الإخوان المسلمون وحكومة محمد محمود الثانية

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون وحكومة محمد محمود الثانية (30 ديسمبر 1937 18 أغسطس 1939)

أولا : المقدمة

كلف الملك فاروق محمد محمود باشا بتشكيل الوزارة عقب إقالة حكومة النحاس ،وما إن صدر التكليف إلى محمد محمود بتشكيل الوزارة حتى بادر بكتابه إلي الملك بقوله:

(وأوقن بأن خير البلاد معقود بأن يكون الدستور أساس الحكم) ، وقد دلت الظروف والملابسات على أنه لم يكن حريصا على قوله هذا إذ أنه أسلم مقاليد الشئون العليا إلى السراى ، فكان مصير وزارته نفسها رهنا بإرادة السراى . (1)

ولعل الملك فاروق قد وضع اختياره على محمد محمود باشا بسبب علاقته الوطيدة مع الإنجليز ويبدو أن الملك فاروق كان على ثقة من أن بريطانيا لن تعترض حتى لا تقع في حرج نظرا للعلاقات الوطيدة التي تربط رئيس الوزراء الجديد بالسفارة البريطانية.(2)

ولم يكن بمقدور الحكومة الجديدة أن تسلك سبيلها في الحكم في ظل وجود البرلمان الوفدي وما يتوقع من ورائه من تصعيد المعارضة ضد الحكومة الجديدة ،فاتجهت إلى حل البرلمان وفصلت الموظفين الوفديين ، ومن ثم فقد جرى الاتفاق بينها والقصر على التخلص من البرلمان القائم بحله ، وإجراء انتخابات جديدة .

وقد قدمت الأغلبية فى مجلس النواب عريضة للملك تطالبه بتأليف وزارة محاية لإجراء الانتخابات على غرار الانتخابات السابقة ، ولكن هذه العريضة لم يؤبه لها ،ومضت الوزارة فى إجراء الانتخابات ، وأدخلت الوزارة تعديلات كثيرة على الدوائر الانتخابية صدر غالبها لصالح مرشحيها ...

وتدخلت تدخلا إداريا لصالح كثير من مرشحيها وأنصارها ، فلم تكن فى جملتها انتخابات حرة ولاسليمة ، وأسفرت عن برلمان يؤيد الوزارة ، وليس هذا الوضع من الدستور فى شىء .واتسمت وزارة محمد محمود بطابع القلقلة والاضطراب وكثرة التعديل والتبديل. (3)

وقد استخدم محمد محمود باشا سلطته فى إجراء التزوير الصريح لإسقاط مرشحي الوفد‏,‏ مما شكل السابقة الأولي في تزوير الانتخابات البرلمانية في مصر‏,‏ والتي اتبعتها حكومات عديدة بعد ذلك .‏

وفى أبريل 1938 جرت الانتخابات وحصل مرشحو الحكومة فيها على (193) مقعدا ، ولم يتجاوز الوفد 14 مقعدا وباقى مقاعد المجلس البالغة 264 مقعدا من الأحزاب الموالية للحكومة .

ولعل التزوير المفضوح أسفر عن سقوط زعيمى الوفد الكبيرين النحاس ومكرم عبيد فى الانتخابات وفى دائرتيهما . ومع ظهور نتيجة الانتخابات قدمت الوزارة استقالتها للملك لتفسح الطريق لأختيار وزارة جديدة على ضوء ما أسفرت عنه الانتخابات. (4)

وكان محمد محمود معاديا للوفد سواء بسبب سياسة كل منهما المختلفة تجاه الآخر ... ومن ثم كانت الإجراءات اللادستورية التى قام بها محمد محمود إبان حكمه موجهة ضد الوفد .. (5)

وبمجرد الانتهاء من إجراءات تشكيل الحكومة جرت زيارتان متبادلتان بين السفير البريطاني ومحمد محمود باشا تم فيهما وضع أسس التعاون بين مصر وبريطانيا .(6)، وعلى هذا النحو استهلت " وزارة الحكم الصالح " أو وزارة الاعتدال كما نعتتها بعض المراجع ، ورددها بسخرية خصومها في بداية عهدها بالحكم .

وكان الظن بأن تلك النتائج سوف يترتب عليها استقرار الوزارة في الحكم . فقد بدأ محمد محمود راغبا في الاستقلال بمقاليد السلطة دون القصر مستغلا في ذلك التأييد البريطاني له . هذا الاتجاه من محمد محمود كان يتعارض تماما مع سياسة القصر التى كانت تستهدف السيطرة على الحكومة ، ومن ثم طلبت فى نهاية المطاف من محمد محمود تقديم استقالته ، فقدمها فى 18 أغسطس 1939 ولم تتجاوز سنة ثمانية أشهر .

وقد أصبحت الوزارة والبرلمان لعبة فى يد السراى تسقط الوزارة التى لا تسير على هواها وتحل البرلمان لتجرى انتخابات لبرلمان جديد يؤيد الوزارة . (7)

أما الوضع فى فلسطين فكان يزداد سوءا مع زيادة الهجرات اليهودية ومساعدة الإنجليز لهم ، ووقفوا الحكومات العربية مكتوفة الأيدى إزاء ما يحدث للشعب الفلسطينى من تعذيب وتدمير واستيلاء على الأراضى مما دفعهم للثورة التى بدأت شرارتها سنة 1936 واستمرت مشتعلة حتى سنة 1939 .

وقد دفع الصمت العربى من ناحية ، وإيمان الإخوان بوحدة المسلمين تضامنهم مع بعضهم البعض ، فقامت بجهود كبيرة من أجدل دعم القضية الفلسطينية . والذي تجاوز حدود الدعاية إلى جمع الأموال لمساعدة الفلسطينيين على مواصلة «لإضراب» العربي في الفترة من 1936إلى 1939، وفي القيام بالمظاهرات وتوزيع الكتيبات وإلقاء الأحاديث دفاعا عن قضيتهم.(8)

ثانيا : الإخوان والعمل السياسى العام (رسالة المؤتمر الخامس) (9)

اعتبركثير من المراجع أن رسالة المؤتمر الخامس هى بداية تحول الإخوان من العمل الدينى إلى السياسى ، ولعل ما دعاهم لذلك عاملان ، الأول :الفكر العلماني الذى يفصل بين الدين والسياسة ويصنف النشاط الوطنى إما دينى وإما سياسى ، الثانى :أن ماورد فى رسالة المؤتمر الخامس تناول أمورا عن الحكم وموقف الإخوان من القضايا السياسة المعاصرة فى عصره .

