مرشدو الإخوان الراحلون

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مرشدو الإخوان الراحلون

بقلم/ المستشار عبدالله العقيل


مقدمة الناشر

منذ قيام رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بالدعوة إلى الله، مبشرًا بالإسلام، وجامعًا الناس حوله، وقافلة الدعاة إلى الله لم تتوقف عن العمل بالإسلام وللإسلام، يتبع خَلفها سَلفها.

وها نحن نرى جيل الدعوة المعاصر يسير على خطى سلفه الراشد، يحمل الرسالة، ويؤدي الأمانة، ويجوب المشرق والمغرب داعيًا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، مبلغًا عن الله، ومتأسيًا برسول الله (صلى الله عليه وسلم)، يحمل لواء الحق، ولا يخشى في الله لومة لائم.

ولقد كان المستشار عبد الله العقيل وفيًا للعلماء الأعلام من أبناء الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة.. مرشدي جماعة الإخوان المسلمين الذين أفضوا إلى ربهم بعد حياة حافلة بالعطاء؛ إذ انبرى يترجم لهم معددًا مآثرهم في مراحل حياتهم المختلفة، فسجل صفحات حب وأخوة، وجهاد ودعوة، وابتلاء وصبر، وصمود وتضحية، تتضح من خلال حركة هؤلاء الأعلام المستمرة في سبيل إعلاء كلمة الله، ومواقفهم الخالدة، وآرائهم الصائبة التي تصحح واقع الأمة الإسلامية آخذة بيدها إلى العزة والنصر والتمكين.

ومركز الإعلام العربي إذ ينشر هذا الكتاب، يتمنى أن يجد فيه شباب الإسلام القدوة الصالحة التي تعينهم على التزام منهج الله سبحانه وتعالى، ويتقدم بخالص الشكر والتقدير لفضيلة المستشار عبد الله العقيل الذي أخذ على كاهله مسؤولية التعريف بأعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة؛ تخليدًا لذكرهم، وإعلاءً لشأنهم، وتعريفًا للأجيال القادمة بدورهم في نهضة الأمة الإسلامية والدعوة إلى الله على بصيرة.

كما يدعو الله تبارك وتعالى أن يتقبل هؤلاء الدعاة الأعلام في الصالحين، وأن يسكنهم فسيح جناته؛ جزاء ما قدموه خدمة للإسلام والمسلمين.

اللهم آمين الناشر

مقدمة المؤلف

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن تبع هداه.

وبعد؛

المستشار عبدالله العقيل

فهذه تراجم لمجموعة من أبرز أعلام الدعوة الإسلامية المباركة .. قادة الحركة الإسلامية المعاصرة الراشدة .. مرشديالإخوان المسلمين، الذين حملوا على عاتقهم أمانة السعي الحثيث للتمكين لدين الله في الأرض، وإقامة الخلافة الراشدة على منهاج النبوة، مستلهمين منهجهم من كتاب الله (عز وجل) وسنة حبيبه ومصطفاه محمد (صلى الله عليه وسلم) وسيرة السلف الصالح (رضوان الله عليهم جميعًا)، فالتف حولهم جمع غفير من الدعاة المخلصين الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فكانوا نماذج صادقة لهذا الإسلام العظيم، واضطلعوا بمسؤولياتهم تجاه تلك الدعوة المباركة، لا يبالون بكيد الكائدين، وبطش العتاة الظالمين، رافعين شعار: "من باع نفسه لله، فليس له حق عند من آذاه".

إنهم النجوم الساطعة في سماء الحرية التي لا سجود فيها ولا ركوع إلا لله تعالى، ولا تبعية إلا لمنهج الإسلام ورسول الإسلام (صلى الله عليه وسلم)، هؤلاء هم:

الذين نسأل الله أن يبلغهم منازل الشهداء جزاء ما بذلوه من أموالهم وأنفسهم خدمة لدين الله وإعلاء لكلمة الله في الأرض، فاللهم تقبلهم شهداء، وارفع درجاتهم في الآخرة كما رفعت ذكرهم في الدنيا، اللهم آمين.

وتأتي هذه التراجم وفاءً بحقهم، فقد مثّلوا هم وإخوانهم الرجولة بأعلى مراتبها، وقدموا الإسلام للعالم بأقوالهم وأفعالهم وسلوكهم كأحسن ما يعرض الإسلام المستقى من كتاب الله (عز وجل) وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، فكانوا امتدادًا للرعيل الأول الذين سبقوا على طريق الإيمان والإمامة؛ لأنهم كانوا إسلامًا حيًا يسير على قدمين في دنيا الناس الصاخبة المائجة بمختلف الأفكار والمذاهب البعيدة كل البعد عن منهج الإسلام، والمقلدة تقليد الببغاوات للاستعمار وأعوانه وأذنابه من العملاء والمرتزقة.

لقد كانوا تطبيقًا عمليًا لمعالي هذا الدين وعزائمه، وحملوا هموم الأمة، وسعوا إلى تحقيق آمالها، وضربوا أروع الأمثلة للأجيال الحاضرة واللاحقة في الحرص على تبليغ دعوة الله وتغيير واقع الأمة والنهوض بها.

وقد أفضى هؤلاء إلى ربهم، وعهدوا بالراية إلينا، ونحن بدورنا نسلمها للشباب الإسلامي الناهض، الذين نعتز بهم، ونؤمل فيهم الخير الكثير في الاضطلاع بمسؤولية الدعوة، وحمل رايتها، وإعلاء كلمة الله في أرض الله لتحرير عباد الله من الطغاة والمفسدين في الأرض.

الإمام الشهيد حسن البنا .. مجدد الإسلام في القرن الرابع عشر الهجري

في رحاب دعوة الإخوان

الإمام حسن البنا

دخلت منذ شهور الثمانين من عمري بالتاريخ الهجري، وأحمد الله عزَّ وجلَّ على أنني في دعوة الإخوان المسلمين منذ صباي، فقد كنت منذ سنة 1945 م وأنا طالب في متوسطة البصرة ملتحقاً بهذه الجماعة بتأثير مجموعة من الدعاة الأساتذة الذين أوفدهم الأستاذ الإمام الشهيد حسن البنا - رحمه الله - إلى العراق، وكان منهم محمد عبدالحميد أحمد إلى البصرة، والدكتور حسين كمال الدين إلى كلية الهندسة ببغداد، والأستاذ محمود يوسف، والأستاذ محمود إبراهيم في دار المعلمين ببغداد، وآخرون كثر.

كما أوفد في نفس الوقت وفي ذات التاريخ إلى الكويت الأستاذ عبدالعزيز جلال كمدرس، وأوفد في نفس التاريخ والسنة أيضاً عبدالحميد فودة إلى البحرين، وأوفد أحمد زكي أيضاً إلى اليمن، وكل هؤلاء مدرسون، وقد أوفد معهم وقبلهم وبعدهم موفدين آخرين، إلى الأردن و سورية ولبنان و فلسطين، فحركة الإخوان قد تركت آثارها في كل أصقاع العالم.

وأشهد الله غير متألٍّ بأنني في كل تطوافي في الكثير من أنحاء العالم، منذ كنت في الكويت كمدير للشؤون الإسلامية، ومن خلال جولاتي في أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأوروبا وأمريكا ومعظم أنحاء العالم كنت أجد هذا الأثر، وأذكر أن أول زيارة لي إلى أوروبا كانت سنة 1960 م، وكانت إلى ألمانيا في الشهر السابع، وجلت في مدن شتى فيها، ميونخ، آخنت، وشتوتجارت، وهامبورج، وهانوفر، وبون، وكنت أجد في كل مدينة واحداً أو اثنين أو ثلاثة ما بين طبيب ومهندس أو اقتصادي، ثم علمت أن هؤلاء جميعاً بلا استثناء قد غادروا مصر نتيجة الحكم الناصري الطاغوتي، وإذا بكل واحد منهم قد بذر بذرة صالحة، وجلست معهم في هذه المدن، فكانت جلستي معهم هي في واحة خضراء وسط صحراء قاحلة، فقلت لهم: هنيئاً لكم، أنتم في بلاد المنكر ترونه بأعينكم وتسمعونه بآذانكم وتحسونه بواقعكم وما زلتم مستعصمين بدينكم. بل أكثر من ذلك جمعوني بأناس من الألمان أنفسهم قد اعتنقوا الإسلام على أيديهم، فأكبرت هذا الجهد.

وليس منهم من علماء الشريعة أو فقهائها، ولكن الخير المبثوث فيهم والبذرة الحسنة التي أوجدت نتيجة التربية جعلت منهم دعاة إلى الله، فكانوا لا يدعون مجالاً من المجالات إلا ويتركون فيه أثراً حسناً، وهذه من علامات الرجل الصالح، حيثما حل يترك أثراً طيباً.

ثم تكررت زياراتي إلى أوروبا، ثم تكررت أيضاً إلى أمريكا من عام 1968 إلى 1996 م، وكنت عقب كل زيارة أقوم بتقويم العمل وإعطاء التقارير عن المراكز ومدى حيويتها ونشاطها وأهليتها وحاجتها للدعم، وأذكر أنني في سنة 1968 م حينما ذهبت وهي أول زيارة إلى أمريكا، وجلست فيها شهراً طوفت من شرقها إلى غربها، فكنت بفضل الله عز وجل أرى الشباب من جنسيات مختلفة، بما فيها جنسيات الدول الخليجية والجزيرة فحمدت الله عز وجل على ذلك، وإن لم تخني الذاكرة أيضاً أذكر أن فروع الـ «أم أس أي» كانت سبعة عشر فرعاً، وعقب كل زيارة وبين الزيارات ثلاث إلى أربع سنوات أقوّم زيارتي الثانية على ضوء الأولى، والثالثة على ضوء الثانية وهكذا فأجد أن الخط البياني في صعود، فأحمد الله عز وجل على أن البذرة قد نمت وكبرت واتسع نطاقها وكثرت أشجارها.

جهود الإمام البنا

إن الإمام البنا - رحمه الله - كانت عنايته الأولى رغم علمه المتبحّر والذي لم نعرف طول باعه في العلم وعمقه إلا قبل سنوات، حين بدأ إخواننا في إصدار وجمع كل ما كتب، وإذا بنا نواجه بعشرين مجلداً مما كتبه الأستاذ البنا في توجيهاته، سواء في الصحف، أو في حديث الثلاثاء، أو في مجلات الإخوان، وإذا بالرجل يتحرك بالإسلام وللإسلام ومع هذا ملتفت إلى صنع الرجال وبنائهم، وهذا الرجل ـ يرحمه الله ـ كتب الرسائل الموجزة كل الإيجاز السهلة التناول ذات العبارة الواضحة، الجلية البعيدة عن الغموض وطرحها كمفاهيم أولية وقاعدة يتفقه فيها من ينتسب إلى هذه الدعوة، وسمّاها «رسالة التعاليم» وضمنها أركان البيعة العشرة، وكان في مقدمتها الفهم، وقال: إن تفهُّم الإسلام في حدود هذه الأصول العشرين الموجزة كل الإيجاز، ثم بدأها من أول ركن، أو أول أصل فيها، وقال: الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً، فهو دولة ووطن، وهو حكومة وأمة، وهو رحمة وقانون، وهو عدالة وقضاء، وهو جهاد، ودعوة، وهو جيش وفكرة... إلخ ذلك، ثم انتقل إلى الأصل الثاني ليقول: كيف نفهم هذا الإسلام؟ وما مصدر فهمه؟ فقال: والقرآن الكريم والسنة المطهرة مرجع كل مسلم في تعرف أحكام الإسلام، والقرآن الكريم يفهم طبقاً لقواعد اللغة العربية من غير تكلف ولا تعسف، ويرجع في فهم السنة المطهرة إلى رجال الحديث الثقات، ثم يسترسل في ذكر بقية أصوله العشرين.

مواهب جمة

هذا الرجل العظيم الإمام المجدد الذي ولد في سنة 1906م، وانتقل إلى ـ رحمة الله إن شاء الله ـ في فبراير 1949 م، يعني أنه عاش 42 سنة وبضعة أشهر، لكن حينما نرى الأثر الذي تركه والجهود التي بذلها ونقسمها على هذه السنوات القصيرة، والأيام المعدودة، نقول: كيف أوتي هذا الإنسان هذه البركة؟

إن الأستاذ البنا قد جال في أكثر من سبعة آلاف قرية ومدينة في مصر، وهو مدرس ليست عنده إجازة إلا يوم الجمعة، يخرج يوم الخميس من المدرسة ليقوم بجولاته، هنا وعظ، وهنا محاضرة، وهنا درس، وهنا صلاة جمعة، وهنا تهجد، وهنا قيام، وهنا كتيبة، وهنا أسرة.

وهكذا، واستمر على هذه الحال، راتبه من مدرسته وجهده وهو مدرس، ولم يدع التدريس إلا في سنة 1946 م حينما أخرج مجلة الشهاب لتكون على غرار مجلة المنار للشيخ محمد رشيد رضا، لأنه قد تولى إصدار المنار بعد وفاة الشيخ رشيد رضا رحمه الله، خمسة أعداد أصدرها بترشيح من الشيخ المراغي وبطلب من ورثة الشيخ رشيد رضا، فأراد أن يصدر مجلة علمية تكون زاداً للإخوان في تخصصاتهم، عند ذلك هجر التدريس من 1946م، ولم يطل به المقام ففي 8/12/1948م، حُلت جماعة الإخوان، وفي 12 فبراير 1949 م اغتيل الإمام الشهيد من قبل أعوان الطاغوت.

استطاع البنا في عمره القصير أن يحقق جهداً وطاقة استنفدها في الدعوة إلى الله ليل نهار، فكانت تكفيه الساعات القصار في النوم، ويكفيه الأكل القليل، وكأن الله عز وجل أعطاه قوة ويقيناً وتحملاً للشدائد وصبراً على الرحلات وقهراً للذات.

عالمية دعوة الإخوان

هذا الجهد الذي قام به الإمام البنا لم يكن بمعزل عن العالم الإسلامي، بل كانت العالمية قائمة فيه، فهو كما سطر أن دعوة الإخوان المسلمين تستمد عالميتها من الإسلام وشموله، فهي دعوة عالمية لا تختص بقطر دون قطر، كذلك عني عناية تامة بالعالم الإسلامي في بواكير أيامه، فالإخوان قد افتتحوا لهم فرعاً في مدينة جيبوتي في الصومال سنة 1933 م، بمعنى إذا كان تأسيس الجماعة سنة 1928م، فبعد خمس سنوات كان فتح فرع للجماعة خارج مصر.

وعندما ظهر الأستاذ البنا بدعوته كان المجتمع المصري إعلامه وسواده وعامته ونخبه ومثقفوه، تشغلهم قضية المصرية والفرعونية، وإذا بالأستاذ البنا لا يتكلم بهذا الكلام، وإنما يتكلم عن مصر ويجمع معها السودان ويردد أسماء: وادي النيل.. قضية وادي النيل.. مشكلة وادي النيل.. جهدنا في تحرير وادي النيل من الاستعمار البريطاني، والمركز العام كان موئلاً لجميع الوافدين إلى مصر من أنحاء العالم الإسلامي، وقلَّ أن تجد زعيماً عربياً أو إسلامياً أو وطنياً جاء إلى مصر ولم يكن الإخوان في صدارة من احتضنه وقام بجهد له.

مفتي فلسطين

تأسست جماعة الإخوان المسلمين في سنة 1928 م وكان عمره وقتها واحداً وعشرين سنة، وفي سنة 1931 م أي بعدها بثلاث سنوات أرسل الإمام البنا رسالة إلى مفتي فلسطين محمد الأمين الحسيني يقول له بعد الديباجة: إن العالم الإسلامي كله يقدّر لكم حسن جهادكم وسديد رأيكم في الدعوة إلى هذا المؤتمر الإسلامي المبارك، لأن محمد أمين الحسيني، و محمد علّوبة باشا، وآخرين قاموا بجولات في الهند وفي البلاد العربية، وأذكر أنهم جاؤوا أيضاً إلى «الزبير» و الكويت، وأشرت إلى هذا أيضاً في كتابي.

ويقول: و الإخوان المسلمون بالديار المصرية يرمقون نتيجة هذا المؤتمر بقلوبهم، وينتظرون المواقف المشرفة التي ترفع رأس الإسلام والمسلمين، ولا شك أن الإخلاص أساس النجاح وأن الله بيده الأمر كله، وأن أسلافكم الكرام لم ينتصروا إلا بقوة إيمانهم وطهارة أرواحهم، وأن جماعة الإخوان المسلمين تشارككم فيما تقررون، وتقاسمكم عبء ما تتحملون، ونقترح إنشاء صندوق مالي إسلامي لشراء الأراضي لئلا تقع في يد اليهود، ونقترح إنشاء لجان للدفاع عن المقدسات الإسلامية، يكون مركزها الرئيس في القدس، أو مكة المكرمة، وفروعها في العالم الإسلامي كله، كما نقترح إنشاء جامعة فلسطين، وإصدار صحيفة إسلامية، ونشر الثقافة الإسلامية، والعناية بالتوعية، والتوجيه والإرشاد بين الناس والعمل على تحقيق الوحدة الإسلامية، ووقف الهجرة الصهيونية».

بين اليمن و السعودية

هذا التفتح المبكر على العالم الإسلامي تم في سنة 1932 م وكانت قد قامت مشكلة بين اليمن وإمامه يحيى، وبين السعودية وملكها عبدالعزيز في قضية الحدود، فقام نزاع محتدم وكاد أن يتطور، وإذا بالرجل يبعث لكلا الرجلين، لملك السعودية وإمام اليمن رسالة يقول لهما فيها: لابد أن تتفقوا فيما بينكم؛ فكلكم مسلمون وأن تفضوا النزاع بينكم بالطرق السلمية»، وفي سنة 1944 م، توجه رحمه الله إلى الحج، وقابل الوفود هناك واجتمع بهم وألقى كلمة فياضة في جمع الكلمة، وكانوا يمثلون العالم الإسلامي، ونشرت هذه الكلمة في جريدة أم القرى المكية.

مساندة المغرب

وفي نفس العام، بعث الإمام البنا احتجاجاً شديد اللهجة للحكومة الفرنسية التي كانت تستعمر المغرب، محتجاً على اعتقال الزعيممحمد علال الفاسي، كما أرسل اعتراضاً واحتجاجاً شديد اللهجة على قانون الظهير البربري، الذي أصدرته فرنسا، وكانت ترمي من ورائه أن تعزل البربر عن العرب في المغرب، وأن تسلخهم من الإسلام كدين، وعن العروبة كلغة، وكانت تريد فرنستهم وتعليمهم.

