد . ج) وأنها إسلامية – لأنها تنتسب إلى الإسلام ، بل أجمع ما توصف به أنها إسلامية . د) شمولها لكل الاتجاهات المعاصرة . يقول مؤسسها مختصر  :

إن الإخوان المسلمين :

• دعوة سلفية ، لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي ، كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

• وطريقة سنية ، لأنهم يحملون أنفسهم بالعمل بالسنة المطهرة في كل شيء .

• وحقيقة صوفية ، لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس والارتباط على الخير .

• وهيئة سياسية ، لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم ، وإقامة الخلافة .

• وجماعة رياضية ، لأنهم يعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف ، وأن تكاليف الإسلام كلها لا يمكن أن تؤدى كاملة صحيحة إلا بالجسم القوي .

• ورابطة علمية ثقافية ، لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة .

• وشركة اقتصادية ، لأن الإسلام يعني بتدبير المال وكسبه .

• وفكرة اجتماعية ، لأنهم يعنون بدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها .

ويختم قوله بأن شمول معنى الإسلام قد أكسب فكرتنا شمولا لكل مناحي الإصلاح وذكر هذا المعنى الدكتور الحسيني بقوله : إنها ( جماعة الإخوان ) ظاهرة لها أصولها في التاريخ الإسلامي فهي تشبه إلى حد كبير الحركة الوهابية والحركة السنوسية وهي متأثرة بالمدرسة السلفية التي تزعمها رشيد رضا في مصر وبمدرسة ابن تيمية المتوفى سنة 728 هـ . وأخيرا بمدرسة أهل الحديث التي حمل لواءها إسحاق بن راهويه في خراسان وأحمد بن حنبل في العراق في القرن الثالث الهجري .

(هـ) تحرير ولائها من كل الحكومات ، والأحزاب القائمة على غير الإسلام

يقول مرشد الجماعة عند كلامه عن غايات جماعته :

(وكلمة لابد أن نقولها في هذا الموقف هي أن الإخوان المسلمين لم يروا في حكومة من الحكومات من ينهض بهذا العبء ، وكلمة ثانية أنه ليس أعمق في الخطأ من ظن بعض الناس أن الإخوان المسلمين كانوا في أي عهد من عهود دعوتهم مطية لحكومة من الحكومات ، أو منفذين لغاية غير غايتهم ، أو عاملين على منهاج غير مناهجهم ) .

وما مرت وتمر به الجماعة من محن على امتداد تاريخها من قبل الحكومات في أنحاء العالم الإسلامي خير دليل على أن هذه الجماعة قد سحبت ولاءها من هذه الحكومات جميعا ، وأنها لم تعمل لحساب واحدة من تلك الحكومات .

(و) ومن خصائص الجماعة أيضا البعد عن مواطن الخلاف الفقهي :

لاعتقادهم أن الخلاف في الفرعيات أمر ضروري لاختلاف العقول البشرية التي هي الطريق إلى فهم النصوص .

يقول المرشد : ( فأما البعد عن مواطن الخلاف الفقهي فلأن الإخوان يعتقدون أن الخلاف في الفرعيات أمر ضروري) .

وقد انفردت الجماعة بإرساء قاعدة تفصل بين الناس في هذا الموضوع ، تتلخص هذه القاعدة في قول الإمام حسن البنا  : ( ولكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في الأدلة أدلة الأحكام الفرعية أن يتبع إماما من أئمة الدين ، ويحسن به مع هذا الاتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلة إمامه ، وأن يستكمل نقصه ليصبح من أهل النظر في الأحكام ، والخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا لتفرقة في الدين ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء) .

وأكد هذه القاعدة الشيخ سعيد حوي بقوله : ( إن المفاصلة في الإسلام لا يجوز أن تكون على أساس الفروع الفقهية ، ولكن على أساس الأصول العقدية ، وإذا لم تكن المسألة على هذا الأساس فإنه لا يبقى اثنان من المسلمين يدا واحدة ) .

(ز) ومن خصائصها البعد عن هيمنة الكبراء والأعيان :

وقد بين مؤسس الجماعة أسباب ذلك بقوله : ( لأن الأعيان والكبراء منصرفون عن الدعوة ، لأنها مجردة من الغايات الدنيوية وأن الدعوة تعمدت هذا حتى لا يستغلها أو يوجهها أحد منهم ، ولأن كثيرا من هؤلاء الكبراء ينقصهم الكمال الإسلامي ، الذي يجب أن يتصف به المسلم العادي فضلا عن المسلم الذي يحمل الدعوة) .

(ح) البعد عن الهيئات والأحزاب :

لما بين هذه الأحزاب من تنافر وتناحر ولاعتقاد الجماعة أن دعوة الإسلام عامة تجمع ولا تفرق ، وأنه لا ينهض بها ويعمل لها إلا من تجرد من كل الولاءات وصار لله خالصا .

(ط) التدرج في الخطوات :

لاعتقادهم أن كل دعوة لابد لها من مراحل ثلاث :

1- مرحلة الدعاية والتعريف بالدعوة وإيصالها إلى الناس .

2- مرحلة التكوين وتخير الأنصار وإعداد الجنود من بين المستجيبين للدعوة .

3- مرحلة التنفيذ وهي مرحلة العمل والإنتاج ، فكل واحدة من هذه المراحل الثلاث تسلم للأخرى كما سيأتي توضيحه في منهج الرسول صلى الله عليه وسلم .

وبدون التدرج في هذه المراحل لا يمكن لأي دعوة أن تصل إلى غايتها بحال من الأحوال ، ولا مانع من اجتماعها في زمن واحد ، ولكن الذي لا يمكن هو تقديم واحدة على الأخرى ... فلا يمكن أن ينفذ شخص شيئا قبل أن يتكون عليه ، ولا يمكن أن يتكون شخص على شيء لم يعرفه ، فلابد أن يتعرف أولا على ذلك الشيء ، ثم يتكون عليه ، ثم يطلب بعد ذلك منه التنفيذ . ولقد سارت جماعة الإخوان المسلمين في هذه المراحل الثلاث .

يقول مؤسس الجماعة : ( في حدود هذه المراحل سارت دعوتنا ، ولا تزال تسير ، فقد بدأنا بالدعوة ، فوجهناها إلى الأمة في دروس متتالية وفي رحلات متلاحقة ومطبوعات كثيرة ) . ويقول : ( خطونا الخطوة الثانية في صور ثلاث :

1- الكتائب – ويراد بها تقوية الصف بالتعارف وتمازج النفوس والأرواح ومقاومة العادات والمألوفات .

2- الفرق – الكشافة والجوالة ..... ويراد بها تقوية الصف بتنمية أجسام الإخوان وتعويدهم على الطاعة والنظام .

3- دروس التعاليم – في الكتائب والأندية ويراد بها تقوية الصف بدراسة جامعة لأهم ما يلزم المسلم .

ولشدة الإنجاز فيما ذكرنا عن الإمام البنا في جانب مرحلة التكوين ، نلخص ما جاء مفصلا في هذا الموضوع في مدخل الشيخ سعيد حوي تحت عنوان (دليل التكوين في دعوة الإخوان المسلمين ) وهو ما يعتمده الإخوان المسلمون من معالم تدل على قضية التكوين .

ولتوضيح ذلك الدليل كتب المؤلف ثلاث مقدمات نلخصها فيما يلي :

المقدمة الأولى : أن داء الأمة الأول ( هو الغثائية) والتي مظهرها الخفة والانجراف مع التيار .

أخذ ذلك من حديث رسول الهدى صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه أبو داوود : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها " .

فقال قائل : أمن قلة نحن يومئذ ؟ فقال : " بل أنتم يومئذ كثيرون ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن " .

قيل : وما الوهن يا رسول الله ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت " .

وبين أن الخروج بالأمة من مرض الغثائية ، أن تتحول الأمة إلى تيار يصعب على التيارات الأخرى جرفه ، ولا يتم ذلك التيار إلا بتلاحم الأمة بعضها مع بعض ، لتكون الوزن الثقيل الذي لا يمكن جرفه ، وتحويله إلى غثاء من قبل التيارات الأخرى .

المقدمة الثانية : ضمن هذه المقدمة فرض العصر على هذه الأمة وجعله لزوم جماعة المسلمين وإمامهم ، وعلل ذلك أن الأمة في طور الدعاة على أبواب جهنم ، وبين أن الأمة الإسلامية لا تخلو من جماعة مستدلا على هذه المقدمة بما يلي :

(أ) حديث حذيفة : كان الناس يسألون النبي صلى الله عليه وسلم عن الخير .... فما تأمرني يا رسول الله قال : " تلزم جماعة المسلمين وإمامهم ..... " .

(ب) حديث : " لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق ...." الحديث .

المقدمة الثالثة :وهذه المقدمة ضمنها فقد الأمة للتخصصات الموصلة إلى إيجاد ما تحتاجه الأمة في حياتها العامة ، من صناعات وعمران .

ثم بين المؤلف بعد هذه المقدمات الثلاث الطريق عند الإخوان المسلمين إلى الخروج من الغثائية في المقدمة الأولى .

وعدم الالتزام بجماعة المسلمين في المقدمة الثانية .

وفقد الأمة هذه الاختصاصات في المقدمة الثالثة .

وملخص هذا الطريق فيما يلي :

1- خطة ثقافية تهدف إلى إيجاد المحاور التالية :

(أ) محور الثقافة الإسلامية .

(ب) محور الثقافة المعاصرة .

(ج) محور الثقافة التأهيلية في اختصاص حياتي .

(د) محور الثقافة التأهيلية لعمل إسلامي .

2- إحياء خصائص الوراثة لرسول الهدى صلى الله عليه وسلم ـ بجعل المة كلها أمة مجاهدة ، وهذه الأمة المجاهدة على طبقتين :

(أ) القمة منها ، وهي الطبقة الوارثة ، وهي الطبقة التي تظهر فيها القدرة على العلم وتزكية الأنفس ، مع الصدق والإستقامة والقدرة على إقامة الحجة ، والقيام بتبليغ دين الله ، والحرص على الصف ، والرحمة والرأفة بالأفراد ، واللين مع الإخوان .

(ب) ثم الطبقة المجاهدة : وهي الطبقة التي من أبرز صفاتها محبة الله والذلة على المؤمنين ، والعزة على الكافرين ، والجهاد ، وتحرير الولاء لجماعة المسلمين .

والطبقتان معا تمثل خصائص جماعة المسلمين ، التي ذكر الله تعالى شأنه بعضها في قوله تعالى : " فما أوتيتم من شيء فمتاع الحياة الدنيا وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون ، والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة ، وأمرهم شورى بينهم ، ومما رزقناهم ينفقون ، والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون " .

وقوله تعالى : " الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر" .

3- بناء الفرد في الأمة على أساس الالتزام المبصر ، لجماعة المسلمين القائم على قواعد الكتاب والسنة والشورى .

قال تعالى : " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض ، يأمرون بالمعروف ، وينهون عن المنكر ، ويقيمون الصلاة ، ويؤتون الزكاة ، ويطيعون الله ورسوله ، أولئك سيرحمهم الله " .

واختتم المؤلف موضوع دليل التكوين في دعوة الإخوان المسلمين الذي بين فيه أمراض الأمة في المقدمات الثلاث الأول ، وعلاج تلك الأمراض في الدوائر الثلاث .

ختم هذا الدليل بقوله : (إن جماعة الإخوان تسير على تلك الخطة لوصول إلى هدفها الأول وهو بناء الشخصية الإسلامية ) .

ثم بين أن خطة لا تشمل هذه الدوائر الثلاث ، ينتج عنها ثقافة إسلامية ، ولكنها خالية من الثقافة المعاصرة ، والإلتزام ، أو الخصائص أو ثقافة معاصرة خالية من الثقافة الإسلامية ، أو ثقافة إسلامية ومعاصرة ولكنها بدون الالتزام ، وهذا ما عليه المسلم اليوم في غير نطاق جماعة الإخوان المسلمين .

انتفاخ في جانب ، وضمور في جانب آخر .

والجماعة في خطتها تلك تقسم المنهج إلى قسمين :

1- التكوين الموجه : ويضم المراتب للإخوان المنتظمين في الجماعة وهي حسب إصطلاح الجماعة :

(أ) النصير

(ب) المجاهد

(ج) النقيب

(د) النائب

ولهذا القسم كتبه وتوجيهاته الخاصة ، منها المطبوع ومنها غير المطبوع .

2- القسم الثاني هو التكوين العام : وهو القسم الذي يوسع للفرد في جماعة الإخوان المسلمين ثقافته ، ويرتقي أكثر فأكثر بروحه ، وجعله المؤلف على ثلاثة مراحل :

(أ) يتقن المسلم فيها تلاوة القرآن ، وحفظ ما ندب منه ، وحفظ ما تيسر من الحديث الشريف ، والاطلاع على رسائل مختصرة – في العقيدة ، والعبادة ، والسيرة ، والسلوك .

(ب) أما في المرحلة الثانية : فيتوسع فيما ذكر في المرحلة الأولى .

وحدد المؤلف بعض الكتب لتلك الموضوعات .

(ج) والمرحلة الأخيرة وهي الثالثة : فهي مرحلة التخصص في دراسة ما كأصول الفقه مثلا وغيرها من مجالات محاور الثقافة الأربعة المذكورة فيما سبق .

وفي مجال التكوين أيضا كتب المؤلف :

تحت عنوان دليل العمل في دعوة الإخوان المسلمين ، أن كل دعوة تحتاج إلى شيئين في آن واحد :

1- حماس قوي

2- وتحكم قوي في هذا الحماس

فلا غنى في الدعوات عن الحماس ، ولكنه لا يصلح بدون ضبط العقل له ، حتى لا يستخفها الذين لا يوقنون ، والطريق إلى هذين الأمرين :

(أ) أن تكون للمسلم خططه وبرامجه العلمية .

(ب) وخططه وبرامجه المالية .

(ج) وخططه وبرامجه السلوكية والعبادية .

ثم بين المؤلف العمل في جماعة الإخوان: هو المنظم لما ينبغي أن يكون عليه الفرد منهم في جانبه العبادي والسلوكي ، فهو شامل لما ينبغي أن يكون عليه الفرد منهم في يومه ، وأسبوعه ، وشهره ، وسنته ، وعمره ، وملخصه كما يلي :

1- دليل العمل في اليوم والليلة :

إلى جانب ما جاء في رسالة المأثورات للأستاذ البنا :

(أ) الاستيقاظ في السحر ودخول المسجد قبل طلوع الفجر والقعود فيه بانتظار صلاة الصبح في جماعة وإذا انتهى إلى الصف يقول : اللهم آتني أفضل ما تؤتي عبادك الصالحين .

(ب) يكرر بعد صلاة الصبح ثلاث مرات : ( اللهم رب جبريل وإسرافيل وميكائيل ومحمد النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بك من النار ) .

(ج) يذكر الله إلى ما بعد طلوع الشمس ثم يصلي الضحى ، وأن يكون له ورده القرآني .

(د) وأن يطالع كتبا نافعة .

(هـ) وأن يحرص على التهجد والوتر – والإكثار من الذكر والدعاء والتضرع إلى الله .

(و) أن يحرص على محاسبة النفس قبل النوم وحمده الله على الخير واستغفاره من الشر .

(ز) أن يكون له نشاط رياضي ولو بالسير على الأقدام .

2- دليل العمل الأسبوعي :

(أ) الحضور إلى درس أسبوعي مع الإخوان ، والحرص على ليلة الكتيبة ويوم الرحلات .

(ب) الاغتسال ليوم الجمعة وتحري ساعة الإجابة فيه ، والإكثار من الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم .

3- دليل العمل الشهري :

(أ) الحرص على يوم النصيحة بالمعروف ، مع التزام آداب النصيحة ، ويوم الآخرة بزيارة القبور ، ويوم العبادة ، ويوم الإصلاح ، ويوم الصدقة ، ويوم التعارف ، ويوم الريف ، وصيام أيام البيض الثلاثة .

4- دليل العمل السنوي :

(أ) الاحتفال بأيام الإسلام الفاصلة بين الحق والباطل .

(ب) الاعتكاف في رمضان .

(ج) التعود على الصدقة مفروضها ومندوبها .

(د) الخروج في الأجازة السنوية للدعوة .

5- دليل العمل في العمر :

(أ) أن يكون الفرد منهم بيتا مسلما مرتبطا مع بيوت الإخوان .

(ب) التأهب للحج وأن يكون دائما على ثغرة من ثغور الإسلام .

(ج) الحرص على المشاركة في كل أنواع الجهاد .

وأما عن صور التكوين والعمل فقد عقد المؤلف فصلا بين فيه أن صورة التكوين والعمل في دعوة الإخوان المسلمين تختلف باختلاف ظروف المكون له والمكون – أي بحسب ظروف الفرد والقيادة يتم التكوين وليس له صورة محددة .

وأما بالنسبة لمرحلة التنفيذ في دعوة الإخوان المسلمين فلم يتكلم عنها الإمام حسن البنا كثيرا ، إلا أنه حدد متى تبدأ هذه المرحلة بقوله : ( وفي الوقت الذي يكون فيه منكم – معشر الإخوان المسلمين – ثلاثمائة كتيبة ، قد جهزت كل منها نفسها روحيا بالإيمان والعقيدة ، وفكريا بالعلم والثقافة ، وجسميا بالتدريب والرياضة في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجاج البحر ، وأقتحم بكم عنان السماء ، وأغزو بكم كل عنيد جبار ) .

وفي السنوات الأخيرة من عمر مؤسس الدعوة دخلت الجماعة تلك المرحلة ، وهي مرحلة التنفيذ ، وذلك بدخولها حرب فلسطين ومطاردتها لشرذمة اليهود فيها .

ثم سارت الجماعة في هذه المرحلة في حياة مرشدها الثاني حسن الهضيبي ، وذلك بمساندتها لثورة 1952 في مصر ، ودخولها في حرب مسلحة مع الجيش الإنجليزي في قناة السويس ،وغيرها من المدن المصرية المحتلة آنذاك .

(ط) من خصائص هذه الجماعة أيضا إيثار الناحية العملية :

وبين الإمام لهذه الخاصية أسبابا وملخصها من كلامه فيما يلي :

1- إيثار الناحية العملية على الناحية الدعائية . مخافة أن تشوب هذه الأعمال شوائب الرياء .

2- نفور الإخوان الطبيعي من اعتماد الناس على الدعاية الكاذبة .

3- ما كان يخشاه الإخوان من معالجة الدعوة بخصومة حادة أو صداقة ضارة .

ثم ذكر مثالا عمليا على اتباع هذه الناحية في عملهم ، بقوله : ( قليل من الناس من يعرف الداعية من دعاة الإخوان ، قد يخرج من عمله في القاهرة عصر الخميس ، فإذا هو في العشاء بالمنيا ، يحاضر الناس ، وإذا هو في صلاة الجمعة يخطب وهو في منفلوط ، فإذا هو في العصر يحاضر بأسيوط ، وبعد العشاء يحاضر بسوهاج ، ثم يعود أدراجه فإذا هو في الصباح الباكر في عمله بالقاهرة ، قبل إخوانه الموظفين ) .

ثم علق على هذا المثال بقوله : ( هذا المجهود لو قام به غير الإخوان لملأ الدنيا صياحا ودعاية ) .

(ك) ومن خصائص الجماعة إقبال الشباب على الدعوة :

وإقبال الشباب على الدعوة من أهم عوامل النصر والتوفيق ، حيث الشباب عماد مستقبل الأمم .

وضرب الإمام مثالا على هذا الإقبال : بحادثة تقدم ستة من شباب الدامعة إلى الجماعة المصرية يعاهدونها ، على أن يهبوا الله نفوسهم وجهودهم ، فعلم الله منهم ذلك فأيدهم وآزرئهم ، فإذا بجامعة القاهرة كلها من أنصار الإخوان المسلمين .

