تراث الإمام البنا في موسم الحج

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
تراث الإمام البنا في موسم الحج

الإمام البنا في موسم الحج

الإمام حسن البنا بذي الإحرام في رحلة الحج

أقبلت الشهور الحرم بنفحاتها وعبيرها الذي يزكِّي النفوس ويُصفي القلوب.. أقبلت هذه الشهور وقد ارتفعت الهتافات مدوية في السماوات والأرض: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك.. لا شريك لك".

لقد هفت القلوب إلى بيت الله الحرام، وتطلَّعت الأعين إلى النظر إليه من كل حدبٍ وصوبٍ، والتهبت الألسن بالرجاء إلى رب السماوات والأرض أن يرزقها الوقوف على ربوع عرفات.

ولقد تبارى الكتاب والشعراء في التعبير عن أحاسيسهم عن هذا الموقف العظيم، وهذه النفحة الربانية التي تعود بمن يقف على ربوع عرفات كيوم ولدته أمه.

ولقد كتب إمامنا الشهيد حسن البنا كثيرًا من المقالات التي تُظهر عاطفته الجيَّاشة نحو الأرض المقدسة، بل وإلى جبل عرفات وإلى تجمع العالم الذي يضمه بين جنباته.

فتحت عنوان: "عرفات.. العالمية الإسلامية في حيز الفعل لا في حيز الأقوال" يقول: "كنت أتحدث إلى صديق عن العالمية الإسلامية؛ فكان من قولي له: إن الإسلام يدعو إلى العالمية بأسمى وأجلّ مما يدعو إليها الفلاسفة والساسة؛ إذ إنه يُلزم كل مسلم أن يعمل ليعم الناسَ مبدأٌ واحد؛ هو الحب والإخاء، والعدل والمساواة تحت ظل القرآن الكريم؛ لا تعصبًا لجنس ولا تحيزًا لشخص أو فئة".

فكان هذا القول غريبًا أمامه مستبعدًا لديه، وبدت على وجهه علائم الدهشة والاستغراب، وأخذ يتساءل في شك: وهل ذلك ممكن؟ وهل حقيقةً يأمر الإسلام بهذا ويقرره؟.

فقلت له: يا صديقي.. إنك- بحمد الله- مسلم، وقد وجَّهت إليَّ سؤالين: هل يدعو الإسلام إلى عالمية المبادئ السامية؟ وهل ذلك ممكن؟ فلنتفاهم فيهما واحدًا واحدًا.

فأما أن الإسلام يأمر بهذا ويدعو إليه؛ فأمر بديهي معلوم من الدين بالضرورة؛ إذ إن رسالة النبي صلى الله عليه وسلم عامة للبشر جميعًا، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (سبأ: من الآية 28)، والقرآن الكريم- وهو دستور الإسلام الذي لم يترك من أصوله صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصاها- مملوءٌ بالآيات الواضحة البيِّنة التي تأمر المسلمين بتعميم الدعوة في آفاق الأرض؛ حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، وما كنت أظن أن مسلمًا يجهل ذلك، وهو من أصول الإسلام وقواعده؛ فهل اقتنع صديقي بهذا؟

فسكت برهةً ثم قال: علمت أن ذلك من الإسلام، ولكن ألا ترى أن ذلك غير ممكن التحقيق، وهو إلى الخيال أقرب؛ فهو إلى أن يكون من المثل العليا التي توضع ليسير الناس إليها لا أن يحققوها أقرب منه إلى العمليات التي تسعى البشرية إلى تحقيقها.

فقلت له: ذلك سؤالك الثاني الذي أريد أن أجيبك عليه، فاسمع:

أما أن ذلك أمر بعيد التحقيق؛ فمغايرٌ لحكم التاريخ ومغايرٌ لقواعد الاجتماع التي تسير عليها الإنسانية، فأما مغايرته للتاريخ فقد حدَّثتنا أدلته، وروت لنا براهينه أن العرب- وهم فئة قلائل أميون- تمكَّنوا في أقل من نصف قرن من تعريب نصف العالم المعروف لهم حينذاك، وصبغوه بدينهم ولغتهم وعقائدهم وشعائرهم، وبعبارة أدق انصبغوا هم ونصف العالم بصبغة الله التي أودعها كتابه، وبعث بها نبيه، وأطلق عليها اسم الإسلام، ولولا الحوادث السياسية والاجتماعية التي تعلمها والتي وقفت بالفتح الإسلامي عند حدود جبال البرانس لرأيت تلك الحقيقة ماثلةً يُغني وجودها عن الكلام فيها.