مع عزالدين القسام

وفي سنة 1935 م، اتصل الإمام البنا بالمجاهد عز الدين القسام، وأرسل أشخاصاً لمقابلته وكان منهم محمد أسعد الحكيم، و عبدالرحمن الساعاتي، وفي سنة1936 م، وجّه الإمام البنا نداء حاراً عاماً للإخوان المسلمين للتبرع وجمع المال لدعم المجاهدين في فلسطين، وانتشر الإخوان المسلمون في مساجد المملكة المصرية كلها يهيبون بالناس التبرع، وكتب أديب العربية بلا نزاع مصطفى صادق الرافعي، في مجلة «الرسالة» مقالة بعنوان: «قصة الأيدي المتوضئة»، لأنه كان حاضراً في المسجد وكان طالب الجامعة إذ ذاك عبدالحكيم عابدين، ومعه مجموعة من الإخوان معهم صندوق وكان يخطب في جمهور المسجد يحثهم على التبرع فحينما رأى الرافعي هذا المشهد تأثر وكتب كلمة أُوصي من لم يقرأها أن يقرأها، بعنوان: قصة «الأيدي المتوضئة»، جُمعت وطُبعت في كتاب «وحي القلم» وطُبعت في مجلة «الرسالة» لأحمد حسن الزيات.

وفي سنة1939 م، قام الإخوان المسلمون بتوزيع كتاب عنوانه «النار والدمار في فلسطين» وطبعوا منه كميات ضخمة، ووزعوه في أنحاء المدن المصرية كلها بالتعاون مع مفتي فلسطين، وترتب على هذا أن داهمت الحكومة المصرية مقرّات الإخوان وشعبهم، وصادرت ما وجدته من نسخ الكتاب واعتقلت الإمام البنا ومجموعة من الإخوان لمدة من الزمن ثم أفرجت عنهم، فكان رد البنا أن كتب في مجلة الإخوان مقالاً قال عنه بعد اعتقاله وخروجه «أول الغيث». واعتبر أن هذا من المبشرات، كما أصدر الإمام البنا عدداً خاصاً من مجلة «الإخوان» عن الجهاد في المغرب العربي ووضع على غلافه صورة الشيخ الزعيم محمد علال الفاسي.

بلاد المغرب العربي

وفي سنة1944 م استضاف المركز العام للإخوان المسلمين مجموعة من زعماء المغرب العربي فيهم من تونس ومن الجزائر و المغرب، وكان بعضهم يقدّم لإلقاء حديث الثلاثاء في المركز العام للإخوان المسلمين، ثم يعقب البنا أو غيره من إخوانه ويشرح للسامعين قضية هذا البلد ومشكلته.

سورية ولبنان

وفي سنة 1946 م حينما أعلن استقلال سورية ولبنان بعث الإمام البنا رسالة تهنئة يحيي فيها استقلال سورية ولبنان عن الاستعمار الفرنسي وطالب بإطلاق سراح المجاهد عبدالكريم الخطابي، وحينما ذهبت إلى مصر للدراسة سنة 1949 م كان لي شرف اللقاء به، كما التقيت بآخرين.

مع ملك الأردن

وفي سنة 1947 م، ناشد الإمام البنا ملك الأردن التخلي عن مشروع سورية الكبرى، حيث طرحت بريطانيا مشروعاً اسمه «سورية الكبرى»، وكان مشروعاً استعمارياً، فناشد الإمام حسن البنا ملك الأردن إذ ذاك التخلي عن هذا المشروع ونبذه لأنه مشروع استعماري، وفي سنة 1947 م أنشأ هيئة «وادي النيل» للدفاع عن فلسطين.

مواقف أخرى

وفي سنة 1947 م أوفد وكيل الجماعة صالح عشماوي إلى باكستان للتهنئة بقيام الدولة، وقابل صالح عشماوي، محمد علي جناح رئيس الدولة إذ ذاك، وفي سنة 1947 م أيضاً استنكر الاعتداء الهولندي على إندونيسيا، وفي سنة 1947 م أيضاً طالب الحكومة العراقية بأن تلغي معاهدتها مع بريطانيا لسنة 1920 م، وطالب الحكومة المصرية بأن تلغي معاهدتها مع بريطانيا لسنة 1936 م، وطالب حكومة الأردن بأن تلغي معاهدتها مع بريطانيا لسنة 1945 م؛ لأنه يعتقد أن هذه المعاهدات معاهدات مكبّلة للأوطان الإسلامية، وفي صالح الاستعمار، كما أصدر فتوى وعممها بمقاطعة المستعمر البريطاني عسكرياً واقتصادياً وثقافياً، والامتناع عن شراء بضاعته أياً كانت.

وكان حماسه للوحدة بكل صورها وأشكالها؛ فهو يعتبر أن هنالك وطناً صغيراً اسمه «وادي النيل»، والوطن الكبير «العالم العربي»، والوطن الأكبر «العالم الإسلامي» هكذا إطلاقاته، وكانت هذه المسميات تطرح في إعلام الإخوان مسموعاً ومقروءاً.

صفاته

لقد اتصف الأستاذ البنا بما يلي:

فكره:

استقاه من الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة، فدعوته إسلامية المصدر، إسلامية المنطلق، إسلامية الغاية، إسلامية الوسيلة.

أسلوبه:

جمع الأمة على المتفق عليه من الأمور والبعد عن مواطن الخلاف والاتجاه إلى التجميع والتوفيق، لا التنفير والتفريق، والدعوة إلى الحب في الله، وتقوية روابط الأخوة الإسلامية.

منهجه:

التعامل مع الجوانب الخيرية في كل إنسان وتنميتها على حساب الجوانب السلبية، والعناية بالتكوين والبناء التربوي المتكامل.

نظرته:

عالمية شاملة تستمد عالميتها من عالمية الإسلام وشموله، وتمتد دعوته لتشمل العالم العربي والإسلامي كله، والآن للإخوان أكثر من سبعين فرعاً ولله الحمد في الدول العربية والإسلامية والأجنبية.

أخلاقه رحمه الله:

عدم اللجاج والخصام مع الأفراد والجماعات، وتبيان الحقائق بأدلتها، ومقابلة السيئة بالحسنة، وخفض الجناح والتواضع للمسلمين عموماً، وإشاعة الحب في الله بينهم، والبعد عن هيمنة الكبراء، وأصحاب النفوذ والمال، والصبر على البلاء والمحن من الأفراد والجماعات والحكومات، واحتساب ذلك كله عند الله عز وجل وعدم مقابلة السيئة بمثلها، ويتضح ذلك من الشعار المرفوع للإخوان والمدون في أدبياتهم، الشعار المتكرر الذي كان ومازال: الله غايتهم، القرآن شرعتهم، الرسول قدوتهم، الجهاد سلبيهم، الموت في سبيل الله أسمى أمانيهم.

الإمامحسن الهضيبي .. مَعلّم الصمت الشامخ والقائد الصامد الصابر

(1309 ـ 1393هـ = 1891 ـ 1973 م)

توطئة

المستشار حسن الهضيبي المرشد االثاني للإخوان المسلمين

حين بدأت نشر الحلقات الأولى من (أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة) بمجلة المجتمع الكويتية الغراء، زارني الأخ الحاج عباس السيسي رحمه الله بمكة المكرمة، وأثنى على ما نُشر منها وطلب مني الاستمرار لأهمية ذلك لشباب الدعوة والجيل الجديد الذي يجهل الكثير من هؤلاء الدعاة الأفذاذ.

وقد تساءل عن عدم الكتابة عن المجاهد الصامت والداعية الصابر الإمام حسن الهضيبي، الذي يأتي في مقدمة هؤلاء، وهو ممن تنطبق عليه الشروط الأربعة التي وضعتها لمن أكتب عنهم.

وكان الجواب: أنني أعجز من أن أكتب عن هذا الرجل، الذي أدهش الجميع بنفاذ بصيرته، وصلابة موقفه، وقوة إيمانه، واعتزازه بربه، واستهانته بما عداه من الأقزام والطواغيت، والفراعنة الصغار من المأجورين والمرتزقة.

لقد عايشت الرجل منذ تولى منصب المرشد العام للإخوان المسلمين، ولاحظت كما لاحظ غيري قلة كلامه، بل كثرة الإنصات والسماع لكل الآراء، ثم حسم الأمر بكلمات قصار موجزة كل الإيجاز، ولكنها تحمل في تضاعيفها الفهم العميق، والإدراك الدقيق للأمور وسداد الرأي.

ورغم أننا في فورة الحماس، كنا نطمح ونتوقع أن نستمع للخطيب الذي يهز مشاعرنا بقوة بلاغته، وفصاحة منطقه، وجزالة ألفاظه، لكننا فوجئنا بهذا الهدوء في النبرات، وقلة الكلام والحكمة في العبارات، والوضوح في المنطلقات، والدقة في الأحكام، والصدق في القول والالتزام بالعمل.

هذه الصفات التي تميز بها الإمام الهضيبي وعرفناها فيه من أول لقاء معه، لم تكن لترضي مشاعرنا الجيَّاشة بالعواطف وحماسنا المتدفق للانطلاق إلى الأمام دون تحفظ، حتى إذا مرت الأيام، وكثرت اللقاءات، أدركنا عمق الرجل وفهمه للأحداث والأشخاص، وفراسته في معرفة الرجال داخل الجماعة وخارجها، فكأن الله قد اختاره لهذه المرحلة الحرجة التي تتابعت فيها الأحداث الجسام لحرب الإسلام ودعاته من داخل البلاد وخارجها.

رجل المرحلة:

ويوماً بعد يوم، يعود كل من خالف الإمام الهضيبي في مواقفه إلى التسليم بأن رأي الهضيبي هو الصواب، وأنه رجل المرحلة الذي وقف بكل عزة وشموخ أمام جبروت الطغاة ومؤامراتهم وكيدهم ومخططاتهم، ذلك هو الإمام حسن الهضيبي، وهذا هو السبب الذي جعلني أتردد في الكتابه عنه، لأنني دون المستوى، ولابد لمن هو أقدر مني أن يتصدى للحديث عنه، وبيان سيرته ممن عاشوا معه فترة السجن.

وبعد أن صدر الجزء الأول من كتابي (من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة)، الذي تناولت فيه سيرة واحد وسبعين علماً من أعلام الإسلام المعاصرين، وبعد أن أدركتني الشيخوخة وجدتني مطالباً من داخلي بضرورة الكتابة عن هذا العلم البارز، والجبل الأشم، لأنني مدين له ولتلامذته بالكثير من الفضل، كما أنا مدين من قبل للإمام الشهيد حسن البنا مجدد الإسلام في القرن الرابع عشر الهجري، وخشيت أن يدركني الموت ولما أكتب عنه فتكون في النفس حسرة من هذا التقصير نحو هذا الرجل العظيم.

لذا شرعت بتسطير هذه الكلمات التي أدرك أنها لن تفي بحق الرجل ولكنها جهد المقل، وبضاعة العاجز، فأقول وبالله التوفيق:

مولده ونشأته

هو حسن بن إسماعيل الهضيبي، من أعلام القضاة بمصر، و المرشد العام للإخوان المسلمين بعد الإمام الشهيد حسن البنا.

ولد سنة (1309هـ 1891 م)، في إحدى قرى محافظة القليوبية في مصر، من أسرة دين ووجاهة، تعلم في كُتَّاب القرية، وحفظ القرآن الكريم صغيراً، والتحق بعدها بالأزهر، ثم تحول إلى الدراسة المدنية، حيث التحق بمدرسة الخديوية، وحصل على شهادة التخرج سنة 1324هـ/1915 م.

عمل بعد تخرجه بالمحاماة، ثم بالقضاء بمدينة قنا 1343هـ 1924 م، ثم تنقل في عدة بلدان حتى استقر في القاهرة، وعُرف بشدة النزاهة، والتحري في إحقاق الحق، ووصف بالتقدير والإكبار من زملائه ورؤسائه حتى ارتقى إلى مرتبة مستشار ممتاز بمحكمة النقض العليا، ولكنه استقال من القضاء بعد اختياره مرشداً عاماً للإخوان المسلمين.

لقاؤه الإمام البنا

التقـى الإمـام حسن البنـا، والتحـق بدعوة الإخـوان، واتخذه الـبنا صفـيَّـهُ ومستشاره، وموضع سره، وأوصى الإخـوان باستشارتـه والرجـوع إليه في حال غيابه، حيث قال: «لا يعلم إلا الله متى أعود، إن قدر لي أن أعود، فإن احتجتم في غيـابي إلى رأي فـالتمسوه عند حسن الـهضيبي بمحكمة الـنقض، فـإنني أحسبه مؤمناً هادئاً صائب الرأي» (الإمام حسن البنا 2 فبراير 1949 م).

وبعد قرار حل جماعة الإخوان المسلمين في سنة 1368هـ 1948 م، واغتيال الإمام حسن البنا 1369هـ 12/2/1949 م، على يد المخابرات المصرية أيام الملك فاروق، رشح أعضاء الهيئة التأسيسية الأستاذ حسن الهضيبي مرشداً عاماً للإخوان، فنزل على رأيهم وأُعلن في (1371هـ 7/10/1951 م) مرشداً عاماً للإخوان المسلمين.

وما إن مرّ عام بعد اختياره حتى حدث انقلاب 23/7/1952 م وظـن النـاس وكثير من الإخوان برجـال الثورة خيراً، ولكـن الإمـام الهضيبي بنظـرته الثاقبة كان غير ذلك، فكان عبدالناصر شديد النقمة عليه، وأصر على إقالته وخلعه وراح يدبر المؤامرات ويشيع الفتنة، ولكن الله أخزاه ورد كيده في نحره.

ذهابه للحج

أدى الإمام الهضيبي فريضة الحج (1392هـ 1972 م) والتقى بمحبيه وتلامذته وإخوانه في رحاب المشاعر المقدسة، وقد أنهكته الشيخوخة، وترك التعذيب داخل السجن والمرض العضال في جسمه أقوى الآثار، وأصبح مجرد فكر وقّاد وروح مشرق ومثل حيّ للمجاهد المؤمن، وقد سعدتُ بلقائه في موسم الحج، حيث كان برفقته ابنه محمد المأمون الهضيبي المرشد العام السابق والدكتور أحمد الملط، وحضر الموسم قيادات الإخوان المسلمين في العالم، وكان لقاء مباركاً موفقاً ولله الحمد حيث أنعش الآمال وأعاد الحيوية لنشاط الإخوان في العالم كله.

شخصيته

كان الإمام الهضيبي رحمه الله مهيباً قوي الشخصية، هادئ الصوت، قليل الكلام، يسمع أكثر مما يتكلم، وكان قاضياً في كل ما يتناوله من أمور، صلباً في الحق لا يعرف أنصاف الحلول، ولا يرضى بها، يمتاز بعمق الفكر، وسداد النظر، يستبعد المصلحة الذاتية والمكاسب المؤقتة، ويترك المجاملة على حساب الدعوة.

قضية التكفير

كان له دور في حسم «قضية التكفير» التي اعتنقها بعض الشباب الذين ذاقوا ألوان العذاب، فأقنعهم بالحجة والدليل، وكتب كتابه «دعاة لا قضاة» فعدل الكثير عن رأيهم والتزموا الفكر الصحيح، وفاصل الذين أصروا على موقفهم مفاصلة واضحة، بأن يبحثوا لهم عن لافتة أخرى غير لافتة الإخوان المسلمين، ليعملوا تحتها وكانت بداية انضمامه للإخوان المسلمين سنة 1943 م ولكن هذا الانضمام لم يعلن لعموم الإخوان المسلمين، بل بقيت الصلة خفية لا يعلم بها سوى المرشد المؤسس الإمام الشهيد حسن البنا، وبعض خاصة الإخوان المسلمين، وقال بعد توليه قيادة الإخوان المسلمين:

«إني أعلم أنني أقدم على قيادة دعوة استشهد قائدها الأول قتلاً واغتيالاً، وعذِّب أبناؤها وشردوا وأوذوا في سبيل الله، وقد لاقوا ما لاقوا، وإني على ما أعتقده في نفسي من عدم جدارة بأن أخلف إمامنا المصلح حسن البنا رحمه الله لأقدم وأنزل عند رغبة الإخوان، أداء لحق الله جل وعلا، لا أبتغي إلا وجهه، ولا أستعين إلا بقدرته وقوته».

لقد رافق الإمام الهضيبي القرآن الكريم منذ نعومة أظفاره، حيث قرأه في كتّاب القرية فأحبه يافعاً، وشاباً، ووزن أعماله به وضبط سلوكه به والتزم بأمره ونهيه ووقف عند حدوده.

مواقفه

وهو أول من كسر تقاليد الانحناء بين يدي الملك عند حلف اليمين القانونية التي يؤديها القضاة أمام الملك قبل تولي منصب «المستشار» إذ كانت دفعته حوالي عشرة سبقه منهم خمسة لم يترددوا في الانحناء عند حلف اليمين الدستوري رغم تهامسهم بالتذمر من هذا التقليد المهين الذي يمارسه الديوان الملكي.

حتى إذا جاء دور الهضيبي الواهن البنية الصامت اللسان، فاجأ الجميع بأن مد يده لمصافحة الملك وأقسم اليمين مرفوع الجبين فتبعه على ذلك كل من كان بعده من القضاة والمستشارين.

وبعد اختياره مرشداً عاماً للإخوان المسلمين، استدعاه الملك للاجتماع به، وبعدها كلف اثنين من كبار الحاشية الملكية لزيارة الهضيبي وحمل صورة الملك لتعليقها في دار الإخوان المسلمين، وقبل حلول الموعد بساعة اتصل الهضيبي من بيته هاتفياً بالأخ عبدالحكيم عابدين وكلفه بصرف مندوبي الملك عن المجيء، فقال الأخ: إن رد هذين ليس أمراً سهلاً، بل قد يؤدي لتوريط الإخوان، فقال الأستاذ الهضيبي: «إنهما يريدان تعليق صورة الملك في دار الإخوان المسلمين، وهذا ما لا أفعله ولو قطعت يميني». فقال الأخ عابدين: أرسلهما إليك في المنزل ولا حاجة لهذا الجفاء، وما عليك إلا أن تعتذر لهما بأن الإخوان قوم متزمتون يحرمون التصوير. وسأبادر الآن إلى رفع صور الإمام الشهيد من غرف المركز العام حتى يستقيم الاعتذار.

فقال الهضيبي للأخ عابدين: «يرحم الله أباك، وأنا لهما في الانتظار».