(م) ومن خصائصها سرعة الانتشار :

وأما عن سرعة الانتشار فقد كانت الدعوة تنتشر بسرعة هائلة ، حتى قال عنهم الدكتور إسحاق الحسيني  : ( ويبلغ عدد الأعضاء العاملين المسلحين أكثر من مليون هذا على الرغم من أن أكثر الإخوان يفضلون العمل بدون ظهور ) .

وأشار إلى ذلك البنا نفسه مخاطبا رؤساء الشعب في الجماعة في مؤتمر عام بقوله : ( إن جماعة يمثلها في هذا الاجتماع آلاف من أعضائها كل منهم ينتدب عن شعبه كاملة لأكثر من أن يستقل عددها أو ينسى مجهودها ) .

8- عوامل النجاح في دعوة الإخوان المسلمين :

وبعد أن لخصنا أهم خصائص جماعة الإخوان باختصار شديد نعرج الآن على عوامل النجاح في هذه الدعوة : وهي كما لخصها الإمام البنا فيما يلي :

(أ) كونها تدعو بدعوة الله تعالى وهي أسمى الدعوات .

(ب) كونها تنادي بفكرة الإسلام وهي أقوى الفكر .

(ج) كونها تقدم للناس شريعة القرآن وهي أعدل الشرائع .

(د) كون البشرية محتاجة إلى هذه الأشياء الثلاثة وبها ترتبط سعادتها أو شقاوتها .

9- أركان الدعوة عند الجماعة :

تتلخص أركان دعوة الإخوان المسلمين في أركان ثلاثة :

أ) العلم

ب) التربية

ج) الجهاد

كما بين مؤسس الدعوة بقوله : ( إنني لا أريد الدخول في خصومة مع أبناء الطرق الأخرى ، وإنني لا أريد أن تكون الدعوة محصورة في نفر من المسلمين ولا في ناحية من نواحي الإصلاح .

ولكني حاولت جاهدا أن تكون دعوة عامة ، قوامها العلم ، والتربية ، والجهاد ، وهي أركان الدعوة الإسلامية الجامعة ) .

وتناول هذه الأركان الشيخ سعيد حوي بالشرح والتبيين في كتاب المدخل تحت عناون ( الخطوط المتوازية الثلاثة) نلخصه فيما يلي :

(أ) فبدون علم بجوانب الثقافة الإسلامية وأصولها تبقى الشخصية معرضة للزلل ، العملي أو النظري أو الفكري .

(ب) وبدون التربية لا يتحقق المراد الأول للدعوة ، وهو إرادة وجه الله تعالى وطلب مرضاته .

(ج) وبدون الجهاد لا يتحقق هدف من أهداف الدعوة .

وباجتماع هذه الأركان الثلاثة يكون التكامل في الدعوة على كل مستوى ، وجعل الوسيلة إلى تحقيق هذه الأركان في الجماعة ، فيما يلي :

1- نظام الحلقات لتحقيق ركن العلم .

2- نظام أسر التكوين لتحقيق ركن التربية .

3- نظام أسر العمل لتحقيق ركن الجهاد .

ثم تحدث طويلا عن كل نظام من النظم الثلاثة نوجزها فيما يلي :

أولا: نظام الحلقات :

وهو الذي تحقق الدعوة بموجبه ركنها الأول ، وهو العلم وبموجبه تحقق الجماعة من خلاله نشر الإسلام من غير حذر ، ولا خوف ، كما تطلق الجماعة من خلاله طاقات أفرادها في طريق كثير الفوا> ، من حيث الكسب الكامل للثقافة الإسلامية .

وهو من وسائل الجماعة أيضا لإيجاد الرأي العام الصالح ، وهو الذي يفتح أبواب الولوج في الدعوة ، والانضمام إلى الجماعة .

وبعد أن بين المؤلف ما ينبغي أن يكون عليه ذلك النظام ليعطي ثماره قسم إلى قسمين :

(أ) حلقات عامة : وهي التي يخاطب من خلالها كل الناس خطابا عاما .

(ب) حلقات خاصة : وهي التي يعطى فيها علم خاص بشكل مركز .

وكما أن مكان الأولى المسجد والأماكن العامة ، فإن مكان الثانية البيوت .

ويمكن أن تكون الأولى والثانية في المسجد أو في البيت على حد سواء .

ثم بين المؤلف – حفظه الله تعالى – الطريق إلى إنشاء الحلقات العامة ، وكذا الخاصة :

1- بأن تقام في مسجد الحي أو في المنطقة حلقة عامة ، في الأسبوع مرة ، يدعى لها ويركز عليها ، ويلتزم الإسلاميون في المنطقة بحضورها ، ويختار لها العلم المناسب ، والإدارة المناسبة .

2- وبعد أن تستمر تلك الحلقة العامة ، تكون المرحلة الثانية : وهي أن يطرح القائمون على تلك الحلقة فكرة أن هناك علوما مفروضة فرض عين ، لا تعطى في حلقة عامة ، كالتجويد ، والفقه ، وإنما تعطى في حلقات خاصة ، وقليلة العدد ، ويطلب من الحضور أن يعطوا ساعة في الأسبوع لهذه الحلقات الخاصة ، ويعين ذلك أخ قدير على إدارة تلك الحلقة ، أو الحلقات الخاصة ، بقدر اتساعها ، وبهذا تكون الجماعة قد حققت الوصول إلى ركنها الأول ، الذي هو العلم ، بأسلوب منظم ، وغير متكلف .

وفي نهاية الحديث عن الوسيلة إلى الركن الأول والتي هي نظام الحلقات كتب المؤلف المنهاج الثقافي لتلك الوسيلة وقسمه إلى ثلاثة مراحل :

1- المرحلة الإبتدائية : و هى المرحلة التالية لدخول العضو فى جماعة الإخوان المسلمين ( النصير ) و منهاجها كما يلى :

1- رسالة فى فقه العبادات على أحد المذاهب .

2- رسالة فى أصول العقائد .

3- رسالة فى علم التوحيد ، و لم يحدد لهذين الجانبين رسالة بعينها تاركا ذلك للموجه يختار الرسالة المناسبة للحال .

4- أن يتقن تلاوة القرآن ، و حفظ ما ندب من سورة الكهف و ياسين .

5- ومن السنة الأربعين النويية و رسالة المأثورات – للبنا .

6- نور اليقين فى السيرة .

7- و التعريف العام بالإسلام ، ( مبادئ الإسلام للمودودى ) شبهات حول الإسلام لسيد قطب .

8- و لتعميق الصلة بالله تعالى رسالة المسترشدين للمحاسبى ، و رسالة من أجل خطوة إلى الجهاد المبارك للمؤلف .

هذا إلى جانب المنهاج الخاص بالأسر و الذى لم يفصح عنه المؤلف .

2- المرحلة المتوسطة : و هى المرحلة المؤهلة لمن كان عضوا فى الجماعة ( نصير ) و استعد للصعود إلى الأعلى منها مرحلة العضو ( النقيب ) ومنهاجها كما يلى :

1- كتاب الألباب فى الفقه .

2- شرح جوهرة التوحيد .

3- الحياة الروحية و السلوكية لجند الله للمؤلف .

4- أصول الفقه : لعبد الوهاب خلاف .

5- الأصول الثلاثة : الله ، الرسول ، الإسلام . للمؤلف .

6- حول علوم القرآن ، و كذا حول السنة ، و لم يحدد كتابا بعينه لذلك .

7- حفظ سورة البقرة ، مع تفسيرها ، و قراءة الأذكار ، و رياض الصالحين للنووى .

8- فى اللغة : قطر الندى ، و البلاغة الواضحة .

9- كتب فى المعانى التالية : فى السيرة النبوية ، و حياة الصحابة ، و التاريخ الإسلامى الحديث ، فى التآمر على الإسلام ، وفقه الدعوة ، و لم يحدد كتبا بعينها لتلك المعانى تاركا ذلك لاختيار الموجه .

3- المرحلة العليا : و هى المرحلة التى تنقل صاحب مرحلة ( النقيب ) فى جماعة الإخوان المسلمين ، إلى مرحلة الأخ ( النائب ) و هذه المرحلة ، هى التى تفرض على هذا العضو أن يكون ملما بكل جانب من أبواب العلوم الإسلامية ، و الدراسات المقررة فى الجماعة ، و أن يكون متخصصا فى أحد العلوم ، بوجه خاص و لم يذكر المؤلف لهذه المرحلة منهاجا بعينه . ثانيا : نظام أسر التكوين :

ثم انتقل المؤلف إلى بيان نظام : أسر التكوين : و هو الوسيلة إلى الركن الثانى من ألأركان المتوازية فى جماعة الإخوان المسلمين ، و هو خط التربية ، الذى يمثل الربط الخاص ، فى الجماعة .

إذا فهمنا أن نظام الحلقات يمثل الربط العام فى الجماعة .

و نظام أسر التكوين فى الجماعة نوعان :

أ) نظام أسر التكوين : و مهمته التربية على العضوية داخل الجماعة .

ب) و نظام أسر العمل مهمته إطلاق طاقات العضو فى العمل اليومى المتواصل لتحقيق الإسلام .

كما أشار قاعدة فى هذين النظامين ( و هى أن الإنسان لابد له من مرب و المربى لابد أن يكون قد ربى من قبل )

و المربى فى الجماعة : هو ( المنفذ ) ( و النقيب ) ( و النائب ) ( و الوارث ) . أما النصير فليس من أهل هذه المرتبة . فالمنفذ يربى النصير و النقيب يربى المنفذ و النصير . و النائب يربى النقيب و المنفذ و النصير و الوارث يربى الجميع .

و هذه الألفاظ تطلق على مراتب العضوية فى الجماعة كما ذكرنا ذلك فى شروط وواجبات العضو فى الجماعة . و لم يتوسع المؤلف فى شرح هذين النظامين ، و لم يكتب لبعض المراتب مناهج تربوية . ثالثا : نظام أسر العمل لتحقيق خط الجهاد :

و هو النظام الذى يحقق للجماعة ركنها الثالث الذى هو الجهاد و قسم المؤلف فيه الجهاد إلى خمسة أنواع :

1- الجهاد السياسى .

2- الجهاد المالى .

3- الجهاد التعليمى .

4- الجهاد اللسانى.

5- الجهاد باليد .

ثم يبين أن أسر العمل فى هذا النظام تتألف من خمسة أعضاء قد حصلوا رتبة العضوية العاملة ( النقيب ) فما فوق .

و كل واحد من الخمسة يكون مسؤلا عن نوع من أنواع الجهاد الخمسة داخل الأسرة .

و عريف الأسرة يعين من قبل القيادة فى الجماعة .

و تعقد هذه الأسر مؤتمرا شهريا تدرس فيه ماذا ستفعل خلال الشهر القادم ؟، فى كل نوع من أنواع الجهاد ، ضمن إمكانيات أفرادها ، أو على ضوء التعليمات من القيادة .

ثم اقترح المؤلف نماذج لما يمكن أن تفعله تلك الأسر . فى بعض أنواع الجهاد .

1- الجهاد التعليمى :

يمكن أسر العمل أن تحقق الجهاد التعليمى فيما يلى :

أ) يمكنها الدعوة إلى الحلقات العامة .

ب) إنشاء الحلقات العلمية الخاصة .

ج) القيام بنشر علم من العلوم .....

2- الجهاد اللسانى :

و يتحقق الجهاد اللسانى لدى أسر العمل بما يلى :

أ) مناقشة المنحرفين .

ب) الكتابة فى موضوعات مختلفة .

ج) استغلال المجلات بكل أنواعها فى الكتابة .

د) الخروج للدعوة .

3- الجهاد باليد :

و يتوصل إلى الجهاد باليد كذلك بالأمور التالية :

أ) الاستعداد الجسمى بأنواع الرياضة .

ب) الاستعداد النفسى بالتعود على تحمل المشاق .

4- الجهاد المالى :

و يمكن الوصول إلى تحقق الجهاد لدى أسر العمل بإيجاد ما يلى :

أ) إيجاد صندوق للأسر للإنفاق على أعمال ذلك الجهاد .

ب) القيام بجمع التبرعات من عامة المسلمين للإستعانة بها فى الدعوة .... أما الجهاد السياسى فلم يتكلم عنه المؤلف . و قد عقدنا لذلك عنوانا سيأتى إن شاء الله .

10 – أركان الأسرة فى الجماعة :

و الأسر التى أشار إليها السيخ سعيد حوي فى نظامى التربية و الجهاد .

تكلم عنها مرشد الجماعة الأول .

بيانا تلك الأسر على أركان ثلاثة نختصرها فيما يلى :

1) التعارف : و هو الركن الأول فيها و تعنى به الجماعة التعارف و التحابب بين أفراد كل أسرة من أسرهم ، و استشعار الأخوة الإسلامية فيما بينهم .

2) التفاهم : و هو الركن الثانى – من أركان الأسر ، و هذا الركن عندهم يعنى التناصح و التواصى بالحق ، و الصبر ، عن طريق التفاهم دون أن يتغير قلب الناصح ، والمنصوح على أخيه ، و أن يتقبل كل منهم نصح أخيه بصدر رحب .

و على الناصح أن يتستر على عيب المنصوح لمدة شهر كامل ، ثم بعد الشهر يخبر رئيس الأسرة بعيب أخيه ، ليبت فى ذلك الأمر عن طريق الجماعة ، و ليس للمنصوح أن يخبر أحدا غير رئيس الأسرة بذلك ، و أن يتغير شئ فيه نحو المنصوح ، حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا .

3) التكافل : و هو الركن الثالث لهذه الأسر. و يقصدون به أن يحمل بعضهم حمل بعض ، و أن يتعهد بعضهم بعضا بالسؤال و البر و ليبادر كل واحد من الأسرة بمساعدة أخيه ما وجد ذلك سبيلا .

و بعد أن ينتهى الإمام من سرد الأركان الثلاثة ، و مقصده منهم بين كيفية إدارة الأسرة ومنهجها .

ألخص ما تشغل الأسرة به اجتماعتها عند الإمام بما يلى  :

1- يعرض كل أخ مشاكله و يشاركه إخوانه فى دراسة حلولها فى جو من صدق الأخوة و إخلاص التوجه إلى الله تعالى .

2- مذاكرة حول شئون الإسلام ، وتلاوة الرسائل و التوجيهات الواردة من القيادة العامة للأسر ، بدون حدة أو جدل ، ثم نقل اقتراحات الأفراد فى الأسرة إلى القيادة .

3- مدارسة نافعة فى كتاب من الكتب القيمة .... ثم توجه الأفراد إلى تطبيق السنة من عيادة مريض ، و مواساة محتاج ، وتفقد غائب ، و تعهد منقطع .

و لزيادة الترابط بين أفراد الأسرة ندبهم الإمام إلى القيام :

أ) برحلات ثقافية لزيارة الآثار و المصانع وغيرها .

ب) برحلات قمرية رياضية .

ج) برحلات نهرية للتجديف .

د) برحلات جبلية أو حقلية .

ه) برحلات متنوعة على الدراجات .

و) صيام يوم فى الأسبوع .

ز) صلاة الفجر فى جماعة .

ح) الحرص على المبيت مع بعضهم مرة فى الأسبوع .

11- واجبات العضو فى الجماعة وشروطه :

تختلف واجبات الأعضاء فى الجماعة بإختلاف مراتب الأعضاء عندهم ، فالواجبات الخاصة بالعضو المجاهد أشار إليها مؤسس الجماعة بقوله ( فهذه رسالتى إلى الإخوان المجاهدين من الإخوان المسلمين ) .

، ثم يقول مخاطبا هذه العضوية من الجماعة : ( إن إيمانك بهذه البيعة يوجب عليك أداء هذه الواجبات حتى تكون لبنة قوية فى البناء ) .

1- أن يكون لك ورد يومى من كتاب الله لا يقل عن جزء ، و اجتهد ألا تختم فى أكثر من شهر ، و لا فى أقل من ثلاثة أيام .

2- أن تحسن تلاوة القرآن ، و الاستماع إليه ، و التدبر فى معانيه ، و أن تدرس السيرة المطهرة ، و تاريخ السلف بقدر ما يتسع له من وقتك ، و أقل ما يكف فى ذلك كتاب ( حماة الإسلام ) ، و أن تكثر من القراءة فى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، و أن تحفظ الأربعين حديثا على الأقل ، و لتكن الأربعين النووية ، و أن تدرس رسالة فى أصول العقائد ، و رسالة فى فروع الفقه .

3- أن تبادر بالكشف الصحى العام ن و ان تاخذ فى علاج ما يكون فيك من امراض ن و تهتم باسباب القوة و الوقاية الجسامنية ن و تبتعد عن اسباب الضعف الصحى .

4- ان تبتعد عن الإسراف فى قهوة البن ، و الشاى و نحوها ، من المشروبات المنبهة ، فلا تشربها إلا لضرورة ، و أن تمتنع بتاتا عن التدخين .

5- أن تعنى بالنظافة فى كل شئ ، فى المسكن ، و الملبس ، و المطعم ، و البدن ، و محل العمل ، فقد بنى الدين على النظافة .

6- أن تكون صادق الكلمة ، فلا تكذب أبدا .

7- أن تكون وافيا بالعهد ، و الكلمة ، و الوعد ، فلا تخلف مهما كانت الظروف .

8- أن تكون شجاعا ، عظيم الاحتمال ، و أفضل الشجاعة الصراحة فى الحق ، و كتمان السر ، و الاعتراف بالخطأ ، و اإنصاف من النفس ، و ملكها عند الغضب .

9- أن تكون وقورا ، تؤثر الخير دائما ، و لا يمنعك الوقار من المزاح الصادق ، و الضحك فى تبسم .

10- أن تكون شديد الحياء ، دقيق الشعور ، عظيم التأثر بالحسن و القبح ، تسر للأول ، و تتألم للثانى ، و أن تكون متواضعا ،فى غير ذلة ، و لا خنوع ، و لا تملق و أن تطلب أقل من مرتبتك لتصل إليها .

11- أن تكون عادلا صحيح الحكم فى جميع الأحوال ، لا ينسيك الغضب الحسنات ، و لا تغض عين الرضا عن السيئات ، و لا تحملك الخصومة على نسيان الجميل ، و تقول الحق و لو كان على نفسك ، أو على أقرب الناس إليك و إن كان مرا .

12- أن تكون عظيم النشاط ، مدربا على الخدمات العامة ، لتشعر بالسعادة و السرور ، إذا استطعت أن تقدم خدمة لغيرك من الناس فتعود المريض ، وتساعد المحتاج ، و تحمل الضعيف و تواسى المنكوب ، و لو بالكلمة الطيبة ، و تبادر دائما بالخيرات .

13- أن تكون رحيم القلب ، كريما سمحا تعفو وتصفح ، و تلين وتحلم ، و ترفق بالإنسان و الحيوان ، جميل المعاملة ، حسن السلوك مع الناس جميعا ، محافظا على الآداب الإسلامية والإجتماعية ، فترحم الصغير ، و توقر الكبير ، و تفسح فى المجلس ، و لا تتجسس ، و لا تغتاب ، ولا تصخب ، و تستأذن فى الدخول و الإنصراف .

14- أن تجيد القراءة والكتابة ، و أن تكثر من المطالعة فى رسائل الإخوان ، و جرائدهم ، ومجلاتهم ، و أن تكون لنفسك مكتبة خاصة مهما كانت صغيرة ،و أن تبحر فى علمك و فنك إن كنت من أهل الاختصاص ، و أن تلم بالشئون الاإسلامية العامة إلماما يمكنك من تصورهاو الحكم عليها حكما يتفق مع مقتضيات الفكرة.

15- أن تزاول عملا اقتصاديا مهما كنت غنيا ، و أن تقدم على العمل الحر مهما كان ضئيلا ، و أن تزج بنفسك فيه مهما كانت مواهبك العلمية .