وأما أنه مغايرٌ لسنن الاجتماع فلأن كل الحوادث والحركات الفكرية والاختراعات والمواصلات ونحوها كلها تعمل على توحيد العالم؛ فالعالم يسير إلى الوحدة رغم ما فيه من تنافس وعصبيات، ولعل اشتداد هذا التنافس سيكون أقرب السبل إلى الوحدة.

وإذا كانت الأمم التي لا تخرج مبادئها عن حدودها، ولا يصلح نظامها إلا فيها- وفي ذلك شك- تطمع أن توحد العالم وتخضعه لثقافتها وسلطانها، ولا تأمل من وراء ذلك إلا الاستغلال المادي، وترى أن ذلك في إمكانها لو قويت؛ فكيف بنا ونحن أمة كلفها الله- تبارك وتعالى- إرشاد العالم، ووضع لها النظام الذي يكفل سعادة الدنيا والآخرة في كل زمان ومكان؟!

ألا يجدر بنا- أيها الصديق- أن نعتز بالمهمة التي أسندها الله إليها، والتي عبَّر عنها بقوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمْ الْمُسْلِمينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ (الحج: 78).

الحق يا صديقي أنني لا أرى ما يمنع من تحقيق هذا المثل الأعلى، وجعله في حيز العمليات إلا ضعف أمثالك، واستكانتهم ويأسهم من أنفسهم، وجهلهم بما كلفهم الله إياه.

بدا على وجه صديقي تأثر وحماسة ونعي على تربيتنا وتعليمنا؛ الذي أبعده عن روح العزة الإسلامية، ووعدني أن يعمل للإسلام وأن يقف جهوده على نشر دعوته.

ومرت الأيام سراعًا حتى أسفر هلال ذي الحجة، وهبَّت نسمات العشر، وتمثَّل في الخاطر يوم عرفات فهزَّ النفس ونبَّه المشاعر.

في يوم عرفة يجتمع الحجيج في وقتٍ واحدٍ وفي مكانٍ واحدٍ وفي زي واحد، وترتفع أصواتهم بدعاءٍ واحدٍ على قلب رجلٍ واحدٍ، ومن أولئك الحجيج يا صاحبي: المصري والهندي والشامي واليمني والعراقي والحجازي والشرقي والغربي، والمسلم الإنجليزي والفرنسي، وكل شعب من شعوب العالم وصلته دعوة الإسلام، وترددت في أجوائه كلمة الإسلام.

ما أروع الموقف!، وما أجل المغزى الذي قصد إليه فيه الإسلام وهو دين التوحيد!، وما أجزل ثواب الله ورحمته وأعم فيضه ورضوانه الذي يتغشَّى عباده الأكرمين!؛ فيعودون من موقفهم أطهارًا أبرارًا أتقياء أنقياء كيوم ولدتهم أمهاتهم.

وهل علمت يا صاح مؤتمرًا من مؤتمرات الأمم والشعوب وحَّد بين هذه الأجناس المختلفة، وجمع هذه الشعوب المتفرقة، وضمَّ تلك الصفوف؛ فجعلهم أمةً واحدةً وشعبًا واحدًا وقلبًا واحدًا وأملاً واحدًا وعاطفةً واحدةً إلا مؤتمر الإسلام في عرفات؟!

اللهم إني أتوجَّه إليك برحمتك التي تُفيضها على عبادك في البلد الحرام، في الشهر الحرام، في المشعر الحرام وفي عرفات المعظَّم، أن تقدِّر لنا من التمتع بحرمك، وزيارة نبيك صلى الله عليه وسلم ما نستوجب به رضوانك، وأن تجمع قلوب أمة الإسلام على إعلاء كلمتك ونصرة شريعتك وإعزاز دينك، والتعاون على البر والتقوى.. إنك سميع مجيب.

وبعد.. فيا ليت صديقي الذي كان يرى العالمية الإسلامية خيالاً بعيدًا تحقيقه، يذهب إلى عرفات العظيم؛ فيرى هناك رأي العين أنها حقيقةٌ ماثلةٌ في حيز الفعل لا في حيز الأقوال، ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ (التوبة: من الآية 32).

