صراع على الشرعية الإخوان المسلمون ومبارك

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
صراع على الشرعية الإخوان المسلمون ومبارك 1982 – 2007


مركز دراسات الوحدة العربية

سلسلة أطروحات الدكتوراه ( 74)


بقلم: الدكتور هشام العوضي

محتويات

شكر وامتنان

عندما بدأت بحثي الخاص بهذه الدراسة في نيسان / أبريل 2000 لم أكن متزوجا حينها والان أنا أب لثلاث بنات , هديل وسارة وسلمي , مصدر رئيسي لبهجتي في الحياة , وطوال الفترة التي قضيتها في هذا البحث وفرت لى زوجتي مي الدعم والتشجيع المتواصل , ولولا صبرها الذي ليس له حدود ولولا تفهمها لأهمية هذا المشروع بالنسبة إلى لكانت التحديات التي واجهتها فيه أصعب بكثير أشكرك من عميق قلبي .

بدأت أري في مصر في أثناء فترة البحث أنها بلدي الثاني وعلى الرغم من الصعوبات المتنوعة التي عانيتها في أثناء عملي الميداني كان العيش في مصر تجربة ممتعة ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى الدعم الذي وفرته لى زوجتي ووالدتي التي أولتني رعايتها وتشجيعها طوال فترة البحث فعلي الرغم من شعورها بالقلق عندما قررت زيارة مناطق " خطرة " في مصر مثل أسيوط لم تحاول إقناعي بالعدول عن ذلك , وذلك لإصرارها الذي فاق إصراري على وجوب توسيع مصادر بحثي أنا اشعر بعظيم الامتنان ولوالدي العزيز لما أظهره على الدوام من روح مشجعة .

وأود أن أتقدم بشكر خاص للبروفسور تيم نيبلوك الذي أعطاني الكثير من الدعم والطمأنينة طوال مدة البحث ولولا أفكاره وتعليقاته لما وصلت هذه الدراسة إلى مرحلة الاكتمال كما ارغب في شكر البروفسور جيمس بيسكاتوري على دعمه وتعليقاته القيمة التي تناولت سبل تعزيز الدراسة وكانت الاتصالات التي أجريتها في مصر جوهرية لبحثي وبخاصة بسبب الحساسية الخاصة التي يتميز بها موضوع العلاقة بين الإخوان المسلمين ونظام مبارك وأشكر كل من يسّر لى هذه الاتصالات وأخص بالشكر خالد منير وصادق الشرقاوي .

وكانت الوثائق الداخلية وغير المنشورة للإخوان المسلمين ذات أهمية بالغة بالنسبة إلى دراستي وأثرت في فهمي للموضوع بدرجة كبيرة وأنا آمل بأن يكون تفسيري لما جاء فيها عند مستوي الثقة التي أولاني إياها الإخوان المسلمون بمشاركتهم لى الاطلاع عليها .

وأخيرا أودّ التعبير عن تقديري الخاص للأشخاص الذين أجربت مقابلات معهم والذين على رغم انشغالاتهم الشخصية والمخاطر المحتملة التي تكشف الموضوع وافقوا على مناقشته معي وأشير إل أن مدخلاتهم القيمة وفرت المساهمة الرئيسية في هذا البحث وفي هذا السياق أرغب في التقدم بالشكر إلى كل من

نبيل عبد الفتاح وسيف عبد الفتاح , وأحمد عبد الله وحامد عبد الماجد وحيد عبد المجيد ومحمود عبد المقصود , وصلاح عبد المقصود وعلى عبد الرحيم وحسين عبد الرزاق , وعبد المنعم أبو الفتوح , وعمرو أبو خليل , وكمال أبو المجد. ومكرم محمد أحمد , ومهدي عاكف.

وفؤاد علام وجلال أمين وعصام العريان وخالدة عودة ومحمد بدر بدر , وطارق البشري وضياء رشوان , ومصطفي الفقي, وعبد المنعم محمود , ومحمد فؤاد , وبدر غازي وعبد الحميد الغزالي وعصام حشيش وعلى الدين هلال ومأمون الهضيبي ومحمود حسين ومحمد حبيب وفهمي هويدي وسعد الدين إبراهيم.

وعبد المنعم سليم جبارة وحلمي الجزار وأحمد لطفي , وأبو العلا ماضي ومصطفي مشهور وجمال محمد وإبراهيم منير وخالد منير وحسن نافعة وأحمد النحاس وأماني قنديل ومحمد رجب ورفعت السعيد ومحمد السمان وعاصم شلبي , وخيرت الشاطر , وأنور شحاتة وحسنين شحاته , ورودني ويلسزن وصادق الشرقاوي .... هشام العوضي .

