الإخوان المسلمون و مبارك.. من المهادنة إلى المواجهة ( الجزء الثانى)

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
نسخة ١٢:٠٠، ١٠ فبراير ٢٠١٤ للمستخدم Attea mostafa (نقاش | مساهمات)
(فرق) → مراجعة أقدم | المراجعة الحالية (فرق) | مراجعة أحدث ← (فرق)
اذهب إلى: تصفح، ابحث
الإخوان المسلمون ومبارك.. من المهادنة إلى المواجهة (الجزء الثانى)

باحث بمركز نهضة ميديا للدراسات والأبحاث مؤسسة إخوان ويب

الفصل الثانى: مصر على أعتاب الثمانينات

المبحث الأول: ظروف تولى مبارك للحكم

تميز عهد الرئيس السابق محمد أنور السادات بمساحة واسعة من حرية العمل الاسلامى والذى بدا بوضوح من خلال انتشار العمل الاسلامى الذى يقوده جماعة الإخوان المسلمين خلال فترة السبعينات بصورة كبيرة سواء فى الجامعات أو من خلال التعامل مع المجتمع.

ولكن مع استقرار الأمور للسادات وخاصة بعد نصر أكتوبر 1973 أصاب السادات حالة من القوة والغرور وكانت تلك القشة التى قصمت ظهر البعير فى ما أطلق عليها أحداث سبتمبر 1981 فقد أسفرت موجة الاعتقالات التى جرت أحداثها صبيحة الثالث من سبتمبر 1981 والتى شملت حسب المصادر الرسمية 1536 تم التحفظ عليهم فى سجون مصر المركزية عن موجة صامتة من الغليان وسط فئات وطوائف الشعب المصرى الذى تعاطف معظم أبنائه مع من دخلوا المعتقلات التى عادت للظهور وكانت خطوة إغلاقها إحدى مفاخر عهد السادات !!

وأحس الناس بأن هناك نارا تحت الرماد وأن " شطحات " السادات لا بد وأن تقوده فى النهاية الى مصير محتوم .. وقد كان.

ففى الذكرى الثامنة لاحتفال مصر فى السادس من أكتوبر بالانتصار الكبير على العدو الصهيونى وأثناء الآستعراض العسكرى الذى جرت أحداثه فى أرض الاستعراض بمدينة نصر هو موقع أختير لإقامة العروض العسكرية توقفت إحدى المركبات العسكرية أمام المنصة التى كان يجلس عليها السادات وكبار رجال الدولة واندفع أربعة من العسكريين نحو هذه المنصة حاملين الرشاشات والبنادق ليسددوها نحو المنصة ليسقط السادات قتيلا فى الحال كما لقى عدد من العسكريين والمدنيين مصرعهم .

وعقب وقوع الحادث سادت موجة من الاضطراب والفوضى ونزلت قوات الجيش لمحاصرة مخارج ومداخل القاهرة والمدن الكبرى والسيطرة على المنشآت الحيوية ومع قدوم عيد الأضحى المبارك عقب الحادث بيومين سادت مصر موجة من العنف خاصة فى محافظات الصعيد وبالتحديد فى محافظة أسيوط حيث اشتبكت مجموعة من الجماعات الدينية مع قوات البوليس راح ضحية هذه الاشتباكات عشرات من الضحايا من الطرفين ومن المدنيين الأبرياء

وجرت فيما بعد محاكمة أعضاء هذه الجماعات فى قضية أمن الدولة العليا تحت اسم تنظيم الجهاد وعقب اغتيال السادات جرت عملية انتقال السلطة حيث عين بمقتضى الدستور الدكتور صوفى أبو طالب رئيسا مؤقتا للجمهورية لحين إجراء الانتخابات ودعى أبناء الشعب المصرى لحضور الانتخابات والتى انتخب فيها الرئيس محمد حسني مبارك رئيسا للجمهورية خلفا للرئيس الراحل السادات .

أما الغريب فهو كيف استقبل أبناء الشعب المصرى اغتيال السادات فقد استقبلوه بنوع من الوجوم والذهول على عكس ما جرى بشكل غريب من موت عبد الناصر والغريب أيضا أن وزارة الداخلية كانت قد أعلنت قبيل اغتيال السادات ببدء السماح بزيارة المتحفظ عليهم والسماح لهم بالملابس والمأكولات وتم إلغاء هذا السماح بعد الحادث .

المشهد المصرى بعد اغتيال السادات

عاشت مصر بعد اغتيال السادات حالة من الفوضى والترقب للوافد الجديد ووصف تقرير للمخابرات الأمريكية مصر بعد ساعات من اغتيال السادات فيقول التقرير الذى نشرته جريدة (الخميس المصرية)، أصدرت المخابرات الأمريكية (CIA) تقريراً مفصلاً عن أحوال مصر بعد ساعات قليلة من مقتل السادات، وكتبت علي هذا التقرير سري للغاية وأصبح هذا التقرير من الملفات السرية،والذي صدر بتاريخ 7 أكتوبر 1981 أي ثاني يوم مقتل السادات.

جاء في هذا التقرير أن اغتيال السادات جاء نتيجة خطة محكمة نفذها مجموعة من جماعة إسلامية متشددة.

وأن المسئولين عن الأمن المصري يعتقدون أن القتلة السبعة ينتمون لجماعة متشددة صغيرة ولايوجد أي دليل علي وجود صلة لهذه المجموعة بقوي خارجية وتحت عنوان «مبارك وعملية انتقال السلطة» قال التقرير إنه حسب الدستور المصري يتولي رئيس مجلس الشعب صوفي أبو طالب أمور إدارة البلاد وتنظيم انتخابات رئاسية تكتمل خلال 60 يوماً.

واختار السادات مبارك ليكون رئيسا من بعده وسوف يعمل مجلس الشعب بوصية، وقد أجمع أعضاء الحزب الوطني علي ترشيح حسني مبارك رئيسا للبلاد.

وقد عمل السادات علي ذلك حتي تتم عملية انتقال السلطة في هدوء وقد سمح السادات بتقوية نفوذ مبارك وتوسيع سلطاته.