16- ألا تحرص على الوظيفة الحكومية ، و أن تعتبرها أضيق أبواب الرزق ، و لا ترفضها إذا أتيحت لك ، و لا تتخل عنها إلا إن تعارضت تعارضا تاما مع واجبات الدعوة .

17- أن تحرص كل الحرص على أداء مهنتك ، من حيث الإجادة و الإتقان ، وعدم الغش و ضبط المواعيد.

18- أن تكون حسن التقاضى لحقك ، و أن تؤدى حقوق الناس كاملة ، غير منقوصة ، بدون طلب و لا تماطل أبدا .

19- أن تبتعد عن الميسر بكل أنواعه ، مهما كان المقصد من ورائها ، وتتجنب وسائل الكسب الحرام ، مهما كان ورائها من ربح عاجل .

20- أن تبتعد عن الربا فى جميع المعاملات ، و أن تتطهر منه تماما .

21- أن تخدم الثروة الإسلامية العامة بتشجيع المصنوعات و المنشآت الاقتصادية الإسلامية ، وأن تحرص على القرش ، فلا يقع فى يد غير إسلامية ، مهما كانت الأحوال ، و لا تكسب و لا تأكل إلا من صنع وطنك الإسلامى .

22- أن تشترك فى الدعوة بجزء من مالك ، و أن تؤدى الزكاة الواجبة فيه ، وأن تجعل منه حقا معلوما للسائل والمحروم ، مهما كان دخلا ضئيلا .

23- أن تدخر للطوارئ جزءا من دخلك مهما قل ، ولا تتورط فى الكماليات أبدا .

24- أن تعمل ما استطعت على إحياء العادات الإسلامية ، و إماتة العادات الأعجمية ، فى كل مظاهر الحياة ، و من ذلك التحية واللغة والتاريخ ، و الزى ، والأثاث ، و مواعيد العمل ، و الراحة ، و الطعام والشراب ، و القدوم و الإنصراف ، والحزن و السرور ....... الخ ، و أن تتحرى السنة المطهرة فى كل ذلك.

25- أن تقاطع المحاكم الأهلية ، و كل قضاء غير إسلامى ، و الأندية ، و الصحف ، والجماعت ، و المدارس ، و الهيئات ، التى تناهض فكرتك الإسلامية ، مقاطعة تامة .

26- أن تديم مراقبة الله تبارك و تعالى ، و تّذكرة الآخرة ، و تستعد لها ، و تقطع مراحل السلوك إلى رضوان الله بهمة وعزيمة ، و تتقرب إلية سبحانه بنوافل العبادة ، ومن ذلك صلاة الليل ، و صيام ثلاثة أيام كل شهر على الأقل ، و الإكثار من الذكر القلبى ، و اللسانى ، و تحرى الدعاء المأثور على كل الأحوال . 27- أن تحسن الطهارة ، و أن تظل على وضوء فى غالب الأحيان .

28- ان تحسن الصلاة ، و تواظب على أدائها فى أوقاتها ، وتحرص على الجماعة و المسجد ما أمكن ذلك.

29- أن تصوم رمضان ، و تحج البيت إن استطعت إليه سبيلا .

30- أن تستصحب دائما نية الجهاد ، و حب الشهادة ، و ان تستعد لذلك ما وسعك الاستعداد .

31- أن تجدد التوبة و الاستغفار دائما ، و أن تتحرز من صغائر الآثام ، فضلا عن كبارها ، و أن تجعل لنفسك ساعة قبل النوم تحاسبها فيها على ما عملت من خير أو شر ، و أن تحرص على الوقت ، فهو الحياة فلا تصرف جزءا منه فى غير فائدة ، و أن تتورع عن الشبهات حتى لا تقع فى الحرام .

32- أن تجاهد نفسك جهادا عنيفا حتى يسلس قيادها لك ، و أن تغض طرفك و تضبط عاطفتك ، و تقاوم نوازع الغريزة فى نفسك ، و تسمو بها دائما ، إلى الحلال الطيب ، و تحول بينها و بين الحرام أيا كان .

33- أن تتجنب الخمر و المسكر و المفتر ، و كل ما هو من هذا القبيل كل الاجتناب .

34- أن تبتعد عن أقران السوء و أصدقاء الفساد ، و أماكن المعصية و الإثم .

35- أن تحارب أماكن اللهو ، فضلا عن أن تقربها ، و أن تبتعد عن مظاهر الترف و الرخاوة جميعا .

36- أن تعرف أعضاء كتيبتك فردا فردا معرفة تامة ، و تعرفهم بنفسك معرفة تامة كذلك ، و تؤدى حقوق أخوتهم كاملة ،من الحب و التقدير و المساعدة و الإثار ، و أن تحضر اجتماعاتهم ، فلا تتخلف عنها إلا بعذر قاهر ، و تؤثرهم بمعاملتك دائما .

37- أن تتخلى عن صلتك بأية هيئة أو جماعة لا يكون الاتصال بها فى مصلحة فكرتك ، و بخاصة إذا أمرت بذلك .

38- أن تعمل على نشر دعوتك فى كل مكان ، و أن تحيط القيادة علما بكل ظروفك ، و لا تقدم على عمل يؤثر فيها تأثيرا جوهريا إلا بإذن ، و أن تكون دائم الاتصال الروحى و العمل بها ، و أن تعتبر نفسك دائما جنديا فى الثكنة تنتظر الأمر .

و رتب هذه الواجبات ، و الشروط ، الشيخ سعيد حوي فى مدخله ، فإلى جانب ما نقلناه فى دليل العمل فى جماعة الإخوان المسلمين ، و هو الجانب المتعلق بعمل فرد الجماعة فى يومه ، و أسبوعه ، وشهره ، و سنته وعمره ، ننقل هنا أقسام و شروط العضوية عند الجماعة ، و المنهاج الثقافى لكل قسم من أقسام تلك العضوية :

أولا : أقسام العضوية :

تنقسم العضوية فى الجماعة إلى ثلاث مراتب :

1- العضو النصير : و هى المرحلة الأولى فى الجماعة .

2- العضو المنفذ  : و هى المرحلة الثانية فى الجماعة ، أى أن الفرد فيها أعلى من الفرد فى مرحلة النصير ن و هى العضوية التى يطلق عليها مؤسس الجماعة المجاهد .

3- العضو النقيب : و هى العضوية التى تخولها الجماعة تربية أعضاء المرحلتين السابقتين ، و أخذ البيعة منهم ، و مشاركة القيادة فى اتخاذ القرارات ، و من حق هذه العضوية الاطلاع على أسرار الجماعة ، بل و القيادة نفسها قد تعطى لصاحب هذهالعضوية الثقة المطلقة فى الجماعة و منها مرتبة النائب ، و الوارث ، و لم يذكر المؤلف لها شروطا أو منهاجا ثقافيا هنا .

ثانيا : شروط كل عضوية ، ومنهاجها الثقافى :

أ) شروط العضو النصير ، و منهاجه الثقافى :

1- دراسة المنهاج المقرر و التزامه بالجوانب العلمية فيه .

2- إعطاؤه الولاء للجماعة ، و ألا يكون له أى ارتباط بحزب أو جماعة أو هيئة أو جمعية إلا بإذن .

3- قيامه بفروض الإسلام و اجتنابه نواهيه .

4- أن يتطوع باشتراك مالى يحدده و لو كان رمزيا .

5- حضوره اجتماعات الجماعة ، و دروسها ومحاضراتها ، إذا بلغ بذلك رسميا و لا يتخلف إلا بعذر .

6- اشتراكه بنشرات الجماعة ، و كتبها وصحفها و مجلاتها .

7- الالتزام بورد يومى من القرآن و الذكر المأثور و يرشح لذلك الوظيفة الكبرى أو الصغرى أو ورد الدعاء من رسالة المأثورات للإمام البنا .

8- إعطاؤه الزكاة لصندوق زكاة الجماعة المحلى ، إلا إذا كان هناك أحق شرعا ، وأعلم بذلك المسؤولين عن الصندوق .

9- أن يدعو لإسلام ، ويدافع عنه ، ويلتزم بمواقف الجماعة و آرائها فى القضايا العامة و لو قيما بينه وبين نفسه .

هذه هى شروط إعطاء صفة العضوية الأولى .

و الدراسات المقررة له هى :

1) منهاج الحلقة – المرحلة الأولى .

2) الأصول الثلاثة : ( الله ، الرسول , الإسلام ) . لسعيد حوي .

3) من أجل خطوة إلى الأمام على طريق الجهاد المبارك .

4) دراسات حرة فى الكتب المذكورة فى بحث ( من المكتبة الإخوانية ) فى أواخر كتاب المدخل لسعيد حوي .

(ب) شروط العضو المنفذ ، ومنهاجه الثقافى :

1-أخذ صفة العضوية الأولى ( النصير ) .

2- دراسة المنهاج المقرر للمرحلة ، و الالتزام السلوكى بما فيه .

3- المدوامة على الاجتماعات المقررة ( حلقات –أسر – فرق ) إلا من عذر .

4- الاشتراك فى صندوق الحج إن كان ، و غلا فعليه ان يضعه فى حسابه .

5- أن يبذل جهدا كاملا من أجل إصلاح من له ولاية عليهم ، حتى يكونوا مسلمين حقا ، و أن يكون بيته خالصا من أدران الجاهلية ، وسلوكها ، و عاداتها ، و مفاهيمها ، و المنكرات عامة ، و إلزام المنزل لمبادئ الإخوان المسلمين .

6- الانتساب إلى فرق الرحلات إذا دعى لذلك .

7- التزام التحدث بالعربية الفصحى ، إن كان قادرا على ذلك .

8- أن يبتعد عن أمكنة الشبهات ، كالسينما و المقاهى التى فيها المنكرات ، و النوادى المشابهة ، وأن يكون كسبه حلالا ، و البعد عن كل ما هو غير إسلامى فى العبادات ، و فى المعاملات ، و فى شأنه كله .

9- الاشتراك المالى المحدد للجماعة ، و القيام بالواجبات التعاونية الأخرى .

10- أن يتعرف على الناس فى دائرة شعبته و يفتح معهم صلة علاقات إسلامية .

11- أن يكون مستعدا – فى الأحوال العادية – لتفريغ ساعة فى اليوم ، و يوم فى الأسبوع ، وشهر فى السنة ، إن لم يكن عنده عذر ، ويعطى هذا كله عند الطلب .

12- أن ينفذ ما يؤمر به ، و ما يكلف ما دام فى حدود المعروف .

13- أن يسعى لتكون له اللياقة الجسمية الكاملة ، بإتقانه فروعا من الرياضة العملية .

14- الترفع عن كل مظهر من مظاهر العصبية ، للأسرة أو البلد ، أو القوم ، أو الجنس ،أو اللون ، أو الحرفة ، جدا أو هزلا .

15- أن يكون الولاء عنده واضحا سليما ، و الإقبال على الله ، و الذلة على المؤمنين ، و العزة على الكافرين ، و الرغبة فى الجهاد والاستعداد له ، و أن يتحرى السنة المطهرة – ما استطاع لذلك سبيلا – فى الأقوال و الأفعال ، و من ذلك :

قيام اليل ، و أداء الصلوات المفروضة جماعة إلا لعذر قاهر ، و الزهادة و العزوف عن مظاهر المتع الفانية .

1- كتاب جند الله ثقافة و أخلاقا .

2- رسالتى التعاليم و الجهاد .

3- معالم فى الطريق .

4- دراسة حرة فى سورتى الأنفال و براءة الظلال .

ج) شروط العضو النقيب ، و منهاجه الثقافى :

ثم قدم لهذه العضوية مقدمة بقوله : إن الطراز الصالح لهذا النوع من العضوية هم من عنده استعداد لمثل ما يلى :

1- الذى يستطيع استيعاب ثقافة ( حزب الله ) استيعابا تاما ، و المستعد للالتزام بما فيه التزاما كاملا .

2- الصالح للقيادة : و أصدق ميزان لصلاح الإنسان فى القيادة قدرته على قيادة أهل بيته فى طريق الإسلام .

3- القادر على الصبر : لأن طريقنا طويل وصعب و قد تمر فترات لا نستطيع فيها إلا الصبر ، و من القدرة على الصبر عدم الاستعجال ، قال موسى عليه السلام لقومه فى قوله تعالى : ﴿ استعينوا بالله و اصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده و العاقبة للمتقين ﴾

4- الموثوق ، والقادر على كسب ثقة الناس ، فمن يشك به لا يجوز أن يعرف شيئا ، والذي لا يستطيع أن يكسب ثقة الناس ، لا يصلح للقيادة ، إن الناس يؤمنون بالشخص أولا : بعقله ، وتفكيره ، وسلوكه واستقامته .....

5- القادر على الكتمان وحفظ السر : فالكتمان هو الأداة التي تستطيع بها الجماعة الحركة المطلقة ، والذي لا يستطيع أن يكتم سرا ، أو لا يستطيع ضبط عواطفه ، أو لسانه ـ لا يصلح للقيادة .

6- الذي لا يستعجل الشيء قبل أوانه : فلا يستعجل الثمار قبل أوان نضجها ، لأن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقت بحرمانه ، فنحن لا نستعجل إعطاء الصفة إلا بمقدار النضج ، ولا نستعجل تنظيما قبل وجود لوازمه ، ولا نستعجل تنفيذا لم يأت دوره ، ولن نستعجل إقامة الدولة قبل استكمال شروطها .

7- الحليم الرحيم : فغير الحليم الرحيم لا يصلح للسيادة على المؤمنين ، "ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك " .

8- وخلقات آخران لا يقوم بدونهما أمر دين ولا دنيا ، ولا يصلح أحد بدونهما ، لقيادة أو إمرة : الشجاعة ، والكرم ، فمن لا يملك شجاعة أو كرما من المصيبة أن يتصدى لقيادة الناس . بعد هذه المقدمة عن أهم صفات هذه العضوية (النقيب) نختصر شروط هذه المرتبة الإخوانية ومنهاجها الثقافي .

شروط العضو النقيب :

1- أخذ صفة العضويتين السابقتين .

2- دراسة المنهاج المقرر للمرحلة والالتزام السلوكي بما فيه .

أن يكون مسيطرا على من له ولاية عليه – من زوجة مسلمة وبنت وولد – سيطرة إسلامية كاملة ، يظهر ذلك باللباس والعمل .

4- أن ينجح في مجموع مهمات يكلف بها في حقل الدعوة العملي والتنظيمي .

5- أن يحرص على الزي ، والهيئة الإسلامية ، والكمالات الإسلامية ، والسنة إلا إذا كان عمله الإسلامي يقتضي غير ذلك .

6- أن يكون إمينا على السر ، مقدما مصلحة الجماعة على مصلحته ، ومقدما رأي الجماعة على رأيه ، قادرا على ضبط عواطفه وانفعالاته ، متزنا في تعامله مع الآخرين .

7- أن يقوم بجولة طويلة في قطره أو جولات ، منفردا أو مع آخرين للتعرف على أكبر قدر من الأرض ، والناس ، مع الدعوة إلى الله – إن لم يكن مانع ، والتعرف على كل الاتجاهات في القطر .

8- أن يعطي البيعة والطاعة ، في العسر واليسر ، والمكره والمنشط ، للقيادة المنبثقة عن الأنظمة المعتمدة على الجماعة .

9- أن يمر على دورة روحية مقدارها عشرة أيام .

منهاج العضو النقيب :

1- أن يأخذ حظه من كل باب من أبواب الثقافة التي حددها قسم (جند الله ثقافة ) وباختصار ، تحصيله المنهاج العام للمرحلة الأولى والثانية .

2- دراسة الرسائل التالية على ترتيب ذكرها :

(أ) المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين .

(ب) الحياة الروحية والسلوكية لجند الله .

(ج) نظريتنا الأمنية ودروس الأمن .

(د) على طريقة الجهاد الأصعب الأطهر .

(هـ) القواعد في البناء .

(و) فقه التخطيط والتنفيذ .

من هذه الشروط والواجبات التي تطالب الجماعة أفرادها بها ، نلمس مدى اهتمام الجماعة بهدفها الأول : وهو بناء الشخصية الإسلامية وإخراجه إخراجا يتفق مع تعاليم الإسلام ، وتوجهاته ، ومع متطلبات العصر وحاجته ، ثم نلمس الدقة في التكوين ، من خلال تكثيف الجماعة لشروط العضوية فيها ، بحيث نجعل الوصول إلى تلك العضوية أمرا لا يتحمله إلا من تجرد للدعوة وأخلص لها ، وهذه الدقة هي الوسيلة الثانية للجماعة كما قدمنا.

ثم نلمس التدرج بالفرد فيها ، من نصير ، إلى منفذ ثم إلى نقيب ما يدل على حنكة ومهارة القيادة في الجماعة ، في معرفة طبيعة النفس البشرية حيث أن من سنن الرب تعالى شأنه في خلق النفس البشرية أنها تتكيف مع الأمور دفعة واحدة ، بل يتدرج وعلى مكث .

12 – بعض جهود الجماعة :

أما عن جهود الجماعة فقد ألفت في عمومها كتب كثيرة وفي بعض تلك الجهود ألفت كتب مستقلة مثل جهود الجماعة في حرب فلسطين ، فقد ألف فيه كتاب مستقل بين فيه المؤلف جهود الإخوان في تحرير فلسطين ، ومطاردة اليهود فيها .

وكتاب ( المقاومة السرية في قناة السويس ) وهو الكتاب الذي يروي قصة وقوف جماعات من الإخوان المسلمين تجاه قوات الغزو البريطانية ، وقواعدها في قناة السويس ، وكيف كانت تلك الجماعات تذيق تلك الجيوش الجرارة مرارة الموت ، والذعر والاضطراب .

وكتاب (ايديولوجية جماعة الإخوان ) وهو الكتاب الذي اختص بشرح الجانب التنظيمي في الجماعة إلى غير ذلك من الكتب الكثيرة التي تتحدث عن جهود الجماعة .

وقد عبر عن ضخامة هذه الجهود واتساعها صاحب كتاب : ( الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية بقوله :

( وذكر البنا في إحدى مقالاته المنشورة سنة 1353 هـ من أن فكرة الإخوان انتشرت في أكثر من خمسين بلدا من بلدان القطر المصري ، فقامت في كل بلد من هذه البلاد تقريبا بمشروع نافع ، أو مؤسسة مفيدة ، ففي الإسماعيلية أسست مسجد الإخوان وناديهم ، ومعهد حراء لتعليم البنين ، ومدرسة أمهات المؤمنين لتعليم البنات ، وفي شبراخيت أسست مسجدا وناديا ، ومعهدا للبنين ، ودورا للصناعة ، وفي المحمودية قامت بمثل ذلك منسجا للنسيج والسجاد ، وقل مثل ذلك أو بعضه في كل شعبة من سعبة الإخوان المنتشرة في أنحاء القطر ) .

هذه الانجازات كانت في عام 1353 هـ كما هو واضح ، ولقد اتسعت جهود الجماعة بعد ذلك حتى بلغ عدد مساجدها في القاهرة وحدها خمسة وثلاثين مسجدا .

وقد فصل محمد شوقي زكي في كتاب ( الإخوان المسلمون والمجتمع المصري ) جوانب من جهودهم :

1- ففي الجانب الإجتماعي :

أنشأت الجماعة مكتبا خاصا به هدفه ما يلي :

أ) تقديم المساعدات للمحتاجين .

ب) العمل على توفير وجبات غذائية لفقراء الأحياء .

ج) مساعدة العاطلين عن العمل بإيجاد أعمال لهم .

د) إنشاء أندية لتوجيه العمال ، وإكسابهم بعض المهن الضرورية .

هـ) تقديم البحوث التي تهم الأمة إلى الدولة لتقوم بدراستها وتعميمها .

2- وفي الجانب الزراعي :

قامت الجماعة بإنشاء جمعيات تعاونية لأكثر المنتجات الزراعية مثل :

أ) جمعية حفظ الخضر والفاكهة .