ولم تكن القرارات التى صدرت عن المؤتمر الخامس، والإعلانات التى صدرت فى أثنائه تعبر عن تغيير مفاجئ طرأ على دعوة الإخوان، ولم يكن ذلك المؤتمر حدًا فاصلا بين حالتين كما يصوره البعض، إنما كان مجرد إعلان للعامة خارج نطاق الإخوان المسلمين عن مرحلة جديدة، قد بدأت خطواتها التنفيذية .

وهذه المرحلة هى مرحلة التكوين التى قصد منها الإخوان استخلاص فريق ممن عرفوا الدعوة واستجابوا لها، ويفهمونها حق الفهم، ويطبقونها على أنفسهم ومن يليهم تمام التطبيق، ويستعدون لحمل أعبائها والبذل فى سبيلها. (10)

أما اختيار سنة 1938 ـ1939 بالذات بداية للمرحلة الثانية من مراحل الدعوة وهي مرحلة الإعلان عن الهوية السياسية ، والموقف من الأحزاب والحكومات والأمور السياسية للدعوة فمن البديهيات أن أية دعوة تختار ما يناسبها من وقت للإعلان عن برامجها وأهدافها على اعتبار أن الجماعة قد وصلت إلى حالة تمكنها من الانتقال إلى هذه المرحلة حيث كثرت شعبها وتعددت وسائلها وأصبح لها صحفها الناطقة باسمها (جريدة النذير)، و (مجلة المنار) وأصبحت الدعوة تعم أرجاء مصر وخصوصا بين طبقة المثقفين الذين فقدوا كل ثقة في الأحزاب التقليدية القائمة.

ورسالة المؤتمر الخامس هى الخطاب الذى ألقاه البنا فى مساء الثالث عشر من ذى الحجة 1357 هـ الموافق 2 فبراير 1939م بسراى آل لطف بالزمالك بمناسبة مرور عشرين عاماعلى دعوة الإخوان .وقد نشرت مجلة النذير نص الخطاب فى العدد (35) السنة الثانية 17 ذو الحجة 1357هـ 7 فبراير 1939.

وترجع أهمية الرسالة لتقديمها تعريفا بالجماعة وبيان غايتها وأهدافها وخصائصها وعلاقتها بغيرها من الهيئات، وإجابتها على جميع الأسئلة التى كانت تثار حول الإخوان آنذاك .

وقد تناولت الرسالة كثير من الموضوعات، ومنها:

(الاخوان فكرة إصلاحية شاملة)، (خصائص دعوة الإخوان)،(الإخوان المسلمون والحكم)، (الإخوان المسلمون والدستور) ، (الإخوان المسلمون و الخلافة) (الإخوان والهيئات المختلفة) ،(موقف الإخوان من الدول الأوربية) .

ولعل مما أثار انتباه الجميع هو تطرق الإخوان للعمل السياسى العام والحكم وموقفهم من جميع الهيئات والحكومات ، فالأحزاب فى تلك الفترة جرت على موالاة الملك والاحتلال الإنجليزى ، ويهاجم بعضها بعضا هجوما ضاريا ، ومن هنا فدخول الإخوان هذا المعترك بهذا التوجه الإسلامى الغريب على كثير من رجال السياسة الذين لا يحتكمون إليه فى سياستهم أمر مثير للجدل حول تلك الجماعة الناشئة فى زعمهم .

ولذا فقد اعتبرت المراجع أن رسالة المؤتمر الخامس هى بداية التحول من الاتجاه الدينى إلى السياسى عند الإخوان نظرا لأن كتاب تلك المراجع يفصلون بين النشاط الدينى والسياسى .

ويفسر الأستاذ محمود عبد الحليم ذلك التوقيت بقوله :

لقد عمل حسن البنا في المرحلة السابقة كل جهده أن يتحدي الإنجليز تحديًا سافرًا لفضح فظائعهم من ناحية ، وليلفت الأنظار إلي دعوته من ناحية أخري .
لأن دعوته كانت في أمس الحاجة إلي وسيلة من وسائل الإعلام ليحس بها هذا الشعب الغافل ... أما في هذه المرحلة فإنه لم يعد في حاجة إلي وسائل إعلام فقد أحس الناس بالدعوة ، وأقبلوا عليها ، حتى امتلأت السفينة ،ولم يعد بين حافتها وبين الماء قيد شبر .. ودفعتها الرياح حتى وصلت إلي وسط البحر .
وركبت أمواجه المتلاطمة ، وصارت مهمة القائد أن يحسن توجيهها ، وأن يحاول أن يتفادى ما يتدافعها من أمواج حتى تصل إلي مرفأ أمين. وعليه مهمة أخري لابد أن ينهض بها في وقت واحد مع مهمته الأولي ، تلك هي إعداد هؤلاء الركاب بحيث لا يأخذهم علي غرة لصوص البحر وقطاع الطريق وما أكثر عددهم وأشد بأسهم . (11)

ثالثا : ثناء الإخوان على حكومة محمد محمود باشا

ثناء الإخوان على شخصية محمد محمود باشا

ما ورد عن علاقة الإخوان بحكومة محمد محمود مرت بمرحلة ودية متبادلة بين الطرفين ثم مرحلة تصادم ، فأما عن مرحلة الود نجد اسحاق موسى الحسينى يذكر أن محمد محمود باشا اقترح علي البنا أن ينشئ شعبا للإخوان في الصعيد فى الأماكن التى تخلو من هذه الشعب ، في الوقت الذي كانت حفلات الإخوان فيه تقام من مضيفة الأسرة (أسرة محمد محمود باشا) بأبى تيج.

وإن الأستاذ البنا المدرس هو المرشد العام للإخوان المسلمين مع أن الإخوان لم يدعوا حكومة من هذه الحكومات إلا تقدموا إليها بالمذكرات الوافية في مختلف الشئون". (12)

وقد تحدث البعض عن تحالف بين حكومة محمد محمود والإخوان واستدلوا على ذلك بأن حكومة محمد محمود لم تحل كشافة الإخوان المسلمين بينما حلّت القمصان الزرقاء للوفد (13) والقمصان الخضراء لمصر الفتاة.