وحين شنَّ عبدالناصر وزبانيته حملة الكذب والبهتان على الإخوان، وسلّط عليهم إعلامه المسعور، أرسل له الإمام الهضيبي الخطاب الذي جاء فيه:

«فإني لا زلت أحييك بتحية الإسلام، وأقرئك السلام، ولا زلت ترد على التحية بالشتائم واتهام السرائر، واختلاق الوقائع، وإخفاء الحقائق، والكلام المعاد، الذي سبق لكم قوله، والاعتذار عنه. وليس ذلك من أدب الإسلام، ولا من شيم الكرام، ولست أطمع في نصحك بأن تلزم الحق، فذلك أمر عسير، وأنت حر في أن تلقى الله تعالى على ما تريد أن تلقاه عليه، ولكني أريد أن أبصرك بأن هذه الأمة قد ضاقت بخنق حريتها وكتم أنفاسها، وأنها في حاجة إلى بصيص من نور يجعلها تؤمن بأنكم تسلكون بها سبل الخير.

إن الأمة في حاجة الآن إلى القوت الضروري، القوت الذي يزيل عن نفسها الهم والغم والكرب، إنها في حاجة إلى حرية القول، فمهما قلتم إنكم أغدقتم عليها من خير فإنها لن تصدق إلا إذا سمحتم لها بأن تقول أين الخير وسمحتم بأن تراه، ومهما قلتم إنكم تحكمونها حكماً ديمقراطياً فإنها لن تصدق لأنها محرومة من نعمة الكلام والتعبير عن الرأي.

إن الأمة قد ضاقت بحرمانها من حريتها فأعيدوا إليها حقها في الحياة، وإذا كان الغضب على الهضيبي وعلى الإخوان المسلمين قد أخذ منكم كل مأخذ فلكم الحق أن تغضبوا وهذا شأنكم ولكن لا حق لكم في أن تحرضوا الناس على الإخوان وتغروهم بهم، وليس ذلك من كياسة رؤساء الوزراء في شيء، فإنه قد يؤدي إلى شر مستطير وبلاء كبير، ومن واجبكم أن تحافظوا على الناس مخطئهم ومصيبهم، وأن تجمعوا شمل الأمة على كلمة سواء. وإنكم لا شك تعلمون أن الإخوان المسلمين حملة عقيدة، ليس من الهيّن أن يتركوها ولا يتركوا الدفاع عنها ما وجدوا إلى الدفاع سبيلاً، فإغراء بعض الأمة بهم وتحريضهم عليهم من الأمور التي لا تؤمن عواقبها».

سجنه وصبره

اعتقل لأول مرة يوم 13/1/1954 م ووُضع في زنزانة انفرادية وكان الجو بارداً زمهريراً ترتعد منه أجسام الإخوان الشباب، فكيف بالشيخ الوقور الذي جاوز الستين! فعمد الأخ عبدالحكيم عابدين بإرسال فروة للأستاذ الهضيبي، وإذا به يعيدها، وحين عوتب على إرجاعها قال: «يا عبدالحكيم لقد شُفيت والله ببرد هذه الزنزانة من كل ما أثقلني من هذه الأمراض في غابر الأيام».

وكان الأستاذ الهضيبي يمارس تمارينه الرياضية في مواجهة مكتب مدير السجن، ولما سأله أحد الإخوان مستغرباً عن سر ذلك، قال: «دعهم لا يرون منا إلا البشاشة وارتفاع المعنوية، حتى يتحققوا أن سهامهم طاشت ولم يبلغوا منا ما يريدون ألم يبلغك قول الرسول (صلى الله عليه وسلم) رحم الله امرءاً أراهم من نفسه قوة»؟

وحين حصلت اعتقالات صيف 1954م كان الأستاذ الهضيبي خارج مصر في سورية ولبنان، فما كاد يسمع بالاعتقالات حتى أسرع بالعودة إلى مصر ليسجن مع إخوانه ويواجه مع زوجته وأبنائه وبناته ما يواجهه الجميع ثم ليجري الله عليه الثبات والشموخ وليكون عوناً وردءاً لإخوانه وجنوده.

قالوا عنه

يقول المرشد الثالث الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله: «إذا كان حسن البنا قد مضى إلى ربه وترك النبتة يانعة فتية، فقد كان حسن الهضيبي مشعل عصره، يوم حمل الراية حريصاً لم يفرط، عزيزاً لم يلن، كريماً لم يهن، وأدى الأمانة أميناً في عزم، قوياً في حزم، ثابت الخُطا في فهم، فأكد معالم الفهم السليم للإسلام الصحيح في القول وفي العمل، لم يثنه حبل المشنقة، ولم يرهبه سجن ولا تعذيب، بل زاده الأمر إصراراً على إصرار، وصموداً فوق الصمود».

ويقول الشيخ محمد الغزالي: «إنه ما ادعى لنفسه العصمة، بل من حق الرجل أن أقول عنه: إنه لم يسع لقيادة الإخوان، ولكن الإخوان هم الذين سعوا إليه، وإن من الظلم تحميله أخطاء هيئة كبيرة مليئة بشتى النزعات والأهواء.. ومن حقه أن يعرف الناس عنه أنه تحمل بصلابة وبأس كل ما نزل به، فلم يجزع ولم يتراجع، وبقي في شيخوخته المثقلة عميق الإيمان، واسع الأمل، حتى خرج من السجن.

الحق يُقال، إن صبره الذي أعز الإيمان، رفعه في نفسي، وإن المآسي التي نزلت به وبأسرته لم تفقده صدق الحكم على الأمور، ولم تبعده عن منهج الجماعة الإسلامية منذ بدء تاريخنا.. على حين خرج من السجن أناس لم تبق المصائب لهم عقلاً.. وقد ذهبت إليه بعد ذهاب محنته، وأصلحت ما بيني وبينه، ويغفر الله لنا أجمعين».

ويقول عنه الصحفي مصطفى أمين: «أعجبت بصموده، انهالت عليه الضربات فلم يركع، حاصرته المصائب فلم ييأس، تلقى الطعنات من الخلف والأمام فلم يسقط على الأرض، كان يحلم وكل من حوله يائسون، كان قوياً وأنصاره ينفضون ويستضعفون.

رأيته في محنته أكبر منه في مجده، سقط من المقعد واقفاً وغيره فوق المقعد راكعاً، رأيته يستعذب الحرمان وغيره لا يستعذب إلا السلطان.

الرجال كالمعادن لا تظهر قيمتهم إلا إذا وُضعوا في النار، هنا يظهر الفرق بين الرجل الحديدي والرجل القش، بين الذي يموت واقفاً والذي يعيش راكعاً، بين الذي يكبر في الشدائد والذي يتضاءل في المحن والأزمات.

رأيته يستقبل المحنة بابتسامة كأنه يستقبل النعمة، ينام على الإسفلت وكأنه ينام على مرتبة من ريش النعام، يأكل الخبز الممزوج بالتراب ويحمد الله كأنه تناول طعاماً على مائدة ملكية.. تعارضه فلا يغضب، تناقشه فلا يحقد.. يتقبل النقد بصدر رحب ويستقبل الثناء بخجل وحياء.. لا يجحد لفاضل فضله، ولا يذكر إنساناً بسوء، إذا جاء ذكر من طعنه بخنجر في ظهره، لا يلعنه ولكن يقول «سامحه الله».

عشت معه سنوات طويلة، كان بين زنزانته وزنزانتي زنزانة واحدة، كنت أراه كلما فتحوا باب زنزانتي.. وكانت بينه وبين المسجونين السياسيين مناقشات طويلة... كانوا عدداً من المسجونين الذين عُذبوا وصلبوا وضربوا وأهينوا وانتهكت أعراضهم، كانوا يصرون على الثأر والانتقام من معذبيهم، بعد أن يخرجوا إلى الحرية.. سيفعلون بهم ما فعلوه فيهم.. سيذيقونهم من نفس الكأس التي أرغموهم على تجرعها.. كان يعارضهم ويقول لهم هذه مهمة الله وليست مهمتنا.. نحن دعاة ولسنا قضاة.. كانوا يحتدون فيهدأ.. ويشتدون ويلين، ويرفعون أصواتهم ويخفض صوته ويهاجمونه فيبتسم... ويتطاولون عليه فيقول لهم هذا حقكم، لا ألوم المجلود إذا صرخ من ألم السياط، لا أعاتب المطعون بالسيف إذا وقع بعض دمه على ثيابي، لا أطلب منكم أن تعفوا وإنما أرجوكم أن تتركوا الأمر لله فهو المنتقم الجبار، عذاب الله على الظالم أقسى من كل ما تستطيعون من عذاب... لا أريد أن نتساوى نحن المظلومين مع من ظلمونا، بطشوا فنبطش بهم.. ظلموا فنظلمهم.. واجبنا أن نقابل الظلم بالعدل، والقسوة بالرحمة، والجبروت بالتسامح، والعدوان بالصلاة.

كان متمسكاً بدينه بغير تعصب، مؤمناً بالعدل كارهاً للظلم، يرفض العنف ويقول ما حاجتنا للمسدس ولنا لسان؟!.

ما حاجتنا للقنبلة ودوي أصوات المظلومين أعلى من انفجار الديناميت!

كان اسم هذا الرجل هو حسن الهضيبي... عليه رحمة الله...» انتهى.

كتبت مجلة روز اليوسف سنة 1951 م حين أشيع عن اختيار الهضيبي مرشداً عاماً للإخوان المسلمين تقول:

«عندما كان المستشار الأستاذ الهضيبي رئيساً بمحكمة الجنايات في سوهاج، وكان يترافع عن القاتل محام كبير وشقيق لوزير العدل يومئذ، وفي الاستراحة زاره المحامي الكبير ورحب به الأستاذ الهضيبي، وطلب من الساعي إحضار فنجان من القهوة له.. سأل المحامي الكبير: لعل سيادة المستشار مستريح في الصعيد؟ وأجاب المستشار الهضيبي: إن مهمة القاضي تحقيق العدل، والعدل لا يتقيد بزمان أو مكان. قال المحامي: غداً سوف أتناول الغداء مع أخي وزير العدل وأنا مستعد لأطلب منه العمل على راحتكم.. وهنا ثار الأستاذ الهضيبي وهبّ واقفاً وقال للمحامي الكبير: تفضل يا أستاذ.. أجئت تساومني؟!! وهنا كان الساعي قد أحضر فنجـان القهوة فـاتجه الأستاذ الهضيبي نحوه وقـال له: عُد بالقهوة.. وخـرج المحامي الكبير شقيق وزيـر العدل مـصفر الوجه!!» انتهى.

ويقول عنه الأخ د. أحمد العسال: «لقد كان الإسلام يملأ جوانحه وأخلاقه ويعرف أن الفقر الأخلاقي هو الداء العضال في هذه الأمة، وعدم مراقبة الله وخشيته هي الداهية الدهياء، وإن رسوخ هذه المعاني في نفسه جعله لا يحفل بالمظاهر مهما كان نوعها، ويرنو ببصره وبصيرته إلى المعايير السليمة، فيزن الرجال والمواقف، وكان يعرف أن الزمن جزء من العلاج، وكان لا يحب تعجل الأمور ولا اعتساف الحلول، كما كان يكره المهاترات وينأى بنفسه عن الصغائر، وكان يدفع بالتي هي أحسن، ولا يحمل في نفسه الكبيرة إلا الخير للجميع، كان تواضعه وسماحته وبساطته مضرب الأمثال، فرغم مستواه الاجتماعي، وتقلده المناصب العليا في القضاء يرفض التكلف والمظاهر ويهتم بالأعمال والحقائق.

ولما ذهب للحج سنة 1392هـ 1972 م بعد المحن المتتابعة التي رآها، والسنين العجاف التي قضاها، والشيخوخة التي وصل إليها، أشفق إخوانه وأحباؤه عليه وتمنوا أن يقبل النزول في فندق من الفنادق الكبيرة، لتكون الراحة أكمل والخدمة أحسن، فرفض وأبى إلا أن ينزل في المخيم العادي وينام في الخيمة العادية، وتلك هي النفس الكبيرة والقيادة الأمينة.

وإذا كانت النفوس كباراً
تعبت في مرادها الأجساد

انتهى (مجلة الشهاب اللبنانية 1و2/11/1393هـ).

ويروي الأستاذ عبدالحكيم عابدين قائلاً: «أعدّ مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين سنة 1952 م مذكرة لتقديمها لوزارة الدكتور علي ماهر، وكان في آخر المذكرة عبارة «في ظل جلالة الملك المعظم» فضرب بقلمه على هذه العبارة وشطبها. ولما قلت له إن هذه العبارة تقليدية وقد أقرها مكتب الإرشاد العام قال: «احذفها على مسؤوليتي وحسبنا والملك والوزارة أن نكون في ظل الله وحده». كما يروي عبدالحكيم عابدين قصة زيارة الأستاذ الهضيبي لابنه هشام عبدالحكيم عابدين في مستشفى عبدالوهاب مورو حيث كان راقداً للعلاج، واقتراحه أن يقوم المرشد الهضيبي بزيارة رئيس الديوان الملكي الذي يرقد في نفس المستشفى، فأجاب الهضيبي: يا عبدالحكيم لقد قصدت الله تعالى بعيادةولدنا هشام ولم أقصد الملك بزيارة رئيس الديوان» انتهى (مجلة الشهاب اللبنانية سنة 1393هـ).

ويُروى أن شمس بدران مدير السجن الحربي سأل الأستاذ الهضيبي عن اسمه وعمله ليملأ استمارة السجن، فكان جواب المرشد العام الهضيبي: اسمي: حسن إسماعيل الهضيبي، وعملي: المرشد العام للإخوان المسلمين. فهبّ شمس بدران غاضباً وقال: ألم تحل الدولة جماعة الإخوان المسلمين؟ فأجابه الأستاذ الهضيبي: لقد حلت الدولة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، أما أنا فالمرشد العام للإخوان في العالم. فبهت شمس بدران.

صلته بالإخوان

تعود بداية اتصال الهضيبي بالإخوان المسلمين إلى سنة 1942 م، حيث لفت انتباهه ما كان يجري بينه وبين بعض الشباب من أقاربه، من حسن تفهمهم للقضايا المطروحة على الرغم من أن معظمهم كانوا شبه أميين، ولما سألهم عن هذا التفكير الناضج والوعي العميق قالوا: من انتسابنا لجماعة الإخوان المسلمين، فكان هذا حافزاً له لحضور خطبالإمام الشهيد حسن البنا وفي صيف 1943 م وكان قاضياً بمحكمة الزقازيق، وصلت إليه رقعة دعوة من الإخوان لحضور حفل الإخوان الذي سيخطب فيه الأستاذ حسن البنا، فلبى الدعوة مع بعض القضاة واستمع إليه بإصغاء، وما إن انتهى البنا من حديثه حتى كان بينه وبين الهضيبي بيعة للعمل للإسلام.

يقول الهضيبي: «لقد تعلقت أبصارنا به، ولم نجد لأنفسنا فكاكاً من ذلك، وخلت والله أن هالة من نور أو مغناطيساً بوجهه الكريم تزيد الانجذاب إليه، خطب ساعة وأربعين دقيقة، وكان شعورنا فيها شعور الخوف من أن يفرغ من كلامه، وتنقضي هذه المتعة التي أمتعنا بها، ذلك الوقت، إن كلامه يخرج من القلب إلى القلب، شأن المتكلم إذا أخلص النية لله.. وما أذكر أنني سمعت خطيباً قبله، إلا تمنيت على الله أن ينتهي كلامه في أقرب وقت، كان كالجدول الرقراق الهادئ ينساب فيه الماء لا علو ولا انخفاض، يخاطب الشعور فيلهبه، والقلب فيملؤه، والعقل فيسكب فيه من المعلومات ألواناً».

ومنذ تلك اللحظة تعلق الأستاذ الهضيبي بالأستاذ البنا وقويت الرابطة بينهما ولكنها ظلت في إطار الكتمان لا العلانية، حيث لم يعلم بتلك الصلة إلا القلة من الإخوان القريبين من الإمام الشهيد البنا، ومن هنا نجد الإمام البنا يوم 2 فبراير 1949 م أي قبل استشهاده بعشرة أيام يوصي الإخوان المسلمين بالرجوع إلى الأستاذ الهضيبي عند حاجتهم للمشورة والرأي.

من أقواله

قال لعبدالناصر: إن هؤلاء الإخوان المسلمين هم خيرة شباب مصر، فاحفظوهم ذخيرة لها، وخذوا مني ما تريدون.

وكان يقول للإخوان: إن السجن حالة نفسية وليس هو الجدران والأسلاك. أقيموا دولة الإسلام في صدوركم تقم على أرضكم، ميدانكم الأول أنفسكم، فإذا انتصرتم عليها كنتم على من سواها أقدر.

وفاته

توفي في مصر صباح يوم الخميس (14 من شوال 1393هـ 8/11/1973 م) وجاء في وصيته التي كتبها وهو على فراش الموت بألا يُنعى وأن يُدفن فور موته في مقابر الصدقات.

رحم الله أستاذنا الهضيبي وأسكنه فسيح جناته وألحقنا به مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

رثاؤه

يا مرشد الجيل (للشاعر الأردنييوسف هلالة)

يا مرشد الجيل للجلى الكفاح أتى
والأُسد تزأر والإيمانُ ينتظرُ

يا صارمًا بظلام السجن غيبه

عشرين عامًا شقيٌّ مجرمٌ أشرُ

ولوعة القلب للإخوان كيف غدا

بذبحهم يتسلى داعرٌ قذرُ

ليل الغواية مهما اسودَّ جانبه

سينقضي وعن الدنيا سينحسرُ

هل أكتم الجرح في قلبي ليسحقه

وعن رثاء الهضيبي كيف أعتذرُ

تبكيك دعوتنا والجرح يؤلمها

وقد كستها جراحات الهوى الكثرُ

هي القلوب التقيات التي احتملت

في جانب الله ما لا يحمل الحجرُ

علمتنا كيف يفدي الحر دعوته

وكيف للهازل المخزول يحتقرُ

يا أيها الراحل الغالي الذي ظعنت

رحاله وشجانا ذكره العطرُ

عهدًا إلى الله أنّا لن نزل ولن

نلقي القياد لمن ضلوا ومن كفروا

وروض إيماننا مهما عليه عدا

عسف الطغاة سيبقى مورق نضرُ

نمضي على الدرب في جد وفي

ثقة مهما ادلهم الدجى واحلولك الخطرُ

في موكب رائع يزهو اليقين به

تشدو بساحاته يوم الوغى السورُ

شعارنا رغم أنف الكائدين لنا

شعار دين به نزهو ونفتخرُ

إما إلى الله في أفياء جنته

أو أن يحالفنا التوفيق والظفرُ

الداعية المربي عمر التلمساني .. المرشد العام الثالث للإِخوان المسلمين

(1322 ـ 1406هـ = 1904 ـ 1986م)

توطئة:

هو الداعية الأستاذ عمر عبد الفتاح بن عبد القادر مصطفى التلمساني، تولى منصب المرشد العام للإِخوان المسلمين بعد وفاة المرشد الثاني الأستاذ حسن الهضيبي في نوفمبر 1973 م.