ويقول التقرير إن CIA يتوقع من الرئيس الجديد أن يبدأ علاقات قوية مع العرب خاصة السعودية لأن ذلك سيعني علاقات اقتصادية أفضل مع السعودية وتقبل أكبر لعمالة المصريين هناك وأكد التقرير CIA أن إسرائيل تهتم بشكل أساسي بحالة عدم الاستقرار التي ربما تشهدها مصر واحتمال خضوع الرئيس الجديد للضغط العربي لإلغاء اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية السلام.

كانت إسرائيل أيضا قلقة من عملية الانسحاب الكامل من سيناء قبل اتمام اتفاق مع الفلسطينيين.

وأكد التقرير أن اغتيال الرئيس السادات بعد انتصار كبير للنظام الليبي الذي كان يدعو للاطاحة بالسادات وكان يعمل علي ذلك حتي نهاية عام 1974.

أما ما يخص الجزيرة العربية فتري أن مقتل السادات جاء نتيجة علاقة السلام التي أجراها مع إسرائيل وعلاقاته الوطيدة بالولايات المتحدة،وسوف يهتم قادة الخليج العربي باتخاذ علاقات قوية مع الرئيس الجديد،وسوف يبحثون عن أي فرصة لينصحوا الرئيس للابتعاد بمصر عن قضية السلام وأن يعمل علي تحسين علاقته بالدول العربية المعتدلة .(1)

كما يصف أحد المراسلين الصحافيين الأجانب وهو جوناثان رايت ويعمل مع وكالة رويترز في الفترة بين عام 1979 حتى عام 2010 كمراسل في الشرق الأوسط وإفريقيا والولايات المتحدة..

وبدأ حياته المهنية مع رويترز في مصر وكان يقف على بعد أمتار من الرئيس المصري الراحل أنور السادات عندما تم اغتاله عام 1981، وفيما يلي شهادته تحت عنوان: "الفرحة بسقوط مبارك تتناقض مع التوتر الذي صاحب توليه السلطة".

هذه المرة تقافز الناس من الفرح وتعانق الجيران وهتفوا بصوت واحد مرددين "الحرية" و"الله أكبر" ولوحوا بعلم مصر وقرعوا طبولهم وتدفقوا إلى وسط المدينة للمشاركة في حفل الجيل.

كان مشهدا مختلفا تمام الاختلاف عما رأيته قبل 30 عامًا عندما فقدت مصر رئيسها الأسبق أنور السادات باغتياله الذي جاء بمبارك إلى السلطة، حيث اكتظت الشوارع بحشود المبتهجين الذين يحتفلون بنجاح الانتفاضة الشعبية أمام قصر الرئاسة في شمال شرق القاهرة يوم "جمعة التحدي" اليوم الذي انحنى فيه الرئيس المصري حسني مبارك أمام الضغط الشعبي وتخلى عن منصبه.

وتلألأت السماء بالألعاب النارية وتعالت أصوات أبواق السيارات.. والتقطت مجموعات من الشباب صورا بالهواتف المحمولة أمام حاملات الجند المدرعة.

وسرت في الشوارع ذاتها بضاحية مصر الجديدة بالقاهرة في السادس من أكتوبر عام 1981 وهو اليوم الذي شاهدت فيه إخراج جثمان السادات من خلف المنصة عندما اغتاله إسلاميون متشددون في عرض عسكري.

في ذلك اليوم خيم التوتر على شوارع مصر التي أصيبت بالصدمة.. وكانت المعلومات تمضي بتثاقل في غياب القنوات التليفزيونية الفضائية والهواتف المحمولة والإنترنت ولم يعرف غالبية المصريين الكثير عما حدث في ساحة العرض.

كنت أجلس على بعد 50 مترًا تقريبًا إلى اليسار من السادات ومبارك الذي كان نائبا للرئيس آنذاك وكلاهما كان يرتدي بزة عسكرية كالتي يرتديها الجيش في بروسيا والتي كان السادات يفضلها، وعندما وصل السادات لاحظت أنه كان ينتعل حذاء عالي الكعبين كالذي يستخدمه رعاة البقر وهو أمر لم يكن مألوفا لكنها كانت علامة أخرى على نزوع الرجل إلى التأنق والبهرجة.

واندفعت مركبات الجيش احتفالا بأداء القوات المسلحة المصرية في حرب عام 1973 التي يعتبرها المصريون نصرا.

فجأة توقفت شاحنة.. وقفز من صندوقها الخلفي مجموعة من الرجال وركضوا ناحية المنصة حيث كان السادات جالسا.

كنت أنظر لحظتها في جهة أخرى ربما كنت أتابع طائرات الميراج التي كانت تحلق فوق المنصة وتطلق دخانا ملونا.

ثم انفجرت قنبلة، ولم يكن هذا جزءا من المشهد العادي الذي يمكن التنبؤ به وتبع ذلك وابل من نيران البنادق الآلية، عندئذ كان الناس ورائي وفوقي في المنصة يتخذون ساترا على الأرض وكومت الكراسي المعدنية فوقي.. ووضعت ذراعي فوق رأسي وزحفت بعيدا.

وعندما وصلت إلى الطرف الأيسر من المنصة نظرت ورائي حيث كان السادات جالسا فوجدت حالة من الهرج والمرج.. ولم أعرف في ذلك الوقت أن السادات و11 شخصا معه قتلوا وأصيب كثيرون في إطلاق النار.

كنت قلقا من حالة الفوضى ومن وجود عدد كبير من الناس المسلحين وسرت بخفة نحو الاستاد وهرولت ناحية مجموعة من الناس في بزات يحملون جثمانا ملفوفا في غطاء.

وأحدهم كان يلوح بمسدس ويطلب من الناس أن يبتعدوا لأن الرئيس أصيب، وتمكنت من رؤية السادات بصلعته المميزة وحذاء رعاة البقر ذاته يبرزان من الأغطية.

ورفعت يداي وتنحيت جانبا حيث وضعوا الجثمان في طائرة هليكوبتر منتظرة فيما كانت محركاتها تعمل، وأخذته الطائرة وتوجهت به جنوبا.

أخيرا وجدت تليفونا عند بوابة شركة وسمح لي الحارس باستخدامه، وأبلغت زملائي بما رأيته وقلت لهم إن السادات أصيب وغادر في طائرة هليكوبتر.