ب) جمعية منتجات الألبان .

ج) جمعية تربية الدواجن .

3- وفي الجانب الرياضي :

أ) يقوم أفرادها بالتمرينات الرياضية صباح كل يوم .

ب) قيام الشعب برحلات ومعسكرات كثيرة إلى كل مناطق البلاد .

ج) إنشاء بعض الفرق الرياضية مثل فريق كرة القدم وفريق كرة السلة وفريق الكرة الطائرة وفريق ألعاب القوى ..... إلخ .

4- وفي الجانب الكشفي :

أسست الجماعة منذ إنشائها فريق الكشافة إلا أنه في سنة 1949 م بدأ أول عام للحركة الكشفية في الجماعة في أنحاء مصر ورسمت الجماعة سياسة ذلك التشكيل وحددت أغراضه فيما يلي : أ) تعبئة الشباب بدنيا وإسلاميا .

ب) إعداد قيادات لتدريب غيرها في هذا المجال .

ج) تشغيل مجموعة في كل شعبة من شعب الجماعة .

وما هي إلا فترة وجيزة حتى وصل تعداد هذا الفريق إلى سبعين ألف جوال وكشاف .

وحينها اتصل هذا الفريق بالمجتمع فقام بالخدمات التالية :

أ) كل فرقة قامت بتنظيف شوارع مدينتها أو قريتها .

ب) عمل مجالس للمصالحات بين المتخاصمين في القرية .

ج) إعداد الفوانيس لإضاءة القرية .

د) تقديم الخدمات الصحية للمحتاجين .

هـ) القيام بربط الشباب بالقرية بعضهم ببعض وإشعارهم بمسئوليتهم .

5- وفي الجانب السياسي :

قامت الجماعة بالتوعية السياسية لمحتلف أوساط الشعب المصري بالوسائل التالية :

أ) محو الأمية السياسية من الوسط الشعبي .

ب) ربط الأوساط الشعبية بالحياة الاجتماعية ، وحثها على العمل الوطني .

ج) إحياء الرجولة والفتوة في الأمة .

د) تنوير الرأي العام بحقيقة ما يدور في الموقف السياسي .

هـ) تربية جيل جديد على التضحية والفداء .

6- وفي الجانب الثقافي :

قسم صاحب كتاب المجتمع المصري جهود الجماعة في هذا الجانب إلى أربعة أقسام :

1) التربية الروحية : ونقصد بها الجانب التكويني في الجماعة وقد سبق أن أشرنا إليه في واجبات العضو وشروطه في الجماعة .

2) علمية وتعليمية : يقصد بها المحاضرات العامة وإنشاء المدارس والمعاهد .

وقد سرد مثالا على ذلك عناوين المحاضرات التي ألقيت في المركز العام وأسماء الذين حاضروا .

ثم سرد ما قامت به الجماعة من إنشاءات في هذا الجانب نلخصها فيما يلي :

أ) فتح مدارس محو الأمية .

ب) ومكاتب تحفيظ القرآن الكريم .

ج) والمدارس الليلية لتعليم العمال والفلاحين .

د) والأقسام الخاصة للراسبين في الامتحانات العامة .

هـ) والمعاهد الحرة لتعليم البنين .

و) ومدارس أمهات المؤمنين لتعليم البنات .

ز) ودور الصناعات ولم يذكر إحصاء بذلك .

3) ثقافية إسلامية : وهذا الجانب له قسم خاص في المركز العام للجماعة ( قسم نشر الدعوة ) وهو الذي يتولى إعداد أفراد الجماعة من الناحية الثقافية .

وتركزت وسائله في الكتب والنشرات والمجلات والجرائد والحفلات في الأعياد الإسلامية .

أ) الكتب التي ألفت في هذا الجانب وعددها 135 كتاب لمؤلفين مختلفين نذكرها هنا على سبيل الفائدة : للأستاذ البنا .

1- دعوتنا

4 – هل نحن قوم عمليون .

5- المنهاج

6- المناجاة .

7- عقيدتنا

8- المأثورات

9- رسالة المؤتمر الخامس

10 – العقائد

11- إلى إخوان الكتائب

12- رسالة المؤتمر السادس

13- بين الأمس واليوم

14- الئغخوان المسلمون تحت راية القرآن

15- نظام الأسر ورسالة التعليم

16- مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي .

17- دعوتنا في طور جديد

18- دستورنا للأستاذ الهضيبي .

19- الرسالة الأولى للأخوات

- قسم الأخوات المسلمات

20- كيف ندعو الناسعبد البديع صقر .

21- تذكرة الدعاةالبهي الخولي .

22- المرأة بين البيت والمجتمعالبهي الخولي .

23- صفحة من مساوئ الاستعمار في وادي النيلمحمد عبد الباري .

24- المنهج الدراسي الإسلامي لإخوان الأسر – قسم نشر الدعوة . صدر منه سبعة رسائل شهرية

مؤلفات أخرى للإخوان ولكنها لم تصدر عن المركز العام :

25 – الإسلام والأوضاع الاقتصادية .

26- الإسلام والمناهج الإشتراكية .

27- عقيدة المسلم .

28 – من هنا نعلم .

29- تأملات في الدين والحياة ( كلها لمحمد الغزالي ) .

30- الإسلام وأوضاعه القانونية .

31- المال والحكم في الإسلام .

32- الإسلام بين جهل أبنائه وعجز علمائه (لعبد القادر عوده ) .

33- العدالة الاجتماعية في الإسلام .

34 السلام العالمية والإسلام .

35- معركة الإسلام والرأسمالية ( لسيد قطب ) .

36 - القرآن والذرة – د.محمود حامد .

37 – الإسلامية – لا الشيوعية ولا الرأسمالية – للبهي الخولي .

38 – فقه السنة – سيد سابق .

39- المعز لدين الله الفاطمي (عبدالرحمن البنا) .

40- الهجرة

42- ثورة الدم .

43- روح وريحان .

44- مع المرأة المسلمة

45- ثلاثة وثلاث .

46- محاكمة

47- وثائق

48- رجل الساعة

49- صوت من الجنة

50- الرجل الذي أشعل

51- الإمام جزء 1 ، 2 (أحمد أنس الحجاجي )

52- الإخوان المسلمون في ميزان الحق .

53- قائد الدعوة

54- مع بعثة الحج

55- المسألة المصرية

56- تاريخ الرسول

57- شمائل الرسول

58- الزعامة النبوية .

59- القيادة والجندية

60- الإسلام يزحف

61- أثر الدعوة الإسلامية في الصحافة والأدب .

62- قضايا الأقطار الإسلامية .

63- كفاح الذبيحين – فلسطين والمغرب (أنور الجندي ) .

64- الفرق والإخوان في الميزان (كامل الشافعي )

65- دولة الخلق (كامل الشافعي )

66- دعوتنا والوحدة الدينية ( كامل الشافعي )

67- الإسلام يحارب الفقر ( محمد فتحي عثمان )

68- مصرع الفقر في الإسلام ( علي شحاته )

69- قذائف الحق ( محمد جبر التميمي )

70- ميلاد الخلود ( أحمد مختار رمزي )

71 – الشهداء

72- سلسلة الأبحاث الجامعية (جزئين)

73- فيلسوف من الغرب

74- من أنت ( قسم الطلاب بالجماعة )

75- مجلة الركان ( طلبة بورسعيد)

76- أخبار السويس ( طلبة السويس )

77- تاريخ القرآن وآداب التلاوة ( أحمد لطفي عبد البديع )

78- إنهيار الحضارة الغربية ( أنور الجندي )

79- إخوانيات – ديوان شعر ( رشيد أبو مرة )

80- من وحي الدعوة – ديوان شعر ( ابراهيم عبدالفتاح )

81- البواكير – ديوان شعر ( عبد الحكيم عابدين )

82- الشيوعية والإسلام ( عمر هندي)

83- بين الهدي والضلال (لبيب البوهي ) وله أيضا :

84- الرجل المستجاب الدعاء

85- مذكرات صائم

86- الحياة بعد الموت

87- مصر في عهد آدم

88- الداء والدواء

89- يوسف

90- يعقوب

91- الطريق إلى الله .

92- من روائع قصص الجهاد

93- مع المرشد العام .

94- تاريخ الدعوة ( أحمد عبد الجليل )

95- وحي العقيدة .

96- آداب الحج وأسراره .

97- عطارد

98- تاريخ الأحزاب السياسية .

99- مناورات السياسة

100- بين لاظوغلي وقصر الدوبارة ( كلها لأنور الجندي )

101- فهارس صحيح البخاري لرضوان محمد رضوان

102- القرآن والعلوم الحديثة ( أحمد كامل ضو )

103- أصول الإسلام ( محمد سند الطوخي )

104- عمر

105- أبو هريرة

106- أبو أيوب الأنصاري

107- عبد الرحمن بن عوف

108- أبو عبيدة الجراح

109- عمار بن ياسر 110- أبوذر الغفاري

111- الزبير بن العوام

112- خالد بن الوليد

113- سلمان الفارسي

114- بلال

115- سعد بن أبي وقاص

116- أبو بكر الصديق

117- عثمان بن عفان

(وكلها لصابر وعبد الغني إسماعيل )

118- الوحي ( أنور الصناديقي وعبدالغني إسماعيل )

119- الأخلاق ( أنور الصناديقي )

120- ظلال المجد ( عبد العزيز عزت الخياط )

121- صولة الحق على جولة الباطل ( طه الفياض )

122- الإسلام في الصين ( محمد تواضع )

123- ميلاد النبي ( محمد محمود زيتون ) وله 122 قصة شعرية .

124- الإنسانية تستيقظ على صوت النبي .

125- الوعظ المصور .

126- عاطفة الشباب ( الصاوي عوض محمود )

127- الإسلام ( بالانجليزية ) عبد السميع المصري .

128- المجاهدون ( كمال الدين فاروق )

129- الصراع ( عبدالمجيد محمد هيكل )

130- حسن البنا كما عرفته ( فتحي العسال )

131- القتال في الإسلام ( أحمد نار)

وكل هذه الكتب مطبوعة ومنتشرة بين الناس وفي المكتبات العامة

ب) الصحافة :

1- جريدة ( الإخوان المسلمون ) – يومية .

2- مجلة الإخوان المسلمون – أسبوعية

3- مجلة الشباب – شهرية

4- مجلة الكشكول – أسبوعية

5- مجلة النذير – أسبوعية

6- مجلة الدعوة – أسبوعية

7- مجلة منزل الوحي – أسبوعية

8- جريدة منبر الشرق – اسبوعية

9- مجلة المسلمون – شهرية

هذا إلى جانب الحفلات العامة في الأعياد الإسلامية .

4- أبحاث توجيهية :

وهذا النوع من الثقافة قسمه المؤلف إلى قسمين :

أ) قسم خاص : بالأبحاث العلمية لتوجيه أفراد الجماعة بما يجد في ساحة العلم والسياسة .

ب) قسم خاص بتوجيه أسر الجماعة وما يجب أن تكون عليه .

وفي الجانب النسوي :

قامت الجماعة بإنشاء فرق للأخوات المسلمات في انحاء القطر ، بلغت شعب الجماعة في هذا المجال خمسون شعبة تضم تحت لوائها خمسة آلاف أخت ، وقد حددت الجماعة غاية وبرنامج قسم الأخوات المسلمات ولائحتهن بما يلي :

أولا : غاية قسم الأخوات المسلمات :

أ) بعد الروح الدينية ، وبث التعاليم الإسلامية الكفيلة بتكوين شخصيات من النساء مهذبة ، تستطيع الاضطلاع بما يناط بها من أعمال وواجبات .

ب) الالتعريف بالفضائل والآداب المركبة للأنفس ، والموجهة للخير والكمال ، وتعريفها بما لها من حقوق ، وما عليها من واجبات .

ج) إرشادهن إلى طرق التربية الإسلامية الصحيحة النافعة ، التي تضمن لأبنائهن النمو الجسمي والعقلي ، وتجنبهم الإسراف الصحي والنقص العقلي .

د) العمل على صبغ البيت بالصبغة الإسلامية ، وبث تعاليم القرآن الكريم والسنة المطهرة ، وسيرة أمهات المؤمنين وفضليات النساء ممن حفل بهن التاريخ الإسلامي المجيد .

هـ) محاربة البدع والخرافات والأباطيل والترهات والأفكار الخاطئة ، والعادات السيئة التي تنتشر وتروج بينهن.

و) نشر الثقافة العامة والمعارف التي تنير عقولهن ، وتوسع مداركهن .

ز) الاهتمام بالشئون المنزلية لتجعل من البيت مكانا سعيدا ، يضم أسرة هانئة ، على أساس فاضل سليم .

ح) المساهمة في المشروعات الاجتماعية النافعة ، بالقدر الذي يتناسب مع ظروفهن ، وجهودهن ، وفي محيطهن .

ومن هذه المشروعات : المستوصفات – دور الطفولة – رعاية اليتامى – أندية الصبيان – المدارس – تنظيم مساعدة الأسر الفقيرة .

وتوضع لكل مشروع لائحة خاصة ، وتؤلف له هيئة إدارية تنهض به وتشرف عليه ، طبقا لأحكام القانون رقم 49 لسنة 1945 م وتسجل بوزارة الشئون الإجتماعية .

ط) المعاونة في حدود ظروف الأخوات وجهودهن ، في تحقيق البرنامج الإصلاحي الأساسي لهيئة الإخوان المسلمين العامة .

ثانيا : برنامج الإخوات المسلمات ولائحتهن  :

كانت أول رسالة ثقافية قام قسم الأخوات بطبعها ونشرها هي رسالة ( مع المرأة المسلمة ) وكان ذلك في أكتوبر سنة 1947 وقد ورد في هذه الرسالة برنامج صريح وتصريحات خطيرة عن رسالة الأخوات المسلمات منها :

1- محاربة النظام الحاضر والمذاهب المعاصرة القائمة على غير الإسلام ، وتصحيح الأوضاع الحالية ، سواء من وجهة نظر المجتمع أو الدولة للمرأة والإقرار لها ، بحقوقها كاملة ، والنظر إليها نظرة الاحترام والتقدير الواجبة ، وذلك عن طريق خطوتين إحداهما إيجابية والأخرى سلبية .

أ) فالإيجابية أن جهودنا ستأخذ شكلا عمليا ، يتجه إلى البناء بالتكوين التربية ، أي بالعمل على تكوين المجتمع الصالح ، وبالتالي تقديم نماذج للمرأة المثالية لتحققها بالمبادئ التي تريدها وتدعو إليها .

ب) والسلبية هي أننا سنعبئ الجهود ونوجهها إلى نسف قواعد النظم الحاضرة للمرأة بما فيها من إباحية وفسق وفجور وتمرد على قواعد الخلق والفضيلة .

2- إعلان الثورة على النظم القائمة ، وتجنيد المرأة لقيادة هذه الثورة وتحقيق الغاية الإصلاحية المطلوبة .

3- الثورة لحماية المرأة ، وصيانة أعراض الأمة ، والمرأة نفسها هي التي ستحمل علم هذه الثورة ، لإحداث الانقلاب الذي سنهيئ له .

4- تحريض المرأة على الثورة حتى تثور ، وذلك بتنويرها ، وإماطة اللثام عما يخفى عليها من الحقائق المستورة ، وسنقنعها بأن بقاء هذه الحال إصرار على المضي في سياسة امتهانها وتحقيرها والاتجار بشرفها ، واعتبارها متاعا يباع ويشترى ، ويعرض ويباح ، حيث يهوى الفجرة المخادعون ، وأنها بذلك الوضع المهين تخسر كل الميادين ، ولا تكسب شيئا .

تلك خطوة رئيسية ، ومادة أساسية في رأس المنهاج ، ثمارها تعبئة المرأة ـ ، لقيادة النهضة النسائية السليمة ، وإعدادها لهذه القيادة .

5- إعلان حقوق المرأة الإنسانية ، وتسليمها زمام قيادة النهضة النسائية ، على أساس نظام عام مستمد من دستورية القرآن ، وروح النظام الإسلامي ، بأن يشمل هذا الإعلان تقرير حريتها الصحيحة ومنحها حقوقها الطبيعية ، العامة والخاصة ، والاعتراف بمساواتها بالرجل فى الحقوق الإنسانية العامة، التى لا تتعارض مع أداء وظيفتها الخاصة للمجتمع .

6- تحديد رسالة المرأة الإصلاحية ، ووظيفتها الاجتماعية ، وهي : تكوين المجتمع الصالح وتعهده ، في حراسة الفضائل الاجتماعية العليا ، وهي بهذا توجد قانونا جامعا ومعنى واسعا ينسحب على كل ما يمكن أن تستحدثه من التعبيرات ، أو تتطور إليه المطالب والحاجات ، ما دامت نامية في ظل المثل الأخلاقية العليا ، فإذا جندنا المرأة في أعمال البر والخير ، وأطلقناها في ميدان النشاط الاجتماعي في أي صورة من صوره ، كان ذلك داخلا في رسالتها .

وإذا أسندنا إليها القيام بمهمتها الأصلية الطبيعية في البيت ، كزوجة وأم صالحة تقدم الفرد النافع ، الذي تتكون منه الجماعة ، كان هذا من صميم رسالتها .

وإذا ساهمت في أي ميدان من ميادين العمل التي تناسبها ويتلاءم مع طبيعتها ، فإن هذه المساهمة عمل تؤدي به جزءا هاما من رسالتها .

وإذا تقدمت لحمل أعباء الجهاد الوطني ، وشاركت بجهودها ، وبعقلها وبثقافتها وبتجاربها وخبرتها ، وبكل صور المشاركة التي تناسبها ولا تتعارض مع روح الدستور الإسلامي العام ، وإذا هبت للمطالبة بحقوقها التي اعترف لها بها الإسلام ، ونظمت طرائق الجهاد لإقرار هذه المبادئ وتطبيقها عمليا ، والثورة على ما عداها من مذاهب الظلم والفوضى الاجتماعية ، كان ذلك أول واجب رئيسي تحث عليه رسالتها وتأمر به .

تعهد نظام الأسرة عن طريق التشريع وتعهد المرأة نفسها وحمايتها بقوة القانون .

8- في الجانب الاقتصادي :

قسم المؤلف جهود الإخوان المسلمين في هذا الجانب إلى قسمين :

أولا : دعم الاقتصاد القومي .

ثانيا : تشجيع الادخار في الطبقات الشعبية .

وقد أنجزت الجماعة في دعم الاقتصاد القومي ما يلي :

أ) ركة المعاملات الإسلامية : تكونت برأسمال قدره عشرون ألف جنيه مصري وكان محور الشركة إنشاء خطوط نقل عام وإقامة مصنع كبير للنحاس .

ب) الشركة العربية للمناجم والمحاجر :

تكونت الشركة برأسمال قدره ستون ألف جنيه ومحورها صناعة البلاط بأنواعه .

ج) شركة الإخوان المسلمين للغزل والنسيج :

تكونت الشركة برأسمال قدره ثمانية آلاف جنيه ومحورها صناعة الأقمشة بأنواعها .

د) شركة المطبعة الإسلامية :

تكونت برأسمال قدره سبعون ألف جنيه تولت هذه الشركة طباعة كتب الإخوان ومجلاتهم .

هـ) شركة الإخوان للصحافة :

تكونت برأسمال قدره خمسون ألف جنيه ومحورها الطباعة والنشر .

و) شركة التجارة والأشغال الهندسية :

تكونت برأسمال قدره أربعة عشر ألف ومحورها القيام بالأعمال والمشاريع الهندسية .

ز) شركة التوكيلات التجارية :

وهي الشركة التي توسعت وازدهرت حتى شملت أكثر البلاد المصرية ولم يحدد المؤلف لها رأسمال معين ، ولا محور عملي معين .

ح) شركة الإعلانات العربية :

ومحورها الإعلانات العامة بكل وسائل الإعلان ، ولم يحدد لها المؤلف رأس ما لمعين أيضا .