مولده ونشأته

الأستاذ عمر التلمساني - المرشد الثالث للإخوان المسلمين

ترجع أُصوله إلى (تلمسان) في الجزائر، وُلد في مدينة القاهرة 1322هـ 1904 م بشارع (حوش قدم) بالغورية، وكان جده ووالده يعملان أول الأمر في تجارة الأقمشة والأحجار الكريمة.

كان جده سلفي النزعة، قد طبع العديد من كتب الشيخ محمد بن عبدالوهاب، فنشأ المترجم له في جو بعيد عن البدع، وتلقى دراسته الابتدائية في مدارس الجمعية الخيرية، ثم التحق بالمرحلة الثانوية بالمدرسة الإلهامية، ثم انتظم في كلية الحقوق، وبعد التخرج سنة 1933 م اتخذ له مكتباً للمحاماة في شبين القناطر وانضم إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكان أول محامٍ ينضم للجماعة ويقف فكره وجهده دفاعاً عنها، كما كان من المقربين من الإمام الشهيد حسن البنا، يصحبه في أسفاره وجولاته داخل القطر المصري، ويستعـين به في الكـثير من الأمور.

تزوج وهو ما يزال طالباً في الثانوية العامة، وتوفيت زوجته في أغطس عام 1979 م بعد عِشرة دامت أكثر من نصف قرن، رُزق منها أربعة من الأولاد: عابد وعبدالفتاح وبنتين.

لم يشغله عمله في المحاماة عن تثقيف نفسه، فقد كان كثير المطالعة في موضوعات العلوم المختلفة، كالتفسير والحديث والفقه والسيرة والتاريخ والتراجم.

كما كان متتبعاً لمؤامرات الخصوم ومخططات أعداء الإسلام في الداخل والخارج، يرصدها ويدرسها ويحدد الموقف منها ويتصدى لها بالحكمة والموعظة الحسنة، ويفند دعاواها ويبطل مقولاتها ويدحض شبهاتها، بثقة المؤمن الذي يعرف نفاسة ما عنده، وتفاهة ما عند غيره، فليس بعد الله من معين ولا بعد الإسلام من دين.

كيف عرفته؟

عرفته أول ذهابي إلى مصر للدراسة الجامعية سنة (1369هـ 1949م)، حيث كنا نلتقيه وكبار الإخوان المسؤولين عن الجماعة بعد استشهاد الإمام حسن البنا وقبل اختيار المرشد الثاني الأستاذ حسن الهضيبي ونتلقّى عنهم ونستمع إلى دروسهم ونصائحهم، وكنا نلمس دماثة خلقه وتواضعه وابتسامته الرقيقة وحنوّه على الإِخوان وبخاصة الشباب المتحمس الذي يتعجّل قطف الثمرة ويريد رد الاعتداء بمثله على من ينالون من الجماعة. فكان أستاذنا التلمساني يوصي بالصبر، والثبات، والحلم، والأناة واحتساب الأجر والثواب عند الله تعالى.

عهد مع النفس

ترك عمر التلمساني آثاراً طيّبة لدى كل من عرفه أو اتصل بـه؛ لما يتمتع به من صفاء النفس ونقاء السريرة وطيب الكلام وحلو الحديث وجمال العرض وحـسن الحوار والمجادلة، وفي هذا يقول عن نفسه: «ما عَرَفَتْ القسوة يوماً سبيلها إلى خلقي، ولا الحرص في الانتصار على أحد، ولذلك كنت لا أرى لي خصمـاً، اللهم إلا إذا كـان ذلك في الدفاع عن حق، أو دعوة إلى العمل بكتاب الله تعالى، على أن الخصومة من جانبهم لا من جانبي أنا.. لقد أخذتُ على نفسي عهداً بألا أسـيء إلى إنسان بكلمة نابية، حتى لو كنتُ معارضاً له في سياستـه وحتى لو آذاني.. ولذلك لم يحصل بيني وبين إنسان صدام لمسألة شخصية» انتهى.

ومن هنا نرى أنه لا يخرج من مجلس التلمساني إنسان إلا وهو يحمل في نفسه الإكبار والتقدير والحب لهذا الداعية الفذّ، الذي تتلمذ على يد الإمام البنا وتخرج في مدرسته وانتظم في سلك جماعته داعية صادقاً مخلصاً.

أخلاقه وصفاته

كان شديد الحياء، كما لاحظ فيه ذلك كل من رآه عن قرب، وكان جليسه ومحاوره يشعر بأن الأحداث القاسية والطويلة التي عركته في ظلمات السجون قد صهرت نفسه حتى لم تدع فيها مكاناً لغير الحقيقة التي يؤمن بها، إذ ظل خلف الأسوار أكثر من سبعة عشر عاماً، فقد دخل السجن عام (1368هـ 1948 م)، ثم في عام (1974هـ 1954 م)، ثم في عام (1402هـ 1981 م) فما زادته الابتلاءات إلا صلابةً وثباتاً.

في حديث له مع مجلة (اليمامة) السعودية بتاريخ 14/1/1982م قال: «إنني بطبيعتي التي نشأتُ عليها أكره العنف بأي صورة من صوره، وهذا ليس موقفاً سياسياً فقط، ولكنه موقف شخصي يرتبط بتكويني الذاتي، وحتى لو ظُلمت فإنني لا ألجأ إلى العنف، من الممكن أن ألجأ إلى القوة التي تحدث التغيير، ولكني لا ألجأ إلى العنف أبداً».

خطاب إلى الرئيس

وفي خطاب مفتوح وجهه لرئيس الجمهورية المصرية نشرته جريدة الشعب القاهرية بتاريخ 14/3/1986 م يقول:

«يا سيادة الرئيس.. إننا مسلمون مصريون يهمنا أول ما يهمنا أن يكون شعبنا آمناً مستقراً هادئاً في ظل تشريع الله سبحانه وتعالى وإن مصلحة هذه الأُمة أن يطبق فيها شرع الله، ولا أكون مغالياً إذا قلت: إن تطبيق شرع الله في مصر سيكون فاتحة خير لجميع المنطقة من أولها إلى آخرها، وهناك يسعد الحاكم ويسعد المحكوم ويطمئن الحاكم ويرتاح الشعب كله».

توجيهاته

وفي كلمته التوجيهية للشباب والدعاة من الإِخوان وغيرهم قال: «إن الصعاب التي تعترض الدعاة في هذا العصر عاتية غاشمة، فالقوة المادية في يد أعداء الإسلام وقد اتحدوا مع اختلافهم، على حرب المسلمين، وأكبر تركيزهم على الإِخوان المسلمين. وعلى أساس الموازين البشرية لم يكن لجنود طالوت المؤمنين طاقة بجالوت وجنوده، ولكن لما أيقنت عصبة الإيمان أن النصر من عند الله، وليس مرهوناً بالعدد والعدة هزموا كتائب جالوت بإذن الله.

إنني لا أستهين بقوة العدو، ولا أطلب من الدعاة أن يخلدوا إلى التواكل ومصمصة الشفاه وتحريك الأعناق يمنة ويسرة وضرب الأكف بعضها ببعض، إنها نكبة النكبات القاضية الماحقة الساحقة، ولكن التمسك بالوحي المنزل من عند الله، و الجهاد بكلمة الحق في إصرار واستمرار، والاستهانة بكل صنوف الإيذاء، وضرب المثل العليا من أنفسهم في الرجولة والبطولة والثبات، ويقينهم بأن الله مبتليهم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات ليعلم الصادقين من المزيفين.. هذا كله من أسباب النصر في سنن الله، وقصص القرآن الكريم خير شاهد على ذلك، فهي حافلة بالكثير.

أما الشباب فإن العزيمة التي تواكب وعيه العميق، في غير حاجة إلى الكثير من التجارب ولكنها بحاجة إلى الكثير من الصبر والالتزام بتوجيهات الوحي من الكتاب والسُّنَّة ثم من سيرة السلف الصالح الذين قيدوا تصرفاتهم بها، فحقق الله لهم من العزة والسؤدد ما يشبه الخوارق» انتهى.

ثباته ومواقفه

عُرف الأستاذ التلمساني بالصلابة والقوة داخل السجون وخارجها، ولم يلن قط لإرهاب أو تهديد، كما عُرف بالزهد والتعفف والخشية من الله وحده دون سواه والحرص على مرضاته حيث يقول: «ما خفتُ أحداً في حياتي إلا الله، ولم يمنعني شيء من الجهر بكلمة الحق التي أؤمن بها، مهما ثقل وقعها على الآخرين ومهما لقيت في سبيلها من العنت.. أقولها هادئة، رصينة مهذبـة، لا تؤذي الأسمـاع ولا تخدش المشاعر، وأتجنب كل عبارة أحس أنها لا ترضي محدثي أو مجادلي، فأجد من الراحة النفسية في هذا الأسلوب ما لا أجده في سواه، ولئن لم يكسبني هذا الأسلوب الكثير من الأصدقاء فإني قد وقيت به شر الكثير من الأعداء» انتهى.

إن المواقف الصادقة والأحاديث الصريحة والعمل الجاد ومواجهة المشكلات بجرأة وثبات والصمود أمام التحدي من خصوم الداخل والخارج على حد سواء كانت السمة البارزة للأستاذ التلمساني، ففي حديث مفتوح للرئيس أنور السادات بمدينة الإسماعيلية حضره الأستاذ التلمساني، بناءً على دعوة وجهت إليه، وبُثّ في الإذاعة والتلفاز على الهواء مباشرة، اتهم السادات جماعة الإخوان بالفتنة الطائفية وساق أنواعاً من التهم الباطلة فما كان من الأستاذ التلمساني إلا أن انبرى واقفاً يرد على السادات بقوله: «الشيء الطبيعي بإزاء أي ظلم يقع عليَّ من أي جهة أن أشكو صاحبه إليك، بصفتك المرجع الأعلى للشاكين ـ بعد الله ـ وهأنذا أتلقى الظلم منك، فلا أملك أن أشكوك إلا إلى الله». وما إن سمع السادات مقولة التلمساني حتى أصابه الذعر والرعب وناشد التلمساني أن يسحب شكواه، فقال التلمساني بقوةٍ وأدبٍ وتأثر: «إني لم أشكك إلى ظالم، وإنما شكوتك إلى ربٍّ عادل يعلم ما أقول»!

أسلوبه

هذا الأسلوب الراقي في الحوار الذي طبع تصرفات التلمساني كلها، لم يكن متكلّفاً بل كان سمة بارزة لأقواله وأفعاله وأخلاقه وعلاقاته مع الأفراد والجماعات، الرؤساء والقادة وجماهير الناس، دون تفريق بين كبير أو صغير أو غني أو فقير، وهو مؤمن بمبادئ الإخوان المسلمين المستقاة من الكتاب والسُّنَّة وما أجمع عليه سلف الأمة.

جماعته

ويرى أن هذه الجماعة هي الحركة الإسلامية الصادقة في هذا العصر حيث يقول:

«إن المتتبع لخطوات جماعة الإخوان المسلمين منذ نشأتها عام (1347هـ 1928 م) إلى اليوم لا يستجلي منها إلا تضحيات متتالية في سبيل العقيدة وجهوداً مكثفة منتجة في مختلف نواحي النشاط الاجتماعي في هذه الحياة، وتدعيماً متواصلاً لربط الصلات الأخوية بين مختلف الشعوب الإسلامية، وإشاعة السلام بين دول العالم أجمع.

حورب الإخوان المسلمون حروباً ضارية فتاكة من مختلف الاتجاهات المحلية والعالمية، وبرغم ذلك فلم يثبت في يوم من الأيام أنهم أشاعوا الفتنة أو فرقوا الوحدة أو دمروا المؤسسات أو تظاهروا مخربين في الطرقات أو هتفوا بسقوط فلان وحياة علان، بل كان سمتهم السلام، وعملهم البناء، ودينهم الوفاء، وبرغم هذا كله فهم موضع النقمة حتى من الذين لم يتفقوا على شيء إلا اتفاقهم على محاربة الإخوان المسلمين. إن المسلم لا يعرف أن الدين لله والوطن للجميع، ولكنه يعرف أن كل شيء في هذا الوجود لله وحده، فمن أراد أن يصرفه عن هذا المعنى، فهو مخادع يريد أن يصرفه عن مكمن القوة ليسهل ابتلاعه. إن المسلم لا يعرف (ما لله لله، وما لقيصر لقيصر) لأنه يؤمن كل الإيمان بأن قيصر لا شيء له مع الله، وإلا كان شريكاً في ملكه، والمسلم ينكر الشرك بكل صوره» انتهى.

زهد وتواضع.. وبساطة

هذا هو الأستاذ التلمساني الداعية والمربي والقائد، عاش حياة الصدق مع الله والعمل لدين الله والارتباط بدعوة الله، وصبر وصابر ورابط وجاهد متمسكاً بحبل الله المتين، وعاملاً مع المجاهدين الصادقين سواء كان في موقع الجندية أو موقع المسؤولية وسواء أكان داخل أسوار السجون أو خارجها، لم يتبدل ولم يتلون ولم ينحرف ولم يطمع في زخارف الدنيا، وبهارج المناصب، بل عاش حياته عازفاً عن رغائب الدنيا مقبلاً على الله، يسكن في شقة متواضعة جداً لا تكلّف فيها، حتى إنني تأثرت غاية التأثر حين زرته فيها وغالبتُ الدموع لئلا تفضحني، فأين نحن من هؤلاء الرجال الذين استعلوا على الدنيا بإيمانهم وقدموا الغالي والرخيص في سبيل دينهم؟!

كانت الشقة في حارة المليجي الشعبية القديمة في (حي الظاهر) بالقاهرة وفي زقاق ضيق وسلّم قديم متداعٍ، وكان أثاث الشقة غايةً في البساطة، برغم أنه ينحدر من أسرة غنية لها مكانتها الاجتماعية المتميزة ولكنه زهد التلمساني وبساطته وتواضعه.

كان التلمساني محبوباً من شرائح المجتمع المصري وطبقاته جميعاً، بل كان الأقباط يحبونه ويحترمونه، وحتى رجال الدولة يهابون مواقفه ويعرفون فضله.

أما الإِخوان المسلمون فكانوا جميعاً يرون فيه المثل والقدوة ويتسابقون للتلقي عنه وتنفيذ كلّ إشارة منه، فقد كان الحب في الله جوهر العلاقة بينه وبينهم، والعمل على تطبيق شرع الله هدفهم، ومرضاة الله عز وجل مبتغاهم. وكانت زياراته البلاد العربية والإِسلامية والمسلمين في ديار المهجر، بلسماً شافياً لجراح الأمة، وتوجيهاً حكيماً لما يجب على المسلمين أن يعملوه نحو دينهم وأمتهم وأوطانهم، فكانت دروسه ومحاضراته وأحاديثه ولقاءاته ونصائحه وتوجيهاته كلها تحث الأمة وبخاصة شبابها وأصحاب الرأي فيها والنخبة من علمائها على أن يتحملوا المسؤولية وينهضوا بالتبعة ويؤدوا دورهم، كلٌّ في موقعه نحو عودة الإسلام ليحكم أرضه ويسود العالم كله، فتلك مهمة الدعاة إلى الله في كل عصر وحين، وهي رسالة الله إلى أنبيائه ومن ثم إلى ورثة الأنبياء من العلماء العاملين والدعاة الصادقين والمؤمنين المخلصين.

مؤلفاته وآثاره

أسهم الأستاذ التلمساني في إثراء الفكر الإسلامي ببعض الكتب التي أصدرها في موضوعات شتى ومن أشهر مؤلفاته:

شهيد المحراب عمر بن الخطاب، الخروج من المأزق الإِسلامي الراهن، الإسلام والحكومة الدينية، الإسلام والحياة، آراء في الدين و السياسة، الملهم الموهوب حسن البنا أستاذ الجيل، حول رسالة (نحو النور)، ذكريات لا مذكرات، الإسلام ونظرته السامية للمرأة،بعض ما علمني الإخوان المسلمون، قال الناس ولم أقل في حكم عبد الناصر، أيام مع السادات، من فقه الإعلام الإسلامي، من صفات العابدين، يا حكام المسلمين ألا تخافون الله؟، في رياض التوحيد، لا نخاف السلام ولكن. إلى جانب الكثير من افتتاحيات مجلة الدعوة القاهرية، وما كتبه حول الشؤون الإسلامية في المجلات والصحف الأخرى والمحاضرات التي كان يلقيها في المنتديات في البلاد العربية والإسلامية وديار الغرب والدروس والتوجيهـات في الكتائـب الإخـوانية والمعسكرات والمخيمات.

قالوا عنه

يقول الأستاذ محمد سعيد عبد الرحيم في كتابه (عمر التلمساني المرشد الثالث للإخوان المسلمين):

«... هلك الطاغية وخرج المعتقلون الذين قضوا في السجون سنوات طويلة، خرجوا وقد صقلتهم المحنة فقويت نفوسهم واشتدت عزائمهم. لئن كانت أبدانهم قد وهنت فإن أرواحهم أصبحت أكثر تعلقاً بما عند الله واستصغاراً لكل عرضٍ زائل، وانتفى من قلوبهم الخوف.

خرجوا من المحنة رجالاً كالجبال في شموخهم وصمودهم. في السجن حفظوا القرآن الكريم ونهلوا من العلم، وفي السجن تغلبوا على شهوات أنفسهم، وفي السجن خبروا الناس وعرفوهم على حقيقتهم. لقد كان السجن لهم مدرسة أي مدرسة، أعطتهم أكثر مما أخذت منهم. ومن هؤلاء الرجال خرج الأخعمر التلمساني... إن الله سبحانه قد أعدّه ليقود الجماعة في هذه المرحلة... فكان هو القائد المناسب الذي قاد السفينة وسط الأعاصير بحكمة وصبر، ولين وأناة مع إيمان ثابت وعزم لا يلين. لقد انتشرت الدعوة في عهده انتشاراً لم يسبق له مثيل، وأقبل الشباب على الإسلام، حتى أصبح التيار الإسلامي هو التيار الغالب في الجامعات وفي النقابات... بل في مصر كلها؛ لأنه استطاع أن يقود السفينة بخبرة القائد المحنك، ومهارة الربان القدير وتمكن أن يجتاز بها المزالق والمخاطر ويوصلها إلى بر الأمان.

لقد عاش رحمه الله كل المحن وقضى في سجون مصر قرابة العشرين عاماً، وكان من أكثر الإخوان صبراً وجلداً على تعذيب الزبانية في السجون ومع ذلك ورغم قسوة العذاب وسوء المعاملة كان لسانه لا يفتر عن ذكر الله ودعوة إخوانه إلى الصبر والثبات... وكان كذلك عفّ اللسان لم تُسمع منه كلمة نابية في حق جلاديه وظالميه، وإنما كان يكل أمرهم إلى الله فهو حسبه ونعم الوكيل» انتهى.