كانت جميع الشوارع مغلقة بسبب العرض العسكري ولم تظهر في الأفق سيارة أجرة فمشيت وأخيرا وجدت سيارة نقلتني إلى ضاحية مصر الجديدة القريبة.

ومع انتشار نبأ إطلاق النار خيمت على أرجاء المدينة أجواء من الوجوم والقلق. وكان الأسبوع الأخير من عمر السادات قد شهد حالة من الصدمة بالفعل حيث وقعت اعتقالات جماعية وألقيت كلمات طويلة وجه السادات خلالها كلمات لوم قاسية للمعارضة.

وكان لحسني مبارك الذي ظهر على شاشات التليفزيون في ذلك اليوم وعلى يده ضمادة حيث أصيب بجرح صغير حضور مطمئن لكثير من المصريين في تلك الأوقات العصيبة.

وكما هو مألوف في تلك الحالات توقع كثيرون ألا يستمر طويلا، ولم تكن له خبرة سياسية كبيرة كقائد سابق للقوات الجوية ولم يظهر أي علامة على أن لديه طموحات كبيرة.(2)

ويقول اللواء حسن أبو باشا وزير الداخلية السابق عن ملامح المشهد السياسى بعد أحداث أكتوبر:

لم تكن أحداث السادس من أكتوبر 1981 وماسبقها من أزمة سياسية حادة انتهت بقرارات سبتمبر لتمر دون أن تترك بصماتها وذيولها على المسرح السياسى بأكمله، بل على المناخ السياسى العام والأمنى عامة.
فقد كانت هناك أولاً الآثار السياسية المباشرة التى عكستها قرارات سبتمبر على جميع القوى السياسية الشرعية التى خضع كثير من قياداتها إلى تلك القرارات بعد أن وضعوا تحت التحفظ بالمعتقل بعد تطبيقها عليهم، وكانت النتيجة المباشرة لذلك الشمول الذى اتسمت به هذه القرارات أن مناخاً متوتراً من الخصومة السياسية بين القوى السياسية بأجمعها وبين النظام هو الذى كان يسيطر على المسرح ويغلفه بكثير من الغيوم، بل إن آثار التوتر قد امتدت ليظهر الأمر وكأن جميع القوى السياسية الشرعية قد التحمت مع القوى غير الشرعية فى موقف واحد وعلى أرضية مشتركة فى مواجهة النظام، يضاف إلى كل ذلك أن القرارات التى شملت قيادات مسيحية وقيادات إسلامية قد أضافت بعداً دينياً مزدوجاً إلى حدة التوتر السياسى، لتزاداد الغيوم التى تغطى المسرح العام الداخلى كثافة وسواداً منذرة بعواصف غير محددة الاتجاه.
وكان يضاعف من حدة التوتر الذى يسود المسرح العام الداخلى أن الموقف الأمنى بدوره لم يكن قد استقر بعد، نتيجة تلاحق الأحداث بصورة عنيفة غير مسبوقة، بشكل كان يعطى مؤشرات عن احتمالات كثيرة يمكن أن تتداعى، وعموض مبدئى حول الأبعاد الحقيقية لما يحدث، ويكفى أن يشار هنا إلى أحداث أسيوط ومؤشراتها بذلك العنف الذى اتسمت به والتى وقعت بعد ساعات من اغتيال رئيس الجمهورية الراحل فى عملية المنصة، وماتلاها من أحداث متفرقة فى القاهرة والجيزة جرح وقتل عدد من رجال الأمن،وألقيت فيها القنابل على قوات الأمن المهاجمة لاعتقال عناصر تنظيم الجهاد الضالع فى تلك الأحداث.(3)

هكذا كان المشهد فى الساحة السياسية المصرية بعد اغتيال السادات، مشهد مرتبك كما هو الحال الآن عقب ثورة 25 يناير 2011

المبحث الثانى: الحالة الإسلامية فى بداية الثمانينات

تُعد فترة الثمانينات هى امتداد طبيعى للصحوة الاسلامية فى السبعينات سواء على المستوى الفكرى أو المجتمعى، فالإخوان المسلمون بعد خروجهم من سجون عبد الناصر مع حكم السادات وكان أخر دفعه خرجت للإخوان فى عام 1975 وكانت تضم بعض القيادات مثل محمد مهدي عاكف،صلاح شادي، علي نويتو،وكان قد سبقهم فى الخروج الأستاذ عمر التلمساني عام 1971، فكان تركيز الجماعة فى تلك الفترة على اعادة ترتيب كيان الجماعة سواء تنظيمياً أو مجتمعياً.

وتعد فترة السبعينيات من أهم مراحل جماعة الإخوان المسلمين ويعتبرها البعض مرحلة البناء الثاني للجماعة من حيث الانتشار واعادة البناء سواء الداخلى أو المجتمعى ، وبالرغم من أنه شاع لدى كثير من دارسي الحركة الإسلامية في مصر خاصةً في مرحلة السبعينيات أكذوبة مفادها أن هذه الحركة "إحدى صنائع النظام الساداتي" الذي عمل على نشأتها حتى تواجه بشعبيتها المد اليساري، وتقوض بعمقها الجماهيري بقايا البنيان الناصري، الذي تم تأسيسه في فترة الخمسينيات والستينيات!

هذا التصور ظل سائدًا لدى أغلب الكتاب في شئون الحركة الإسلامية المصرية، حتى أضحت له- خاصة في بعده التآمري حجية ذاتية، فما أن يتعرض الدارس للشأن الإسلامي المصري في مرحلة السبعينيات حتى ينطلق أولئك من تلك الفرضية كأنها إحدى مسلمات العلوم الاجتماعية في العالم العربي، ثم يبنون ما شاء من نتائج بعد ذلك عليها!