أما القسم الثاني وهو تشجيع الادخار :

فجميع الشركات الإخوانية موزعة على أسهم ذات قيمة منخفضة ، بحيث يشترك فيها أكثر أعضاء الجماعة ومن ثم تعود الأرباح على أكبر عدد ممكن ، وبذلك يربو الادخار العام ، وتشجيع رؤوس الأموال الصغيرة .

9- وفي الجانب الصحي :

جعلت الجماعة قسما طبيا نصت لائحته على الأغراض الآتية :

أ) إنشاء العيادات والمستوصفات والمستشفيات ، والإشراف على تنظيمها وإدارتها .

ب) العمل على تحقيق التأمين الصحي لأفراد الجماعة .

ج) العمل على رفع المستوى الصحي ، والدعوة الصحية لجميع طبقات الشعب بكل الوسائل .

د) توثيق الصلة بين الهيئات الطبية والعالمية ، وبين القسم عن طريق تبادل المعلومات .

وقد نشط القسم في الوصول إلى أغراضه ، فحقق الإنشاءات الآتية :

1- افتتح مستوصفا في إحدى عيادات الإخوان بلغ عدد الذين انتفعوا من خدماته 22877 لعام 1945 فقط ثم تزايد عدد المنتفعين من خدماته حتى بلغوا ما يقارب 51340 في العام الواحد .

2- أنشأ القسم مستوصفا في طنطا وبلغ عدد المستفيدين منه ما يقارب خمسة آلاف مريض في العام الواحد.

3-أنشأ القسم مستوصفا في شبرا وبلغ عدد المستفيدين منه لعام 1947م 27000 مريضا .

4-قام القسم بإنشاء مستشفى عام لاستقبال المرضي من كل طبقات الأمة .

5- وقد أنشأ أخيرا في القاهرة والجيزة فقط 17 مستوصفا ذكر المؤلف عناوينها وعدد المرضى الذين راجعوها بالتفصيل .

هذه بعض من جهود الجماعة اختصرتها من كتاب ( الإخوان المسلمين والمجتمع المصرى ) ، وهى

جهود الجماعة فى القطر المصرى فقط ، وقل مثل ذلك فى باقى البلاد الإسلامية ، التى ترعرعت الجماعة فيها ، مثل سوريا السودان والعراق وغيرها.

13 – الإخوان والسياسة :

لجماعة الإخوان باع كبير فى السياسة وهى التهمة التى يوجهها إلى الجماعة كثير من المغفلين والمستغفلين ، عن الأهمية التى يوليها الدين الإسلامى لسياسة ونظام الحكم .

وكثر حديث الناس واتهامهم ، وفى إحدى خطب مؤسس الجماعة رد هذه التهمة ، بقوله : ( يقول قوم أن الإخوان المسلمين قوم سياسيون ، ودعوتهم دعوة سياسية ، يا قومنا إننا نناديكم والقرآن في يميننا ، والسنة في شمالنا ، وعمل السلف الصالحين من أبناء هذه الأمة قدوتنا ، وندعوكم إلى الإسلام ، وأحكام الإسلام ، وهدى الإسلام ، فإن كان هذا من السياسة عندكم ؟؟ فهذه سياستنا ، وإن كان من يدعوكم إلى هذه المبادئ سياسيا ؟ فنحن أعرق الناس والحمد لله في السياسة ) .

ويقول في موضع آخر : ( إذا قيل لكم إلام تدعون ؟ فقولوا ندعوا إلى الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ، والحكومة جزء منه ، والحرية فريضة من فرائضه ، فإن قيل لكم هذه سياسة فقولوا هذا هو الإسلام ) .

وتوج مرشد الجماعة الأول هذه الأقوال  : برسالة إلى ملوك ورؤساء الدول العربية والإسلامية في عهده ، بين فيها أحكام الإسلام ، ومزاياه في كافة جوانب الحياة الإنسانية ، وأنه أفضل المناهج لتسيير الأمة سيرا صالحا في كل شئونها .

ثم مرت الجماعة بعد ذلك بمعارك سياسية كبيرة وكثيرة ، مع الحكومات المصرية منذ عام 1355 هـ إلى عصرنا الحاضر ، كما أشار إلى ذلك الحسيني بقوله : ورفع البنا سنة 1355 هـ / 1936 م خطابا إلى الملك فاروق وملوك العالم الإسلامي يدعوهم فيه إلى طريق الإسلام وأصوله وقواعده .

أوذيت الجماعة في هذه المعارك إيذاءا شديدا وخرجت منها منتصرة ظافرة قتل خلال هذه المعارك الكثير من رجالاتها وفي مقدمتهم مؤسس الجماعة الشهيد حسن البنا .

14- تقويم الجماعة :

مما سبق من الكلام عن الجماعة ومؤسسها وغايتها ووسائلها وأفكارها وما امتازت به من خصائص وسمات ، نستخلص ما يلي :

أ) جعل الجماعة كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وعلم السلف الصالح مرجعها ، وإليه تحتكم في كل خطواتها ، أمر أقامت به الحجة على كل مسلم بأنه لا يحق له أن يتحرك في دعوته إلى الله في غير إطارها ، لأن كل مسلم مطالب بأن يحتكم في كل حركة وسكنه في حياته إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم .

قا لتعالى : " فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر " .

وقال تعالى : " وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا " .

ب) أن الجماعة امتازت عن غيرها من الجماعات الإسلامية بأن أخذت في اعتبارها شمول الإسلام ، وإحاطته بكل شئون الإنسان على هذه الأرض ، فلم تجعل في نفسها جماعة سياسية فقط ، أو جماعة إرشادية وعظية وحسب ، أو جماعة خيرية فقط ، أو جماعة موضعية محدودة المقاصد بل جماعة جمعت في دعوتها كل تعاليم الإسلام ومطالبه من هذه الإنسانية .

قال مؤسسها :

( أيها الإخوان أنتم لستم جمعية خيرية ولا هيئة موضعية ولا حزبا سياسيا ولكنكم روح جديدة يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن ونور جديد يشرق فيبدد ظلام إعادة بمعرفة الله وصوت مدو يعلو مرددا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ) .

وبهذا فهي جماعة ضمت كل غايات ووسائل الجماعات الإسلامية في عصرنا الحاضر وزادت على تلك الجماعات ما فرطت فيه ولم تهتم به من تعاليم الإسلام ، بشمول دعوتها لكل التعاليم والأحكام الإسلامية . قال تعالى : " ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين " .

ج) إنها جماعة منظورة في خطتها العملية ، وهذه الصفة فيها تعني أن الخطوط العريضة للجماعة ، تتسع لكل جديد في حركة الناس ، في كل زمان ومكان .

فالدعاة الذين يعيشون في بلد فيه حركة العمل الجماعي فخطوط الجماعة تساير ذلك الوضع ، والدعاة في بلد نظامه عكس نظام البلد الأول ، فخطوط الجماعة تسايره ، وبلد فيه الدعوة مبتدئة ، فخطوط الجماعة ترتب ذلك الوضع ، وكذا إن كانت الدعوة في بلد الدعوة فيه عريقة فخطوط الجماعة تساير ذلك الوضع . يقول صاحب دعوة الإخوان المسلمين بعد خمسين عاما :

( إنه لابد من تطوير الجماعة يوميا ، وبشكل دائم ، حتى تكون في كل لحظة على مستوى الأحداث التي تواجهها ، وعلى طريق الأهداف التي ينبغي أن تحققها ) .

ويقول : ( نحن جماعة يحكمها في سيرها شيئان : حكم الله تعالى ، ثم الشورى ، وعن الشورى تنبثق القاعدة ، وبالشورى تتطور القاعدة ) .

فبهذين الحكمين : حكم الله ، ثم الشورى ، تستطيع الجماعة أن تصل إلى الحكم المعصوم في سيرها .

لعصمة حكم الله تعالى ، ولأن الأمة الإسلامية لا تجتمع على ضلالة وبهما تستوعب خطة الجماعة كل جديد .

د) وهي جماعة يتضح من غاياتها ، ارتباط طموحها بطموح الإسلام .

فالإسلام جاء للبشرية كافة وهو يطالب الأمة الإسلامية بأن تبلغه إلى كل البشرية وتكون هي الموجهة لهذه البشرية .

وغاية الجماعة العليا تعانق ذلك الطموح الإسلامي والسعي إليه يقول مؤسس الجماعة فى آخر سرده لغايات الجماعة :

(وأستاذية العالم بنشر دعوة الإسلام في ربوعه حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله ) .

هـ) وعلى الرغم مما اتصفت به الجماعة من صفات حميدة ، فإنها مجموعة من البشر تخضع في خططها ، واجتهاداتها ، لقاعدة القصور البشري ، والضعف البشري ، والخطأ البشري . ومن خلال تصفحي لتاريخ الجماعة أخذت عليها ما يلي :

1- تحديدها لمرحلة المواجهة مع الباطل قبل أن تمتاز عنه ، ففي عقدها الأول اتخذت موقفا معاديا من جميع الأحزاب السياسية في مصر ، وطالبت الدولة بإلغائها ، وكذلك واجهت الجماعة التبشير وأعلنت موقفها منه وطالبت الدولة بتشديد الرقابة عليه .

وفي سنة ستة وثلاثين أي قبل أن تتجاوز السنة العاشرة من تأسيسها دخلت في صراع مع الدولة .

هذه المواقف من الأحزاب ، وهي تمثل ملايين من الشعب المصري ومن التبشير وهو يمثل الصليبية العالمية ، ومن الجولة وهي المدعومة من بريطانيا في ذلك الوقت ، كونت جبهة معادية للجماعة ، أحاطتها من كل جانب ، متعاونة كلها على ضربها ، وإفنائها ، في الوقت الذي حددت الجماعة هذه المواقف قبل أن تمتاز عن تلك الجبهات وقبل أن تحدد الأرض الصلبة التي يمكنها أن تقف عليها وهي لا تخشى أن تضرب من الخلف ، فكان ما كان من ضرب الجماعة ، وقتل قادتها ، وتشريد رجالها ، ومصادرة أموالها ، وممتلكاتها .

على الرغم من أن هذا المعلم – الذي هو التميز ، وتحديد الأرض التي ستقف عليها الدعوة ، قبل أن تعلن مواجهتها للجبهات المعادية لها ، واضح تمام الوضوح في كتاب الله تعالى ، وسيرة رسوله صلى الله عليه وسلم . أ) قال تعالى : " وأوحينا إلى موسى وأخيه أن تبوءا لقومكما بمصر بيوتا واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة وبشر المؤمنين " .

فالآية جاءت في سياق ما قبل المواجهة مع فرعون وجنوده ، تطلب من موسى وأخيه هارون عليهما وعلى نبينا أفضل الصلاة والتسليم ، أن يعينا أرضا يقيمان عليها بيوتا لمن استجاب لدعوتهما من المؤمنين من قومهما .

ب) وفي سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من دليل على وجوب تحديد الأرض ، والتميز عن الباطل ، قبل مواجهته.

1- فطلبه عليه السلام من الصحابة الهجرة إلى الحبشة أولا ، وثانيا ، فيه دليل على التميز والبحث عن الأرض التي يمكن أن تقف عليها الدعوة عند المواجهة مع الباطل .

2- خروجه صلى الله عليه وسلم بنفسه إلى الطائف من أوضح الأدلة على بحث الدعوة عن الأرض ، والمكان الذي يمكن أن تتحصن فيه الدعوة ، وتنطلق منه عند المواجهة مع الباطل .

3- عرضه صلى الله عليه وسلم نفسه على القبائل واشتراطه الحماية ، من أكبر الأدلة على وجوب تأمين المكان الذي ستنحاز إليه الدعوة عند المواجهة مع الباطل .

وأخيرا هجرته عليه السلام إلى المدينة بعد مقدمات كثيرة لها .

هذه المساعي كلها لتأمين ذلك القصد كانت في مرحلة الأمر العام إلى كل فرد في جماعة الرسول صلى الله عليه وسلم بالكف والصبر على أنواع الأذى ، الذي يصدر من الجهات المعادية للدعوة وأفرادها في مكة المكرمة ، وهو الأمر الذي لم ينته مفعوله إلا بعد أن حددت الدعوة المكان الذي يمكن أن تضع عليه أقدامها مخافة ضربها من خلفها .

عندئذ صدر أمر المواجهة وهو الأمر الذي ألغى الأمر الأول بالصبر ومهادنة الجبهة المعادية ، قال تعالى : " أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير" .

قال صاحب تفسير الجلالين : ( وهذه أول آية نزلت في الجهاد ) ووضح ذلك القرطبي بقوله : ( وهذا ناسخ لكل ما في القرآن من إعراض وترك وصفح ) .

ويؤكد هذا المعنى أحاديث السمع والطاعة التي تزخر بها كتب السنة المشرفة , والعبارات المشهورة في مخاطبة تلك القيادة لزعماء وقيادات العصر الذي تبعث فيه مثل (أسلم تسلم) ومثل (جئنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ) .

ج) وأنه لمن القصور أن تشترط الجماعة في العضو الذي يريد أن ينضم إليها الشروط الكثيرة ثم تسلم ومام الأمور في الشعب التي هي جزء منه إلى قيادة من خارج صفوفها بدون قيد أو شرط ، في الوقت الذي هي قادرة على أخذ المبادرة ، وتسلم القيادة حسب ما سردنا من خلال أقوال معاصريها في تلك الفترة .

د) ولقد كان هذا الموقف من الجماعة نكبة عليها ، وقتلا وتشريدا برجالها ، ومصادرة لأموالها وممتلكاتها ، بل نكبة حرمت الأمة الإسلامية كلها من فرصة حكم إسلامي ، ينطلق من أرض الكنانة ، ليظلل أنحاء البلاد الإسلامية ، موقف محق الجماعة مرة ثانية في عهد مرشدها الثاني حسن الهضيبي .

وإني لأهيب بالجماعة أن لا تلدغ من جحر واحد مرة ثالثة ، وأهيب بكل الجماعات الإسلامية أن لا تقع فيما وقعت فيه جماعة الإخوان المسلمين .

ويقول د. الحسيني : ( واشتراك الإخوان في حرب فلسطين أتاح لهم التسلح والتمرن على القتال ، كما كشفت هذه الحرب عن مدى استعدادهم الحربي ومدى نفوذهم ، حتى خشيت حكومة النقراشي سطوتهم ) .

ويقول د. زكريا بيومي في سرده لأسباب حل جماعة الإخوان سنة 1948 م ( أن الحكومة قد تخلصت بهذا من ألد خصومها ، التي كانت دولة داخل الدولة ) .

وقرار الدكتور ريتشارد ميتشيل ( إن عدد الجماعة في سنة 1948 م – سنة 1950 مليون رجل ، وأن عدد الجوالة " الجهاز السري" فيها سبعون ألف رجل مسلح ) والذي قسمته مجلة المناضل البقية إلى ثلاثة أقسام ، وتحت كل قسم تشكيلات كثيرة ، وأنه مدربا تدريبا قاسيا ، وعودت الجماعة أفراده على الإخلاص والتضحية .

ويقول جما البنا عنها : ( إنها أكبر الهيئات السياسية في مصر دون منازع ) .

إن جماعة هذه قوتها بشهادة أعدائها ، لجماعة تستطيع أن تفعل شيئا لو كان في خطتها ذلك ، ولكنها جنحت إلى تقديم النصح والتوجيه إلى حكومات تلك الفترة ، دون أن تتقدم هي لتسلم ومام الحكم ، وهو موقف قاصر في فهم مسار الحركة الإسلامية ، بقيادة الرسل عليهم أفضل الصلاة والتسليم .

أ) واضح من سنن الله تعالى عندما يريد تغيير قيادة بشرية بقيادة أخرى يبدأ بخلق زعيم تلك القيادة ورائدها .

وقال تعالى : " ولتصنع على عيني " .

وقال تعالى : " ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون ، وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين " .

فمن هذه القصة ، ندرك إرادة الله تعالى بجعل بني إسرائيل وهم المستضعفون في الأرض – أئمة ، ثم بدأت المشيئة الإلهية بتربية الزعيم الذي سيتولى قيادة ذلك التغير ، ومتابعة أطوار حياته . ونلمس هذا المعنى بعمق عندما اصطفى الله تعالى آل ابراهيم ، وآل عمران على العالمين ، ثم امرأة عمران تنذر ما في بطنها لله ، ثم يكون ما في بطنها أما لزعيم يتابع مسيرة موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ، ذلك الزعيم هو سيدنا عيسى ابن مريم عليه السلام .

ونلمسه أيضا والرب سبحانه يتولى محمدا صلى الله عليه وسلم من اللحظات الأولى من حياته ، قال تعالى : " ألم يجدك يتيما فآوى ، ووجدك ضالا فهدى ، ووجدك عائلا فأغنى " .

وقال تعالى : " ألم نشرح لك صدرك ، ووضعنا عنك وزرك ، الذي أنقض ظهرك ، ورفعنا لك ذكرك " .

ب) وهذه الزعامة عندما تأتي لتغير ، لا تأتي لتقدم إلى القيادة السابقة النصح ، والتوجيه ، وتبقى هي بعيدة عن أجهزة التنفيذ ، بل تأتي لتطلب من تلك القيادة اتباعها ، والسير خلفها ، والانقياد لتوجيهاتها وأوامرها .

قال تعالى : " قال يا قوم اتبعوا المرسلين " .

قال تعالى :" وقال الذين آمن يا قوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد " .

قال تعالى : " إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله " .

قال تعالى : " وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري " .

هذه الأدلة وغيرها كثير توجب على كل دعوة إسلامية في خطتها مواجهة الباطل أن تمتاز عنه جسدا وأرضا أولا ، ثم تعلن بعد ذلك مواجهتها له وتصديها لطغيانه .

أما أن تبقى في وسط ذلك الباطل وتعلن معاداته ، ومحاربتها ، فهذا عين الخطأ ، ومجانبة الصواب ، وهذا ما وقعت فيه جماعة الإخوان المسلمين في مصر .

2- ثقتها وحسن ظنها بالقيادات التي عاصرتها :

المأخذ الثاني على الجماعة : هو ثقتها بغيرها من القيادات في تحقيق أهدافها ، يتضح ذلك من خلال تقديم الجماعة قيادات من غير الجماعة لتسلم زمام الحكم في البلاد ، ثم طلبها بجعل نظام الحكم إسلاميا ، في الوقت الذي كانت تستطيع فيه هي أخذ هذه المبادة وتسلم زمام الحكم في البلاد .

وعلى الرغم من علم قيادة الجماعة أن تلك تعطي ولائها لجهات خارجية ، فما من حزب في مصر تولى الحكم في الفترة من سنة 1936 – 1952 م إلا وهو مدعوم من الإنجليز ، وموجه من قبلهم والجماعة في تلك الفترة كانت قادرة على تسلم مقاليد الحكم في مصر ، ومما يشهد على قوتها في تلك الفترة قول الدكتور زكريا بيومي :( وحقيقة الأمر هي أن الإخوان في سنة 1948 م أكبر جماعة مسلحة خاصة بعد حرب فلسطين ) .

هـ) وأخيرا فإنني مؤمن بأقدار الله ومشيئته النافذة في كل شيء وكون أن الجماعة الإسلامية لم تتسلم زمام الحكم على حين أنها مؤهلة لذلك عيب في نظري ، فقد يكون ما حصل للجماعة من تأخر في ذلك ، وتعذيب ، ونتائج سلبية ، لحكمة أرادها الله سبحانه ، ولأجل أن تعتبر أولو الألباب من أرباب الدعوات الإسلامية ، ويأخذوا الأمور بجدية ودراسة قوية .

قال تعالى : " وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين " .  