وفاته

اختاره الله إلى جواره يوم الأربعاء 13 من رمضان المبارك عام 1406هـ الموافق 22/5/1986 م حيث توفي بالمستشفى بعد معاناة مع المرض عن عمر يناهز 82 عاماً ثم صُلِّي عليه بجامع عمر مكرم بالقاهرة، وكان تشييعه في موكب مهيب شارك فيه أكثر من ربع مليون نسمة ـ وقيل نصف مليون ـ من جماهير الشعب المصري فضلاً عن الوفود التي قدمت من خارج مصر، وقد أكرمني الله بالمشاركة في التشييع مع بعض إخواني من البلاد العربية والحمد لله.

هذا هو الأستاذ عمر التلمساني المرشد الثالث لجماعة الإخوان المسلمين في العالم، وتلك نبذة موجزة عن سيرته، نسأل المولى الكريم أن يتقبله في الصالحين من عباده، وأن يُلحقنا بهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

الأستاذمحمد حامد أبو النصر .. المرشد الرابع للإخوان المسلمين

(1331

ـ 1416هـ/1913 ـ 1996 م)

مولده ونشأته

الأستاذ محمد حامد أبوالنصر - المرشد العام الرابع للإخوان المسلمين

هو الأستاذ محمد حامد أبو النصـر، ولد في مدينة (منفلوط) التابعـة لمحافظـة أسـيوط يوم 6 من ربيع الآخر 1331هـ الموافق 25/2/1913 م، وهو سليل أسرة كريمة تتصل بالشيخ علي أحمد أبوالنصر، من رواد الحركة الأدبية بمصر، وهو عالم أزهري شارك في التجهيز للثورة العرابية حتى قرر الخديوي توفيق تحديد إقامته في منزله بمنفلوط، ثم تخلّص منه بدس السم له فمات سنة 1880 م، إذ كان من المعروف أن الشنق للعلماء يثير غضب الشعب على حكامه، وأسرة أبوالنصر تنحدر أصولها من نسـل الإمام علي رضي الله عنه.


وقد تلقى الأستاذ محمد حامد أبوالنصر تعليمه في المدارس، وحصل على شهادة الكفاءة سنة 1933 م، وكان متميزاً في بداية عمره بالمشاركة الاجتماعية، والعمل الإسلامي، فقد كان عضواً في جمعية الإصلاح الاجتماعي في منفلوط، وعضواً في جمعية الشبان المسلمين سنة 1933 م.


نشاطه الدعوي

انضم إلى الإخوان المسلمين سنة1934 م، واختير عضواً في مكتب الإرشاد العام، وكانت بداية تعرفه على الإخوان من خلال صديقه الشيخ محمود سويلم الواعظ الأزهري، الذي كان يحدثه كثيراً عن الإمام الشهيد حسن البنا، وعن جهاده في سبيـل رفعة الإسلام والمسلمين، وحين عـلم صديقه محمد عبدالكريم بوجود الإمام الشهيد حسن البنا بجمعية الشبان المسلمين في أسيوط كلمه هاتفياً ودعاه لزيارة (منفلوط) فزارها في اليوم التـالي، وألـقى محاضرة، ثم انتقل إلى دار أبي النصر، وكان عهـد وكانت بيعة. ومنذ ذلك الحين التفَّت مجموعة من الشباب حـول الإمام البنا في منفـلوط، فكـانت شعبة الإخوان المسلمين التي زارها الإمام الشهيـد حسن البنا، وسجَّل العبارة التالية:

«دعوتنا قصة من قصص القرآن الكريم، فيها عبرة وعظة وهداية ونور، إن بدت اليوم أحدوثة في أفواه الناس، فهي في الغد حقيقة في مجتمعاتهم، وفي دار الأرقم بن أبي الأرقم نبتت الدعوة الأولى، وفي هذه الدار يعيد التاريخ سيرته، {ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون} [التوبة: 32].

وقد تدرَّج في مواقع المسؤولية من نائب شعبة منفلوط حتى أصبح عضواً في الهيئة التأسيسية مجلس الشورى العام ثم عضواً في مكتب الإرشاد العام للجماعة، وقد تعرض للاعتقال والسجن وحكم عليه في أحداث عام 1954 م بالأشغال الشاقة المؤبدة (25 عاماً)، قضى عشرين عاماً منها صامداً كالجبل، صلباً لا يتزحزح، قوياً لا تلين له قناة، حتى خرج من السجن منتصف عام 1974 م، ليواصل عطاءه وجهاده لرفع راية الإسلام، وظل وفياً لدعوته وقيادته حتى اختير مرشداً عاماً للجماعة، خلفاً للمرشد الثالث الأستاذ عمر التلمساني، وكان ذلك في شهر مايو 1986 م.

وفي عهده كان ترسيخ الوجود الفعلي في العديد من النقابات المهنية، ونوادي هيئات التدريس الجامعية، والجمعيات الأهلية، وخاضت الجماعة الانتخابات البرلمانية في أبريل سنة 1987 م، متحالفة مع حزبي العمل والأحرار، ونجح 36 نائباًإخوانياً في تلك الانتخابات، كما كان له دوره الفاعل والمؤثر على الساحة العربية والإسلامية، في الوقوف إلى جانب الكويت حين الاعتداء عليها، وبذل الجهود للإصلاح بين قادة المجاهدين الأفغان الذين سعى إليهم في بشاور مع الأستاذ مصطفى مشهور نائبه، والأستاذ إبراهيم شرف، برفقة الشيخخليل الحامدي سكرتير أمير الجماعة الإسلامية بباكستان، وكانت جهوداً موفقة مباركة، بالإضافة إلى التركيز على تكثير القيادات الدعوية في أوساط الشباب، وجماهير الناس، لتنهض بتبعة حمل الدعوة، وتبليغها للناس داخل القرى والمدن والمحافظات في القطر المصري.

من أقواله

«أثناء سفري مع الإمام الشهيد حسن البنا في القطار لم يحضر محصّل التذاكر إلينا، ولم يطلب ثمن أجرة الركوب، وقد سألني الإمام الشهيد: هل جاء (الكمساري)؟ وهل أعطاك التذاكر؟ فقلت: لم يحضر بعد. فقال: إذن لابد من ندائه وإعطائه الأجرة، فناديت «الكمساري»، وطلبت منه التذاكر فقال: «أنا عارف يا سيدي.. وأنا شايف ضروري يعني؟ خليها على الله دي شركة أجنبية»، فسمعه الإمام الشهيد وقال: لابد أن تأخذ ثمن التذكرتين وشكر الله لك.

وفي سنة 1942 م، أعلن الإمام الشهيد حسن البنا، ترشيح نفسه نائباً عن دائرة الإسماعيلية، بناء على رغبة الإخوان، فطلب النحاس باشا من فضيلة الأستاذ البنا التنازل عن الترشيح، استجابة لضغوط الإنجليز الذين لا قبل للحكومة بمعارضتهم!! وحين طرح الأمر على الهيئة التأسيسية ، تبلور الحوار عن وجهتي نظر، إحداهما عدم التنازل عن الترشيح، وتمثل الأغلبية، والأخرى ترك الأمر لفضيلة الإمامحسن البنا على اعتبار أنها مسألة شخصية، وعلى هذا فقد آثر التنازل عن الترشيح، فأحدث ذلك اضطراباً في صفوف الإخوان، فمنهم الموافق ومنهم المعارض، فقلت: إن التنازل مسألة انتهت ولكني أرجو مستقبلاً أن ينزل فضيلة المرشد العام على رأي الأغلبية مهما كانت النتيجة، فاتصل بي الإمام الشهيد هاتفياً وقال: بأنه سوف يأخذ بقرارات الأغلبية مهما كانت الظروف.

بعد حركة الضباط، دعاني الضابط عبدالناصر ومعي فضيلة الشيخ محمد فرغلي لتناول الإفطار في منزله بمنشية البكري في الساعة السادسة صباحاً، وقد قال عبدالناصر: نريد أن نعمل على إزالة آثار العوائق التي وقعت بين قيادة الإخوان وقيادة الحركة، ونريد البحث في مسألة إصلاح الأزهر، وقد لاحظت أنه لوّح بإشارات إسناد مشيخة الأزهر للشيخ فرغلي، كما لاحظت أنه وجه الدعوة لكلينا، باعتبارنا وإياه نحن الثلاثة من محافظة أسيوط، فكأنه يريد استقطاب إخوان أسيوط حوله ضد قيادة الإخوان، فلم يفلح، وكان نصيب الشيخ محمد فرغلي الإعدام شنقاً، وحكم عليَّ بالأشغال الشاقة المؤبدة.

وفي يوم الجمعة 19/11/1954م، فوجئت حوالي الساعة الخامسة صباحاً بقوة كبيرة من خمسين جندياً وخمسة ضباط من قوات الجيش والبوليس يقتحمون منزلي للتفتيش، وقد طلب مني مأمور المركز الاستقالة من الإخوان حتى يتمكن المحافظ من الحيلولة دون تقديمي للمحاكمة، فرفضت ذلك بإباء وقلت لهم: لا يمكن، لأنني حين التحقت بهذه الجماعة كنت رجلاً موفور العقل، وأعرف تماماً العقبات التي سوف تحدث في طريق تحقيق مبادئ الإسلام، وما زلت على عهدي وصدق ارتباطي بالجماعة والحمد لله، وبعدها جرى اعتقالنا في السجون، ومورس التعذيب على الإخوان جميعاً بأقسى ألوانه، وفي يوم السبت 27/11/1954م، نقلنا من السجن إلى محكمة الشعب، وكانت مشكَّلة من جمال سالم، رئيساً، و أنور السادات، عضو اليمين، و حسين الشافعي، عضو اليسار، وبعد مناقشات هزلية من رئيس المحكمة، انتهت الجلسة، وحدد يوم 4/12/1954م للنطق بالحكم، فرجعنا إلى السجن الحربي، وكان التحقيق والعذاب، ثم الموعد المحدد للنطق بالحكم، ذهبنا إلى المحكمة لسماع النطق بالحكم، حيث حكم بالإعدام شنقاً على: عبدالقادر عودة، و محمد فرغلي، و إبراهيم الطيب، ويوسف طلعت، وهنداوي دوير، و محمود عبداللطيف، وحكم على فضيلة المرشدحسن الهضيبي بالمؤبد بدل الإعدام، وبالأشغال الشاقة المؤبدة على عبدالعزيز عطية، و حسين كمال الدين، و منير دلة، و صالح أبورقيق، و محمد حامد أبوالنصر، وحكم على عمر التلمساني و أحمد شريت بالسجن مدة خمس عشرة سنة».

معرفتي به

كنت فترة الدراسة الجامعية بمصر سنة 1949م، أرى الأستاذ محمد حامد أبوالنصر عن بعد في اجتماعات كبار الإخوان المسلمين، حين يحضر من الصعيد مع إخوانه أعضاء مكتب الإرشاد العام، أو الهيئة التأسيسية (مجلس الشورى) بالقاهرة، ولم ألتق به عن قرب، ولكني كنت أسمع الثناء العطر عليه وعلى رجولته ومواقفه وشجاعته وكرمه وشدة التزامه بالدعوة، وارتباطه بالتنظيم، واحترامه للقيادة، وحرصه على سلامة سير الجماعة، والتقيّد بالنظم والتعليمات الصادرة عن مؤسسات الجماعة وقيادتها.

وحيـن هلك الطاغيـةعبد الناصر، عـاودت التردد على مصر وزيـارتهـا بين حين وآخر للقاء إخواني وأساتـذتي للتزود بالتوجيهات والنصائح والاستفـادة من الخبرات والتجارب، فكان لقائي بالأستـاذ أبي النصر الذي أدركت نفاسة معدنه، وأصالة تربيته، وغيرته على دينه، وحرصه على وحدة صف الجماعة، وتوحيد كلمتها في مواجهة الخصوم من الداخل والخارج على حد سواء.

وحين ذهبتُ إلى مصر في شهر مايو سنة 1986م، لتشييع جنازة أستاذنا المرشد عمر التلمساني، وحضرت مجلس العزاء، واستمعت إلى الكلمات مع من حضر من إخواني من البلاد العربية، وكان المتكلمون يتحدثون عن مآثر الفقيد التلمساني، وعن عراقة هذه الجماعة المباركة، وتأثيرها العميق في المجتمع المصري خاصة، والعالم العربي والإسلامي عامة، حيث انتشر مؤيدوها، وكثر أتباعها، وشقَّت طريقها في أوساط الشباب وجماهير الشعب في العالم العربي والإسلامي، وكان الأستاذ محمد حامد أبوالنصر المتكلم باسم الجماعة في حفل التأبين.

وبعد نهاية الحفل، اصطحبني الإخوة المصريون مع الأستاذ أبي النصر إلى بيت أحد الإخوان بالقاهرة، وكانت أحاديث عن الدعوة وضرورة استمرارها، وعن الجماعة وأهمية الحرص على سلامتها، وتصويب مسيرتها، وانطلاقتها، وقد لاحظت تلك الليلة أن الإخوان يولون الأستاذ أبا النصر عناية خاصة، واهتماماً زائداً، مصحوباً بالإجلال والتقدير، فكانت أحاديث ومحاورات عن هموم المسلمين في الوطن الإسلامي، ودور الإخوان المسلمين في جمع الكلمة وتوحيد صف الأمة الإسلامية، لتواجه التحديات المفروضة عليها من القوى العالمية الكبرى، وإن بناء الفرد المسلم هو الأساس في بداية الطريق لإعداد الأمة لتحمّل تبعاتها نحو دينها ووطنها ومجتمعها.

ثم تكررت بعد ذلك زياراتي إلى القاهرة، وكنت أسعد بلقائه مرشداً عاماً للإخوان المسلمين خلفاً للأستاذ التلمساني مع نائبه الأستاذ مصطفى مشهور، والأستاذ مأمون الهضيبي، والدكتور أحمد الملط وغيرهم من قيادات الإخوان المسلمين بمصر.

مواقفه

كان للأستاذ أبي النصر مواقف مشرفة من الاعتداء على الكويت وغزوها من النظام البعثي الصدامي الغاشم، وان أول المبادرين على مستوى العالم العربي والإسلامي في استنكار ذلك الغزو يوم 2/8/1990م، بصدور بيان مكتب الإرشاد العام للإخوان المسلمين الذي أدان الغزو وطالب بالتصدي له.

وقد اطلعت على ذلك البيان من خلال الفاكس الذي وصل إلى الأخ عبدالله علي المطوع بالأردن من الإخوان بمصر، وذلك مساء يوم الغزو، قبل أن يصدر أي رد فعل من أي مسؤول أو حكومة أو منظمة على مستوى العالم العربي والإسلامي، فكان هذا الموقف من مرشد الإخوان المسلمين، الأستاذ محمد حامد أبوالنصر يرحمه الله، من الصفحات البيضاء المشرقة التي يحاول خصوم الإسلام وأعداء الإخوان تشويهها، بالإعلام الكاذب، وبكتابات المرتزقة من المأجورين من حملة الأقلام الرخيصة، ذوي النفوس المريضة، والقلوب الحاقدة، الذين يعيشون على الملق والنفاق وترويج الإشاعات وتشويه صورة الإخوان.

وبعد أكثر من أسبوع من صدور هذا البيان، أصدر فضيلة المرشد العام محمد حامد أبوالنصر بياناً آخر يوم 11/8/1990م، حين بدأت بعض الدول الاستعمارية الكبرى بالتدخل والحشد العسكري للدخول في المنطقة، وطالب بالاكتفاء بالدول العربية والإسلامية، لتتولى جيوشها طرد المحتل من الكويت، وكان هذا رأي معظم علماء الأمة وقادتها وجماهيرها التي أبدت استعدادها للتطوع مع جيوش التحرير، ولكن الدول ذات المطامع والأهداف الاستعمارية فرضت سياستها بالتدخل العسكري بقوة السلاح، لتحقيق ما تريده من أهداف في منطقة الشرق الأوسط، وقد بدت واضحة للعيان فيما بعد.

وكان أول بيان صدر عن الإخوان المسلمين هو في نفس يوم الغزو بتاريخ 2/8/1990م وبتوقيع الأستاذ محمد حامد أبوالنصر المرشد العام للإخوان المسلمين، وجاء فيه: «فوجئنا بالغزو العسكري العراقي للكويت، فكان هذا عملاً مروعاً ومثيراً للدهشة، ومخيباً للآمال، ولا يغيب عن الذهن أن هذا الحدث الضخم يفتح أبواب شر خطيرة وكبيرة، ويؤثر على مجريات كفاح الشعوب الإسلامية في كل الأرجاء، خاصة في فلسطين المحتلة، ويخشى أن يستغله العدو الصهيوني لتحقيق مآربه.

ونطالب دولة العراق بسحب قواتها من الكويت، وأن تمتنع عن التدخل في شؤونها»، كما جاء في البيان الثاني الصادر يوم 11/8/1990م ما نصه:

«إن جماعة الإخوان المسلمين لا تقر استخدام القوة في العلاقات بين الدول العربية، وهي تعارض كل تدخل عسكري من دولة عربية أو مسلمة ضد دولة أخرى، وتؤكد أن الخلافات بين الدول العربية والإسلامية، يجب أن تسوّى بالوسائل السلمية، وطبقاً لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء، التي تدين بها شعوب الأمة العربية الإسلامية، والتي هي النبراس الذي تهتدي به، والدستور الذي تخضع له عن طواعية ورضا نفس، ثم طبقاً لأحكام ميثاق جامعة الدول العربية، والقانون الدولي، وغير ذلك من المواثيق والقوانين التي تنظم العلاقات بين الدول في الكيان الدولي.

وإن جماعة الإخوان المسلمين تستنكر وتعارض بكل قوة، التدخل الأمريكي ووجود القوة العسكرية الأمريكية أو غيرها من القوات الأجنبية في منطقة النزاع، وتطالب بانسحابها على الفور، فوجودها أمر مرفوض على جميع المستويات، وبكل المقاييس، ومن شأنه أن يعيد عصور الحماية والاحتلال السافرين للمنطقة».