كما كتب الإمام البنا يوضِّح معنى "لبيك اللهم لبيك"، ويوضِّح المغزى منها، والمعاني التي يريدها هذا الهتاف من المسلمين، فكتب تحت عنوان "لبيك اللهم لبيك" يقول: "ما أجلَّ عظمة الربوبية!، وما أعظم فضل الألوهية!، وما أجمل أن يتفضَّل الله على عباده فيدعوهم إلى بيته العتيق!؛ ليغفر ذنوبهم، ويطهِّر قلوبهم، ويضاعف أجورهم، ويجدِّد أرواحهم، ويمنحهم من فيض فضله ما لا عينٌ رأت، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وما أجمل أن يتفتح قلب المؤمن على هذا النداء العلوي، ويتلقاه كما تتلقَّى الزهرة الناضرة قطرات الندى!؛ فيحيا به ويسعد، ويتجهَّز من فوره لإجابة دعوة الله والانضمام إلى وفده الكريم، مهاجرًا إلى حرمه المقدس وبيته الأمين، هاتفًا من أعماق قلبه: لبيك اللهم لبيك.

أيها الأخ الكريم.. إن كنت ممن سمعوا هذا النداء فأجابوا الدعاء، وقُدِّر لهم أن يكونوا في وفد الله تبارك وتعالى، فاعلم أنها غرة السعادة، وفاتحة الخير كله، وعنوان رضوان الله، فما دعاك إلا وهو يحبك، وما ناداك إلا ليمنحك، ﴿وَاللهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (البقرة: من الآية 268).

فَهَنِّئ نفسك بهذا الفضل المبين، وتقبَّل منا تهنئة الإخوان المحبين، وسترى في هذه الكلمات صورةً موجزةً من السنة المطهَّرة في أداء الفريضة، فاذكرنا بصالح الدعوات في تلك الأوقات الكريمة والأماكن المشرفة، وإن حالت دون ذلك الحوائل فصاحب الحجاج بقلبك، ورافقهم في أداء المناسك بروحك؛ فإن لك مثل ثوابهم إن شاء الله، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد القائل لأصحابه ما معناه: "إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا، ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم"، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: "حبسهم العذر".. وفقنا الله وإياك إلى حج بيته، وزيارة رسوله، وكتب لنا ولك القبول".

وأثناء وجوده في الأرض المقدسة ليقوم بأداء هذه الفريضة كتب تحت عنوان "شهر في الأرض المقدسة"؛ يشرح هذه الرحلة وكيف استشعرها، وكيف قضى هذا الشهر في هذا المكان الطاهر، فكتب يقول: "شعور شائع: منذ عزمت على زيارة الأرض المقدسة كان يشيع في نفسي شعور غريب قوي فعَّال يهزُّ روحي هزًّا قويًّا، ويتأثَّر به قلبي تأثرًا غريبًا، ومن العواطف القوية ما لا يُعرف لونه؛ فهو مزيج من الأمل ومن الإشفاق، ومن الخوف ومن الرجاء، ومن الحب ومن الوله، ومن الشوق ومن الحنين، وكذلك كان شعوري كلما تذكرت عزمي على زيارة الأرض المقدسة.

وكثيرًا ما تكون تلك العواطف المركبة أبعد أثرًا وأعمق غورًا مما يظن الناس؛ فلقد كنت أجلس إلى نفسي فأتمثَّل لها مكة ومقدساتها، وطيبة وأنوارها، وأصعد بها إلى الماضي البعيد؛ فتستعرض قريشًا وآثارها والدعوة الأولى وأسرارها، ثم تستمر سائرةً مع تاريخ الإسلام الحي القوي، فإذا ساعات عظيمة وانتصارات تسمو على البشرية، وتتعالى على التاريخ نفسه، وتتحدَّى الأرض ومن فيها، وإذا ساعات من الضعف تُثير الشجون وتستدر العيون.

وكذلك كان شأني في هذه الجلسة التي أخلو فيها بنفسي قبل السفر؛ فأستعرض الخواطر جميعًا، وكثيرًا ما كنت أرى نفسي مندفعًا في بكاء صامت أو مغمورًا في فيض من الشعور بالسرور، أو ذاهلاً لا أذكر مما حولي إلا هذه الخواطر التي تجسَّمت أمامي، فتخيلتها الحقوق الماثلة.