الخاتمة

وتتضمن خلاصة موجزة عن مباحث الرسالة

خاتمة البحث

توصلت من خلال هذا البحث إلى قناعة تامة ، ويقين ثابت إلى الآتي :

1- أن الأمة الإسلامية تفقد شيئا عظيما هو الخليفة ، ومن ثم فهي تفقد الحكم بما أنزل الله تعالى .

2- وأن فرض العصر واللحظة على الأمة الإسلامية أن تسعى بكل وسعها لإقامة الخليفة .

3- وأن نظام حكم ذلك الخليفة شورى ، ينبثق من سواد الأمة ، ينبثق من تلك الشورى خليفة المسلمين .

4- وتوصلت إلى يقين ثابت أن هذا الحكم آت لا محالة ، وأنه حكم على نهج النبوة كما أخبر بذلك الذي لا ينطق عن الهوى .

5- وأن فجر ذلك الحكم قد أوشك ، لما في العالم الإسلامي من إشارات لظهوره وإشعاعات لبزوغه .

6- وأن الطريق إلى إقامة ذلك الخليفة – أن تعزم جماعة من الناس في كل قطر إسلامي على إقامته وجعله هدفها الأول .

7- وأن الطريق إلى هذه الجماعة :

أ) أن يلتزم واحد أو أكثر بالإسلام والعمل على إقامة دولته .

ب) ثم يلتزم كل واحد من أولئك العاملين للباقين أن يأتي كل واحد منهم في زمن معين بواحد أو أكثر على ذلك الهدف الأسمى والعمل على تحقيقه بذلك ستتكون تلك الجماعة الملتزمة . 8- ونقطة الانطلاق في تلك الطريق إلى إقامة تلك الجماعة :

أ) البدء بمن تعول .

ب) ثم الأقرب فالأقرب " وأنذر عشيرتك الأقربين ........ " .

9- وأن هذه الطريق : هي الطريق التي سار عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته حتى أقام دولته العظمى .

10- وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قسم رحلته في الدعوة إلى ثلاثة أقسام ، كل قسم منها يكمل الآخر ، وجعل صلى الله عليه وسلم لكل قسم وقته وغايته ، ووسيلته ، بحيث توصل غاية القسم الأول إلى القسم الثاني ..... وهكذا .

11- وأن هذه الأقسام هي :

أ) نشره صلى الله عليه وسلم للأهم فالأهم من مبادئ الإسلام وتعاليمه .

ب) ثم تكوين من استجاب له على تعاليم الإسلام .

ج) ثم إرغام من صد عن الإسلام على النزول على حكم الإسلام .

12- وأنه صلى الله عليه وسلم قد سن لرحلته تلك عوامل صيانة تقي الجماعة مكائد الأعداء ، وتهون عقبات الطريق على أفرادها .

13- وتوصلت إلى ثلاثة منها وهي :

أ) السرية في الحركة التنظيمية .

ب) الصبر على متاعب الطريق .

ج) إبعاد الأفراد المستجيبين عن ساحة المواجهة مع العدو .

14- وتوصلت إلى أن طبيعة الطريق إلى إقامة الخلافة الإسلامية ، شاقة فهي محفوفة بالمكاره قبل النصر ، مزدانة بالشهوات بعده وأن المطلوب الثبات على الحق في كلا الجانبين .

15 – ثم توصلت إلى أن جماعات إسلامية قد سلكت هذا الطريق ، ثم أن تلك الجماعات منها : محدودة الغاية ، والوسيلة ، فهي لا توصل إلى الغاية المرجوة ، وهي مرفوضة في شرع الإسلام .

ومنها الكاملة الغايات ، والوسائل ، فهي التي تعانق كمال الإسلام وسموه ، وهي المقبولة في شرعه ، والمنسجمة مع منهجه .

16- وتوصلت إلى أن الجماعات ذات الكمال والشمول في الغايات والوسائل ، هي الجديرة بأن يعطيها كل مسلم ولاءه ، ونصرته وأن كل مسلم يتأخر عن ذلك ، فهو آثم ومقصر والله تعالى أعلم .  

الوثائق الملحقة بالرسالة

الملحق الأول : الوثيقة الخطيرة لضرب الدعوة الإسلامية في مصر .

الملحق الثاني : التقرير الخطير المعد لتصفية الاتجاه الديني في مصر والعالم الإسلامي .

الملحق الثالث : التقرير الخطير الذي رفعه إلى إدارته كبير المخابرات الأميريكية في الشرق الإسلامي .  

ملحق رقم (1)

وهو نص الوثيقة الخطيرة التي قدمها المسئولون عن إبادة الحركة الإسلامية في مصر عام 65 – 67 م إلى رئيس الجمهورية في ذلك الوقت وقد أقرها الرئيس ، ونفذت حرفيا في الدعوة الإسلامية ، نرفقها ملحق لهذه الرسالة ليتعظ بها الدعاة إلى الإسلام . وهو عن رسالة طبعت ووزعت في المملكة العربية السعودية عام 65م ونصها كما يلي :

بناء على أمر السيد رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة عليا لدراسة واستعراض الوسائل التي استعملت والنتائج التي تم الوصول إليها بخصوص مكافحة جماعة الإخوان المسلمين المنحلة ولوضع برنامج لأفضل الطرق التي يجب استعمالها في قسمي مكافحة الإخوان بالمخابرات والمباحث العامة لبلوغ هدفين :

1- غسل مخ الإخوان من أفكارهم .

2- منع عدوى أفكارهم من الانتقال لغيرهم .

اجتمعت اللجنة المشكلة من :

1- سيادة رئيس مجلس الوزراء .

2- السيد قائد المخابرات .

3- السيد قائد المباحث الجنائية العسكرية .

4- السيد مدير المباحث العامة .

5- السيد – مدير مكتب السيد – المشير .

وذلك في مبنى المخابرات العامة بكوبري القبة . وعقدت اجتماعات متتالية . وبعد دراسة كل التقارير والبيانات والإحصائيات السابقة أمكن تلخيص المعلومات المجتمعة في الآتي :

1- تبين أن تدريس التاريخ الإسلامي في المدارس للنشء بحالته القديمة يربط السياسة بالدين في لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر ويسهل تتابع ظهور معتنقي الأفكار الإخوانية .

2-صعوبة واستحالة التمييز بين أصحاب الميول والنزعات الدينية وبين معتنقي الأفكار الإخوانية وسهولة فجائية تحول الفئة الأولى إلى الثانية بتطرف أكبر .

3- غالبية أفراد الإخوان عاش على وهم الطهارة ولم يمارس الحياة الاجتماعية الحديثة ويمكن اعتبارهم من هذه الناحية (خام) .

4- غالبيتهم ذوو طاقة فكرية وقدرة تحمل ومثابرة كبيرة على العمل وقد أدى ذلك إلى اضطراد دائم وملموس في تفوقهم في المجالات العلمية والعملية التي يعيشون فيها وفي مستواهم العلمي والفكري والاجتماعي بالنسبة لأندادهم رغم أن جزءا غير بسيط من وقتهم موجه لنشاطهم الخاص بدعوتهم المشئومة .

5- هناك انعكاسات إيجابية سريعة تظهر عند تحرك كل منهم للعمل في المحيط الذي يقتنع به .

6- تداخلهم في بعض ودوام اتصالهم الفردي ببعض وتزاورهم والتعارف بين بعضهم البعض يؤدي إلى ثقة كل منهم في الآخر يقة كبيرة .

7- هناك توافق روحي وتقارب فكري وسلوكي يجمع بينهم في كل مكان حتى ولو لم تكن هناك صلة بينهم.

8- رغم كل المحاولات التي بذلت منذ سنة 1936 لأفهام العامة والخاصة بأنهم يتسترون خلف الدين لبلوغ أهداف سياسية إلا أن احتكاكهم الفردي بالشعب يؤدي إلى محو هذه الفكرة عنهم رغم أنها بقيت بالنسبة لبعض زعمائهم .

9- تزعمهم حروب العصابات في فلسطين سنة 1948 والقنال 1951 رسب في أفكار الناس صورهم كأصحاب بطولات وطنية عملية وليست دعائية فقط بجوار أن الأطماع الإسرائيلية والاستعمارية والشيوعية في المنطقة لا تخفي أغراضها في القضاء عليهم .

10- نفورهم من كل من يعادي فكرتهم جعلهم لا يرتبطون بأي سياسة خارجية سواء غربية أو شيوعية أو استعمارية وهذا يوحي لمن ينظر لماضيهم بأنهم ليسوا عملاء وبناء على ذلك رأت اللجنة أن الأسلوب الجديد في المكافحة يجب أن يشمل أساسا بندين متداخلين وهما :

1) محو فكرة ارتباط السياسة بالدين الإسلامي .

2) إبادة تدريجية بطيئة مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم فعلا والموجود من معتنقي الفكرة .

ويمكن تلخيص أسس الأسلوب الذي يجب استخدامه لبلوغ هذين الهدفين في الآتي :

أولا : سياسة وقائية عامة :

1- تغيير مناهج تدريس التاريخ الإسلامي والدين في المدارس ، وربطهما بالمعتقدات الاشتراكية كأوضاع اجتماعية واقتصادية وليست سياسية مع إبراز مفاسد الخلافة وخاصة زمن العثمانيين وتقدم الغرب السريع عقب هزيمة الكنيسة وإقصائها عن السياسة .

2- التحري الدقيق عن رسائل وكتب ونشرات ومقالات الإخوان في كل مكان ثم مصادرتها وإعدامها .

3- يحرم بتاتا قبول ذوي الإخوان وأقربائهم حتى الدرجة الثالثة من القرابة من الانخراط في السلك العسكري أو البوليسي أو السياسي مع سرعة عزل الموجودين من هؤلاء الأقرباء من هذه الأماكن أو نقلهم إلى أماكن أخرى في حالة ثبوت ولائهم .

4- مضاعفة الجهود المبذولة في سياسة العمل الدائم على فقدان الثقة بينهم وتحطيم وحدتهم بشتى الوسائل وخاصة عن طريق إكراه البعض على كتابة تقارير عن زملائهم بخطهم ثم مواجهة الآخرين بها مع العمل على منع كل من الطرفين من لقاء الآخر أطول فترة ممكنة لتزيد شقة – انعدام الثقة – بينهم .

5- بعد دراسة عميقة لموضوع المتدينين من غير الإخوان وهم الذين يمثلون الاحتياطي لهم وجد أن هناك حتمية طبيعية عملية لالتقاء الصنفين في المدى الطويل .. ووجد أن الأفضل أن يبدأ بتوحيد معاملتهم بمعاملة الإخوان قبل أن يفاجئونا كالعادة باتحادهم معهم علينا .

ومع افتراض كبير لوجود أبرياء كثيرين منهم إلا أن التضحية بهم خير من التضحية بالثورة في يوم ما على أيديهم ولصعوبة واستحالة التمييز بين الإخوان والمتدينين بوجه عام فلابد من وضع الجميع ضمن فئة واحدة ومراعاة ما يلي معهم :

أ) تضييق فرص الظهور والعمل أمام المتدينين عموما في المجالات العلمية والعملية .

ب) محاسبتهم بشدة وباستمرار على أي لقاء فردي أو زيارات أو اجتماعات تحدث بينهم .

ج) عزل المتدينين عموما عن أي تنظيم أو اتحاد شعبي أو حكومي أو اجتماعي أو طلابي أو عمالي أو إعلامي .

د) التوقف عن السياسة السابقة في السماح لأي متدين بالسفر للخارج للدراسة أو العمل حيث فشلت هذه السياسة في تطوير معتقداتهم وسلوكهم وعدد بسيط جدا منهم هو الذي تجاوب مع الحياة الأوربية في البلاد التي سافروا إليها . أما غالبيتهم فإن من هبط منهم في مكان بدأ ينظم فيه الاتصالات والصلوات الجماعية أو المحاضرات لنشر أفكارهم .

و) التوقف عن سياسة استعمال المتدينين في حرب الشيوعيين واستعمال الشيوعيين في حربهم بغرض القضاء على الفئتين حيث ثبت تفوق المتدينين في هذا المجال ولذلك يجب أن تعطى الفرصة للشيوعيين لحربهم وحرب أفكارهم ومعتقداتهم مع حرمان المتدينين من الأماكن الإعلامية .

6- تشويش الفكرة الموجودة عن الإخوان في حرب فلسطين والقنال وتكرار النشر بالتلميح والتصريح عن اتصال الانجليز بالهضيبي وقيادة الإخوان حتى يمكن غرس فكرة أنهم عملاء للاستعمار في ذهن الجميع .

7- الاستمرار في سياسة محاولة الإيقاع بين الإخوان المقيمين في الخارج وبين الحكومات العربية المختلفة وخاصة في الدول الرجعية الإسلامية المرتبطة بالغرب وذلك بأن يروج عنهم في تلك الدول أنهم عناصر مخربة ومعادية لهم وبأنهم يضرون بمصالحها وبهذا تسهل محاصرتهم في الخارج أيضا .

ثانيا : سياسة استئصال ( السرطان ) الموجودة الآن :

بالنسبة للإخوان الذين اعتقلوا أو سجنوا في أي عهد من العهود يعتبرون جميعا قد تمكنت منهم الفكرة كما يتمكن السرطان من الجسم ولا يرجى شفائه ولذا تجرى عملية استئصالهم كالآتي :

المرحلة الأولى : إدخالهم في سلسلة متصلة متداخلة من المتاعب تبدأ بالإستيلاء أو وضع الحراسة على أموالهم وممتلكاتهم ويتبع ذلك اعتقالهم .

وأثناء الاعتقال يستعمل معهم أشد أنواع الإهانة والعنف والتعذيب على مستوى فردي ودوري حتى يصيب الدور الجميع ثم يعاد وهكذا وفي نفس الوقت لا يتوقف التكدير على المستوى الجماعي بل يكون ملازما للتأديب الفردي .

وهذه المرحلة إن نفذت بدقة ستؤدي إلى ما يأتي :

بالنسبة للمعتقلين : اهتزاز المثل والأفكار في عقولهم وانتشار الاضطرابات العصبية والنفسية والعاهات والأمراض فيهم .

بالنسبة لنسائهم : سواء كن زوجات أو أخوات أو بنات فسوف يتحررن ويتمردن بغياب عائلهن وحاجتهن المادية قد تؤدي إلى انزلاقهن .

بالنسبة للأولاد : تضطر العائلات لغياب العائل وحاجتهم المادية إلى توقيف الأبناء على الدراسة وتوجيههم للحرف والمهن وبذلك يخلو جيل الموجهين المتعلم القادم ممن في نفوسهم حقد أو ثأر أو آثار من أفكار أبائهم .

المرحلة الثالثة : إعدام كل من ينظر إليه بينهم كداعية ومن تظهر عليه الصلابة سواء ، داخل السجون والمعتقلات أو بالمحاكمات ثم الإفراج عن الباقي على دفعات مع عمل الدعاية اللازمة لانتشار أنباء العفو عنهم حتى يكون ذلك سلاحا يمكن استعماله ضدهم من جديد في حالة الرغبة في العودة إلى اعتقالهم حيث يتهمون بأي تدبير ويوصفون حين ذلك بالجحود المتكرر لفضل العفو عنهم .

وهذه المرحلة إن أحسن تنفيذها باشتراكها مع المرحلة السابقة ستكون النتائج كما يلي :

1- يخرج المعفو عنه إلى الحياة فإن كان طالبا فقد تأخر عن اقرانه ويمكن أن يفصل من دراسته ويحرم من متابعة تعليمه .

2- إن كان موظفا أو عاملا فقد تقدم زملاؤه وترقوا وهو قابع مكانه ويمكن أيضا أن يحرم من العودة إلى وظيفته أو عمله .

3- إن كان تاجرا فقد أفلست تجارته ويمكن أن يحرم من مزاولة تجارته .

4- إن كان مزارعا فلن يجد أرضا يزرعها حيث وضعت تحت الحراسة أو صدر بها قرار إستيلاء .

وسوف تشترك جميع الفئات المعفو عنها في الآتي :

1- الضعف الجسماني والصحى والسعي المستمر خلف العلاج والشعور المستمر بالضعف المانع من أية مقاومة .

2- الشعور العميق بالنكبات التي جرتها عليهم دعوة الإخوان وكراهية الفكرة والنقمة عليها .

3- عدم ثقة كل منهم في الآخر وهي نقطة لها أهميتها في انعزالهم عن المجتمع وانطوائهم على أنفسهم .

4- خروجهم بعائلاتهم من مستوى اجتماعي إلى مستوى أقل نتيجة لعوامل الإفقار التي أحيطت بهم .

5- تمرد نسائهم وثورتهن على تقاليدهم وفي هذا إذلال فكري ومعنوي لكون النساء في بيوتهن سلوكهن يخالف أفكارهم ، وتبعا للضعف الجسماني والمادي لا يمكنهم الاعتراض .

6- كثرة الديون عليهم نتيجة لتوقف إيراداتهم واستمرار مصروفات عائلاتهم .

النتائج الجانبية لهذه السياسة هي :

1- الضباط والجنود الذين يقومون بتنفيذ هذه السياسة سواء من الجيش أو البوليس سيعتبرون فئة جديدة إرتبط مصيرها بمصير هذا الحكم القائم حيث عقب التنفيذ سيشعر كل منهم أنه في حاجة إلى هذا الحكم ليحميه من أي عمل انتقامي قد يقوم به الإخوان كثأر .

2- إثارة الرعب في نفس كل من تسول له نفسه القيام بمعارضة فكرية للحكم القائم .

3- وجود الشعور الدائم بأن المخابرات تشعر بكل صغيرة وكبيرة وأن المعارضين لن يتستروا وسيكون مصيرهم أسوأ مصير .

4- محو فكرة ارتباط السياسة بالدين الإسلامي .

انتهى ويعرض (* ) على السيد جمال عبد الناصر .

إمضاء – السيد رئيس مجلس الوزراء .

إمضاء – السيد قائد المخابرات .

إمضاء – السيد قائد المباحث الجنائية العسكرية .

إمضاء – السيد مدير المباحث العامة .

إمضاء – السيد شمس بدران .  

ملحق رقم (2)

وهو التقرير المرفوع إلى حاكم مصر والمنقول نصا عن مجلة الأمان اللبنانية العدد 13 وتاريخ 30 جمادى الأولى 1399 هـ وننقله نصا هنا لتحذره الدعوة الإسلامية وتحتاط من مكائده وهو كما يلي :

تقرير مرفوع للسادات لمكافحة التيار الديني في مصر

مكتب الرئيس

الأمن القومي

السيد رئيس الجمهورية ..

بالإشارة إلى تعليمات سيادتكم بخصوص تكوين " لجنة مكافحة التطرف الإسلامي" لدراسة ومتباعة موضوع تحركات المنظمات والجمعيات والاتحادات الإسلامية وتقدم اقتراحات لمكافحة تسييس الدين ، أو تديين السياسة نرفع لسيادتكم التقرير النهائي المرفق ونرجو أن يحظى برضاء سيادتكم وموافقتكم على الاجراءات المقترحة حتى نبدأ في تنفيذها .

وقد عرض التقرير النهائي حسب تعليمات سيادتكم على مساعد الرئيس بيجن وعلى خبير الشؤون الإسلامية بالسفارة الأمريكية ، وقد اقترحا التعديلات المبينة بالتقرير .

وتجدوننا يا سيادة الرئيس رهن إشارتكم لحماية البلاد ومكاسب السلام الذي ححقتموه لنا بعد طول انتظار .


وتفضلوا سيادتكم بقبول أسمى آيات الولاء والإخلاص .

التوقيع حسن التهامي
موضوع التقرير مكافحة تسييس الدين أو تدين السياسة

مقدمة :

حسب تعليمات سيادتكم ، ضمت أقسام مكافحة جماعة الإخوان المسلمين المنحلة في مباحث أمن الدولة والمخابرات الحربية والمخابرات العامة " الأمن القومي " وكونت لجنة واحدة جديدة مختصة بهذا الموضوع مع توسعة صلاحياتها ومسؤولياتها ، وسميت اللجنة على حسب التعليمات " لجنة مكافحة تسييس الدين أو تديين السياسة " .