وجاء في رسالة نائب المرشد العام الأستاذ مصطفى مشهور رحمه الله إلى المؤتمر الشعبي لأهل الكويت المنعقد في جدة في 27/10/1990م:

«إن الإخوان المسلمين من أعرف الناس بدولة الكويت وشعبها المتدين المعطاء، ويقدرون أكثر من غيرهم الدور العظيم الذي قامت به الهيئات والجمعيات الخيرية في الكويت، مناصرة لإخوانهم في فلسطين ولبنان وأفغانستان وكثير من دول إفريقيا وآسيا، ولن يضيع أجر ذلك أبداً.. ولهذا كان الإخوان المسلمون أشد الناس ألماً وتأثراً إزاء عدوان العراق على الكويت، فأصدروا بيانهم في اليوم الذي وقع فيه العدوان، يدينون الاعتداء، ويطالبون بضرورة الانسحاب، والحفاظ على كيان ووجود الكويت».

كما أن المستشار مأمون الهضيبي الناطق الرسمي باسم الإخوان المسلمين صرح عبر وسائل الإعلام وشبكة التلفزيون الأمريكي CNN يـوم 16/1/1991م:

«إن موقفنا من أزمة الخليج تحدد في البيان الصادر صباح يوم الغزو، الذي عارضنا من خلاله الغزو العراقي، وقلنا إنه عدوان لا مبرر له من الدين أو العقل أو المصلحة، وحذرنا من النتائج السيئة التي ستترتب عليه كعمل عدواني ظالم، وطالبنا بانسحاب العراق من الكويت، وترك الكويت لأهلها، يتصرفون في شؤونهم كأي شعب حر يتصرف في بلده، كما طالبنا الدول العربية ورؤساءها أن يتصرفوا لمنع هذا العدوان، ومنع التدخل الأجنبي».

وحين طلب السفير العراقي بمصر زيارة المرشد العام محمد حامد أبوالنصر صباح الخميس 16/8/1990م، طالبه المرشد العام بضرورة انسحاب العراق من الكويت، وعودة الحكومة الشرعية، حسبما جاء في بيان الإخوان المسلمين الأول بتاريخ 2/8/1990م، وأن الإخوان ينتظرون أن يخطو العراق الخطوة نفسها التي اتخذها مع إيران، فيسحب قواته من الكويت، ومن حدود المملكة العربية السعودية

وحين زار الدكتور عبدالرحمن العوضي وزير الدولة الكويتي برفقة سفير الكويت بمصر فضيلة المرشد العام يوم 25/8/1990م، أشاد الوزير الكويتي بوضوح وسلامة موقف جماعة الإخوان المسلمين، حسبما تضمنته البيانات والتصريحات التي صدرت عنها، واقترح معاليه مضاعفة الجهد الشعبي والجماهيري لحمل العراق على سحب قواته العسكرية من الكويت، وقد أكد الأستاذ محمد حامد أبوالنصر، المرشد العام للإخوان المسلمين، ثبات الجماعة على ما جاء في بياناتها السابقة، من إدانة الغزو العراقي للكويت الشقيق، ما أتاح فرصة التدخل الأجنبي في المنطقة، ومطالبة الجماعة بضرورة انسحاب القوات العراقية من الكويت، وضرورة انسحاب القوات الأجنبية من المنطقة، والدعوة إلى تضافر الحكومات الإسلامية عامة، والعربية منها خاصة، لتشكيل قوة مستقلة لتسهيل انسحاب القوات العراقية من الكويت، والقوات الأجنبية من المنطقة.

قالوا عنه

يقول الأستاذ عبدالله الطنطاوي:

«كان من مهمات الإمام الشهيد حسن البنا رضي الله عنه وأرضاه تربية جيل من القادة العظام، وتكوين شخصياتهم تكويناً يهيئهم لحمل أثقل المسؤوليات في سائر الظروف، خاصة أيام المحن، فقد كان يعرف أن طريق الدعوة هو طريق مزروع بالألغام، والأشواك من أقلها، محفوف بالمخاطر والابتلاءات.. وحتى لا يحدث فراغ في مؤسسة القيادة، وكان ما توقّعه الإمام، فقد ذهب شهيداً إلى ربه، فخلفه القائد الصلب الإمام حسن الهضيبي، ثم جاء المرشد العملاق الثالث الأستاذ التلمساني، ثم جاء المرشد الرابع، الأستاذ محمد حامد أبوالنصر، وكان من أولئك الرجال الأفذاذ الذين صحبوا الإمام الشهيد، وتربّوا على يديه المتوضئتين بنور الإيمان والعزيمة، والشموخ والصمود في وجه الأعاصير.

والأستاذ المرشد الشيخ أبوالنصر كان يدّخره القدر لمتابعة المسيرة المستنيرة التي استأنفها سلفه الأستاذ التلمساني، فسار على نهجه، واستطاع ـ بتوفيق الله ثم بجهود الفريق المتميز من الرجال الذين كانوا يحيطون به، ويعملون معه ـ تحقيق الكثير في زمن قياسي، في سائر الميادين التي قاد الإخوان فيها، فكان لتربيته الإيمانية، والأدبية، والسياسية التي نشأ عليها في بيت عز، وأدب، ودين، وسياسة، وكرم، وكان لعقله الراجح، وتماهيه مع إخوانه ودعوته، ولما تميز به من رجولة وشموخ وما ينبثق عنهما من شجاعة ومروءة ونخوة، ومن ثقة بدعوته وإخوانه، وتضحية نشأ في أكنافها، فهو حفيد جدّه العالم الأزهري الثائر الذي قُتل مسموماً، لكل ذلك، وغير ذلك، وثق به قادة الإخوان وقواعدهم، ليس في مصر وحدها، بل في كل مكان فيه تنظيم إخواني، وقاد السفينة الربانية إلى شاطئ الأمان، بعد أن عصف بها طغيان الطغاة، من لدن حسين سرّي، والنقراشي، وإبراهيم عبدالهادي، إلى أطغى الطغاة العبد الخاسر.... أمضى زهرة شبابه في السجن، عشرين سنة في سجون العبد الخاسر، وقبلها، وهو صلب لا يلين، ولا يستجيب لإغراءات الطغاة مهما علت، ولا يهاب تهديداتهم ومحاكماتهم، وسياطهم.. إنه الرجل، وهم الأقزام بين يديه».

وفاته

في فجر يوم السبت 29/8/1416هـ/20/1/1996م، توفي السيد محمد حامد أبوالنصر، المرشد العام الرابع للإخوان المسلمين، عن عمر يناهز الثالثة والثمانين عاماً، ودُفن في مقابر القطامية بمدينة نصر بالقاهرة، بجوار رفيق دربه الأستاذ عمر التلمساني، حيث شيِّع في جنازة مهيبة، شارك فيها عشرات الآلاف، رغم الحصار الأمني المكثف، والإجراءات الأمنية المشددة.

رحم الله أستاذنا الجليل، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

الأستاذ مصطفى مشهور .. المرشد الخامس للإخوان المسلمين

(1341 ـ 1422هـ = 1921 ـ 2002م)

مولده ونشأته

الأستاذ مصطفي مشهور المرشد الخامس للإخوان المسلمين

ولد يرحمه الله يوم 15/9/1921م في قرية السعديين من أعمال منيا القمح (محافظة الشرقية) من عائلة عريقة في بيئة محافظة، وكان والده الحاج مشهور مشهور يحرص كل الحرص على تحفيظ ابنه مصطفى وإخوانه القرآن الكريم، وملازمة المسجد، وبعد أن أتم دراسته الابتدائية في مركز منيا القمح التحق بمدرسة الزقازيق الثانوية لمدة عامين، ثم انتقل إلى مدرسة العباسية الثانوية بالقاهرة.

وبعد إكمال المرحلة الثانوية التحق بكلية العلوم بجامعة القاهرة (فؤاد الأول سابقاً) وتخرج فيها بدرجة جيد جداً سنة 1943م، وتخصص في العلوم الفلكية، والتحق بمصلحة الأرصاد الجوية.

وفي سنة 1945م، تزوج من ابنة عمه، التي فاجأها بقوله:

«إن زوجتي الأولى هي (الدعوة) وأنت الزوجة الثانية، فلا تغاري منها إذا تأخرت أو شغلتُ بسببها عنك». فكان جواب زوجته: «وأنا خادمتها».

وقد كان زواجاً مباركاً موفقاً، وعهداً موثقاً، ووفاء متصلاً حتى الممات.

تعرّفه إلى الإخوان المسلمين:

فيما كان يصلي في مسجد الحي الذي يقطنه بالقاهرة، رأى أحد المصلين يوزع مجلة (التعارف) وسمعه يدعو الناس إلى درس في الحي، فحضر ذلك الدرس، وسمع أحد الإخوان يتحدث عن الإسلام حديثاً أعجبه، وفي المسجد نفسه، أعلن المتحدث أن الأستاذ حسن البنا سيعطي دروساً كل يوم ثلاثاء في المركز العام للإخوان المسلمين في منطقة الحلمية، فذهب الشاب مصطفى مشهور، وحضر درس الثلاثاء للإمام البنا، فأعجب بحديثه أيما إعجاب، وحرص على المداومة على حضور الدرس كل أسبوع، وتعرّف إلى بعض الإخوان الذين ضمّوه إلى إحدى الأسر التنظيمية سنة 1936م، وبايع مسؤول الأسرة على الالتزام بدعوة الإخوان، والعمل في سبيل الله، ونشر دعوة الإسلام، وكان عمره آنذاك خمسة عشر عاماً.

وقد لازمتـه أثناء دراستـه فكرة الجهاد ضد الاستعمـار الإنجليزي الذي يجثم على أرض مصر، ويحتلها، ويذل أهلها، ويسخرهم لخدمته، ويستنزف خيـرات البلاد، ويعيـث في الأرض الفساد، فكان مشهـور يرى أن الجهاد فرض عين على كل مسلم ومسلمة بمصر، لمقاومة هذا المستعمر المحتل، لذا كانت دعوته لزملاء الـدراسة، إلى الانضمام لصفـوف الإخوان المسلمين، تبدأ من ضرورة مقاومة المستعمر المحتل البغيض.

وكانت دعوتـه هذه تـجد آذاناً صاغية لدى الطلبة، لأن الأمـة كانت مشحـونـة لمقاومة المشروع الصهيوني على أرض فلسطين المدعوم من الإنجليز الذين يحتلون مصر وفلسطين، ويسهِّلون هجرة اليهود من أنحاء العالم إلى فلسطين العربية الإسلامية.

رحلاته في السجون

اعتقل سنة 1948م في حادثة السيارة الجيب وحكم عليه بالسجن ثلاث سنوات، وكانت هذه المحكومية وساماً على صدره وصدور إخوانه، كما جاء في حيثيات الحكم الذي أشاد بالإخوان المسلمين، وجهادهم في الدفاع عن قضايا الوطن، وبخاصة في فلسطين، حتى إن رئيس المحكمة المستشار أحمد كامل بك الذي حاكم الإخوان المسلمين تأثر بهم وبدعوتهم من خلال المحاكمة، ووقف على حقيقة أهدافهم، وصار فيما بعد واحداً منهم.

واعتقل مرة ثانية سنة 1954م، بعد حادثة المنشية المفتعلة، ثم أفرج عنه سنة 1964م بعد قضاء فترة السجن عشر سنوات، وبعد أقل من سنة أعيد اعتقاله مرة ثانية سنة 1965م، وأفرج عنه سنة 1971م.

يقول الأستاذ مصطفى مشهور: «في يونيو 1954م أُبعدت عن العمل المهني إلى (مرسى مطروح) ثم وقع حادث المنشية المفتعل، فاعتقلت بعد أسبوعين، وأُحضرت من (مرسى مطروح) إلى السجن الحربي، وكان التعذيب شديداً بمجرد الدخول من باب السجن. عُذبتُ كثيراً في السجن الحربي، وشكَّلوا محكمة لمحاكمتي لم تستغرق أكثر من ثلاث دقائق، وحكموا عليَّ بعشر سنوات أشغال شاقة. بعد الحكم نقلوني إلى (ليمان طرة) ثم أبعدوا عن الليمان عدداً من الإخوان وكنت منهم إلى سجن (الواحات) الخارجية، وكان السجن عبارة عن خيام محاطة بالحرس، وبسلك شائك، ومفتوحة طول الليل والنهار، وكان الجو صعباً، فتأقلمنا معه، وكان ذلك سنة 1955م.

وقبل انتهاء مدتي بستة أشهر، أخلوا السجن فرحلوني إلى «أسيوط» فقضيت بها المدة المتبقية وخرجت سنة 1964م.

وفي سنة 1965م افتعل عبدالناصر محنة سيد قطب ومحمد يوسف هواش وعبدالفتاح إسماعيل، وأصدر مرسوماً باعتقال كل من سبق اعتقاله وأذاعه من موسكو، حيث كان في زيارة لروسيا، وأقام المحاكم العسكرية، وحُكم بالإعدام على سيد قطب، ومحمد يوسف هواش، وعبدالفتاح إسماعيل، وعلى الآخرين بأحكام المؤبد والسنوات، وكنت ممن اعتُقلوا في يوليو سنة 1965م وبقيت في السجن إلى ما بعد موت عبدالناصر.

وفي سنة 1957م ونحن في السجن كان عبدالناصر يخطط لخلع الملك حسين، ولكن ضباط الإخوان في الأردن كشفوا هذا المخطط وأفشلوه، فاغتاظ منهم عبدالناصر، وأراد أن ينتقم منهم ومن الإخوان المسجونين في سجن طرة، حيث دخلت مجموعة من الجنود يحملون الرشاشات، والإخوان في الزنازين والعنابر، فصوَّبوا الرشاشات نحوهم بعشوائية وهمجية، فاستشهد منهم واحد وعشرون شهيداً، فضلاً عن الأعداد الكبيرة من المصابين والجرحى، وسميت هذه المذبحة بـ(مذبحة طرة).

كان مصطفى مشهور من أعضاء النظام الخاص، بل كان من قيادييه، وهذا النظام أنشأه الإمام حسن البنا للتصدي للإنجليز المحتلين لمصر، ولليهود الغاصبين لفلسطين، وقد أشاد به القادة العسكريون وغيرهم لما رأوا من جهاد أعضائه وبطولاتهم في فلسطين ضد اليهود، وفي مصر ضد الإنجليز، وتلك كانت مهمة النظام الخاص البطولية التي حاول تشويهها الاستعمار وأعوانه في الداخل والخارج، من الحكومات العميلة، وأبواق السلطة، وأذناب الاستعمار، في الوقت الذي كانت للملك فاروق منظمة الحرس الحديدي للاغتيالات، ولحزب الوفد منظمة القمصان الزرق لمحاربة خصوم الوفد، ولمصر الفتاة القمصان الخضر، وغيرها.

معرفتي به

بداية معرفتي بالأستاذ مشهور يرحمه الله كانت حين زرته وإخوانه في السجن، برفقة الشيخ مناع القطان يرحمه الله سنة 1949م، وحين حضرت محاكمات قضية السيارة الجيب سنة 1951م بصحبة أستاذنا الشيخ أبي الحسن الندوي، حيث كنا نشاهده وإخوانه في قفص الاتهام، والمحامي الشاب سعيد رمضان يلقي مرافعته الرائعة عن المتهمين التي أبكت الحاضرين بقوة تأثيرها، وبلاغة عرضها، وصدق براهينها.

ثم كانت لقاءاتي المتكررة معه بمصر حين زرته بعد موت الطاغية عبدالناصر، وسعدت بزيارته في داره، وفي مكتب المرشد العام الأستاذ عمر التلمساني يرحمه الله بالتوفيقية، وفي بيت د.أحمد الملط يرحمه الله ومنزل الحاج حسني عبدالباقي، ومنزل الأستاذ عمر التلمساني يرحمه الله وفي مخيمات الشباب بالإسكندرية، وفي منزلنا بمصر الجديدة، ومنزل الحاجة زينب الغزالي ـ يرحمها الله ـ.

وبعد خروجه من مصر سنة 1981م تكررت اللقاءات به في الكويت والسعودية وألمانيا وفرنسا وسويسرا وتركيا والجزائر وغيرها، وكانت دروسه الدعوية في الأسر والكتائب والمخيمات من أعظم الدروس التربوية في الدعوة الفردية والجماعية التي استفدنا منها كثيراً في الثبات أمام التحديات، والعمل الدؤوب لخدمة الإسلام والمسلمين، والصبر على الأذى في سبيل الله، وتعميق معنى الأخوة الإيمانية في صفوف الجماعة.

نشاطه الدعوي

بعد خروجه من السجن كثَّف جهوده الدعوية مع الشباب، وبخاصة طلاب الجامعات المصرية الذين أعطاهم جل وقته في الرعاية والتوجيه والترشيد والتسديد، حتى يفهموا الإسلام على حقيقته، ويلتزموا به وفق منهج الكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة. كما كانت له زياراته إلى البلاد العربية والأجنبية، والالتقاء بالإخوان المسلمين والعاملين للإسلام في كل قطر، وبهذا وصل ما قُطع من اتصال بسبب السجون التي غيبت قادة الإخوان المسلمين بمصر عن إخوانهم في البلاد العربية والإسلامية وفي المهاجر.

وكان لجهود الأستاذ مصطفى مشهور وإخوانه الدعاة أمثال الدكتور أحمد الملط، والأستاذ كمال السنانيري، والأستاذ محمد مهدي عاكف، والدكتور علي جريشة، وغيرهم من الإخوة المصريين، الأثر الكبير في إثارة الهمم، وشحذ العزائم لدى الإخوان المسلمين في أنحاء العالم.

وكان لمجلة (الدعوة) التي أصدرها الأستاذ مشهور خارج مصر، أعظم الأثر في توحيد المفاهيم والمنطلقات، وجمع الإخوان على المنهج الأصيل لدعوة الحق والقوة والحرية.

وقبيل أحداث سبتمبر سنة 1981م التي اعتقل فيها السادات عدداً من قيادات القوى السياسية في مصر، ومنهم الإخوان المسلمون، كان الأستاذ مصطفى مشهور خارج مصر، حيث بقي خمس سنوات في أوروبا، وأسهم مع إخوانه من البلدان العربية في تأسيس التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، الذي اضطلع بدور التنسيق بين هذه التنظيمات الإخوانية، والحركات والجماعات والجمعيات والأحزاب الإسلامية في أنحاء العالم كله.

وفي سنة 1986م عاد الأستاذ مشهور إلى مصر، بعد أن تولى الأستاذ محمد حامد أبوالنصر يرحمه الله منصب المرشد العام للإخوان المسلمين، بعد الأستاذ عمر التلمساني، فاختير الأستاذ مصطفى مشهور نائباً للمرشد العام. وبعد وفاة الأستاذ المرشد محمد حامد أبو النصر، انتخب الأستاذ مصطفى مشهور مرشداً عاماً للإخوان المسلمين، فكان المرشد الخامس.