ويذهب البعض إلى وجود علاقة ود وتفاهم متبادلة بين حكومة محمد محمود والإخوان المسلمين دفعتهم لتأييد حكومته ودفع الحكومة ذلك لغض الطرف عن تنظيماتهم العسكرية فحلّ الفرق الأخرى للوفد ومصر الفتاة ولم يمسهم بسوء .

فقد صدر قرار في 8 مارس 1938م بحظر الجمعيات أو الجماعات التي يكون بها صورة التشكيلات العسكرية (14) ، ولم يستثن أحدًا، أما عدم تطبيقه على الإخوان ، فذلك مرجعه أن جوالة الإخوان كانت مسجلة في جمعية الكشافة الأهلية. (15)

أما العلاقة الحقيقية بين الإخوان ووزارة محمد محمود وغيرها من الوزارات فكان العامل الأساسي في تلك العلاقة هو قرب أو بعد هذه الوزارة من الإسلام، وطريقة تعاملها مع القضايا الوطنية الإسلامية.

إن محاولة بعض المؤرخين إيجاد نوع من الصلة بين جماعة الكشافة التابعة للإخوان وبين الفاشية هي محاولة لإيجاد صلة بين أشياء لا علاقة بينها إطلاقا ، فلقد كان للوفد فرقته الخاصة به " القمصان الزرقاء " ، وقد كان لمصر الفتاة تنظيماتها أيضا " القمصان الخضراء ".. (16)

وبعد ذلك توالت مواقف الإخوان في توجيه ونصح الحكومات ووزرائها وفقًا للميزان الذي وضعه الإخوان، فقد قدموا الشكر لوزير الداخلية أحمد لطفي السيد لمطالبته حكام الأقاليم بحضور الصلوات الجامعة. وحثوا الوزراء وطالبوهم بأن يحافظوا هم أولاً على الصلاة حتى يصبحوا قدوة لغيرهم من حكام الأقاليم. (17)

كما أثنى الإخوان على ما تقدم به بعض الوزراء من مشروعات نافعة، فشكروا وزارة العدل على تشكيلها لجنة لبحث مشروع قانون خاص بإلغاء البغاء الرسمي، وتحريم الميسر، وتقييد شرب المسكرات، ولم ينس الإخوان مطالبة الوزارة بالسرعة في إصدار ذلك القانون، فضلاً عن شكرها وزارة الداخلية التي نبهت على أصحاب المسارح بالبعد عن الروايات المبتذلة، وإشارتها بأنها سترفض الترخيص للأغاني والتمثيليات التي لا تراعي الأخلاق، كما شكرت وزير الدفاع على إصدار أمره بمنع شرب الخمر داخل ثكنات الجيش، كما قدموا الشكر لوزارة المعارف على مشروعها لانتشال بنات السبيل مما يتردين فيه. (18)

الإخوان يقدمون النصيحة لحكومة محمد محمود

بدأ الإخوان كشأنهم مع باقى الحكومات بالنصيحة لمحمد محمود باشا ، فأرسل إليه الإمام الشهيد مذكرة دعاه فيها إلى تحكيم الشريعة الإسلامية، وأن يضع ثقته في الشعب المصري، وأن يقدم من نفسه ووزارته القدوة الصالحة للشعب، ويقضي على الفساد والموبقات التي تحيق بالشعب، كما دعاه لتنحية الخلافات جانبًا والاتحاد مع الأحزاب الأخرى في هيئة واحدة تعمل على خير البلاد.

وبعد ذلك توالت مواقف الإخوان في توجيه النصح الحكومات ووزرائها وفقًا للميزان الذي وضعه الإخوان، فقد قدموا الشكر لوزير الداخلية أحمد لطفي السيد لمطالبته حكام الأقاليم بحضور الصلوات الجامعة. وحثه الوزراء بأن يحافظوا هم أولاً على الصلاة حتى يصبحوا قدوة لغيرهم من حكام الأقاليم.

عندما تولت وزارة محمد محمود باشا الوزارة أعلن الإخوان موقفهم منها، ففي افتتاحية العدد الأول من "مجلة النذير" 30 مايو 1938م

يقول الإمام حسن البنا:

"فنحن حرب على كل زعيم، أو رئيس حزب، أو هيئة لا تعمل على نصرة الإسلام بمثل هذا الأسلوب نخاطب الناس، ونكتب لرفعة النحاس باشا، ومحمد محمود باشا، وعلى ماهر باشا، وحسين سرى باشا، وغيرهم ممن نريد أن نعذر إلى الله بإبلاغهم الدعوة، وتوجيههم إلى ما نعتقد أن فيه الخير والصواب لهم وللناس. ....
ما دمتم ضعاف العزائم والإرادات فلن تصلح على أيديكم مصر، وما دمتم تحبون أنفسكم أكثر من هذا الوطن، وتعملون لمصالحكم الشخصية أكثر مما تعملون لهذه الأمة، وتؤثرون التردي في هذه الهوات النفسانية، وتخشون الناس أكثر مما تخافون الله وتجاملون الإنجليز والأجانب وغير المسلمين أكثر مما تجاملون رسول الله وأمته من بعده..
ما دمتم هكذا متحاقدين متباغضين، منصرفين عن الجد إلى اللهو والعبث، منغمسين في الحفلات والولائم والتنقلات ما بين مصر والإسكندرية، لا يسمع الشعب منكم إلا الخطب والوعود والكلام، فلن تصلح على أيديكم مصر ولن تحققوا لها أملا صغيرا أو كبيرا، وسيظل هذا التعديل كل يوم وكل وقت مهما كان لون الوزارة ومهما كانت أشخاص الوزراء». (19)

بهذا المبدأ تعامل الإخوان مع هذه الحكومة، فنجد الإمام البنا تحت عنوان "مذكرة الإخوان المسلمين إلى رفعة رئيس الوزراء" ، يطالب فيه حكومة محمد محمود بالتصدي للجهل، والرذيلة، والفقر، والضعف الخلقي والصحي والثقافي المتفشية في كل مكان، فيقول:

« ..... يا صاحب الرفعة: إذا كانت الوزارة تخشى أن توصف بأنها وزارة إسلامية وتحسب حسابا لهذه التهمة، وتحب أن تظهر أمام الناس بمظهر البعيد عن الإسلام الذي لا يعنيه أمره ولا يهتم لشأنه. فيا لضيعة الآمال، ويا لطول شقاء هذا الشعب الذي لا يريد قادته أن يستقيموا به على الصراط المستقيم: " صِرَاطِ اللهِ الذي لَهُ مَا في السَّمَوَاتِ وَمَا في الأَرْضِ "﴿الشورى: 53﴾، وكأنهم جميعا في ذلك على اتفاق سواء.
يا صاحب الرفعة: لا تظنوا أن الشعب المصري ضعيفا إن وجد القائد!! وأقسم لكم أن لو سرتم به فى طريق الفضيلة والخلق والإسلام الصحيح لوجدتم منه شعبا هو أبسل الشعوب، يجود بالنفس وبالمال فى حماية عقيدته، والذود عن حياضه، والسير وراءكم إلى النهاية في سبيل هذا الإصلاح، فأعلنوها كلمة باسم القرآن الكريم، وارفعوها راية ترفرف عليها روح رسول الله .
يا رفعة الباشا: بعد هذا التقديم أستطيع أن أتقدم إليكم ببعض المقترحات العملية: القدوة أولا وإصلاح الروح العام ... إصلاح منابع الثقافة العامة.... إصلاح القانون .... القضاء على الموبقات... الانتفاع بوقت الفراغ.... توحيد القوى والجهود...
ذلك يا صاحب الرفعة ما بدا لنا في الموقف الحاضر رفعناه إليكم، ولنا بعده مقترحات فى الناحية الإدارية والاقتصادية وما إليها ندعها الآن حتى نرى ما يكون من أثر هذا الخطاب، وإنا لتحقيق هذه الوجوه الإصلاحية لمنتظرون. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ". (20)

وكتب الإمام البنا إلى وزير الحقانية (العدل حاليا) يطالبه بالعمل على إصلاح القوانين بما يتفق مع الإسلام، فيقول : حضرة صاحب المعالى أحمد خشبة باشا وزير الحقانية:

يا سيدى الباشا: إن صدور الأمة محرجة أشد الحرج؛ لشعورها بأنها تحكم بغير كتاب الله وقانونه وشرعته...أنقذونا يا باشا من هذا الحرج، وأخرجونا من هذه الورطة، ولا تجعلوا أعمالنا تصطدم بعقائدنا..
يا سيدى الباشا: الأمر واضح لا يحتاج إلى بيان، وبقيت بعض شبهات يتعلق بها الذين يقفون فى طريق الإصلاح بحسن قصد أو سوء قصد، نحب أن نناقشها فى إيجاز، وأنا معتقد أن معاليكم أعرف الناس بأن هذه الشبهات أوهى من أن تقف فى سبيل الإصلاح....
ولهذا يتوجه الإخوان المسلمون إليكم بالرجاء معتقدين أنهم فى ذلك إنما يمثلون الأمة الإسلامية جميعا بهذين الطلبين.
أولا: أن تسلموا معهم بمبدأ وجوب العودة إلى التشريع الإسلامى وتوحيد المحكمة المصرية على أساسه الآن.
ثانيا: أن تأمروا بإعادة تشكيل لجنة تعديل القوانين الحالية التى يرأسها الأستاذ كامل بك صدقى تشكيلا جديدا يحقق هذه الغاية بأن تسند رياستها إلى معاليكم رأسا أو إلى فضيلة شيخ الأزهر أو المفتى الأكبر، وأن تضم بين أعضائها أكبر عدد ممكن من رجالنا البارزين فى الشريعة الإسلامية من رجال القضاء الشرعى والأزهر الشريف، وفى القانون الوضعى بفروعه المختلفة ولا بأس بأن يكون من بينهم الأستاذ كامل صدقى بك. (21)
وهذا هو موقف الإخوان الحقيقي من تلك الحكومة وغيرها، فهم يؤيدون ويعارضون للمبادئ، وهذا ما لا يفهمه أصحاب الأهواء والمصالح والمتحزبون الذين يؤيدون أحزابهم والقريبون منهم سواء في الخطأ أو الصواب، ولكن أهل الإسلام لا يعرفون الحق بالرجال بل يعرفون الرجال بالحق. (22)

رابعا : الإخوان ينتقدون حكومة محمد محمود

نقد الحكومة لتركها مظاهر الفساد فى المجتمع

لقد وقف الإمام البنا والإخوان من القضايا الاجتماعية وقفه شديدة محاولين إصلاحها، وكتبوا في ذلك الكثير من الرسائل لرئيس الوزراء ووزراءه، ومما كتب ما جاء في "مجلة النذير" على لسان رئيس تحريرها الأستاذ صالح عشماوي تعيب على رئيس الوزراء قبوله بالسماح للزنا والدعارة التي تمارس سرًّا وجهرًا قائلة:

"إننا نعلم يا رفعة الرئيس أنك نشأت في أرض صعيد مصر المحافظ على عاداته وتقاليده، وأنه يجري في عروقك الدم الشرقي الحار، وما نظن أن بضع سنوات قضيتها في أكسفورد قد غيرت طبيعتك، وحالت بينك وبين المحافظة الشديدة على العادات والتقاليد، أما أنت يا سيدي هيكل محمد حسين هيكل وزير المعارف يا صاحب كتاب "حياة محمد" و"في منزل الوحي"
كيف ترضى أن يصرح بكل هذا الفجور لوزارة أنت فيها مسئول؟ أما اللوم الكبير فهو لوزير جليل صاحب المعالي مصطفى بك عبد الرازق وزير الأوقاف وهو مسئول بحكم التضامن عن سياسة الوزارة العامة، كيف ترضى معاليكم وأنت من خريجي الأزهر الشريف وعلماء الإسلام أن تسكت على هذا وقد توليت أمر المسلمين وأصبحت من ولاة الأمر والنهي؟».

كما أرسل الإخوان خطاب مفتوح إلى صاحب المعالي عبد السلام الشاذلي باشا وزير الشئون الاجتماعية جاء فيه: سنوا القوانين الصارمة والعقوبات المؤلمة لكل مستهتر ومستهترة، وكل معتد على كل فتاة، وكل امرأة معتدية على فتاة أيضًا.

فإن لم تتداركوا الحال بما عرف عنكم من الغيرة والجرأة والشهامة عسر في المستقبل إيجاد جيل يعتصم بالفضيلة ويستمسك بالأخلاق الفاضلة، وكان من الصعب مداواة هذا المرض الوبيء الذي يربو كل يوم ويزداد كل آونة، لتمش يا صاحب المعالي متخفيًا مرة أو لترسل من يذهب متخفيًا إلى هذه الأماكن لترى ما ترى أو ليرى ما يرى».