أعضاء اللجنة :

السيد حسن التهامي رئيسا .

السيد فكري مكرم عبيد – نائبا للرئيس .

السيد وزير الداخلية .

السيد رئيس المخابرات العامة والأمن القومي .

السيد رئيس مباحث أمن الدولة .

السيد رئيس المخابرات الحربية .

شخصيات استعانت اللجنة بآرائهم وخبراتهم :

1- السيد خبير المتابعة بالمباحث ( كانت مهمته في السابق تجميع وتحليل الأخبار والآراء في أوساط الإخوان المسلمين بالمدارس والجامعات وفي السجون والمعتقلات ) .

2- السيد نائب غبطة البابا المؤول عن التنسيق مع الجمعيات الإسلامية .

3- خبير الشؤون الإسلامية بالسفارة الأمريكية وهو المندوب المقيم في مصر للهيئة المسماة لجنة مكافحة التطرف الإسلامي التابعة لوكالة الأمن القومي الأميريكية .

4- مساعد الرئيس بيجن للشؤون الإسلامية .

حساسيات :

تسجل اللجنة الصعوبات التي قابلتها من تحرج وحساسيات بعض الشخصيات التي طلبتم منا الاستعانة بها ومشاركتها مثل نائب غبطة البابا والخبير الأمريكي ومساعد الرئيس بيجن ، حيث أنه رغم توضيحاتنا لهم أن اللجنة هيئة علمية وموضوعية بحتة ، تبحث الموضوع من الناحية العلمية ، ولا دخل لها بحساسيات دينية أو محلية ، وأننا بحاجة إلى خبرتهم في هذا الموضوع للوصول إلى الهدف في أقصر مدة ممكنة إلا أنهم أصروا ألا تذكر أراؤهم أو أسماؤهم في التقارير لتأكدهم من انتشار المتعاطفين مع المتطرفين الدينيين في الإدارة الذين نقترح تصفيتهم لأنه عن طريقهم تتسرب المعلومات .

تعميق مراجع الموضوع تاريخيا :

1- تقرير الإدارة البريطانية السابقة في العهد الملكي البائد .

2- تقارير البوليس السياسي في عهد الرئيس النقراشي والرئيس عبد الهادي .

3- تقارير الحكومة الوفدية .

4- تقارير المباحث العامة حتى سنة 1957 .

5- تقارير السفارة الروسية من سنة 1957 إلى 1970 م

6- تقرير اللجنة المؤلفة برئاسة رئيس الوزراء سنة 1965 .

حقيقة هامة :

التقرير الأخير رقم 6 وهو تقرير سنة 1965 بخصوص جماعة الإخوان المسلمين المنحلة اعتبر المحور الأصلي الذي دارت حوله المقترحات حسب الظروف الحاضرة حيث وجد أن التوقف عن متابعة تنفيذ هذا التقرير هو الذي أدى إلى استفحال المشكلة التي نحن بصدد علاجها الآن .

التقرير :

بعد دراسة واستعراض الوسائل التي استعملت والنتائج التي تم الوصول إليخا بخصوص مكافحة الإخوان المسلمين في السابق ومتابعة الجمعيات الدينية مثل : أنصار السنة ، عباد الرحمن ، التبليغ ، شباب محمد ، الجمعية الشرعية ، حزب التحرير والجمعيات الإسلامية بالكليات الجامعية والمعاهد والمدارس وأئمة المساجد المشهورين من ذوي الشعبية الملموسة ، وجد أن كل التركيز يجب أن يكون على مكافحة الإخوان المسلمين حيث أنهم تحولوا من جماعة دينية إلى مدرسة فكرية أممية تتحرك بلا مركزية ، وتضحي ببعض العناصر المكشوفة للظهور العلني ، وتترك باقي الأفراد مهمتهم كلهم التحرك السري لنشر الأفكار وتوسعة رقعة الأتباع في المحيط المحلي والدولي . وقد رأت اللجنة أنه ليس من المستبعد أن أفكارهم وخططهم هي التي طبقت في الثورة الدينية في إيران بواسطة الخميني حيث أثبتت التحقيقات أن خطة الهضيبي سنة 1954 في محاولة القيام بثورة دينية أجهضتها السلطات المصرية هي في غالبيتها نفس الخطة التي طبقها أعوان الخميني ، وهي بث الفتنة والتحريض الشعبي في مظاهرات دائمة تغذيها أبواق من خطباء أئمة المساجد ورجال الدين وتحرسها فئات مسلحة ومدربة .

وذلك سوف يثير البلبلة والتردد في صفوف رجال الشرطة والجيش والإعلام والسياسة الذين ستنتابهم حتمية إعادة النظر في المستقبل ، هل سيكون للحكومة التي سيطيعونها ، أم لمدبري الثورة التي ستحاكمهم وتنتقم منهم على مقاومتها إن نجحت .

بناء عليه ، تحددت أهداف العمل المقترح في الآتي :

1- رصد أفراد جماعة الإخوان وأتباعهم .

2- غسل مخهم من أفكارهم .

3- منع عدوى أفكارهم من الانتقال لغيرهم .

ملخص المعلومات المتجمعة التي حددت الخطة لبلوغ الأهداف :

1- تبين أن تدريس التاريخ الإسلامي للنشء في المدارس بحالته الموجودة والتي تم تطويرها في الخمسة عشر سنة الماضية ما زال يربط الدين بالسياسة في لا شعور كثير من التلاميذ منذ الصغر ، مما يؤدي إلى ظهور معتنقي الأفكار الإسلامية .

2- صعوبة بل استحالة التمييز بين أصحاب الميول والنزعات الدينية وخاصة في الأوساط المثقفة وبين معتنقي الأفكار – حيث سهولة فجائية تتحول الفئة الأولى إلى الثانية بتطرف أكبر .

3- غالبية أفراد الإخوان ، يعيشون على وهم الطهارة ولم يمارسوا الحياة الاجتماعية الحديثة ويمكن اعتبارهم من هذه الناحية خام .

4- غالبيتهم ذوو طاقة فكرية ، وقوة تحمل ومثابرة كبيرة على العمل ، وقد أدى ذلك إلى اضطراد دائم ملموس في تفوقهم في المجالات العلمية والعملية التي يعيشون بها ، وفي مستواهم الفكري والاجتماعي والعلمي رغم أن جزءا غير بسيط من وقتهم موجه لنشاطهم الخاص في دعوتهم الخطيرة .

5- هناك انعكاسات إيجابية سريعة تظهر عند تحرك كل منهم لعملهم في المحيط الذي يقتنع به .

6- تداخلهم في بعض ، ودوام اتصالاتهم الفردية ببعض وتزاورهم والتعارف بين بعضهم البعض يؤدي إلى ثقة كل منهم بالآخر ثقة كبيرة ، ورغم أن جهدا كبيرا قد بذل لهز هذه الثقة خلال سنوات سجنهم بتحريض بعضهم على بعض ، وإراء البعض الآخر ولكن النتائج المتحصلة ذابت مع مرور السنين في لقاءاتهم في الحرية مرة أخرى .

7- هناك توافق روحي وتقارب فكري وسلوكي يجمع بين كلا منهم ، وحتى ولو لم تكن هناك صلة بينهم .

8- رغم كل المحاولات التي بذلت منذ سنة 1936 م لإفهام العامة والخاصة بأنهم يستترون خلف الدين لبلوغ أهداف سياسية إلا أن احتكاكهم الفردي بالشعب يؤدي إلى محو هذه الفكرة عنهم في بعض الأوقات ، وفي أوقات أخرى يؤدي لدى أخرين بالاقتناع بحتمية ربط الدين بالسياسة .

9- مشاركتهم في حروب العصابات في فلسطين عام 1948 م والقنال سنة 1951 قد رتب أفكار الناس على أنهم أصحاب بطولات وطنية عالية وليست دعائية فقط ، وأن الاهتمامات الاسرائيلية والعربية والشيوعية في المنطقة لا تخفي أغراضها في القضاء عليهم .

10- نفورهم من كل ما يناوئ فكرتهم ، جعلهم لا يرتبطون بأية سياسة خارجية سواء عربية أو شيوعية أو غربية وهذا يوحي باستقلالية أفكارهم .

بناء على ذلك رأت اللجنة أن الأسلوب الجديد للمكافحة يجب أن يشمل بندين متداخلين هما :

1- التركيز المستمر لمحو فكرة ارتباط السياسة بالدين .

2- إبادة تدريجية مادية ومعنوية وفكرية للجيل القائم فعلا من معتنقي هذه الأفكار . ويمكن تلخيص الأسلوب الذي يجب استخدامه لبلوغ هذين الهدفين في الآتي :

أولا : سياسة وقائية عامة :

1- إعادة النظر في مناهج تدريس التاريخ الإسلامي والدين عامة في المدارس والعمل على تغيير هذه المناهج لربط الدين بالأوضاع الاجتماعية والخلقية وليس مع السياسة ، مع إبراز مفاسد الخلافة وخاصة زمن العثمانيين ، وتقدم الغرب السريع عقب هزيمة الكنيسة وإقصائها عن السياسة .

2- التحري الدقيق عن الأباء الروحيين المعاصرين للأفكار وتشويه سمعتهم .

3- تحريك قضايا التطرف الديني من وقت لآخر ، وتسليط الأضواء عليها إعلاميا مع تشجيع غلاة المتطرفين بعد القبض عليهم وتصعيد الغرور فيهم حتى تكون تصريحاتهم المغرورة المتزمتة مادة لأجهزة الإعلام لإثارة الجمهور عليهم بدلا من التعاطف معهم ، ثم ربط هذه القضايا بالعمالة لبعض دول الرفض المتطرفة مثل ليبيا والعراق .

4- تحريض بعض زعمائهم من الشباب في الجامعة بطرق غير مباشرة وتيسير حصولهم على الأسلحة والمفرقعات المحدودة لتصفية بعض العناصر غير المرغوب فيها على غرار قضية الشيخ الذهبي ثم التخلص منهم با؛كام قاسية تكون عبرة لغيرهم ، مع العمل على تصعيد استعمال تعبير " جماعة التكفير " .

5- التركيز على العناصر النسائية بالجامعة وبالوظائف العامة لمحاربة أفكار الجماعات الإسلامية وأعضاء الاتحاد حيث أن علاقة الطالبات بالطلبة بالجامعة والمعاهد لها دافع عاطفي ، ومن الواضح أن العناصر النسائية تخشى الكثير من تطبيق القيود الدينية في حركهم وملابسهم وحريتهم ، وقد أفلحت هذه الطريقة في تشويه وجه الثورة في إيران بمظاهرات النساء المتحررات .

6- يحرم بتاتا قبول ذوي اللحى وذوي التاريخ الحركي الإسلامي سواء في المدارس أو الجامعات أو أقاربهم حتى الدرجة الثانية من الإنخراط في السلك العسكري أو البوليسي أو المراكز السياسية والإعلامية مع عزل الموجودين من هؤلاء في مثل هذه الوظائف أو نقلهم إلى أماكن أخرى في حالة ثبوت ولائهم .

7- مضاعفة الجهود المبذولة في سياسة العمل الدائم على فقدان الثقة بينهم وتحطيم وحدتهم بشتى الوسائل وخاصة بكتابة تقرير بخطهم عن زملائهم ، ثم مواجهة هؤلاء الزملاء بهذه التقارير مع الحرص الشديد على منع كل من الأطراف من لقاء الآخر .

8- توحيد معاملة جميع ذوي الميول الحركية الدينية بمعاملة الإخوان المسلمين قبل أن نفاجئ كالعادة باتحادهم معا علينا .

9- إغلاق فرص الظهور والعمل أمام ذوي الأفكار الرجعية أو المظهر الرجعي في المجالات العلمية والعملية .

10- عدم قبول ذوي الميول الحركية الدينية أو ذوي الأفكار الرجعية بوظائف التدريس بالجامعات أو المدارس أو الإعلام .

11- التوقف عن محاولة سياسة استعمال المتدينين في محاربة الشيوعية والاستمرار في محاولة استعمال الشيوعيين في محاربة المتطرفين دينيا .

12- تشويش الفكرة الرائجة عن نشاط الإخوان المسلمين في حروب فلسطين والقناة وتعميم نشرات دعائية تدينهم بالاتصال بالانجليز .

13- الاستمرار في سياسة محاولة الايقاع بين الإخوان المسلمين في الخارج وبين حكومة السعودية وحكومات الخليج واستعمال إمكانيات الإدارة الأمريكية في ذلك حتى تسهل محاصرتهم .

14- التركيز على مقارنة النظرية الاجتماعية الإسلامية من حيث التشابه وأن النظم الشيوعية بدأت تتراجع عن نظريتها بعد ثبوت عدم ملاءمتها للعصر .

15- الاهتمام بالاستمرار والاسراع في سياسة تطوير الأزهر إلى جامعة كلاسيكية حتى يتوقف سيل الخريجين من محترفي الدين ، وحتى يمكن تطوير سلوك وأفكار الأئمة والمدرسين ورجال الدين وإعادة النظر في التكوين الفكري المرتبط بالنظريات الإسلامية القديمة وتسليط الدعاية والإعلام على مجددي ومطور الدين مثل طه حسين وخلافه .

16- توجيه رئاسة مجلس الشعب للتعاطف مع الأفكار الإسلامية من ناحية القوانين الخلقية والجنائية علنا مع إعطاء التعليمات للجان لقتل أي مشروع يحال إليها بهذا الخصوص أو تنويمه . ثانيا : مجابهة الجبهات الموجودة الآن :

1- الرؤوس الأيديولوجية .

2- وسائلهم الظاهرة في الإعلام .

3- رؤوس جديدة .

(أولا) : الرؤوس الأيديولوجية الموجودة وعلى رأسها المرشد العام للإخوان المسلمينتستعمل معهم السياسة (خذه معك في رحلة مقنعة حتى يجهد ثم دعه يعود وحيدا ) حيث يطلب بالمنطق تارة ، وبالرجاء أخرى ، وبالمصلحة العامة ثالثا ، وهكذا لتهدئة مريديه من وقت لآخر ، حتى تكشف كل العناصر الجديدة ، ثم يوقع بينه وبينها .

وبما أن سنه تجاوز الـ 75 وصحته ضعيفة حيث قضى 20 سنة في جميع سجون مصر فإن طاقته محدودة وإضاعتها وإضاعة وقته في اللقاءات المستمرة مع المسئولين والمناقشات والندوات وخلافه كلها أمور كافية لاستهلاكه واستنفاذ طاقته المحدودة . ويجب تجنب القبض عليه لأي سبب حتى لا توصف العملية بأنها بداية فتح المعتقلات .

2- أساتذة الجامعة المتدينين وأعضاء الاتحادات في المعاهد والجامعات . يجب الإسراع في إنهاء العام الدراسي ، بتبكير مواعيد الامتحانات حتى يمكن استبعاد الأسباب القانونية لاجتماعاتهم في حرم الجامعة أو في المدارس ، وتسحب منهم إمكانيات تحريض غيرهم على المظاهرات والاضرابات ، وحتى تعطي فرصة العطلة الصيفية لاستكمال المعلومات عنهم ومحاولة إيجاد صلات بهم يستفاد بها في العام الجديد .

(ثانيا) : وسائلهم العلنية في الإعلام أهمها مجلتا " الدعوة " ، " الاعتصام " ما زالتا تطبعان في مطابع أخبار اليوم ، ويجب أن تظل مراقبة مسوداتها للطبع مستمرة ، وفي نفس الوقت يحال بنهم وبين رخص المطابع حتى يظلوا تحت الرقابة السهلة .

(ثالثا) : رؤوس جديدة بدأت تظهر في الجامعة تستعمل معها وسائل إغراء بتعريضهم للحياة العصرية هم وذويهم بحفلات ودعوات ويوعدوا بوظائف راقية أو صفقات أو مشاركات .... إلخ ، فمن تجاوب منهم يستفاد منه ، ويضم لحزب الحكومة ، ومن لم يتجاوب تعرقل وظائفهم وترقياتهم أو توصى بهم لجنة الضرائب والمباحث الجنائية أو تؤخر تسهيلاته الزراعية كل حسب مهنته .

توصية إحتياطية :

تكلف لجنة جانبية بتخطيط عمليات يلجأ إليها وقت اللزوم ، إما محاولة إنقلابات تنسب لهم ـو محاولة اغتيال وتخريب أو محاولة تعاون مع دول الرفض ضد الحكم ، ورغم هذا يجب بذل كل الجهود اللازمة لعدم استعمال الاساليب العنيفة أو الاعتقال أو السجن بقدر الإمكان حتى تظل الحكومة قادرة على التحدث أمام الرأي العام المحلي عن الديمقراطية والحريات المتوفرة ، وحتى يمكن الاستمرار في اكتساب ثقة الغرب في ثبات نظام الحكم .

انتهى التقرير

توقيعات

مرفقات :

1- اقتراحات مساعد الرئيس بيغن .

2- اقتراحات ممثل لجنة مكافحة التطرف الإسلامي وهو خبير الشئون الإسلامية بالسفارة الأمريكية في القاهرة .

أولا : اقتراحات مساعد الرئيس بيجين :

تركزت اقتراحاته على تجربة الشاه في استخدام البهائيين واليهود في المراكز الحساسة .

وهؤلاء حافظوا على اسراره وأسرار الدولة حتى لحظة خروجه ، وأيضا شبهوه باستعمال الحلفاء لليهود الذين لم يمكن الشك مرة في تحالفهم مع هتلر وحافظوا على أسرار الحلفاء حتى النصر . لذلك أقترح :

1- الاستعانة بالعناصر القبطية في الأماكن الحساسة التي يمكن تسرب المعلومات منها أو التعاطف الديني على ألا يكون العنصر القبطي هو الظاهر ، بل له يكون له مساعد تنفيذي مسلم .

2- تدريب شباب الأقباط على مكافحة الشغب وتسليحهم لأنه في حالة أي انفجار غير متوقع من المتطرفين فإن ميليشيا قبطية شعبية يجب أن تساعد قوات الحكومة النظامية التي قد يصيبها أو يؤثر فيها دعاية أجنبية على أنها تحارب إخواتها في العقيدة .

3- إمداد جهاز غبطة البابا بمطبعة مناسبة وبوسائل اتصال حديثة توصله رأسا برئيس جهاز الأمن القومي ورئيس اللجنة كما فعل هذا من قبل مع رئاسة الجمهورية .

4- وضع طائرة هليكوبتر تحت أمر غبطة البابا .

5- الاستعانة بأعضاء نوادي الروتاري واللاينز وإعطائهم مزيدا من التسهيلات والرعاية حيث أن أهم مبادئهم ( الدين لله والوطن للجميع ) .

6- لم يوافق بتاتا على الخطة الاحتياطية وقال : إنه يجب الاستمرار في سياسة إبطال مفعول الفتيل وتجنب المواجهة العنيفة بقدر الإمكان حتى لا يوصف العهد بأنه عهد ديكتاتوري .

ثانيا : اقتراحات خبير الشؤون الإسلامية بالسفارة الأمريكية :

1- وافق على مقترحات مساعد الرئيس بيغن فيما عدا البند الأخير حيث قال أنه يفضل أن تسير الخطوط كلها متوازنة وسياسة حكومته هي بتر التطرف من أوله بدلا من مواجهته عند استفحاله . 2- أضاف رأيه بعدم الاستهانة برئيس الإخوان لمجرد أنه تجاوز الـ 75 ، وذكرنا بأن الخميني أكبر منه سنا (85 سنة ) . انتهى  

ملحق رقم (3)

وهو التقرير المقدم من أحد كبار العاملين في الجاسوسية الأمريكية في الشرق الأوسط إلى المخابرات الأمريكية والذي ينصح فيه بخطة جديدة لتصفية الحركات الإسلامية في الأمة الإسلامية والذي نشرته عدد من الصحف منها المجتمع الكويتية في عددها 428 المؤرخ 17 صفر 1399 ه وننقله هنا نصا أيضا لأخذ الحيطة منه وإحباط مكائده .