ولبعض الألفاظ سلطان قوي على النفس؛ لارتباطها القوي بذكريات مسميات هذه الألفاظ، ولصلتها المتينة بشعور سابق ولاحق، تثيره هذه الذكريات؛ فإذا ما ذكرت هذه الألفاظ أهاجت الساكن، وحرَّكت الكامن؛ فاندفعت تتأثر للكلمة، وتبكي للفظ وما هو إلا المعنى الرمزي لكل ما تعلَّق به من مشاعر وذكريات؛ فالكعبة، والبيت الحرام، وحراء، وزمزم، ومقام إبراهيم، وغار ثور، وخيف منى، ووادي عرفة، ومسجد نمرة، وبطن الصفا، ومسجد بلال، ومصلى التنعيم، والمشعر الحرام، وشامة، وطفيل، ومزدلفة، وثبير، وحرة واقم، وبني سالم بن عوف، ومسجد قباء، وبئر آريس، وجبل أحد، وروضة البقيع، والروضة بين القبر والمنبر، وآثار الخندق.. كل هذه الأسماء في مكة والمدينة، لها على نفسك سلطان أي سلطان، حين تذكرها، وحين تمثلها لنفسك، وحين تمنِّي نفسك برؤيتها ومشاهدتها؛ وما ذلك إلا لأنها تصور لك ما كان فيها من حادثات جسام تهتم لها وتتأثر بها.

ولا أطيل عليك ولا أسترسل في وصف شعورٍ يتجدد كلما ذُكر، ويستفيض كلما تجدَّد، وينهمر هذا الفيض حتى لا تكاد تشعر بنهاية أو تدرك مدى غاية.

ولكني أقول لك: إن أهم ما حدا بي إلى زيارة هذه البقعة المباركة غير ما يحدو بكثير من الناس؛ فإن أعظم ما يُسيِّر بالناس إلى هذه البقاع المطهَّرة الرغبة الملحة في أداء الفريضة والزيارة المباركة؛ رجاءَ الثواب أو خوفًا من التبعة يوم القيامة، أو الرغبة الملحة في التمتع بما أفاضه الله على هذه الديار وساكنيها من بركة وخير، وذلك جميل حقًّا، وذلك بعض ما حدا بي إلى الرحلة.

أما السبب الأول في الحقيقة فهو "دعوة الإخوان المسلمين"؛ ولعله يسبق إلى ذهنك من هذا الاعتراف أنه الرغبة في نشر دعوة الإخوان المسلمين وتلمُّس الأنصار والمؤمنين بها من آفاق الأرض، ومن القلوب الطاهرة التي تهوي إلى هذه الأرض المقدسة، وليس ذلك كذلك، وإن كان أملاً من الآمال، وفائدةً من الفوائد المنتظرة، ولكن الذي أقصده أن دعوة الإخوان المسلمين، وهي دعوة خالصة لوجه الله من أول يوم، مؤسسة على تقواه، مستندة إلى عظمته سبحانه.. هذه الدعوة أعتقد أنه لا بد لنجاحها من أمرين أساسيين:

أولهما: طهارة القائمين بها، ونزاهة نفوسهم؛ حتى تصلح لتلقِّي المعونة والنصر من الحق تبارك وتعالى.

وثانيهما: صلة هذه القلوب بالداعي الأول صلى الله عليه وسلم، صلةً روحيةً قويةً تؤدي إلى حسن الاتباع والاستمساك بالسنة، ولا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها.

فأما الطهارة النفسية فأول سبلها حج بيت الله الحرام؛ حيث تحط الذنوب والأوزار، وأما المدد الروحي من الداعي الأول صلى الله عليه وسلم فسبيله زيارة حرمه والتمتع بروضته، ويلحق بهذه الأسباب جميعًا ما تستفيده روح الداعية من معاهدة مواطن الدعوة الأولى، واستعراض حوادثها استعراضًا عمليًّا على أديم الصحراء العربية لا في صفحات الكتب وآراء الرجال.

ذلك أهم ما أثار النفس وهفا بالقلب إلى أرض الوحي ومهابط التنزيل، والقلوب بيد الله يقلِّبها كيف شاء؛ فاللهم ثبت قلوبنا على دينك".

وإن شاء الله في الحلقة القادمة نقدم شيئًا جديد لقرَّائنا الكرام، وهو خطاب الإمام الشهيد حسن البنا في منى وقد تجمَّع حوله المسلمون من كل حدب وصوب، كما سنقدِّم أيضًا خطابه الذي ألقاه فضيلته في المؤتمر الذي عُقد بفندق شركة مصر للملاحة البحرية.

وحول هذه الرحلات المتعددة التي قام بها الإمام البنا إلى الأراضي المقدسة بهدف الحج والدعوة إلى الله وتجميع المسلمين حول معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله؛ سنعيش في الحلقات التالية حول هذه الرحلات لنتعرَّف على تواريخها وكيفية القيام بها والهدف منها.