الأمر الذي يحتاج إلى شيء من الضبط والتحرير نقوم به في السطور التالية... فباستقراء مشهد فترة السبعينيات نلاحظ ان هناك عدة أسباب أو عوامل ساهمت بقوة فى انتشار فكر الصحوة الإسلامية،وذلك بالاضافة الى المناخ المساعد الذى وفره الرئيس السادات إلى حد ما وخاصة فى بداية حكمه، ومن هذه الأسباب:

  1. أن الحركات العاملة للإسلام- تحديدًا حركة الإخوان المسلمين- لم تستسلم تحت مطارق المحن والضغوط، فبالرغم من محاولة نظام عبد الناصر القضاء على الإخوان المسلمين نهائياً على المستوى الفكرى والتنظيمى وسخًر لذلك كل إمكانياته إلا أن الجماعة أستطاعت أن تحتفظ بفكرها وجزء من تنظيمها، ولعل ذلك سر الصدمة الهائلة التي عاشها النظام الناصري جراء اكتشافه بمحض القدر تنظيم 65 السلمي، فما كان عقل النظام يستطيع أن يستوعب أن حركةً إسلاميةً أذاقها صنوف العذاب، وشرد رجالها، وأهان كرام قومها، فما كان عقل النظام يستطيع أن يفهم هذا الصمود فضلاً عن أن تفكر مجموعة كبيرة منهم في إعادة الكرة من جديد- وهكذا شأن الدعوات الصادقة ولعل هذا مبعث كثرة الحكم بالإعدام والمدد الطويلة التي حوكم بها عدد كبير من الإخوان.
  2. أن بداية مرحلة السبعينيات في تاريخ الحركة الإسلامية في مصر، واقعياً تبدأ بعد الهزيمة عام 1967 مباشرةً.. تلك الهزيمة التي سموها- زورًا النكسة تمليها على عقول البسطاء من أهلنا... وتعرض المشروع الناصري إلى الانكسار وأفول موجة الفكر القومي بعد فترة مد هادر سُخرت لها جميع مقدرات البلاد، لقد كانت الهزيمة ضربةً قاصمةً أصابته في مقتل، وهزت صورة المشروع في أذهان الناس، ولم يعد قائده هو القائد المظفر الذي راهن عليه الناس ووضعوا مصائرهم- دولاً وأنظمةً وشعوبًا في كنفه. ولقد أيقظت حرب الأيام الست- أو الساعات المعدودة الشعوب على وهم أسطورة (الكاريزما) التي طالما ألهبت حماس الناس ومشاعرهم، فالهزيمة لم تكن عسكرية فقط، بل كانت في الحقيقة هزيمة تجربة بأكملها وهزيمة مرحلة من مراحل التاريخ المصري في العصر الحديث سيق الناس فيها قهرًا باسم المعركة القادمة مع الكيان الصهيوني وبحجة الشعار المتهافت "لا صوت يعلو على صوت المعركة" كممت أصوات جميع الأحرار من أبناء شعبنا الكريم، الذي صُبت قطاعات واسعة منه على ذل الكبت والاستبداد، أملاً أن يخلصهم من ذل الاحتلال وضياع الأرض، فأعمتهم التجربة عن أن الاستبداد لا يأتي بخير، وأن القهر وسلب إنسانية المواطن أيًا كان دينه أو توجهه الفكري أو معارضته للنظام السياسي لا يمكن أن يأتي بالتحرير.
  3. كان البعد النفسي في هزيمة يونيه 1967 أقوى وأعمق، حيث هيأ ذلك الجرح " الفرصة" التي مكنت من رفع الحصار عن الإسلام؛ ليعلن فشل جميع الإيديولوجيات، وأن الرجوع للإسلام هو الطريق الوحيد إلى "الخلاص" فلم تكن النظرة للهزيمة على أنها نتيجة قوة الكيان الصهيوني أو حتى على أنها نتيجة لمساعد الولايات المتحدة لها، بل كانت نظرة كثير من المصريين للهزيمة على أنها كارثة كبرى، أرادها الله سبحانه وتعالى تذكرةً وعقابًا للمصريين على إعراضهم عن واجباتهم الدينية، وسيطرة الفكر الشيوعى والناصرى على عقول النخبة السياسية والفكرية فى تلك الفترة.

ثم توفي عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 وأسفرت صراعات مراكز القوى والوضع الدستوري الذي كان فيه "السادات"، باعتباره نائبًا لرئيس الجمهورية بالإضافة إلى رغبة كثير من مراكز القوى في الإتيان بشخص ضعيف ليست له شعبية، ويسهل تحريكه من وراء ستار عن توليه منصب الرئاسة، وكان على "السادات" أن يواجه تحديين كبيرين ومباشرين في الخارج والداخل:

- في الخارج تثبيت وضعيته كرئيس للجمهورية ومواجهة احتلال الكيان الصهيوني لسيناء.

- وفي الداخل مواجهة أزمة الشرعية، حيث كانت تنقصه شخصية سلفه الآسرة والتخلص مما أطلق عليها "السادات" مراكز القوى التي كانت ترغب في إدارة الأمور من وراء ستار، وإن كان كثيرٌ منهم يمسك بمفاصل إدارة الدولة بحكم مناصبهم.

وفي محاولة من "السادات" لرفع معدل شرعيته إلى أقصى حد اتبع سياسات ثلاث مترابطة:

  1. التخلص من آثار الناصرية في المجتمع المصري أشخاصًا ومشروعات، فعمل على التخلص ممن سماهم مراكز القوى، ثم التخلص من القطاع العام الاشتراكي وما يحمله من نمط في الإدارة وتجييش الناس وراء زعامة "عبد الناصر".
  2. إقامة الانفتاح على الغرب توقعًا للمساعدات الاقتصادية والاستثمارات الأجنبية، خاصةً من الولايات المتحدة لخلق قطاع خاص كبير.
  3. التقرب من الولايات المتحدة، والعمل في الوقت نفسه على إضعاف الروابط العسكرية والسياسية مع الاتحاد السوفيتي، حتى تم ما أطلق عليه وقتها عملية طرد الخبراء الروس.

اقتضى سعي "السادات"؛ من أجل الشرعية زيادة الاعتماد على القضايا الإسلامية كبديل جزئي للفراغ المذهبي "الإيديولوجي" الذي خلفه نبذه الحثيث للناصرية، فقرر دستور 1971 أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة، كما أعلن أن الشريعة مصدر من مصادر التشريع، وتم رفع شعار دولة العلم والإيمان، ونشر كثير من البرامج الدينية كوسائل يشيد بها "السادات" شرعيته.