وهو كما يلي :

سري للغاية

من ريتشارد ب ميتشيل

إلى رئيس هيئة الخدمة السرية بالمخابرات المركزية الأمريكية .

بناء على ما اشرف إليه من تجمع المعلومات لديكم من عملائنا ومن تقارير المخابرات الإسرائيلية والمصرية التي تفيد أن القوة الحقيقية التي يمكن أن تقف في وجه اتفاقية السلام المزمع عقدها بين مصر وإسرائيل هي التجمعات الإسلامية وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين بصورها المختلفة في الدول العربية وامتداداتها في أوربا وفي امريكا الشمالية .

وبناء على نصح مخابرات إسرائيل من ضرورة ضربة قوية لهذه الجماعة في مصر قبل توقيع الاتفاق ضمانا لتوقيعه ثم لاستمراره وفي ضوء التنفيذ الجزئي لهذه النصيحة من قبل حكومة السيد ممدوح سالم باكتفاءها بضرب جماعة التكفير والهجرة .

ونظرا لما لمسناه من أن وسائل القمع والارهاب التي اتبعت في عهد الرئيس ناصر قد أدت إلى تعاطف جماهير المسلمين وإقبال الشباب عليها مما أدى إلى نتائج عكسية فإننا نقترح الوسائل الآتية كحلول بديلة :

أولا : الاكتفاء بالقمع الجزئي دون القمع الشامل والاقتصار فيه على الشخصيات القيادية التي لا تصلح معها الوسائل الأخرى المبينة فيما بعد ونفضل التخلص من هذه الشخصيات بطرق تبدو طبيعية . ولا بأس من الإسراع بالتخلص من بعض الشخصيات الإسلامية الموجودة بالمملكة العربية السعودية نظرا لأن التخلص من أمثال هؤلاء يحقق المراد من القمع الجزئي ويعمل على تدهور الثقة بين الإخوان وبين الحكومة السعودية مما يحقق أهدافنا في هذه الفترة .

ثانيا : بالنسبة للشخصيات القيادية التي تقرر التخلص منها فننصح اتباع ما يلي :

أ) تعيين من يمكن إغرائهم بالوظائف العليا ، حيث يتم شغلهم الإسلامية الفارغة المضمون وغيرها من الأعمال التي تستنفذ جهدهم وذلك مع الإغداق عليهم أدبيا وماديا وتقديم تسهيلات كبيرة لذويهم ، وبذلك يتم استهلاكهم محليا وفصلهم عن قواعدهم الجماهيرية .

ب) العمل على جذب ذوي الميول التجارية والاقتصادية إلى المساهمة في المشروعات المصرية الاسرائيلية المشتركة المزمع إقامتها بمصر بعد الصلح .

ج) العمل على إيجاد فرص عمل وعقود مجزية في البلاد العربية البترولية الأمر الذي يؤدي إلى بعدهم عن النشاط الإسلامي .

د) بالنسبة للعناصر الفعالة في أوربا وأمريكا نقترح ما يلي :

1- تفريغ طاقاتهم في بذل الجهود مع غير المسلمين ثم إفسادها بواسطة مؤسساتنا .

2- استنفاذ جهدهم في طبع وإصدار الكتب الإسلامية مع إحباط نتائجها .

3- بث بذور الشك والشقاق بين قياداتهم لينشغلوا بها عن النشاط المثمر .

ثالثا : بالنسبة للشباب نركز على ما يلي :

أ) محاولة تفريغ طاقاتهم المتقدة في الطقوس التعبدية التي تقوم عليها قيادات كهنوتية متجاوبة مع السياسات المرسومة .

ب) تعميق الخلافات المذهبية والفرعية وتضخيمها في أذهانهم .

ج) تشجيع الهجوم على السنة المحمدية والتشكيك فيها وفي المصادر الإسلامية الأخرى .

د) تفتيت التجمعات والجماعات الإسلامية المختلفة وبث التنازع داخلها وفيما بينها .

هـ) مواجهة موجة إقبال الشباب من الجنسين على الالتزام بالتعاليم الإسلامية خاصة إلتزام الفتيات بالزي الإسلامي من الجنسين عن طريق النشاط الإعلامي والثقافي المتجاوب .

و) استمرار المؤسسات التعليمية في مختلف مراحلها في حصار الجماعات الإسلامية والتضييق عليها والتقليل من نشاطها .

هذا ما نراه من مقترحات حلا لمشكلة التجمعات الإسلامية في هذه الفترة الدقيقة ، وفي حالة إقتناعكم بها نرجو توجيه النصح للجهات المعنية للمبادرة بتنفيذها مع استعدادنا هنا للقيام بالدور اللازم في التنفيذ .

توقيع (ريتشارد ب ميتشيل )

الفهارس

فهرست المصادر والمراجع

الهمزة

1- آيات الجهاد في القرآن

د. كامل سلامة الدقس

2- الاتجاهات الوطنية في الأدب المعاصر

د. محمد محمد حسين – جزئين – تصوير بيروت

3- الأحكام السلطانية

أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي – 450 ه

4- إحياء علوم الدين

أبو حامد محمد بن محمد الغزالي – ت505ه – 5 أجزاء – طبعة الحلبي

5- الإخوان المسلمين في حرب فلسطين .

كامل الشريف – تصوير بيروت

6- الإخوان المسلمين

والمجتمع المصري

محمد شوقي زكي – تصوير بيروت

7- الإخوان المسلمين والجماعات الإسلامية في الحياة السياسية

زكريا سليمان بيومي

8- الإخوان المسلمين خمسون عاما

عباس السيسي

9- الأديان والفرق والمذاهب المعاصرة

عبد القادر شيبة الحمد – طبع الجامعة الإسلامية

10- الأربعون النووية

أبو زكريا يحيى بن شرف النووي – ت676 ه – طبع الجامعة الإسلامية

11- الأسرار الحقيقية لاغتيال البنا

جابر رزق

12- الإسلام والداعية

حسن الهضيبي (المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين) – دار الأنصار

13- الإسلام دين الهداية والإصلاح

محمد فريد وجدي

14- الإسلام

حامد عبد القادر

15- الإسلام

محمد سعيد حوي – 4 أجزاء – تصوير بيروت

16- الإصابة في تمييز الصحابة

أحمد بن علي بن محمد العسقلاني (ابن حجر)

ت 852 هـ - 4 مجلدات – بيروت

17- الأفعى اليهودية

عبد الله التل – تصوير بيروت

18 – الأم

للشافعي محمد بن إدريس – ط الشعب – 4 مجلدات

19 – الإمامة

محمد رشيد رضا

20- الأمة في دلالتها العربية

د. أحمد حسن عرفات

21- أيديولوجية الإخوان

د. ريتشارد ميشيل

22- الإيمان

نشرة صدرت عن حزب التحرير

" الباء "

23- بداية المجتهد ونهاية المقتصد لأبي الوليد بن أحمد بن رشد

ت 599 هـ - جزئين – تصوير لبنان – 7 مجلدات

24- البداية والنهاية

أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير – ت 774 هـ - بيروت

25- بهجة المحافل وبغية الأماثل

عماد الدين يحيى بن أبي بكر العامري بشرح محمد الأشخر اليمني – تصوير بيروت – مجلدين .

26- بيان عن حزب التحرير لعام 1978 م

التاء

27- تحذير الساجد من اتخاذ القبور مساجد

محمد ناصر الألباني – المكتب الإسلامي

28- تذكر دعاة الإسلام

ابو الأعلى المودودي – طبع باكستان

29- تركستان

من سلسلة محمد محمود شاكر

30- التشريع الجنائي

عبد القادر عودة – مجلدين

31- التعاليم

رسلة عن الإخوان المسلمين لحسن البنا – البهية

32- تفسير الفخر الرازي

فخر الدين الرازي – ت 606 هـ - القاهرة – 16 مجلد

33- تفسير الكشاف – المسمى بالكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل

محمد بن عمر الزمخشري – ت 725 هـ - طبع بولاق 1307 هـ

34- تفسير القرآن العظيم

إسماعيل بن كثير – ت 774 هـ - طبع الحلبي – 4 أجزاء

35- تفسير الجلالين

جلال الدين عبدالرحمن بن أبي بكر السيوطي 1 جزء – الحلبي

36- تفسير المنار

محمد رشيد رضا

37- التكتل الحزبي

تقي الدين النبهاني مؤسس حزب التحرير

الجيم

38- جامع البيان عن تأويل آي القرآن

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري – ت 310 هـ - 12 جزء – الحلبي

39- جامع الأصول

أبو السعادات المبارك بن محمد بن الأثير الجزري – ت606 هـ -

تصوير بيروت – 11 جزء – بتحقيق الأرناؤوط

40- الجامع لأحكام القرآن

أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي


ت 671 هـ - تصوير بيروت – 10 مجلدات

41- الجامع الكبير

عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي – الهيئة العامة للكتاب

42- الجماعة الإسلامية في سطور

رسائل صدرت عن الجماعة بالهند

43- الجماعة في الهند وباكستان

نشرات صدرت عن الجماعة

44- جماعة التبليغ

رسالة لنيل الإجازة العالمية – الطالب محمد أسلم من الجامعة الإسلامية

45- الجماعات الإسلامية في ضوء الكتاب والسنة

سليم الهلالي وزياد دبيج

46- جند الله ثقافة

سعيد حوي

47 – الجهاد

الإمام عبد الله بن المبارك

48- الجهاد في الإسلام

محمد شديد

49- جوامع السيرة

أبو محمد بن حزم – طبع باكستان

" الحاء "

50- الحجة

أبو زكريا يحيى بن شرف النووي

51- حسن البنا الداعية

أنور الجندي – بيروت

52- حسن البنا ومدرسة الإخوان

رءوف شلبي

53- حياة الصحابة

محمد يوسف الكاند هلوي – 3 مجلدات – طبع مصر

" الخاء "

54- خصائص الرسول صلى الله عليه وسلم

دراسة في الماجستير – الطالب بحر الدين

55- الخلافة

آية الله الخميني

56- الخلافة

تقي الدين النبهاني

" الدال "

57- دروس في الكتمان

محمود شيت خطاب – طبع مصر

58- الدر المنثور

جلال الدين السيوطي – 5 كجلدات – تصوير بيروت

59- دفاع عبدالله رشوان عن شكري مصطفى

د. عبد الله رشوان

60- الدعوة الإسلامية في الهند

مسعود الندوى

61- دعوة الإسلام

سيد سابق

62- الدعوة الإسلامية فريضة شرعية

صادق أمين

63- الدعوة الإسلامية في القارة الهندية

رسالة صدرت عن الجماعة الإسلامية في الهند

64- دعوتنا في طور جديد

حسن البنا

65- دلائل النبوة

لأبي نعيم الأصبهاني – طبع بيروت

"الراء "

66- الرسائل

حسن البنا

67- رواية شفهية

عن الشيخ عبد الغفار حسن من علماء الهند

68- الروض الأنف

السهيل عبد الرحمن – ي 581 هـ - 7 مجلدات – طبع مصر

" الزاي "

69- زاد المسير في علم التفسير

ابن الجوزي علي بن عبد الرحمن

ت 596 هـ - 8 أجزاء – تصوير بيروت

" السين "

70- السراج المنير

د. تقي الدين الهلالي

71- السرية في دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم

علي محمد الزبيري – رسالة مخطوطة

72- سلسلة الأحاديث الصحيحة

محمد ناصر الألباني – المجلد الأول – طبع المكتب الإسلامي

73- السلام العالمي والإسلام

سيد قطب

74- سنن الترمذي

أبو عيسى محمد بن سورة الترمذي – ت 279 هـ - 5 مجلدات – بيروت

75- سنن ابن ماجه محمد بن يزيد

ت 275 هـ - مجلدان – بيروت

76- سنن النسائي

أحمد بن شعيب النسائي – 4 مجلدات – طبع بيروت – بشرح السيوطي

77- سنن الدارمي

عبد الله بن عبد الرحمن أبو محمد – ت 255 – مجلدان – بيروت

78- سنن أبي داود

سليمان بن الأشعث السجستاني أبو داود – ت 275هـ -4 مجلدات– بيروت

79- سنن البيهقي

أبو بكر أحمد – ت458هـ - السنن الكبرى – دار إحياء السنة – المثنى ببغداد

80- السيرة النبوية

ابن كثير – 4 مجلدات – بيروت

81- السيرة النبوية

ابن هشام – مجلدان – 4 أجزاء

82- السياسة الأمريكية والثورة المصرية

مايلز كوبلر

" الشين "

83- شرح الدستور

نشرة عن حزب التحرير

84- الشورى في الإسلام

محمود بابلي

85- الشورى

سعيد حوي – مخطوط

" الصاد "

86- صحيح البخاري

أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري – طبع المجلس الأعلى – 6 مجلدات

87- صحيح البخاري

أبو عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري – إحياء التراث – 9 أجزاء – 3مجلدات

88 – صحيح مسلم

مسلم بن الحجاج النيسابوري – 5 مجلدات – بتحقيق عبد الباقي

" الطاء "

89- طريق الدعوة

أحمد فايز

"العين"

90- العالم الرباني

عشماوي أحمد سليمان

91- عبقرية محمد صلى الله عليه وسلم

محمود العقاد

92- عيون الأثر

ابن سيد الناس – 2 جزء – بيروت

" الفاء "

93- فتح الباري

أحمد بن علي بن حجر العسقلاني – تصوير بيروت عن الطبعة المصرية

94- فتح القدير

الشوكاني محمد بن علي – ت 1250 هـ - 5 أجزاء – بيروت

95- فقه السيرة

محمد سعيد البوطي – بيروت

96 – فقه السيرة

محمد الغزالي بتخريج الألباني – طبع مصر

97- في الزنزانة

علي جريشة

98- فيض القدير

عبد الرءوف المناوي – 6 مجلدات – بيروت

99- في ظلال القرآن

سيد قطب – طبع مصر – 10 مجلدات – 30 جزء

"القاف "

100- القابضون على الجمر

محمد أنور رياض

101- قصيدة (من وراء القضبان )

سيد قطب

102- قضية تركستان الشرقية

الباتيكيني

103- قضيتنا

فهمي أبو غدير

" اللام "

104- لائحة

جماعة أنصار السنة المحمدية بمصر

105- لسان العرب

ابن منظور جمال الدين محمد بن مكرم – ت 711هـ- 20جزء - بولاق

106- لماذا أعدم سيد قطب

رسالة بدون تاريخ

107- مآثر الأناقة في معالم الخلافة

لأحمد بن عبد الله القلقشندي – ت 821 – ط بيروت

108- ماذا يعني انتمائي

فتحي يكن

109- مباحث في علوم القرآن

مناع القطان

110- مبدأ الشورى في الإسلام

د. يعقوب المويلحي

111- مجمع الزوائد

الهيثمي نور الدين علي بن أبي بكر – ت807 هـ - 10 مجلدات – تصوير بيروت

112- المعجم الصغير

الطبراني

113- المعجم الوسيط

مجموعة مؤلفين

114- المعجم الكبير

الطبراني أبو القاسم سليمان بن أحمد – ت 360هـ - العراق – بتحقيق حمدي عبد المجيد

115- المعجم المفهرس لألفاظ الحديث

ترجمة عبد الباقي – 7 مجلدات

116- المعجم المفهرس لألفاظ القرآن

تأليف عبد الباقي – بيروت

117- مفتاح كنوز السنة

ترجمة عبد الباقي – لاهور

118- مجلة المفاضل

حزب البعث السوري عدد 128

119- مجلة الإصلاح

الإمارات المتحدة – عدد 18

120- مجلة الدعوة المصرية

مصر أعداد 7 / 14 / 25 / 33 / 39 / 40 / 48

121- مجلة الهدى النبوي

مصر – عدد 23

122- مجلة التوحيد

مصر – (أعداد رقم : انظر ص ) 5 مجلدات

123- مجلة المجتمع

الكويت أعداد رقم : انظر ص

124- مجلة الأمان

لبنان – أعداد 7 / 13 / 20

125- مجلة الاعتصام

مصر عدد 10

126- مجلة البلاغ

الكويت عدد 17

127 – محاضرة لعبد المجيد الزنداني

ألقيت بدار الحديث المدنية

128- محاضرة عن السيد قطب

سعيد حوي – ألقيت بطيبة الثانوية

129- محاضرة عن صلاح الدين الأيوبي

سعيد حوي – ألقيت بدار الأيتام

130- محاضرات في البحث والتحقيق

د. أكرم العمري – الجامعة الإسلامية

131- المدخل إلى جماعة الإخوان المسلمين

سعيد حوي

132- مختار الصحاح

أبو بكر الرازي – تصوير بيروت

133- مذكرة أصول الفقه

للأمين الشنقيطي – طبع مصر

134- مذكرات الدعوة والداعية

حسن البنا

135- المجموع شرح المهذب للشيرازي تكملة محمد نجيب المطيعي

20مجلد – طبع مصر

136- المستدرك على الصحيحين

أبو عبد الله الحاكم وبذيله تلخيص الحافظ الذهبي – 4 مجلدات – طبع بيروت

137- مستقبل الإسلام

محمد عبد القادر العمراوسي

138- المستقبل لهذا الدين

سيد قطب

139- مسلم بشرح النووي

شرح الإمام النووي – 6 مجلدات – طبع مصر

140- الملل والنحل

ابن حزم أبو محمد – بيروت

141- مسند الإمام أحمد

بتحقيق أحمد شاكر – طبع مصر – 8 مجلدات

142- مسند الإمام أحمد

طبع المكتب الإسلامي – 6 مجلدات

143- معركة الإسلام والرأسمالية

سيد قطب

144- المغازي

محمد بن إسحاق – تحقيق زكار

145- مفاهيم حزب التحرير

رسالة عن الحزب

146- مفردات غريب القرآن

الراغب الأصفهاني

147- المقاومة السرية في قناة السويس

كامل الشريف

148- المقدمة

ابن خلدون – طبع مصر

149- مقاصد الجماعة

رسالة صدرت عن جماعة أنصار السنة بمصر

150- المنجد

طبع بيروت – لويس اليسوعي

151- المنطلق

محمد أحمد الراشد

152- مؤامرة ضد الإسلام في مصر

رسالة للجماعة الإخوان المسلمين بدون تاريخ

153- المؤتمر الخامس

حسن البنا

154- المؤتمر العام لجماعة أنصار السنة

محمد حسين هاشم

155- الموطأ مع تنوير الحوالك

الإمام مالك بن أنس – 3 أجزاء في مجلد – طبع مصر

156- المواهب اللدنية

القسطلاني بشرح الزرقاني – أوفست وبهامشه زاد المعاد – 8 مجلدات – بيروت

157- محمد رسول الله

رشيد رضا – بيروت

" النون "

158- نافذة على الجحيم

رسالة صدرت عن جماعة الإخوان سنة 1965

159- النظريات السياسية

ضياء الدين الريس – مصر

160- نظام الخلافة

د. مصطفى حلمي

161- نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الإدارية

عبد الحي الكناني – مجلدين – بيروت

162- النهاية

ابن الأثير الجزري – 5 مجلدات – بيروت

163- نقد الدستور الإيراني

رسالة حزب التحرير

164- النكير على منكر النعمة

مصطفى صبري

165- نيل الأوطار

شرح منتقى الأخبار محمد بن علي الشوكاني – 4 مجلدات طبع الحلبي مصر

" الواو "

166- وثيقة خطيرة لضرب الإسلام

رسالة مرفقة بالبحث (ملحق رقم 1)

167 – الوحدة الإسلامية

محمد أبو زهرة – مصر

" الهاء "

168 – هذا الدين

سيد قطب –بيروت