كلمة الإمام البنا في منًى عام 1945م

الإمام حسن البنا وسط إخوانه في رحلة الحج

لم يذهب الإمام البنا للأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج فحسب، بل للدعوة إلى الله أيضًا، ولتوحيد الأمة على كلمةٍ واحدة، فكان له أكثر من خطابٍ حول الحج وأثره في وحدةِ المسلمين، ونسوق إلى قرائنا الكرام هذه الكلمات، والتي قالها الإمام البنا في الأراضي المقدسة.

بسم الله الرحمن الرحيم.. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

يا أتباعَ القرآن، ويا أمةَ الإسلام، ويا حجاجَ بيت الله الحرام، يا مَن وفدتم إلى البقاعِ الطاهرة، والأرض المقدسة من كل فج، يحدوكم الشوق، ويقودكم الحب، ويراوح بين نفوسكم الأمل. يا أيها المؤمنون.. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته..

أيها الإخوان، واسمحوا لي أن أخاطبكم جميعًا بالإخوان؛ فهو اللقب الذي اختاره الله لنا في كتابه، وهو الوصية التي أوصانا بها في قرآنه؛ فقد قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10)، وقال: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ (آل عمران: من الآية 103)، ونحن في هذا الموقف العظيم نلقى الله- تبارك وتعالى-، يجمعنا وصف واحد، قد تحررنا من كل شيء؛ من زهونا، ومن أمجادنا، ومن ألقابنا، ومن أعراض دنيانا، وخلفنا وراءنا أبناءنا وأهلينا، ودخلنا هذه الديار المباركة لا يدخلها منا إلا القلب، وتجردنا من كل شيء، حتى من ثيابنا، ولقينا الله- تبارك وتعالى- عند كعبته، وبين الأماكن التي طهرها، لا فرقَ بين كبير وصغير ﴿قُل لِّمَنِ الأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (84) سَيَقُولُونَ للهِ..﴾ (المؤمنون)؛ فالكل لله أولاً وآخرًا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

في هذا الموقف أيها الإخوان وقد نسينا أمجادنا، ولم يبقَ لنا إلا مجد واحد هو ديننا، ووقفنا جميعًا أمام الكعبة متساوين لا فضلَ لأحدٍ على أحد، ووقفنا في موقف عرفة الذي أعلن فيه نبينا وقدوتنا صلى الله عليه وسلم المساواة، وقالها مدوية صائحة قبل أن تعرفها الدنيا بأجيال عديدة، قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والناس لآدم، وآدم من تراب، لا فضل لأعجمي على عربي ولا فضلَ لأحمرٍ على أبيض إلا بالتقوى".

في مثل هذا الموقف، في مكةَ المكرمة ومنى المطهرة، في هذا الحرم الآمن الذي أقسم الله به فقال: ﴿لاَ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (1) وَأَنتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (2)﴾ (البلد)، ونزل به الوحي وانبثق منه نور النبوة وأشرق فيه شمس الرسالة، في هذا المؤتمر الجامع الذي جمع خلاصات القلوب المؤمنة من أقطار الأرض، من المغرب الأقصى إلى إندونيسيا، من المحيط الهادي إلى المحيط الهندي.

مشاعر وخواطر كثيرة يزحم بعضها بعضًا نحن نريد في هذا الاجتماع الحاشد الجامع أن نلخص عواطفنا ومشاعرنا، وأن نعرفها جيدًا ونحفظها، ثم نرسم طريقًا نسير فيه جميعًا لنصل إلى الغاية المرجوة، إن شاء الله. يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "العلم علمان؛ علمٌ في القلب فذلك العلم النافع، وعلم على اللسان فذلك حجة الله على ابن آدم".

باسم جماعة الإخوان بالبعثة، وباسم الإخوان في العالم الإسلامي أشكر لحضراتكم جميعًا أنكم أجبتم الدعوة، وفي الحق أننا ما كنا نظن ولا نتصور أن يكون مؤتمرنا هكذا بهذه الروضة من رياض الجنة، فشكر الله لكم وجزاكم خيرًا.

نحن الآن وقد جدد منا الحج الأكبر ذلك الشعور العظيم، وقد علمنا أن نعتز بالله وحده ونذل لله وحده ونشعر بالمساواة الكاملة، علينا أيها الإخوان، على كل مجموعةٍ منا في أنفسنا وبلادنا إذا رجعنا إن شاء الله واجبان ولنا قضيتان.

الدنيا هذه الأيام بها دوامة، تتهيَّأ لعصرٍ جديدٍ ولحياةٍ جديدة.