ورفض الإخوان بشدة عزم حكومة محمد محمود باشا إقامة مدينة للملاهي عمادها الخمر والميسر، ورأوا أن خطورة هذه المدينة مع أن الرقص والبغاء موجود في أماكن معلومة في أن الأسر الكريمة لا ترتاد تلك الأماكن الموبوءة، أما في مدينة الملاهي فهي مصيف الموجودين في القاهرة، ولا يمنع الرجل من أن يصطحب زوجته أو كريمته، وبذلك تذبح الفضيلة ويشيع الفساد والفحشاء؛ حيث هناك ستقع أنظار السيدات والآنسات على مناظر لم يألفوها من قبل فأي إغراء للمرأة الشريفة.

وعندما أقرت اللجنة المختصة رأي وزير الداخلية في ضرورة إجراء الكشف الطبي على كل من يعمل في الكباريهات استنكر الإخوان الأمر قائلين: لا ندري ما الذي يفرض علينا وجود هذه الصالات والكباريهات، ولما لا تلغى فتقتلع الفساد من جذوره، ونوفر أموال الدولة وجهود بنيها في الكشف الطبي على الراقصات؟ كم من مرة نقول: الوقاية خير من العلاج، والإسلام لا يعرف أنصاف الحلول.

وفي مذكرة الإخوان للحكومة عام 1938م طالبوا بالفصل التام بين الجنسين في دور التعليم، وخصوصًا في الجامعة المصرية لما ينتج عن ذلك من فساد أخلاقي كبير.

ولقد اعتبر الإخوان صمت الشيخ المراغي من تصرف وزارة محمد محمود بمناسبة حفل زواج الملك مأخذ يعرض للقيل والقال، خاصة وأن له مواقف أخرى ذات لون حزبي مختلف، ولذلك تساءل الإخوان: هل أحكام الإسلام تتغير بتغير الوزارات؟.

وعندما قام أحمد ماهر وزير المالية في ذلك الوقت باصطحاب النائب العام وسفير بريطانيا للمقامرة في سباقات الخيل؛ حيث كان الوزير مقامرًا كبيرًا تجري الخيول في السباق باسمه، كما كان عضوًا في لجنة تحكيم السباقات، عاب عليه الإخوان ذلك؛

كما عابوا عليه استمراره في المقامرة بعد تولي الوزارة (23) ، وقد تعرض أحمد ماهر وهو وزير للمالية لانتقاد شديد من الإخوان حين حدد ميعاد المقابلة الشخصية لامتحان لشغل إحدى الوظائف في وزارة المالية في يوم الجمعة بل ووقت صلاتها، وحين تكلم أحد الممتحنين معه وهو الأخ طاهر عبد المحسن في ذلك تهكم عليه وسخر منه وأنبأه أنه سيقوم بنفسه بامتحان المتقدمين. (24)

وقد يرجع استهتار ذلك الوزير بالدين وتعاليمه إلى انضمامه المبكر للمحافل الماسونية، وتقلده للمناصب الرفيعة فيها؛ فقد أصبح أستاذًا أعظم للشرق الأكبر منذ بداية عام 1938م. (25)

ولما حضر وزير الأوقاف إحدى حفلات الجمعيات التبشيرية انتقده الإخوان وهاجموا الوزارة(26)، وكذلك حين نشرت "مجلة المصور" صورة غير كريمة للوزير عندما حضر حفلاً دعت له هدى شعراوي في بيتها، كتب الأستاذ صالح عشماوي مقالة بعنوان: "هذه العمامة نبرأ منها إلى الله ونستعدي عليها جلالة الملك". (27)

أما رئيس الوزارة نفسه فقد تعرض لنقد مستمر من الإخوان على مواقفه المختلفة؛ فعندما سافر إلى لندن للتحدث بشأن القضية الفلسطينية وظهرت له صورة وهو ذاهب للقاء مكدونالد وزير المستعمرات وقد استبدل الطربوش بالقبعة نددت به صحيفةالإخوان، وتساءلت: متى يحتفظ المصري بكرامته ويعتز بقوميته؟. (28)

ولما استمرت حالات القبض على الإخوان ومنعهم من إقامة مؤتمراتهم حدث ذلك في الزقازيق، وشبين الكوم، ورغم كل ذلك أقام الإخوان حفل تكريم للنواب والشيوخ الذين دافعوا عن الفكرة الإسلامية وحاربوا الإلحاد والإباحية في مجلس النواب والشيوخ شارك فيها العديد من القيادات.

انتقاد الإخوان موقف حكومة محمد محمود من فلسطين

نقد تصريح محمد محمود حول فلسطين

تولت حكومة محمد محمود الوزارة فى وقت كانت الثورة فى فلسطين على أشدها،وكانت حكومات البلاد العربية والبلاد الإسلامية تقف من هذه المشكلة الدولية موقفا سلبيا بحتا ،ويفسرد. محمد حسين هيكل ذلك الموقف بقوله:

وكان ساسة مصريون فى هذا الموقف السلبى حكمة غاية الحكمة ، فمشكلة العلاقات المصرية البريطانية وتنظيمها كانت تحتاج إلى كل جهد تستطيع مصر بذله، فإذا وجهت الجهود إلى فلسطين أو غير فلسطين أضعف ذلك نشاطها فى السعى لاستقلالها وسيادتها .
كان سعد زغلول باشا وغير سعد زغلول باشا من ساسة مصر يقولون هذا صراحة ، وإن لم يمنعهم هذا من العطف على فلسطين والأسف للسياسة المتبعة فيها .وكانت الحكومات العربية الأخرى كالعراق وشرق الأردن تقف من فلسطين مثل هذا الموقف .
ولم يكن لهذه الحكومات وكلها خاضعة للنفوذ البريطانى أن تصنع شيئا يذكر. لهذا كان مجهود أبناء فلسطين مجهودا قوميا صادقا وكانت ثورتهم بالهجرة اليهودية وبيع أراضى البعرب لليهود عنيفة غاية العنف ." (29)

هزت ثورة سنة 1936 البلاد المقدسة وهزت غيرها من البلاد فلم تستطع حكومات هذه البلاد أن تحتفظ للنهاية بسياستها السلبية إزاء المشكلة الفلسطينية ، لذلك دعا غير الرسميين من أبناء مصر المعنيين بهذه الحركة، وفى مقدمتهم محمد علوبه باشا إلى مؤتمر عربى يعقد بمصر أوائل سنة 1938 لمناصرة قضية فلسطين . واشترك فى هذا المؤتمر عدد كبير من ذووى المكانمة من البلاد العربية والإسلامية .