أفكاره ونشاطه العلمي

إن من يقرأ كتب ومقالات فضيلة الأستاذ مصطفى مشهور، يتوقف أمام فكرة أساسية هي: المضي في طريق الدعوة مهما كانت العقبات، وامتزاج شخصه بها، وتغلغلها في أعماقه، حتى لقبه البعض بـ(الشارح الأول) لمبادئ دعوة الإخوان المسلمين، وقد احتلت فكرة ضبط الدعوة بأصولها، ووزنها بميزان مبادئها، حيزاً كبيراً في فكره وكتاباته، وكان أبرز ما شغله في حياته، التوازن بين الدعوة في حركتها العامة، وخاصة على صعيد العمل السياسي، وبين ميدانها الأصيل وهو ميدان العمل التربوي. كما احتلت فكرة الدولة الإسلامية مكاناً بارزاً في تفكيره وكتبه، بمعناها الحضاري الواسع، ورأى أن الدولة بناء ضخم يحتاج إلى أساس عريض وعميق ومتين، وبالتالي يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، على اعتبار أن الأساس أشق مراحل البناء، وكان دائماً يردد: لا نريد لبنائنا أن يقوم ثم ينهار.

ومن أهم أفكاره:

«إن بناء الذات الإنسانية المسلمة لرجل الدعوة، هي أهم وأصعب ميادين البناء، لأن بناء الرجال أشق من بناء المؤسسات».

لهذا اتجه في كثير من كتبه إلى تقوية هذه الذات، وتدعيمها، وإكسابها الصلابة، فكان كتاب «عقبات في الطريق» الذي تناول فيه المحن وما تتركه من إرباك للعاملين في الصف الإسلامي، ربما دفعهم للتشكك في صحة الطريق، أو رشد القيادة، ويرى «أن الإيمان أهم سلاح نتسلح به، يصبِّرنا ويثبتنا ويطمئننا أن المستقبل للإسلام، فعلينا أن نصبر ونثابر حتى يتحقق وعد الله بالنصر إن شاء الله فأين فرعون وهامان؟ وأين الاتحاد السوفييتي وغيره؟

و«إسرائيل» إلى زوال إن شاء الله، إذا واصلنا مسيرتنا على هذا الطريق. فالتربية، واستغلال الوقت، والمحن التي نتعرض لها، ليست ضربات معجزة أو معوقة، ولكنها سنة الله في الدعوات، في الصقل والتمحيص والتمييز بين الثابت والمنهار، لأن أهم مرحلة في الدولة المستقبلية هي أساسها، فإذا كان الأساس متيناً يعلو البناء ويرتفع، أما إذا كان ضعيفاً فسينهار، فهذه المحن للصقل والتمحيص وإعداد القيادة الصلبة التي يثبت عليها البناء.

ـ يجب على الإخوان ألا ينزعجوا من هذه المحن، بل يعتبرونها شرفاً، فالزمن لا يقاس بعمر الأفراد، بل بعمر الدعوات والأمم، وليس هذا بالكثير من أجل تحقيق هذا الهدف الكبير.

ـ علينا أن نتواصى بالجيل الجديد، ونهتم به، ونورِّثه الدعوة، وندعوه لمواصلة المسيرة بالإيمان والدعاء والصبر والاحتساب والاستبشار بأن المستقبل لهـذا الدين، ونهتم بالتربية، وبالأشبـال، وبأبنـاء الإخوان، وهـذا معنى مهم جداً، فالأستاذ البنا قال: نريد الفرد المسلم، والبيت المسلم، والمجتمع المسلم الذي يرفض أن يستقر عليه غير الحكم الإسلامي. إن هذا الجيل من الأشبال، وأولاد الإخوان، ربما يتحقق على يديه النصر، فعلينا أن نهتم به.

ـ الصحوة في العالم الإسلامي قابلها انهيار الأخلاق في العالم الغربي، دخل كثيرون في الإسلام وانتشر الإسلام في أوروبا وأمريكا، فلابد لنا أن نستبشر ونشعر بالعزة: {ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين} [المنافقون:8].

ـ الموت يأتي بغتة، فلابد من الاستعداد للقاء الله، ولحساب الآخرة، فنخلص النية في كل عمل نعمله ونجعله دعوة لله وعبادة له، لأننا لم نخلق إلا لعبادة الله: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} [الذاريات: 56]، فهذه هي مهمتنا في هذه الدنيا فلنحرص على دعم هذه الصورة، ولنقوها بازدياد القاعدة، وبالالتحام بالشعب، فنكوّن رأياً عاماً إسلامياً، يساند هذه الدعوة، فهذا ما نحرص عليه، ونتوقع النصر بعد حين إن شاء الله.

أهم مؤلفاته

قالوا عنه

يقول الشيخ محمد عبدالله الخطيب: «إن الحديث عن الأستاذ مصطفى مشهور، رحمه الله، حبيب إلى كل قلب، وإن بيان قدره ومنزلته كقائد من قادة الدعوة الإسلامية في العصر الحديث، يحتاج إلى صفحات طوال، فهو المؤمن المجاهد، والصابر المحتسب، والمربي والداعية الذي مهَّد الأرض، وبذر الحب، وغرس الثمار، ثم تعهد النبتة فسقاها لفترة تزيد على ستين عاماً عاشها متجرداً لهذه الرسالة الخالدة.. الدعوة المباركة لإعلاء كلمة الله وحده، ولقد جاءت الثمار طيبة مباركة، وكان رحمه الله، يحمّل الأجيال التبعة، ويذكّر بالمسؤولية، فكان يقول:

«الدعوة إلى الله واجب كل مسلم ومسلمة، لتحقيق شهادتنا على الناس، إنها مهمة الأنبياء والرسل، صلوات الله وسلامه عليهم، فهي شرف عظيم، ومنزلة سامية، وثوابها عند الله عظيم، وهي في نفس الوقت مصدر وافر، وزاد عظيم.

إن كل من يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله يدخل في الأمة الإسلامية، ويكون له كل الحقوق لأيّ مسلم في المجتمع، وواجبنا أن نعلمه ونربيه ونأخذ بيده».

وكان رحمه الله ينصح الشباب دائماً بالتأني وعدم العجلة، ويكره الاندفاع والتشدد.

جزى الله الأستاذ المرشد عنا خير الجزاء، وتقبّله في الصالحين مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً».

ويقول الشاعر الكبير الدكتور جابر قميحة:

في جمعة الأحزان ماذا أرى؟

يلاً من البشر الطهور يمور

عجباً ولكن كيف كيف تجمعوا

عجباً!! وإن نشاطهم محظور

لا تعجبوا: فالله جمَّع جنده

والحظر محظور هنا مقهور

والظالم الباغي ضلال سعيه

وعليه دائرة البوار تدور

هذي الجحافل في الظلام منارة

عجباً!! أيحظر في الظلام النور

ورأيت منهم ألف ألف موحد

من جند طه قادهم مشهور

بالحب يا «مشهور» أنت تقودهم

وبذاك أنت على القلوب أمير

والحب في فن القيادة جامع

والحقد في كل الأمور يضير

الله غايتهم ونور قلوبهم

وهمو لشرعته فدى ونصير

تخذوا كتاب الله دستوراً فلا

يعلوه قانون ولا دستور

جعلوا الجهاد سبيلهم فتقدموا

ودماؤهم في النازلات مهور

عند المطامع لا تراهم إنما

عند الكوارث إنهم لكثير

مهما ذكرت محاسناً ومآثراً

فالشعر عجز شابه التقصير

يكفيك في التاريخ أنك مرشد

يكفيك أنك مصطفى مشهور


ويقول الشاعر الأستاذ شريف قاسم:

أيها الراحل الكريم رويداً

فحواليك للوداع رواء

عتب الأمة الجريحة أدمى

مقلتيها وللقلوب نداء

في يديكم لمجدها خير نهج

حاربته الجهالة الجهلاء

أنتم الخيرة التي لا تمارى

في علاها، وأنتم الغرباء

فيك تبكي جموعنا حسن البنا

ويبكي على الرجال الوفاء

والهضيبي و التلمساني وتنعى

لأولي الفضل موتك الأتقياء

وأبا الأعلى والفتى الندوي الحر

صيداً وكلهم أكفياء

والسباعي وسيداً والغزالي

وابن باز وتزدهي الأسماء

من كرام أئمة ونجوم

بكت الأرض فقدهم والسماء

غبت يا مصطفى و مصر تنادت

لعزاء، وفيك جل العزاء

ذاك يا مصطفى بيانك يروي

سفر ما بشرت به الأنبياء

موقف شخصي كريم

شاء الله عز وجـل أن يبتليني بفقـد أخ كريم وصديـق عزيز خر صريعـاً في ديار الغربة برصاصات الغدر، وترك خلفه ثلاثة أطفال، أكبرهم عمره خمس سنوات، وقـد عاشوا بعد اغتيـاله ظروفـاً صعبة جداً، وانتظرنا طويـلاً من يتطـوع لرعايـة هذه الأسـرة، وكفالة الأيتـام، وطـال الانتظار، فكـانت إرادة الله أن أتقـدم لـزواج الأرمـلـة، وكفـالة أبناء أخـي في الله، وتمّ الأمـر بتـوفيـق الله.

وكانت المشكلة الكبرى هي الثورة العارمة من الزوجة الأولى التي أقامت الدنيا ولم تقعدها، ولم تنفع معها نصائح الوالد والعم، رحمهما الله، ولا نصائح كبار الإخوان المسلمين، وعلى رأسهم المرشد العام الأستاذ عمر التلمساني، وحين زارنا الأستاذ مصطفى مشهور في شهر رمضان سنة 1404هـ بالكويت شرحت له ما أعانيه من ابنة عمي ـ زوجتي الأولى ـ التي لم أقصّر في حقها، لا قبل الزواج الثاني ولا بعده، فكانت مبادرة الأستاذ مشهور بكتابة هذا الخطاب الشخصي لها، مما هدأ شيئاً من ثورتها، وطامن قليلاً من غضبها، وبمرور الأيام عادت الأمور إلى نصابها والحمد لله رب العالمين.

وهذا هو نص رسالة الأستاذ مشهور بخط يده:

الأخت المؤمنة الفاضلة (أم مصطفى):

السلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد:

فما جعلني أقدم على الكتابة إليكِ إلا من منطلق معرفتي بتقديرك لي، ومن منطلق اهتمامي وانشغالي بما تعيشينه هذه الأيام من ظروف ومشاعر، وأحب أن أؤكد لك ابتداء وأشهد الله على ذلك أنني في كتابتي هذا الخطاب لا أشعر بانحياز لأي منكما، ولكن من منطلق حب الخير لكما على السواء، لذلك أرجو أن تستقبلي كتابتي هذه في جو هادئ بعيد عن الانفعال وبعيداً عن أي تشكك أو ريبة أو ظنون.

أنا أعلم ابتداء ما يجيش في صدر أي امرأة في مثل ظروفك هذه من مشاعر وألم، ولا ننكر عليك ذلك، ولكن أحياناً ينتهز الشيطان الفرصة فيضخم القضية أكثر من حجمها بما يؤجج المشاعر بصورة شديدة يخشى منها أن تؤثر على الصحة أو أن تؤدي إلى إفساد العلاقة لا قدر الله، فالذي أوصي وأؤكد عليه عدم الاسترسال في هذا الجو من توتر الأعصاب والأحاسيس، لما يترتب على ذلك من أضرار صحية أو غير ذلك، وسأعينك بعون الله على ذلك لو أحسنت استقبال كلامي، وإذا لم تهتز ثقتك بإنصافي وعدم انحيازي.

قد لا تستطيعين أن تضبطي مشاعرك بحيث تقرئين خطابي القراءة الأولى بهدوء واستيعاب، فأرجو أن تعيدي قراءته مرات أخرى في جو أهدأ، كما أرجو ألا يكون حظه الإهمال أو سلة المهملات.

سأذكر لك بعض النقاط أرجو أن تقفي مع كل نقطة منها وتحكّمي عقلك قبل عاطفتك وبالله التوفيق:

ـ أنبه أولاً إلى عدم المغالاة في التبرّم والشعور بالضيق كي لا يقترب بك ذلك إلى دائرة عدم الرضا بتشريع الله الذي أباح هذا التصرف، ففي ذلك خطر عظيم.

ـ لا شك أن معرفتك الطويلة والقريبة بزوجك أوجدت عندك ثقة كبيرة بدينه وخلقه وكذا تقديره لك، فلا يتصور أن تهتز هذه الثقة بنفسك بسبب تصرفه هذا، فليس معقولاً أن يتخلى عن قيمه ومثله وأسلوب معاملته هكذا فجأة.

ـ أرجو أن تكون نظرتك لتصرفه من خلال هذه الثقة القوية بدينه وخلقه وإعزازه، ولا تنساقي وراء الهواجس كي لا تقتربي أيضاً من دائرة من يكفرن العشير وينسين كل خير سابق بسبب موقف لاحق، نتيجة التأثر بالوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس.

ـ تقديري أن ما تشعرين به من حزن أو قلق سببه ما لمسته في حياتكمـا الزوجية من حسن معاملة وجميل عشرة مما جعلك تتخوفين من تغير هذا المستوى من المعاملة، ولو أنه فرضاً كان سيئ العشرة ما تأثرت ولا حزنت على شيء لزواجه بأخرى، وما نحسبه هو أنه لن ينقص شيئاً من مسلكه وواجبه نحوك، فقد عرف بيننا بالوفاء والصدق والإخلاص.. نحسبه كذلك ولا نزكي على الله أحداً.

ـ رجائي أن تطردي الشيطان بل تطارديه ولا تستسلمي له، وألا تسلمي خواطرك وآذانك لوساوس الجن والإنس، وأقبلي على كتاب الله وسيرة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وعلى ذكر الله والدعاء في هذا الشهر الكريم لعل الله أن يشرح صدرك ويذهب عنك الهم والحزن.

ـ لا تنسي ولا تنكري فضل الله عليك بتوفيقه بزواجك به فهناك غيرك كثيرات يتعرضن إلى حياة زوجية بائسة لبعد أزواجهن عن تعاليم الإسلام وآداب الإسلام فلتحمدي الله على هذه النعمة.

ـ ما دام لم يقصر في حق من حقوقك، ولم يتغير في مستوى معاملته لك أو شعوره نحوك، فماذا يكون جديداً غير غيابه أياماً معدودة كل فترة؟ وقد تعودتم على هذا الغياب في أسفار له كثيرة.

ـ وما يعينك على تهدئة ما في نفسك والتغلب على هذه الخواطر المقلقة أن تتفكري في حالة زوجات غيرك لتقدري ما أنت فيه من خير رغم ما حدث.

ـ فمثلاً هناك زوجات غاب عنهن أزواجهن سنوات طوالاً بلغت أحياناً عشرين عاماً وتعرضن لكثير من العنت وقد صبرن حتى خرج لهن أزواجهنَّ فكان لهن أجر الصابرات «وما أم هاني عنك ببعيدة».

ـ وهناك زوجات يلقين عنتاً شديداً من سوء معاملة أزواجهن لهن، وما هم عليه من قسوة وغلظة.

ـ وهناك زوجات بائسات يعشن حياة لا طعم لها بل كلها عنت بسبب انحراف أزواجهن وفساد أخلاقهم وإهمالهم لهن.

ـ هل ترضين أن تكوني في مثل هذه الحالات ولو لم يتزوج عليك؟

ـ وهل يكون جزاء حسن معاملته وعدم انحرافه وإكرامه لك أن تحرِّمي عليه شيئاً أحلّه الله، وقد قصد به ثواب الله في إنقاذ هؤلاء اليتامى، وأمهم من التشرد والملاحقة؟ فلا تحرمي نفسك من المشاركة معه في ثواب الله بسبب سخطك وتبرمك بهذا الزواج.

ـ معذرة إذا قلت لك: تصوري نفسك فرضاً أنك تعرضت لنفس ظروفها، ومدّ أحد الإخوان يده لينقذك وأولادك من التشرد والعنت وأنت في أشد الحاجة إلى ذلك، ألا تشعرين أن ذلك عمل جليل يستحق التقدير والجزاء الحسن من الله؟

ـ كلي أمل ورجاء أن تهدأ نفسك وتطمئن وتشفى، فلن يرضى هو بأي انتقاص لشيء مما كنت تسعدين به من حقوق ومعاملة، ونحن لن نرضى لو فرض جدلاً وحدث شيء من ذلك، ولن يكون بإذن الله فكوني راضية مطمئنة، وأغلقي على الشيطان منافذه، ولا تحرمي نفسك أجر الصابرات.

ـ ليكن همنا جميعاً السعي إلى الآخرة بطاعة الله وبالرضا والصبر والدعاء أن يختم لنا بخير، وأن نكون ممن رضي الله عنهم ورضوا عنه، فلحظات الدنيا قصيرة وزائلة، فلتكن في طاعة ورضاً وشكر.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

رمضان سنة 1404هـ 1984 م

مصطفى مشهور

وفاته

توفي فضيلة الأستاذ مصطفى مشهور المرشد الخامس للإخوان المسلمين يوم الخميس ليلة الجمعة 12 رمضان سنة 1423هـ الموافق 15/11/2002م بعد غيبوبة دامت ثمانية عشر يوماً، وصلى عليه ما يقرب من نصف مليون فرد بعد صلاة الجمعة.

تغمد الله الفقيد بواسع رحمته، وأسكنه فسيح جناته، مع النبيين، والصديقين، والشهدا،ء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المستشار محمد المأمون الهضيبي .. المرشد السادس للإخوان المسلمين

(1340 - 1424هـ / 1921 - 2004م)

مولده ونشأته

المستشار محمد المأمون الهضيبي - المرشد السادس للإخوان المسلمين

هو محمد المأمون بن حسن إسماعيل الهضيبي، من مواليد 28/5/1921 م، في قرية الشواولة بمحافظة سوهاج بصعيد مصر، وهو ابن الأستاذ المستشار حسن الهضيبي ـ المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين في الفترة من 1951م حتى وفاته في الحادي عشر من نوفمبر عام 1973 م، ونشأت أسرته بقرية الصوالحة ـ مركز شبين القناطر ـ محافظة القليوبية، وتنقلت إلى أماكن متعددة بمصر، إذ كان والده يعمل قاضياً بوزارة العدل المصرية.

التحق محمد المأمون الهضيبي بالتعليم العام في مصر بمراحله المختلفة حتى تخرجه سنة 1941 م في كلية الحقوق جامعة الملك فؤاد ـ القاهرة حالياً ـ وكان ترتيبه العاشر على دفعته.

حياته العلمية

صدر القرار بتعيينه وكيلاً للنيابة، وتدرج في المناصب إلى أن وصل إلى منصب رئيس محكمة النقض، وهي آخر عهده بالعمل الحكومي في مصر، وبعد ذلك عمل بالسعودية، وظل بها فترة، ثم عاد بعدها ليتفرغ للدعوة، وكان رئيساً لمحكمة «غزة» عام 1956 م، وشارك في أعمال المقاومة الشعبية خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 م، وقد اعتقله جيش الاحتلال الإسرائيلي.