قضيتنا الأولى: علينا نحن المسلمين سواء كنا في المغرب أو في إندونيسيا أن نشعر أن بين أيدينا وديعة أمانة لنُسألَنَّ عنها يوم القيامة، هذه الأمانة في كتابكم هذا- القرآن الكريم- أنتم حراسه، والله يقول: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ (الأنبياء: من الآية 10)، ويخاطب نبيه فيقول: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (44)﴾ (الزخرف)، فيا أيتها الأمة العربية إن مجدك وخلودك وعزتك وتاريخك في كتاب الله، ويا أيها المسلمون في أقطار الأرض عربًا أو غير عرب، في هذا القرآن هدايتكم ونوركم وطريقكم المستقيم.. ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ (15) يَهْدِى بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ..﴾ (المائدة).

فتمسكوا به، وأعلنوا دعوته، وانشروا مبادئه، وعضوا عليه بالنواجز، اللهم قد بلغت، اللهم اشهد.

قضيتنا الثانية: لقد أتى على الأمة الإسلامية حينٌ من الدهر، نشرت فيه دعوة دينها، واستمسكت برسالةِ قرآنها؛ فنصرها الله وأيَّدها، وكان ملكها من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب.

ونحن قد غيرنا وقلَّدنا غيرنا من الأجانب، ونقضنا عهد الله، واتبعنا الشهوات، وتركنا عزتنا فسَّلط الله علينا عدونا، فانتقص أرضنا، واحتلها أعداؤنا؛ ذلك بما كسبت أيدينا.

واليوم قد تغيَّرت الدنيا، واستيقظت الأفكار، وتنبَّهت الأمة الإسلامية لعزتها وكرامتها؛ فعلى كلٍّ منكم أن يعمل في قطره لأن ينال حقه كاملاً لنعيش أحرارًا.

إننا سنجاهد في مصر، وإن إخوانكم في فلسطين قد وطدوا العزم على أن يعيشوا، وإن إخوانكم في سوريا يجاهدون، وإن إخوانكم في إندونيسيا يبذلون الدم في سبيل الحرية، وفي المغرب أعلنوها صرخةً داوية.

وليس في الدنيا الآن قوة تستطيع أن تكبت أو تحد أو تقف في وجه عملنا أو تنال من صفوفنا، وإن كانت قوة الحديد والنار ستؤخر النصر قليلاً، ولكنا سننتصر أخيرًا..﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَن يُّتِمَّ نُورَهُ﴾ (التوبة: من الآية 32).

ما دمنا قد اتجهنا إلى مطالبنا؛ فعليكم أن تعرفوا حقوق أوطانكم الخاصة، وعلى أهل كل وطن أن يساعدوا إخوانهم في الوطن العام.

وجزى الله شاعر الإخوان خيرًا إذ يقول:

ولست أدرى سوى الإسلام لي وطنًا

الشام فيه ووادي النيل سيان

وحيثما ذكر اسم الله في بلد

عددت أرجاءه من لب أوطاني

فكل أرض الإسلام أوطاننا أيها المسلمون، وعلى كل أمةٍ أن تدافع عن وطنها ما استطاعت، وعليها أن تعمل على مساعدة غيرها، وتلك فرص إن أفلتت فلن تعود أبدًا.

أيها الإخوان، اسمعوا ذلك من كتاب الله ﴿ طسم (1) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمْ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6) ﴾ (القصص).

فيا أيها الإخوان: لا تيأسوا أبدًا، نحن اليوم خيرٌ من أمس، وباكر سنكون أحسن، وأساس العزة والمجد والنجاح أن تعتمدوا على هذا الكتاب الكريم، ولو خذلكم جند الأرض أيَّدكم الله بجندٍ من السماء.. ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّى مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِى في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾ (الأنفال: من الآية 12).. ﴿وَرَدَّ اللهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ (الأحزاب: من الآية 25 )، ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ﴾ (التوبة: من الآية 40)، وأخيرًا أيها الإخوان، فلا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون والله معكم.

وفي الختام أُبشركم بأن في مصر كتائب الله مجهزة، ونحن سنعمل ولن نهدأ حتى ينتصر ديننا وقرآننا؛ فإن عشنا عشنا كرامًا، وإن متنا متنا شهداء، ويأبى الله إلا أن يتم نوره".