وكما يرى "دكمجيان" (في كتابه: الأصولية في العالم العربي) أن منتصف السبعينيات شهد اتباع "السادات" لسياسة ذات ثلاثة اتجاهات في المجال الإسلامي:

  1. استرضاء "مؤسسة الإسلام الرسمية" المتمركزة في جامعة الأزهر والمساجد الحكومية الكبيرة، وذلك لدعم تأييد القيادة الإسلامية في مصر.
  2. استرضاء "الإخوان" لتحييد المعارضة الأصولية، واستغلال قوة الجماعة التنظيمية ضد الناصريين.
  3. قمع الجماعات "الأصولية" النضالية التي تهدد أنشطتها العنفية النظام.

وفي بداية السبعينيات كان التيار الإسلامي في الجامعات المصرية يعمل تحت اسم "اللجنة الدينية"، وانحصر نشاطه في المجالات الاجتماعية والثقافية والرياضية وإقامة الندوات والمعسكرات والرحلات، وفي هذه الفترة سيطر الطابع السلفي التقليدي على نشاط الجماعة وتوجهاتها الفكرية، واستمرت على هذا الحال حتى منتصف السبعينيات.(4)

ومنذ العام 1975م دخلت الجماعات الإسلامية في الجامعات المصرية في مرحلة حسم السؤال الجوهري، كما يقول الدكتور "عصام العريان"- وهو أحد شهود المرحلة البارزين-:

هل نبدأ من جديد أم نكمل المسيرة مع مَن صمدوا وثبتوا واستفادوا من تجاربهم؟ فاختار السواد الأعظم التواصل والاستمرار.

وفي هذه المرحلة كان المجتمع المصري يعجُّ بالكثير من التيارات والأفكار الإسلامية، وكثير منها على دخن، فكان هناك الاتجاه السلفي التقليدي، واتجاه الإخوان المسلمين، كما كان هناك الجمعيات الإسلامية الرسمية كالجمعية الشرعية وجماعة أنصار السنة المحمدية، بالإضافة لبعض المشايخ الذين كان لهم جمهورهم وتلامذتهم كالشيخ "عبدالحميد كشك" والشيخ "حافظ سلامة" والشيخ "المحلاوي" والشيخ "صلاح أبو إسماعيل".

وكانت هناك تيارات الغلو أو ما سُمِّي وقتها بالاتجاه القطبي، واتجاه جماعة المسلمين التي أطلق عليها إعلاميًا جماعة (التكفير والهجرة).

والحقيقة في هذه المرحلة أن أفكار الإخوان المسلمين استطاعت أن تجذب إليها أغلب الشباب في كثير من الجماعات المصرية عدا جامعة أسيوط التي سيطر عليها اتجاه بقي على اسم (الجماعة الإسلامية) لكن بمضامين أكثر عنفًا وبتحالف مع التيار الجهادي.

وما إن هلت سنة 1979م حتى بدأت الجماعة الإسلامية في محافظات الوجه القبلي في التحالف مع تنظيم الجهاد، وتم تشكيل مجلس شورى من أحد عشر عضوًا، وعرض على الدكتور "عمر عبدالرحمن" إمارته فرفض ثم قبله تحت إلالحاح.

ومع نهاية عهد السادات استقر اتجاهان فكريان إسلاميان داخل المجتمع المصري:

أولها: تيار الإخوان المسلمين: الذي تركز في محافظات القاهرة الكبرى والوجه البحري، وله بعض الوجود في محافظات الوجه القبلي.

ثانيًا: التيار الثاني: اقترب من الخط الجهادي في أغلب مناطق الصعيد وقد تحالف مع تنظيم "عبد السلام فرج".

ومنذ العام 1981م توارى قليلاً التيار الأول (الإخوان المسلمين) ليبرز على الساحة التيار الثاني الذي ارتبط بحدثين مهمين في تاريخ مصر هما: اغتيال السادات في أكتوبر 1981م ثم حوادث العنف التي شهدتها مدينة أسيوط بهدف السيطرة عليها.

فكانت نهاية السبعينات وبداية الثماننيات فترة بزوغ نجم "الجماعة الإسلامية" الوافد الجديد فى مشهد العنف المصرى، وقابله أفول نجم دعوة الإخوان ورموزها ولو قليلاً لصالح ذلك الوافد الجديد.

والحقيقة أن موت السادات أتاح لونًا من التنفيس السياسي المؤقت أرجأ انفجار الموقف المتأزم في مصر إذ حاول الرئيس "حسني مبارك" تغيير وجه النظام ببعض الإصلاحات الجزئية، لكن الرئيس الجديد لم تسعفه الوسائل المذهبية ولا الرؤية الواضحة على العبور بمصر الى البر الآمن.

الفصل الثالث

المبحث الأول: الإخوان وظروف تولى مبارك الحكم

عاشت جماعة الإخوان المسلمين فى عهد السادات أزهى عصورها تقريبا سواء من خلال اعادة هيكلتها وتنظيم صفوفها أو انتشارها فى المجتمع على البعدين السياسى والاجتماعى، فالإخوان الذين عانوا الأمرين فى عهد جمال عبدالناصر ،مًثًل عهد السادات فرصة انفتاح جديدة على المجتمع وترتيب الصف الداخلى ولكن هذه الحالة لم تتسمر طويلاً فسرعان ما انقلب السادات على الجميع وكانت أزمة اعتقالات سبتمبر الشهيرة والتى طالت رموز المعارضة وفى القلب منها الإخوان المسلمين، وللأسف لاتوجد مصادر عديدة تتناول تلك الفترة وخاصة من وجهة النظر الإخوانية وماتم للإخوان فى تلك الأحداث.

ويروى د عبد المنعم أبو الفتوح فى مذكراته تفاصيل تلك الأحداث فيقول:

تسارعت الأحداث في مصر، وبدا أن التوتر سيمتد وأن الصدام بين السادات والمعارضة خاصة الإسلامية سيمضي إلى القطيعة... وفي أوائل سبتمبر كنت أزور معسكرا طلابيا إسلاميا في العاصمة الإيطالية روما، وفي يوم الثلاثاء الموافق 3 سبتمبر 1981 كنت بالمعسكر، وذكر لي أحد الأشخاص أن هناك حديثا في دوائر سياسية وأمنية عن أن السادات أعد قائمة اعتقالات سيقوم بها قريبا، وأكد لي أنه من المرجح وجود اسمي بها، وأنه من المرجح أيضا أن السادات سوف يعلن عنها مع الخطاب الذي سيلقيه يوم السبت 7 سبتمبر.