وكانت وزارة محمد محمود باشا هى القائمة بالأمر يومنذ فى مصر لم تفكر بطبيعة الحال فى منع هذا المؤتمر أن يعقد وينفض بعيدا عنها ، بل رحبت به وزادت على الترحيب أن دعت أعضائه إلى حفلة ألقى فيها محمد محمود باشا خطابا رسميا أيد فيه مطالب العرب وأبدى فيه صادق الرغبة أن توفق الحكومة البريطانية أن توفق الحكومة البريطانية إلى إيجاد حل عادل ينصف أبناء هذه البلاد ويرضيهم . (30)

ولقد شهد تصريح محمد محمود لصحيفة الـ"ديلي ميل" حول القضية الفلسطينية انتقاد الإخوان عندما سأله مراسل الجريدة: هل تنوي دراسة الحالة في فلسطين؟ فأجابه "بأنني رئيس وزراء مصر لا رئيس وزراء فلسطين"؛

وقد تعجب الإخوان من هذا التصريح واستنكروه، خاصة أنه قبل أن يتولى الوزارة كان من المنافحين عن القضية الفلسطينية، وقد اعتبروا تصريحه نكبة على مجاهدي فلسطين فوق ما أصابهم من نكبات؛ (31)

وكتب صالح عشماوي مقالاً افتتاحيًّا بعنوان:

"يا مصر حطمي أصنامك وطهري ديارك للصالحين" قال فيه: «يفترض محرر "الديلي ميل" في رفعة محمد باشا محمود رئيس حكومة مصر زعيمة العالم الإسلامي أنه لابد أن يتناول في محادثاته مع الوزراء الإنجليز مسألة فلسطين فيسأله عن نيته في ذلك فيكون جوابه:إنني رئيس وزراء مصر، لا رئيس وزراء فلسطين.
ولذلك وجه الإمام الشهيد خطابًا إلى رئيس الوزراء يحثه فيه على المساهمة في الدفاع عن فلسطين ومساعدة المجاهدين. (32)
ومنه : " وحول تصريح رئيس الوزراء محمد محمود الذي نشرته جريدة الأهرام في 20 يونيو سنة 1938م، حين سأله مندوب "الديلي ميل": هل تنوي دراسة الحالة في فلسطين؟
فأجابه رفعته قائلاً: "إنني رئيس وزراء مصر، لا رئيس وزراء فلسطين :أتدري يا باشا كم أثار تصريحك هذا؟ وكيف انقض كالصاعقة على كل مصري ، وقد حمله إليه الأثير وأذاعه الراديو؟! إن هذا التصريح قنبلة أشد هولاً وإجرامًا من قنبلة القدس، ولئن كانت الأخيرة ألقتها فتاة يهودية فمن نكد الدنيا أن يلقي القنبلة الأخرى رجل مسلم.
إن فلسطين يا باشا لا تحتاج رؤساء دبلوماسيين ففيها من أبطالها المجاهدين رجال ليس من العدل ولا من الإنصاف أن نجعلهم موضع مقارنة مع أي زعيم ووزير مصري ولو كان رئيس وزراء مصر، إن في فلسطين رجالاً مجاهدين وأبطالاً غرًّا ميامين وقفوا أمام الحديد والنار، وقاوموا اليهود والاستعمار لم يتعودوا الانحناء لمندوب سام أو سفير. إن فلسطين مهوى أفئدة المسلمين جميعًا فلن يضيرها أن يتنكر لها فرد وإن كان رئيس وزارة، أو يتجاهلها مخلوق أيًّا كانت منزلته.
فهنيئًا لك يا باشا فقد كسبتم صداقة الإنجليز وخسرتم ثقة مصر وفلسطين، بل عطف العالم العربي والإسلامي أجمع».

وكتب الأستاذ محمد عبد الحميد أحمد بخصوص هذا الموضوع وهذه السقطة التي سقط فيها رئيس الوزراء يقول:

يا رئيس وزراء مصر فقط أي شيء أقالك عن رئاسة وزراء فلسطين يوم غضبت لقضيتها في العام الماضي في نفس المكان وعلى مسمع القوم أنفسهم؟
لا أحسب شيئًا أقالك ونحاك عن فلسطين إلا الحكم الذي كنت منحى عنه يومئذ، فلو أنصفت لقلت: إنك رئيس منصب الحكومة لا رئيس الحكومة، ولا رئيس آمال الأمة الكريمة.
يا رئيس وزراء مصر لا فلسطين، أتدري أي سهم أرسلت؟ وأي قلب أصبت؟ وأي شرف طعنت؟ وأي ذنب اقترفت بهذه الكلمة الخطيرة الصغيرة».(33)

مهاجمة الحكومة دور الإخوان لهجومهم على الإنجليز

وقد هاجمت الحكومة التى تخشى بأس الإنجليز دور الإخوان ، وقبضت على العديد منهم بسبب هجوم الإخوان على الإنجليز، وموقف الإخوان من القضية الفلسطينية، فداهمت دور الإخوان في: القاهرة والإسماعيلية ورشيد وبورسعيد. (34)

القبض على المرشد العام

ولما اشتد التنكيل بالفلسطينين نشر الإخوان كتابا يبين فظائع اليهود والإنجليز فى فلسطين ، ونشروا تحت عنوان : (النار والدمار فى فلسطين) (35)، وقد داهمت حكومة محمد محمود مقر الإخوان بناء على أوامر من الإنجليز ، وصادرت ما بقى من الكتاب واعتقلت الإمام البنا ، ولقد كانت وزارة محمد محمود أول وزارة تعتقل الإمام الشهيد حسن البنا لتوزيعه كتاب:

"النار والدمار في فلسطين"، وكانت تنوي تقديمه للمحاكمة لولا تدخل السفير الإنجليزى الذي رأى أن محاكمة حسن البنا على تلك القضية تكون سببًا في نشر أفكاره كما ستزيد الكراهية للإنجليز (36) ، وتم التنكيل بالإخوان ومنعهم من إقامة مؤتمراتهم كما حدث في الزقازيق (37) ، وشبين الكوم. (38)

الإخوان يعترضون على الكتاب الأبيض لدى حكومة محمد محمود

وعندما صدر الكتاب الأبيض رفضه الإخوان شكلاً وموضوعًا، فاعترض الأستاذ البنا على إصدار بريطانيا لهذا الكتاب دون مشورة أحد من الزعماء ورؤساء الحكومات والوفود العربية المشاركة في المؤتمر، ورأى في ذلك إهانة لهم واستهتارًا بهم، كما رأى في محتواه تضييعًا لحقوق العرب المسلوبة، وإهدارًا لمصالحهم المغتصبة، كما رأى فيه استمرارًا لسياسة الخداع والمناورة التي تتبعها الحكومة البريطانية تجاه قضية فلسطين.