كلمة الإمام البنا في حفل شركة مصر للملاحة البحرية

وخلال الفترة التي أقامها الإمام البنا وصحبة في مكة، أقامت البعثة حفلاً كريمًا بفندق شركة مصر للملاحة البحرية "بنك جمهورية مصر العربية|" إحياءً لسنة الحق- تبارك وتعالى- في فرض الحج بأن يكون برلمانًا جامعًا، ومؤتمرًا عامًّا للمسلمين يتلاقون فيه؛ فينظروا إلى أحوالهم، ويحاولوا رسم خطة عملية لأمورهم؛ ولذا فقد دعت البعثة إلى المؤتمر علية القوم من الوزراء وكبار رجال الأعمال بمكة والقائمين بشئونها الحكومية والتجارية والعملية، كما دعت الإخوة الأفاضل مبعوثي الأقطار الإسلامية كالهند وفلسطين والمغرب وبلاد الشام، وقد حضر الحفل صاحب السمو الملكي الأمير منصور وزير الدفاع للمملكة العربية السعودية، والأمير عبد الله الفيصل نيابة عن جلالة الملك عبد العزيز، وازدانت ردهة الفندق بالعلمين المصري والسعودي، واحتشدت جموع الحجيج بعد خروجهم من صلاة العشاء في عرض الميدان، يستمعون إلى ما يُلقى من كلمات وخطب، وأشرف إخوان البعثة بالاشتراك مع شباب مكة على الحفل.

وقد خطب في هذا الحفل سعادة صالح حرب باشا رئيس جمعية الشبان المسلمين، والأستاذ نمر الخطيب رئيس جماعة الاعتصام بفلسطين، وشاعر جلالة الملك عبد العزيز السيد أحمد الغزاوى، والشاعر أحمد العربي.

كما خطب فيه الإمام البنا فجاء في خطابه:

"بسم الله الرحمن الرحيم.. نحمد الله تبارك وتعالى، ونُصلي ونسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومَن عمل بسنته إلى يوم الدين.

يا صاحب السمو، ويا حضرات السادة، ويا أيها الإخوان الأحبة، تحيةً من عند الله مباركةً طيبة، فسلام الله عليكم ورحمته وبركاته، يا حضرات السادة إن علينا نحن- بعثة الإخوان- في هذا الموسم وفي هذا الاجتماع حقوقًا كثيرةً، نحن أضعف من أن نقوم بالوفاء بها، ولكنا نستعين الله تبارك وتعالى، وما لا يُدرك كله لا يُترك كله، ولقد جاء في الحديث القدسي يقول الله تعالى: "عبدي لم تشكرني إن لم تشكر مَن أنعم عليك"؛ فأول الحقوق حق الملك المعظم الملك عبد العزيز، أيَّد الله ملكه، ونصر به شريعته، لقد أسدى إلينا جميلاً لا نفي شكره؛ إذ إنه حفظه الله قد أذن لصاحب السمو الأمير منصور ولصاحب السمو الأمير عبد الله الفيصل أن يشرفا هذا الحفل.

ليس عجيبًا يا حضرات الإخوان أن نجتمع في هذا الحفل بهذه المجموعة الكريمة التي ألَّف بينها الإسلام ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: من الآية 10)، وفي الواقع لا نرى أنفسنا غرباء بعيدين عن وطننا ونحن نطالع هذه الوجوه النيرة وتلك القلوب المؤمنة المشرقة، ونذكر قول شاعرنا "وطني الإسلام لا أبغي سواه".

يا حضرات السادة، نحن في هذا الاجتماع لا نظهر لكم بمظهر رائع ولا بمظاهر رسمية، ولكنه مظهر من عواطفنا، ونرجو من وراء هذا الاجتماع توجيهًا صالحًا وتعاضدًا قويًّا، تتجلى فيه نعمة الإسلام وثمرة الإيمان الذي مَنَّ الله به على المؤمنين.. ﴿قُل لاَّ تَمُنُّوا عَلَىَّ إِسْلاَمَكُمْ بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾(الحجرات: من الآية 17)، هذا الإسلام وهو نعمة الله ومِنَّتُهُ قام يوم قام على عقيدةٍ واحدة وأحكام عادلة، وليس في كتاب الله إلا هذا؛ فأول ما تناول العقيدة السليمة الصحيحة، فعلمنا أن الله هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، ثم ذكر عن إبراهيم ﴿ قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الأَقْدَمُونَ (76) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ (77) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ (80) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (81) وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (82)﴾ (الشعراء)، ثم ذكر أنه سيحاسبهم على ما قدَّموا من عملٍ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾ (الزلزلة)، وألزمهم أن يؤدوا ما وجب عليهم من صلاةٍ وزكاةٍ وصيام وحج حتى يكونوا عابدين ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَيِّمَةِ (5)﴾ (البينة)، وما كان الحق تبارك وتعالى ليناله من أعمالنا شيء ﴿وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ﴾ (الحج: من الآية 37)، ولقد كان قبل الإسلام مجموعة من ألفاظ وعبادة فاسدة، جاء الإسلام فقوَّم معوجهم، وهذَّب من ألفاظهم وعاداتهم، وإذا كان القانون يحفظ الأموال والدماء؛ فقد جاء القرآن يحفظ للناس أموالهم وأعراضهم ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ في أَمْوَالِ النَّاسِ فَلاَ يَرْبُو عِنْدَ اللهِ﴾ (الروم: من الآية 39) ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ﴾ (المائدة: من الآية 38]، حرَّم الربا ليقضي على الشحناء والبغضاء؛ ولذا فرض الزكاة، وحقن الدماء بالقصاص ﴿وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِى الألْبَابِ﴾ (البقرة: من الآية 179)، وحرَّم الزنا ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32)﴾ (الإسراء)، وسدَّ منافذ جريمته.. ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (30) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوْ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنْ الرِّجَالِ أَوْ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (31)﴾ (النور)، وأحاط ذلك بالجزاء الرادع ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ (2)﴾ (النور)، ولقد عمل على حفظ الأعراض وصيانتها ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ (4)﴾ (النور).