وقد طلب مني بعض الإخوة عدم العودة إلى مصر، ولكنني رفضت وقلت لهم: إن (سجن) أبو زعبل أفضل من البقاء خارج مصر!.

وأتصور أنه كانت هناك اختراقات أمنية في النظام الحاكم تسببت في معرفة أمر هذه القوائم، حتى إن الإخوان في مصر كانوا يعلمون بها، وهو ما سمح بأن يسافر الأستاذ مصطفي مشهور قبل اعتقاله بأيام، وقد قابلته في هذا المخيم في روما وكان هو في طريقه إلى فرنسا لإلقاء محاضرة، وقد أخبرني أنه لن يعود إلى مصر في الوقت الراهن استجابة لنصيحة الأستاذ عمر التلمساني نظرًا لتوتر الأوضاع، وأنه سيبقي في فرنسا حيث تقيم ابنته مع زوجها الأخ أحمد نشأت وكان معيدا وقتها بكلية الهندسة جامعة الإسكندرية الذي يقضي منحة الدكتوراه هناك.

وحين زرت الأستاذ عمر أكد لي علمه بأن هناك اعتقالات في الأيام المقبلة، وفي ليل يوم الأربعاء 11 سبتمبر كانت قوات من أجهزة الأمن تلقي القبض عليّ من منزلي ضمن نحو 1500 آخرين كانوا ضمن قائمة التحفظ الشهيرة تم اعتقالهم آنذاك.

نقلوني إلى سجن استقبال طرة وهو سجن كبير جدا مكون من مبنيين كل منهما مكون من أربعة أدوار وكل دور به 20 زنزانة سعتها 10 أفراد... وكان سجنا فسيحا ونظيفا بناه السادات في نفس التوقيت الذي تم تصويره وهو يهدم المعتقلات والسجون... وكانت هذه أول اعتقالات يشهدها السجن... وكنّا أول من افتتح هذا السجن.

في البداية لم أكن أعلم بأن هناك معتقلين غيري في المكان نفسه حتى فوجئت بأن هناك العشرات بل والمئات معي من جميع التيارات والرموز السياسية والفكرية في مصر، فرأيت حافظ سلامة وأحمد المحلاوي ومحمد حسنين هيكل وفؤاد سراج الدين والأستاذ عمر التلمساني والدكتور عصام العريان،... ورموز السياسة والدين في مصر.

في اليوم التالي لاعتقالنا فتحت الزنازين وكانت المعاملة حسنة، وكان معي في نفس الزنزانة الدكتور محمد حلمي مراد وزير التعليم السابق والأستاذ الشاعر جمال فوزي رحمه الله والشيخ حافظ سلامة والأستاذ لاشين أبو شنب والدكتور محمد السيد إسماعيل أستاذ الجراحة بطب عين شمس.

ويضيف د أبو الفتوح: لم نكن نعرف سبب اعتقالنا حتى أخذونا إلى المدعي الاشتراكي، وهناك علمنا أنه قد قبض علينا بموجب قانون المدعي الاشتراكي، وهو قانون حماية القيم من العيب، وعلمنا أننا متحفظ علينا.

وبعد حوالي أسبوعين نودي على بعض السياسيين مثل هيكل وفؤاد سراج الدين وحلمي مراد وتم نقلهم إلى ملحق طرة، ونقل الأستاذ عمر التلمساني إلى مستشفي ليمان طره، وكان الغرض تقريبا عزلهم عنا، وظل بقية المعتقلين، وظللنا على تلك الحال حتى يوم السادس من أكتوبر 1981.

اغتيال السادات

استقبل الناس اغتيال السادات استقبالا حافلا وخر الشيخ حافظ سلامة ساجدا فور سماع النبإ، وحدثت حالة هرج ومرج في السجن فحاول بعض المتحفظ عليهم كسر باب السجن والخروج، وكان مأمور السجن يناشدهم الهدوء، فتدخل بعض كبار الإخوان مثل الحاج أحمد حسنين والأستاذ كمال السنانيري لتهدئة الوضع فاستقرت الأمور بعدها.

وبعد حادث الاغتيال بدأت موجة اعتقالات جديدة وبدأت أفواج جديدة تأتي علينا وعلمنا منهم كيف تم الاغتيال، وكان من المعتقلين صاحب مقهى قبض عليه لأنه حين علم بنبإ الاغتيال أخذ يوزع مشروبا على الناس مما عكس فرحة الناس بذهاب السادات...

وكان مما أثار الناس وجعلهم يفرحون باغتياله أن في خطابه سب حلمي الجزار أمير الجماعة الإسلامية وسب الشيخ أحمد المحلاوي الذي قال عنه: هو دلوقتي مرمي (ملقى) في السجن زي الكلب!!. كما قام باعتقال رموز الدعوة الإسلامية المحبوبين بين الناس.

وأعتقد أن مقتل السادات لم يكن عن طريق تنظيم محكم كما قيل، وإنما هو غضب بعض الضباط في الجيش الذين لم يعجبهم صلح السادات مع الصهاينة، فلم يكن تنظيما بمعنى كلمة تنظيم ولكن هم مجموعة متدينة غاضبة، كانت لهم علاقة ارتباط فكري بمحمد عبد السلام فرج صاحب كتاب الفريضة الغائبة الذي يدعو للتغيير بالقوة وكان يؤمن بالعنف، والدليل على أنه لم يكن تنظيما أن بعض الشباب كان يعلم أن السادات سوف يقتل في ذلك اليوم.

تم التحقيق معنا ضمن آلاف المعتقلين، وفي جلسات التحقيقات الطويلة ظهر أن رجال التحقيق كانوا يحاولون أن يتعرفوا منّا على أمثال أيمن الظواهري هؤلاء المجهولين الذين فجرّوا الأحداث وظهروا فجأة في صدارة المشهد..وكان أيمن الظواهري يرفض هو وزملاؤه في التنظيم أن يتحدثوا مع أحد يعلمون أو حتى يظنون أنه من الإخوان المسلمين.