فأرسل إلى رئيس الوزراء رسالة جاء فيها: "حضرة صاحب المقام الرفيع محمد محمود باشا رئيس الحكومة المصرية.

أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد عبده ورسوله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد، فقد نشرت الصحف نص الكتاب الأبيض الذي أصدرته الحكومة الإنجليزية عن فلسطين، وقرأ الإخوان المسلمون ذلك الكتاب المشئوم في ألم واستنكار وثورة.. أما الألم فلتلك النكبات المتلاحقة التي تحل بفلسطين الأبية المجاهدة، ذلك الجزء العزيز الغالي من الوطن الإسلامي العام..

وأما الاستنكار فلذلك التحدي الصريح لشعور المسلمين، وتلك الإهانة القاسية لزعمائهم ورؤساء حكوماتهم، ولقد كان للحكومة المصرية من هذه الإهانة الحظ الأوفر؛ إذ ساهمت في محادثات لندن والقاهرة بأكبر نصيب.. وأما الثورة فسأكون يا صاحب المقام الرفيع صريحًا معكم في بيانها إلى أبعد حدود الصراحة...

والآن وقد جاهر الإنجليز واليهود في كل أنحاء العالم حتى يهود أميركا التي تتخذ الحياد شعارًا لها في كل مشاكل العالم الآن وقد جاهر الإنجليز واليهود المسلمين بالعداء أصبح لزامًا على كل أخ مسلم أن يؤدي واجبه بما يرضي الله ورسوله، وبما يحفظ للإسلام كرامته، وللدين قداسته، ولذلك الجزء الطاهر من الوطن الإسلامي حريته.

يا صاحب المقام الرفيع: إن الدماء التي خضبت أرض فلسطين...إن آلاف الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم في سبيل المثل الإسلامي الأعلى...إن شباب العرب الذين أرسل بهم الإنجليز إلى المشانق مئات إثر مئات...

إن الشيوخ الذين أنزل بهم المستعمرون ألوانًا وحشية من التعذيب الذي أعاد إلى الأذهان صور محاكم التفتيش في أسوأ عهودها..إن المسجد الأقصى الذي انتهكت حرمته، واعتدى الجنود الإنجليز على قداسته... إن كرامة زعماء المسلمين وملوكهم وأمرائهم الذين تدخلوا في هذه القضية فلم يسمع لهم مشورة، ولم يطع لهم قول، بل كرامتكم أنتم شخصيًّا، وقد كنتم محل أمل كبير في ذلك....".
(39)

خامسا : خلاصة رأى الإخوان فى حكومة محمد محمود

ولعل بعد ذلك العرض السابق لعلاقة الإخوان بحكومة محمد محمود ندرك أنها تتوقف على موقف الحكومة من القضايا العامة فى الدولة دون خوف أو رهبة أو رغبة فى مغنم ، وجملة رأى الإخوان فى حكومة محمد محمود بعد تقديم استقالتها عبرت عنه "مجلة النذير" فى افتتاحيتها بعد تولي الوزارة الجديدة الحكم أبلغ رد للإجابة على هذا السؤال؛

فقد كتبت "النذير" تحت عنوان:

"وزارة جديدة وموقف قديم" مقالاً تناولت فيه الوزارة السابقة بالشكر ذاكرة لبعض محاسنها ، فقالت: "اليوم وقد سقطت وزارة محمد باشا محمود فأصبحت في ذمة التاريخ وسيصدر حكمه لها أو عليها، والآن وقد تجرد الوزراء السابقون من سلطانهم ونفوذهم نستطيع أن نقول في غير حرج ولا مظنة رياء: إن عهد محمد باشا محمود كان فيه خير كثير؛
وقد كسب منه أنصار الفضيلة والأخلاق ودعاة الإسلام كسبًا غير يسير، نعم لم تحقق وزارة "الحكم الصالح" وهو شعار الوزارة كل ما عقد عليها من آمال، ولم تف بأغلب وعودها للتمكين للإسلام، ولكن كانت الحكومة يتولى الأمر فيها وزراء شيوخ ينقصهم جرأة الشباب وروعة الفتوة، وربوا في أحضان الاستعمار، ونشأوا بعيدين عن التشبع بفكرة الإيمان بالإسلام وحضارة الإسلام؛
فما كان لها أن تفعل أكثر مما فعلت الوزارة السابقة، ولعل الوزارة أو على الأصح خطيبها سعادة هيكل باشا أسرف في الوعود وفي التحدث عن الإسلام، فصدّق الناس ولهم العذر وأسرفوا في آمالهم وفي رجائهم من عزة ورفعة ومجد ومنعة للإسلام والمسلمين على يد الوزراء السابقين.
كذلك كان لبعض هؤلاء الوزراء "كبوات" خطيرة تستمد خطورتها من مناصب الحكم التي كانوا يشغلونها، ولكنا كنا نحاسبهم عليها حسابًا عسيرًا، ونأخذهم بشدة وعنف فما أخذتهم العزة بالإثم، وما تحركت في نفوسهم شهوة الانتقام، فمن الإنصاف أن نقول عن هؤلاء الوزراء السابقين أمثال: الشيخ مصطفى بك عبد الرازق، والدكتور محمد حسين هيكل باشا: إنهم إذا كانوا لم يحققوا لنا المثل العليا "للوزير المسلم" فإنهم على الأقل كانوا يستحون من الحق". (40)