معرفتي به

ولقد سعدت بمعرفة أستاذنا الفاضل منذ نصف قرن تقريباً، وكانت معرفتي به آنئذ معرفة غير عميقة، حيث كانت لقاءاتي به قليلة جداً مع والده وأشقائه، ولكن بعد خروجه من السجن ومجيئه مع والده ـ المرشد الثاني للإخوان المسلمين، المستشارحسن الهضيبي ـ للحج سنة 1393هـ ـ 1973 م، توثقت الصلة بيننا وتعمقت المعرفة، فوجدت فيه رجاحة العقل وحسن التدبير والموازنة الشرعية في النظر في واقع الأحداث ومجريات الأمور، مع الصلابة في المواقف، والتمسك بالثوابت، وعدم التفريط فيما يمس العقيدة أو الأصول المحكمة، واحترام الشورى والالتزام بنتيجتها.

كما وجدت فيه رحابة الصدر في الأخذ بكل ما جدّ من الوسائل لتحقيق أهداف الدعوة الإسلامية، والتعامل مع طموحات الدعاة لتطوير وسائل الدعوة الإسلامية المعاصرة. وكانت لقاءاتي به بعد ذلك أثناء زياراتي لمصر في عهدالمرشد العام الثالث عمر التلمساني، وعهد المرشد العام الرابعمحمد حامد أبو النصر، وكذا المرشد العام الخامس مصطفى مشهور، حيث كان قريباً من كل هؤلاء يستشيرونه في الكثير من الأمور، ويشاركهم في معظم القرارات المهمة.

ثم كانت مشاركتي إياه في مؤتمر الجزائر سنة 1990م بحضور الأستاذ مصطفى مشهور، والدكتورتوفيق الشاوي، وغيرهم من إخوان مصر و البلاد العربية.

مع جماعة الإخوان المسلمين

انتسب إلى جماعة الإخوان المسلمين وما لبث أن ابتُلي بالسجن، والاعتقال في عهدعبدالناصر عام 1965م، وتنقل بين السجن الحربي، وطرة آنذاك.

وأفرج عنه السادات عام 1971 م، وبعدها رفع دعوى يطالب فيها بعودته للعمل بالسلك القضائي، فأعطته المحكمة حق العودة، ولكن الحكومة رفضت إعادته لعمله دون إبداء أي مبررات.

في البرلمان

رشحته الجماعة مع مجموعة من إخوانه لانتخابات مجلس الشعب، ففاز منهم 37 عضواً في الدورة البرلمانية عام 1987 م، وكان نائباً عن دائرة الدقي، بمحافظة الجيزة، وكان حينها هو المتحدث الرسمي للكتلة الإخوانية في البرلمان، فكانت خطبه في البرلمان ومناقشاته ومداخلاته تتسم بالعمق والفهم القانوني للمسائل، كما كانت أحاديثه لوسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمشاهدة لها الوزن والاعتبار من حيث التأصيل وحسن العرض، والوصول إلى الهدف المأمول، وتناول هو و إخوانه في البرلمان المصري القضايا الإسلامية التي تصب في مصلحة الشعب المصري وتؤيد الحقوق المشروعة للمواطنين، وتحارب الفساد بكل صوره وأشكاله، وتطرح الرؤى والتصورات لعلاج المشكلات وحل المعضلات وتذليل الصعوبات، لتحقيق أهداف الأمة وطموحات الشعب وفق المنظور الإسلامي المستقى من هدي الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة.

ولقد ساعده ـ بالإضافة إلى تربيته الأسرية على يد والده الإمامحسن الهضيبي وانخراطه في سلك العاملين في الحقل الإسلامي ـ كفاءته العلمية وخبرته القانونية وتمرسه العملي في الشؤون القضائية، إذ استطاع أن يوظف كل ذلك في تحقيق أهداف الدعوة الإسلامية، برسم خططها ووضع برامجها وتقديم مشاريعها.

لقد كان أستاذنا المستشار محمد المأمون الهضيبي من الرعيل الذين اضطلعوا بمسؤولية الدعوة في وقت مبكر، وحملوا على عاتقهم تكاليفها وأعباءها دون كلل أو ملل، ورغم كبر السن والمعاناة الطويلة في سجون الطغاة ـ خرج بحمد الله أقوى صلابة، وأقدر كفاءة، وأعمق إيماناً بالحق الذي يعمل له، متعاوناً مع إخوانه وتلامذته، من جنود دعوة الحق والقوة والحرية في مصر وخارجها.

مرشداً عاماً للإخوان المسلمين

اختير الأستاذ المأمون الهضيبي نائباً للمرشد العام، الأستاذمصطفى مشهور، والمتحدث الرسمي لجماعة الإخوان المسلمين، ومع مرض وغيبوبة المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمينمصطفى مشهور في 29 أكتوبر 2002 م إثر نزيف في المخ، أصبح مأمون الهضيبي القائم بأعمالالمرشد العام بالنيابة.

وفي مساء يوم الأربعاء 22 من رمضان 1423هـ ـ الموافق 27 من نوفمبر 2002 م تم اختياره مرشداً عاماً للإخوان المسلمين، خلفاً للأستاذ مصطفى مشهور، ليصبح المرشد العام السادس لجماعة الإخوان المسلمين.

كان للهضيبي مواقف متميزة من الأوضاع الداخلية والخارجية، ففي الداخل شنّ هجوماً شديداً على السلطات في مصر، في أول ظهور علني في لقاء موسع منذ تسلمه زعامة الإخوان، وانتقد ما وصفه بتغلغل الفساد في جميع المؤسسات الحكومية والجمود السياسي، وتزايد الفقر، محذراً من أن ذلك يؤدي إلى تفكك كبير لتماسك المجتمع.

وكان للجماعة في عهد مأمون الهضيبي، موقف من تصريحات شيخ الأزهر الشريف بشأن قانون حظر الحجاب في فرنسا، فقد تقدم النائب الإخواني في البرلمان المصري الدكتور حمدي حسن بطلب إحاطة عاجل إلى رئيس الوزراء المصري الدكتور عاطف عبيد، بوصفه وزيراً لشؤون الأزهر الشريف، مطالباً فيه بتعيين شيخ جديد للأزهر، بدلاً من الشيخ الحالي، يحفظ للأزهر هيبته وكرامته، ويعيد إليه المصداقية، ويتصرف بحكمة وعقل، ويسترشد بأولي العلم والمختصين في المجالات المختلفة، ويحظى باحترام المسلمين في مصر والعالم.

ورغم قصر المدة التي تولى فيها مسؤولية الجماعة مرشداً عاماً للإخوان المسلمين خلفاً للمرشد السابق الأستاذ مصطفى مشهور، إلا أنه ـ بفضل الله ـ قد وفق إلى جمع القلوب، ورصّ الصفوف، والانطلاق بالدعوة في سائر الميادين ومختلف المجالات، وكان لتوجيهاته وتحركاته ومقالاته في رسالة الإخوان وغيرها خير زاد للإخوان المسلمين في مصر وسائر أنحاء العالم العربي والإسلامي.

من أقواله

«اقتادوني إلى إدارة المباحث ثم نقلوني إلى «سجن أبي زعبل»، وهناك مارسوا معي أنواع التعذيب التي كانوا يمارسونها مع المعتقلين التي تشمل: التعليق من الأرجل، والضرب الشديد، والمحمصة، وغيرها من وسائل التعذيب الوحشي، ثم نقلوني مرة أخرى إلى «سجن أبي زعبل» حتى عام 1967 م، ثم نقلونا إلى سجن طرة ومكثنا فيه حتى مات عبدالناصر.

وفي عهد السادات بدأت الإفراجات وخرجت مع الدفعات التي خرجت.

وبعد خروجي سافرت إلى الحج، وهناك التحقت بالعمل في قسم الحقوق العامة وقسم الحقوق الخاصة، والعمل فيها عمل قضائي وشرعي، وظللت فترة طويلة حتى قضت محكمة النقض ببطلان الاستقالة التي أكرهت عليها زمن عبدالناصر.

وبعد صدور الحكم عُدت إلى مصر واستكملت عملي لفترة بسيطة، ولم تكن السلطات مرحّبة بعودتي للعمل، فصدرت تعليمات بانتدابي إلى السعودية، حيث عدتُ مرة أخرى إلى هناك حتى أوشك سني على بلوغ الستين، لأكون رئيس محكمة استئناف القاهرة، بناء على قرار مجلس القضاء، وعلى اعتبار أنني منتدب في الخارج، فقطعت سفري وعدتُ وتسلمتُ عملي لأيام ثم صدر قرار إحالتي للتقاعد».

ومن أقواله أيضاً: «إن الدولة التي يشكّل المسلمون نسبة 95% من سكانها، لا يمكن أن تكون المناداة فيها لتطبيق الشريعة الإسلامية ـ التي تعد جزءاً من عقيدتهم ـ عملاً محرَّماً، والدولة المنصوص في المادة الثانية من دستورها على أن الدين الرسمي فيها هو الإسلام، وأن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساس للتشريع والأحكام لا يمكن أن تكون المناداة فيها بتطبيق الشريعة شيئاً محظوراً أو جريمة من الجرائم، والفيصل في ذلك أحكام المحكمة الدستورية، ولا يمكن أن يمنع مسلم مصري من أن ينادي بما يأمر به الدستور من المطالبة بأحكام الشريعة الإسلامية، إن الاختلافات في وجهات النظر وفقه حسم الخلاف ينبني على تقبل الرأي الآخر.

ويجب أن تكون هناك وسيلة شورية لحسم الخلاف، وهذا أمر طبيعي، ولو كان الناس بصمة واحدة وآراؤهم متفقة ما كان هناك مبدأ اسمه الشورى، حتى يحدث تكامل في الآراء، فالبشر كل منهم ينظر إلى المسألة من زاوية خاصة، والشورى تحدث التكامل بين هذه الرؤى المختلفة. فإذا أمكننا أن نتبادل الرأي بأخوّة وثقة، فمن الممكن أن تحدث الشورى نوعاً من أنواع التكامل.

والمطلوب في هذه الحالة أن يكون حسم الأمر بطريقة معينة، ويكون ذلك في الغالب بالتصويت ورأي الأغلبية هو الذي يُنفذ.

إن جهدنا الأول هو التربية والتنشئة على العقيدة الإسلامية، ولكن أحياناً العمل السياسي يظهر أكثر من غيره، وهذه طبيعة العمل السياسي.. ومع هذا فهناك جوانب سياسية لها أهمية بالغة، مثل: الحريات العامة التي هي حياة الدعوات والأحزاب، وإذا كان البلد محكوماً بأحكام عرفية وقوانين الطوارئ فمما لا شك فيه أن ذلك فيه تضييق على الدعوة والدعاة، وفي الواقع: الحريات أساس من أسس المبدأ والعقيدة الإسلامية، وهي عمل دعوي في المقام الأول.

ونحن - الإخوان المسلمين - لا ندّعي لأنفسنا الكمال، ولا نبخس مجهوداتنا والبناء الذي نريده ضخم، وليس سهلاً، والأعداء يتكالبون علينا من كل جانب ـ داخلياً وخارجياً ـ بأعداد لا حصر لها، ولكن نقول: إن كانت دعوة الإخوان المسلمين بدأت منذ عام 1928 م على يد خمسة أشخاص في بلدة الإسماعيلية التي كانت شبه مستعمرة أجنبية، فلنا أن نسأل: أين هي دعوة الإخوان المسلمين الآن؟

إنها بفضل الله موجودة في كل العالم ومنتشرة في كل مكان بأعداد ضخمة والحمد لله، ولقد أصبحت الشغل الشاغل لأعداء الأمة الإسلامية.. والحكام المستبدون لا يقلق بالهم سوى الإخوان المسلمين.

ولو كانت دعوة الإخوان المسلمين بائرة أو ضعيفة أو متخلفة أو منكرة، فلماذا يخاف منها الحكام المستبدون؟.. ولماذا يزوّرون الانتخابات؟ بل ويمنعونها سواء كانت انتخابات نيابية عامة أو نقابية؟! إنهم يفعلون ذلك لأنهم يعلمون نتائجها وأنها في غير صالحهم.

إن دعوة الإخوان المسلمين منتشرة في أنحاء العالم العربي والإسلامي بفضل الله، ودعاتها لا يتوقفون عن الدعوة إلى الله مهما كانت العقبات التي يضعها أعداء الإسلام في الداخل والخارج على حد سواء، يريدون أن يطفئوا نور الله، ولن يستطيعوا ذلك بإذن الله، لأنها دعوة الإسلام الحق، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون».

قالوا عنه

يحكي عنه الدكتور محمد حبيب ـ النائب الأول للمرشد العام للإخوان ـ فيقول:

«الذين يتحدثون عن أن الجماعة لا تعرف الشورى في مبادئها، لا يعرفون شيئاً عن الشورى أو الإخوان!! لقد كان المستشار مأمون الهضيبي إذا أراد أن يأخذ رأي أعضاء مكتب الإرشاد في قضية ما، يطرح علينا الموضوع طرحاً وافياً بكافة تفاصيله وجزئياته دون أن يبدي رأيه الشخصي في الموضوع، ولو حتى مجرد تلميح أو إشارة! حتى لا يوجهنا لا شعورياً إلى تبني رأيه!! ثم يبدأ في الاستماع لرأينا في الموضوع محل المناقشة واحداً تلو الآخر حتى نمل نحن من كثرة النقاش، ولا يمل هو!! ورغم هذا كان حريصاً غاية الحرص ألا يبدو على تعبيرات وجهه أو لسانه أنه مستريح لرأي فلان أو ممتعض من رأي علان!! فإذا ما وجد أن الآراء مجتمعة أو غالبيتها قد اتجهت نحو رأي ما أقره فوراً دون أن يبدي هو حتى وجهة نظره! أما إذا كان الخلاف في قضية هو سيد الموقف عندها يتدخل هو ويدلي بقناعاته في الموضوع محل النقاش ويحسم الخلاف!! هكذا كان، وهكذا كان من سبقه.

إنه التواضع في أبهى صوره، والقيادة الفذّة في أحسن أشكالها».

ويقول د. ممدوح المنير:

«لم يكن رحيل المرشد العام للإخوان المسلمين فضيلة المستشار مأمون الهضيبي رحمه الله، بالأمر الهين على إخوانه وأحبائه، فالرجل العظيم لم تكن حياته العادية لداعية عادي إنما كانت حياته حياة دعوة في قلب إنسان، وكعادة العظماء يحار المرء حين يتناول حياتهم، لأنه ببساطة لا يعرف من أين يبدأ؟ فجوانب العظمة لديه تضعك في موقف لا تُحسد عليه.

هل أتحدث عن الهضيبي القاضي الذي يحكم بميزان العدل ويصل إلى أعلى المراتب في السلك القضائي؟

أم أتحدث عن العالم الجليل الذي يجمع بين علوم الشرع والقانون بشكل موسوعي؟

أم أتحدث عن المجاهد الذي شارك في أعمال المقاومة الشعبية خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 م، واعتقله جيش الاحتلال الإسرائيلي على إثر ذلك؟

أم أتحدث عن الهضيبي الداعية الإسلامي الذي يحمل همّ الأمة الإسلامية بين جوانحه، ويبذل من نفسه وماله وراحته في سبيل دعوته؟

أم أتحدث عن الهضيبي المعتقل في سجون عبدالناصر لسنوات طويلة، وعندما سمع الحكم بحبسه قال: «شهادة في سبيل الله ما كنت أظن أنني سأستحقها».

وفاته

توفي المستشار مأمون الهضيبي في القاهرة، مساء الخميس الموافق الثامن من يناير 2004 م عن عمر يناهز 83 عاماً، وذلك إثر وعكة صحية ألمت به، حيث أجري للهضيبي فحص طبي في أحد مستشفيات القاهرة، إثر آلام أحس بها إلا أنه توفي بعد عودته إلى منزله.

وشارك في الجنازة أكثر من 300 ألف صلوا على الفقيد بمسجد «رابعة العدوية»، بعد صلاة الجمعة، وقد سار المشيعون على الأقدام من المسجد، مروراً بطريق النصر، حتى وصلوا إلى مقر النادي الأهلي بمدينة نصر (شرق القاهرة)، ثم حمل الجثمان في سيارة خاصة، وخلفها مئات السيارات التي أقلّت المشيعين لدفنه في مقابر عائلته بـ«عرب الصوالحة»، مركز شبين القناطر، بمحافظة القليوبية، حيث دفن الفقيد مع والده الراحل المستشار «حسن الهضيبي»، المرشد العام الأسبق لجماعة الإخوان المسلمين.

نسأل الله العلي القدير أن يتغمد فقيدنا الغالي بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته ويحشره مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وأن يلحقنا بهم أجمعين في جنات النعيم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.

وقد قيل في رثائه كثير من الشعر نذكر منه:

هو الموت أعجزَ طب الطبيب

وفاق بيان الأديب الأريبِ

فللموت أوفى بيان.. مبين

بقدرة علاّم أخفى الغيوبِ

قضاء إذا حُمَّ فض الحياة

بسهم قوي عدول ضروبِ

ولكن فزعنا بنزف القلوب

لفرقة قلب كبير حبيبِ

وكان كطود رفيع مهيب

ففي جنة رحبة يا «هضيبي»

مضى «مصطفى» فرفعت اللواء

بعزم قدير وعقل خصيبِ

وقدت المسيرة لا الصف هان

ولا أضعفتك دواعي المشيبِ

فعشت المشيب بروح الشباب

دؤوباً قوي السنا والشبوبِ

بعزم وفيّ وقلب فتيّ

وفكر مضيء ثريّ نجيبِ

وكنت الصمود الذي لا يهون

بليل ظلوم ويوم عصيبِ

وناديت: عيشوا شموخ الجبال

فما كان منا سوى المستجيبِ

وقلت: هو النصر لا يستحَق

بغير الثبات وتقوى القلوبِ

هو الخير باق ليوم المعاد

فعيشوا الحياة لخير الشعوبِ

أعدت أباك «الهضيبي» الكبير

بعلم وصدق وجهد صليبِ

فقد كان طوداً أشم العلاء

وما اهتز يوماً لعصف الهبوبِ

ولا هاب يوماً نباح الكلاب

ولا أفزعته حداد النيوبِ

وقال: دعاة ولسنا قضاة

ومرجعنا للإله الحسيبِ

فسرت على الدرب «مأمونها»

ودربك يزري بكل الدروبِ

عليه منارة قرآننا

وسنة طه الرسول الحبيبِ

لقد لاع فقدك كل الشعوب

ففي جنة رحبة يا «هضيبي»