استمرت التحقيقات معنا وكانت تدور كلها حول أنشطتنا وعلاقاتنا حتى نقلت إلى سجن استقبال طرة في مايو 1982، وفتح باب الزيارة، وكانت فترة تحقيقات واستجوابات قاسية حيث كان السجن يخضع لسيطرة جهاز أمن الدولة، وكانوا يرسلون للنيابة كل من يرون أنه عضو في تنظيم مسلح أو مرتبط به.(5)

المبحث الثانى: كيف استقبل الاخوان اغتيال السادات

كما ذكرنا سابقاً أن فترة السادات كانت تمثل مرحلة هامة جداً فى تاريخ الإخوان المسلمين، وكان موقف الإخوان واضحاً فى رفض استخدام العنف أو أسلوب الإغتيالات أو الإنقلابات كمنهج للتغيير السياسى،لذا استقبل الإخوان وكان معظمهم فى المعتقلات خبر اغتيال السادات برفض ذلك الاجراء واعتباره خارج عن الإسلام ، لإن الإسلام لايعرف الاغتيالات السياسية، فيصف الأستاذ عمر التلمساني خبر سماعه باغتيال السادات :

" أنا بطبيعتى أكره العنف وكنت أفضل أن يترك أمر أنور السادات الى أن تكشف أعماله عنه صراحة فيعرف المصريون من هو أنور السادات ؟ إنما لم أحزن ولم أفرح .. المسألة كانت عادية بالنسبة لى إنما يشهد الله أننى لم أهتز لا فرحا ولا تأسيت على كل ما تم وإنما قلت :

هذا قضاء الله وأنا أعارض العنف فى مواقفى وكتاباتى كلها .. أنا استنكرت بكل قوة العنف أو القتل أو الإغتيال " وبالرغم من معاناتى فإنى أمقت هذا الذى حدث من كل قلبى ذلك لأن الإسلام لا يعرف الاغتيال السياسى".(6)

كما يضيف الاستاذ التلمساني فى حوار له مع جريدة المصور عام 1982 فيقول:

عندما أفرج السادات عنا ، ذهبت أنا – باعتباري أمثلهم – وقدمت واجب الشكر وكتبت تقديري وشكري .. وقد تتذكرون أنه في مارس سنة 72 أو 1973 نشرت الأهرام كلمة فيها للرئيس السادات : لقد أحسنت في كذا وكذا ولكنني أطلب منك ألا تكتفي بالإفراج عن الإخوان المسلمين بل وطلبت منه الإفراج عن " مراكز القوى " ..

لتظهر أمام الشعب أنك لا تنتقم لنفسك .. " نحن من هذه الناحية لا ننكر علي الرجل شيئا .. أما أن نهايته قد جاءت علي يد الإخوان المسلمين أظن أن هذا حرام ، بعد أن قرر رئيس الجمهورية الحالي أن الإخوان المسلمين أبعد ما يكونون ، ولا علاقة لهم بهذا الاغتيال .

إذن نحن الإخوان المسلمين لا علاقة لنا ، ولم تكن نهاية السادات علي أيدينا ،والشباب الذي نتكلم عنه ، وعن انحرافه في فهم الإسلام وعن أخذه بهذه الأساليب ، نحن ننكر أن يكون في الإسلام عنف . والإخوان المسلمون ليس لهم شأن فيما حدث أبدا.(6)

المبحث الثالث: استشهاد الأستاذ السنانيري(7)

كانت مؤشرات عهد ما بعد السادات غير جيدة بالنسبة للإخوان المسلمين فمع تولى مبارك الحكم، استمر الإخوان داخل المعتقلات لفترة، بالرغم من الافراج عن باقى السياسيين المعتقلين،وقد تعرض معتقلى الإخوان خلال تلك الفترة للتعذيب، وكان نصيب الإخوان أن يكون الأستاذ كمال السنانيرى هو أول شهيد للإخوان فى العهد الجديد وكما يروى د أبو الفتوح فى مذكراته تفاصيل تلك الحادثة فيقول:

في سجن استقبال طرة تعرضنا للتعذيب والإساءة كثيرا لكن أكثر ما أصابنا هو قتل الأستاذ كمال السنانيري رحمه الله، كان رحمه الله من أكبر الإخوان سنًا حين تم القبض علينا في سبتمبر 1981.

وبعد مقتل السادات وزيادة جرعة التعذيب كان الشهيد السنانيري من أكثر من طالهم التعذيب، وكنت أسمعه يصرخ مستجيرا بالله من شدة التعذيب وبشاعته، فقد كانوا يصبون عليه العذاب للضغط عليه ظنًا منهم أنه هو المسؤول عن سفر الشباب المسلم إلى أفغانستان، وقد كان رحمه الله مسؤولا عن ملف القضية الأفغانية.

وفي أحد الأيام ربما يوم 4/11/1981 كان الوضع غريبا داخل السجن بما يوحي بحدوث شيء غير عادي، ولم يلبث أن جاءني الشاويش وقال لي: إن الرجل العجوز الذي في الزنزانة المجاورة لك قد مات!.

وكان قائد السجن في هذا الوقت فؤاد علام ضابط مباحث أمن الدولة المعروف ورئيس ما كان يعرف بقسم مكافحة النشاط الديني!... ولم يمض إلا وقت قليل حتى أعلنت نتائج تحقيق "وهمي" قال فيها أن السنانيري انتحر!، وفؤاد علام دائما وحتى هذه اللحظة يعلن براءته من قتل السنانيري ويصر على أنه انتحر!... لكنني لا أصدقه ولا يمكن أن أصدقه، فقد كنت في نفس السجن وفي الزنزانة المجاورة له.

وقد رأيته بنفسي ورأيت توقيعاته، وحين ذهبت إلى مستشفى السجن في هذا الوقت قابلت قائد المستشفى وهو ضابط، وعلمت منه أنه رأى توقيعات فؤاد علام بخط يده على كل ما كان يحدث في السجن من انتهاكات لحقوق البشر ومن تعذيب وإيذاء نفسي وبدني حقير.

وما قاله فؤاد علام في واقعة استشهاد السنانيري متناقض ويؤكد كذب القول بانتحاره... فهو يقول أحيانا أن السنانيري شنق نفسه بحزام قماش كان يربط به بنطلونه في كوع حوض الماء يغسل فيه يده داخل زنزانته!