سادسا : المراجع

  1. عبد الرافعى الرافعى : فى أعقاب الثورة المصرية ج3 ص63 وما بعدها .
  2. محمد صابر عرب : حادث 4 فبراير 1942 والحياة السياسية المصرية ، نسخة الكترونية على موقع إخوان ويكي
  3. عبد الرافعى الرافعى : فى أعقاب الثورة المصرية ج3 ص63 وما بعدها .
  4. د. سامي أبو النور : دور القصر في الحياة السياسية في مصر (1937 –1952)، مكتبة مدبولي ، القاهرة .
  5. ماجدة محمد محمود : المعتدلون فى السياسة المصرية ، دراسة فى دور محمد محمود باشا ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ،1992. ص186
  6. محمد صابر عرب : حادث 4 فبراير 1942 والحياة السياسية المصرية ، نسخة الكترونية على موقع إخوان ويكي
  7. د. شوقى الجمل ، د. عبد الله عبد الرازق : تاريخ مصر المعاصر ، دارالثقافة للنشر والتوزيع ، القاهرة ،199.
  8. ميتشل : الإخوان المسلمون ، نسخة الكترونية على موقع إخوان ويكي .
  9. راجع : رسالة المؤتمر الخامس فى : مجموعة رسائل الإمام البنا 327ـ 378 ، طبعة البصائر .وكذلك : جمعة أمين : أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين ج 4 ص 71ـ84 .
  10. رسائل حسن البنا: (رسالة المنهج) ص 252،طبعة البصائر .
  11. محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، دار الدعوة، الطبعة الثالثة، 1993م، ج1ص138.
  12. اسحاق موسى الحسينى : الإخوان المسلمون كبرى الحركات الإسلامية الحديثة الفصل الثانى: نشأتهم وتطورهم، نسخة الكترونية على موقع إخوان ويكي ..
  13. أعلن الوفد في أن الغرض من إنشاء هذه الفرق غرض رياضي محض لا أثر فيه للسياسة , وأن حاجة الشباب المصري إلى مثل هذا النظام شديدة , لما يكتسبه عن طريقه من تعود على النظام والطاعة والتضحية والصبر , عدا ما يفيده من الصحة والقوة . كذلك استقر الرأي على جعل تبعية هذه الفرق لوزارة الداخلية حتى لا يلحق بها إلا الذين اتصفوا بالخلق الرضي والسلوك الحسن وأن يكون الالتحاق بشروط محددة مع تحريم الاشتغال بالسياسة على أعضائها , وقصر أعمالهم على الرياضة والرحلات وغير ذلك مما يتصل بالشئون الرياضية.على أن هذا لا يمنع الشبان من الاشتراك في الاجتماعات العامة للوفد , وعلى أن يفصل أي عضو يخرج عن النظام أو تصل إلى مركز القيادة شكوى ضده من سلوك معين أثبت البحث والتمحيص صدقه لدى ولاة الأمور من زعماء الوفد راجع: آمال السبكى : التيارات السياسية في مصر 1919ـ1952، نسخة الكترونية على موقع إخوان ويكي ..
  14. عبد الرحمن الرافعي: في أعقاب الثورة المصرية، دار المعارف، الطبعة الثانية، 1989م، (3/70).
  15. محمود عبد الحليم: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، دار الدعوة، الطبعة الثالثة، 1993م، ج1ص136.
  16. د. صابرعرب : حادث 4 فبراير 1942 والحياة السياسية المصرية.
  17. النذير ، العدد (4)، السنة الأولى، 21 ربيع الآخر 1357ه 20 يونيو 1938م، ص(5-6).
  18. السابق ، العدد (26)، السنة الثانية، 28 جمادى الآخرة 1358ه 15 أغسطس 1939م، ص(3-6).
  19. السابق، العدد الأول، السنة الأولى، 30 ربيع الأول 1357ه 30 مايو 1938م، ص(3-5).
  20. جمعة أمين : أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين،ج 6 ص32 ، دار التوزيع والنشر الإسلامية ،القاهرة 2002.
  21. جريدة النذير، العدد (7)، السنة الأولى، 13جمادى أول 1357 11 يوليو 1938.
  22. جمعة أمين : أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين ج 6 ص33 .
  23. السابق، العددان الثامن والحادي عشر، السنة الأولى، 30 جمادى الأولى 1357ه، 12 جمادى الآخرة 1357ه 18 يوليو 1938م، 8أغسطس 1938م.
  24. راجع القصة بتمامها في: الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، (1/272)، ومجلة النذير، العدد ، السنة الأولى، 20شوال 1357ه 13ديسمبر 1938م، ص(7-8).
  25. جمعة أمين : أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين ج 6 ص34.
  26. مجلة النذير، العدد (29)، السنة الأولى، 27شوال 1357ه 20ديسمبر 1938م، ص(8-9).
  27. السابق، العدد (34)، السنة الأولى، 3 ذو الحجة 1357ه 24 يناير 1939م، ص(7-10).
  28. السابق، العدد (11)، السنة الأولى، 2 جمادى الآخرة 1357ه 8 أغسطس 1938م، ص(9).
  29. د. محمد حسين هيكل : مذكرات فى السياسة المصرية ، دار المعارف ، القاهرة ، ط 2، ج3 ص15.
  30. د. محمد حسين هيكل : مذكرات فى السياسة المصرية ، دار المعارف ، القاهرة ، ط 2، ج3 ص16.
  31. مجلة النذير ، العدد (9)، السنة الأولى، 27 جمادى الأولى 1357ه 25 يوليو 1938م، ص(11-12).
  32. السابق، العدد (15)، السنة الثانية، 10ربيع الآخر 1358ه 30 مايو 1939م، ص(14-15).
  33. جمعة أمين : أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين ج 6 ص34.
  34. السابق، العدد (13)، السنة الأولى، 26 جمادى الآخرة 1357ه 22 أغسطس 1938م، ص(26).
  35. السابق، العدد (11)، السنة الأولى، 12 جمادى الآخرة 1357ه 8 أغسطس 1938م، ص(18، 26).
  36. محمود عبد الحليم : الإخوان المسلمون أحداث صنعت التاريخ، ج1ص143-144.
  37. مجلة النذير، العدد (17)، السنة الأولى، 24 رجب 1357ه 19 سبتمبر 1938م، ص(22).
  38. السابق، العدد (8)، السنة الثانية، 20 صفر 1358ه 11 أبريل 1939م، ص(14-16).
  39. جمعة أمين : أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين ج 6 ص34.
  40. السابق، العدد (27)، السنة الثانية، 6 رجب 1358ه 22أغسطس 1939م، ص(3-4).