بهذه الآيات جاء الإسلام بشريعةٍ كاملةٍ شاملة، كما استوعب كل القوانين في أروع صورها؛ عقيدة سليمة، وعبادة صحيحة، وأحكام عادة، جعل العربي أخًا للصيني والصيني أخًا للهندي، ولكن اتصالنا بالأمم الأجنبية أضعف فينا الخلق الإسلامي والفكر الإسلامي؛ ففسدت أخلاقنا، ووهنت عقائدنا، وضلت عبادتنا بالتقليد الأوروبي والفلسفة والزندقة؛ فأصبحت الأمة القوية الحرة المستقلة تضعف أخلاقها وتنحل قوتها، ولكن رحمة الله الذي تكفل لدينه بالنصر ولشريعته بالحفظ أراد أن يعيد الإسلام روحًا من قوته ونورًا من هدايته، ونحن الآن في مبدأ نهضة كريمة وفي مفترق الطريق، فسلَّط هذه الحرب الضروس على تلك الأمم الظالمة، وجعل بأسهم بينهم، فأكلت الأخضر واليابس، وإن لنا في هذه الآونة فرصة سانحة؛ فها هي الأمم القوية تجتمع لتقرر مصير العالم، وإن من واجبنا نحن المسلمين أن نعمل جاهدين في تقوية شعوبنا في الدين والدنيا ومحاربة الرذائل والمنكرات على أنواعها؛ حتى تصبح الأمة الصالحة القائمة على حدود الله، وذلك هو الفوز العظيم ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدونَ الآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)﴾ (التوبة).

وإن من واجبنا أيضًا وأمتنا أن نطالب بحريتنا؛ فإن كانوا يريدون سلامًا فنحن كذلك نريد السلام، ولن يكون سلام حتى يعترفوا لنا بحقوقنا، وإن قضايانا كثيرة؛ قضية سوريا ولبنان والهند وما إليها من البلاد الإسلامية المستعبدة، وقضية القضايا فلسطين؛ فعلينا أن لا نتردد، وأن نقول للأمم القوية: إن الحق حق والباطل باطل، وأن نبين لهم أن المبادئ غير المبادئ والنظريات غير النظريات، وأن نعمل على توحيد الجهود في داخل بلادنا وخارجها بالسهر على حقوقنا وإزعاج الدنيا، وقد تهيأت لنا الفرص؛ فقامت الهيئات الإسلامية، وقامت الحكومة العربية على دعوة الحق، وما أولاها أن تظل على هذا، واتحدت الوحدة العربية، وعملت على توثيق الصلة بين الأمم العربية؛ فكان لذلك أثر عميق وإنتاج مجيد، وإذا اجتمعت حكمة الشيوخ مع شدة الشباب؛ فسننتصر إن شاء الله، وسيكون رائدنا الحق، والحق أحق أن يتبع، ولن نهن في طلبه ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 139).

أما إخوانكم في مصر فقد عاهدوا الله على بذل التضحية وتوحيد الصفوف لنصر قضية الحق، وأسأل الله تعالى أن يوفقنا لصالح الإسلام والمسلمين؛ فإنه أكرم مسئول، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم".


الإخوان والحج

مقالات متعلقة

.

تابع مقالات متعلقة

وثائق وأحداث في صور