وهذا كلام لا يقبله عقل فلا يمكن أن ينتحر إنسان بحزام قماش مهترئ وفي حوض ماء ارتفاعه لا يزيد عن متر واحد!... وحين شعر بتهافت روايته قال أنه ربط رقبته بملاءة سرير وعلقها بسيفون كان في أعلى الحوض ووقف على كرسي ثم أزاحه فشنق نفسه ومات! وهذا كلام تافه وساقط أيضاً إذ لم يكن في الزنازين أي سيفون كما يصعب تخيل وجود كراسي داخلها. (8)

المراجع

  1. منتدى الأستاذ
  2. بوابة الأهرام،نقلاً عن رويترز،12-2-2011.
  3. فى الأمن والسياسة..مذكرات حسن ابوباشا، دار الهلال ص144
  4. تقريرالحركة الإسلامية في مصر : مرحلة انفتاح، منشور على موقع اخوان ويكى
  5. مذكرات عبد المنعم أبو الفتوح : "شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر"ص117 الى 127
  6. الإخوان المسلمون في دائرة الحقيقة الغائبة،للأستاذ: إبراهيم قاعود، نسخة الكترونية
  7. الأستاذ عمر التلمساني في حوار مع جريدة المصور، منشور على موقع اخوان ويكى
  8. ولد محمد كمال الدين بن محمد علي السنانيري في القاهرة في (11 مارس 1918 ميلاديًّا)، ونشأ في أسرة ميسورة الحال، وتلقى تعليمه في المدارس المدنية، وحصل منها على الشهادتين الابتدائية والثانوية، ولم يستكمل تعليمه العالي في الجامعة، وفضل العمل في الحكومة، فالتحق بوزارة الصحة، عقب حصوله على الشهادة الثانوية سنة (1934م). وبعد أربع سنوات من العمل الحكومي قدم استقالته من وظيفته، وأعد نفسه للسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية لدراسة الصيدلة في إحدى جامعاتها للعمل بعد رجوعه في الصيدلية التي يملكها أبوه، غير أن أحد علماء الدين أقنعه بعدم السفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، فاستجاب له "السنانيري"، وعدل عن السفر بعد أن أعد عدته، وهيَّأ نفسه لمغادرة البلاد.وانضمَّ إلي الإخوان المسلمين سنة (1941م)، وعَمِل معها بكل طاقته؛ ولذلك تقدم الصفوف، وأُوكل إليه القيام بعدد من المهام الدعوية والتنظيمية، واعتُقِل السنانيري مع من اعتقل في سنة (1954م)، وقُدِّم لمحاكمة صورية حكَمت عليه بالسجن، فأمضى في السجن عشرين عامًا، حتى خرج سنة (1974م)، وبعد خروجه من السجن عاود نشاطه الدعوي، ولم يركن إلى الدعة والراحه بعد المعاناة الطويله التي تحملها في صبر وثبات، فالدعاة والمصلحون لا يتخلون عن رسالتهم مهما عانوا من تبعاتها. وكان من أبرز نشاطاته دوره في ميدان الجهاد في أفغانستان، التي تعرضت للغزو الروسي، ووقعت في قبضته، وقد بذل السنانيري وقته وجهده في دعم المجاهدين الأفغان، ورأب الصدع بينهم، وإصلاح ذات البين بين قادته الذين أحبوه جميعًا، وعرفوا قدر إخلاصه وحرصه على وحدتهم، ودانوا له بالطاعة والاحترام، فلا يكادون يخالفون له أمرًا في أثناء وجوده معهم،وبعد عودته من أفغانستان تعرض للاعتقال مع غيره من أبناء الحركة الإسلامية وقادة العمل الوطني في مصر، وكان الرئيس "السادات" قد أصدر في (سبتمبر 1981م) قرارات التحفظ الشهيرة على معارضي سياسته، وألقى بهم في المعتقلات، بعد أن اشتدت المعارضة لاتفاقيات الصلح مع العدو الصهيوني، وتعرّض "السنانيري" في أثناء اعتقاله لتعذيب رهيب؛ أملاً في معرفة معلومات عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، ووقعت عليه أهوال من العذاب بعد أن تجاوز الستين من عمره، ولم يتحمل جسده هذه الأهوال التي تفنن زبانية التعذيب في إلحاقها به.. ولم يكن لمن في سِنِّه أن يتحمل هذه الأهوال، ففاضت روحه الطاهرة في (10 من المحرم 1402هـ 8 من نوفمبر 1981م)، ولم يكتف هؤلاء الجلادون بقتله، بل حاولوا اغتياله معنويًّا، فأشاعوا أنه قد انتحر بأن ربط عنقه بفوطة، ثم ربطها بكوع الحوض الموجود بالزنزانة، وصار يجذب نفسه حتى مات، وفي الصباح اكتشف السجَّان الجثة، وجاء الطبيب الشرعي، وعاينها وأثبت سبب الوفاة.لم يصدق أحد هذه القصة الملفقة، التي لا يمكن أن يقبلها عقل طفل صغير… فتاريخ السجون المصرية في عهد الثورة مليء بمثل هذه المآسي، وخبرة رجالها في اغتيال المعتقلين العُزَّل أمر يعرفه الناس جميعًا، وتلفيق التهم الكاذبة عن ادعاء هروبهم بعد القيام بقتلهم معروف بين الكافة، ولا يمكن لمن صمد عشرين عامًا ثابت النفس، راسخ الإيمان أن يجزع لاعتقاله فترة قليلة من الزمن، فيُقدِم على مثل هذا العمل وبعد استشهاده في الثامن من نوفمبر 1981م سُلِّمت جثته إلى ذويه، شريطةَ أن يوارَى التراب دون فتح عزاء، ولم يخرج في جنازته سوى أقاربه: شقيقيه الضابطين المحالَين على التقاعد، وابن أخيه، وأصهاره الأربعة، وثلاثة من أولاد أخته..
  9. مذكرات عبد المنعم أبو الفتوح : "شاهد على تاريخ الحركة الإسلامية في مصر" ص124

للمزيد عن الإخوان ومبارك