خلاصة تنفيذية

قام النظام المصري في العام 1995 بعمل غير مسبوق منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر إذا اعتقل أكثر من 90 عضوا إخوانيا وحولهم على محاكمات عسكرية بتهمة انتمائهم إلى تنظيم غير مشروع يسعي إلى قلب نظام الحكم وفي العام 2006 قام النظام بحملة اعتقالات ماثلة في صفوف الإخوان , وحول المعتقلين إلى محاكمات عسكرية في العام 2007.

وفيما شملت الاعتقالات والمحاكمات العسكرية في العام 1995 نوابا سابقين وأساتذة جامعات ومرشحين لخوض انتخابات مجلس الشعب وممن يعتبرون مفاصل أو قيادات وسطي داخل تنظيم الإخوان استهدفت محاكمات العام 2007 رجال الأعمال والمال داخل الجماعة وقد شكلت التسعينيات مرحلة فارقة في علاقة النظام المصري بجماعة الإخوان المسلمين منذ عام 1982 , وقد اتسمت في بداياتها بالتعايش والتهادن الاستيعاب فقد سمح النظام للإخوان بالحضور على الساحة والمشاركة السياسية في انتخابات مجلس الشعب في العامين 1984,1978 وإن لم يمنحهم اعترافه الرسمي وتحاول هذه الدراسة أن تناقش الأسباب والدوافع التي قادت إلى هذا التحول من عقد الثمانينيات الهادئ نسبيا الأسباب والدافع التي قادت إلى هذا التحول من عقد الثمانيينات الهادئ نسبيا إلى عقد التسعينات المتلاطمة أمواجه ...

لماذا اتسمت علاقة الإخوان المسلمين بالنظام السياسي المصري بالتعايش والتهادن في الثمانينات وبالصراع والتصادم الحاد في التسعينات وحتى الآن ؟

وبدلا من أن تعدد وتناقش الدراسة قائمة من الأسباب , داخلية إقليمية ودولية اختارت أن تركز على سب اعتبرته جوهريا في تفسير التحول من التهادن إلى الصدام وهو أن جوهر الصراع بين الإخوان والنظام المصري سعي كل منهما إلى تكريس شرعيته بأنماط وأشكال الشرعية المختلفة : شرعية الوجود السياسي القانون والمجتمعي فلا يمكن ان نفهم حقيقة الصراع بين الإخوان والنظام بمعزل عن افتقاد الإخوان للمشروعية القانونية على رغم وجودها وفاعليتها على الساحة السياسية والمجتمعية وتأثير ذلك الافتقاد في تطور وسلك وأفعال الجماعة منذ السبعينيات .

بما في ذلك سلوكها وأفعالها نحو النظام كما لا يمكن أن نفهم حقيقة الرصاع بين الإخوان والنظام بمعزل عن سعي النظام إلى تحقيق شرعية ليست محجوبة أو غائبة قانونيا كما في حالة الإخوان وغنما ضعيفة ومتآكلة في زمن تآكل فيه دور دولة الرعاية أو الرفاهية وهو الدور التقليدي للدولة العربية بعد الاستقلال , ولا تقلل أو تهمش الدراسة من آية أسباب أخري.

كما قيل إنما تناقش باستفاضة وتركيز مفهوما لم يحظ باهتمام كاف ممن درسوا ظاهرة الصراع بين الحركة الإسلامية والدولة في مصر وهو مفهوم الشرعية شرعية حركة إسلامية غائبة أو مغيبة قانونيا ورسميا ( أو محجوبة عن الشرعية ) وشرعية نظام سياسي يتعرض بالتدريج إلى تراجع وتآكل واهتزاز .

وتزعم الدراسة أنه لا يمكن استيعاب حقيقة الصراع بين الإخوان والنظام من دون أن يكون على رأس قائمة السباب أنه صراع على الشرعية يمكن بعد ذلك أن تندرج تحته بقية الأسباب لداخلية والإقليمية والدولية وعلى الرغم من أن الدراسة خاصة بالإخوان المسلمين وعلاقتهم بالنظام السياسي المصري من العام 1981 إلى العام 2007 إلا أنها – باعتبار انشغالها بمفهوم الشرعية – تصلح مدخلا تحليليا لمناقشة أبعاد العلاقة بين الحركات الإسلامية ولأنظمة العربية وعلاقة المجتمع بالدول في الوطن العربي عموما .

تنقسم الدراسة إلى مرحلتين : مرحلة الثمانينيات ومرحلة التسعينيات إلى 2007 وملخص المرحلة الأولي إلى أن العلاقة بين النظام والإخوان اتسمت مجملا بالهدوء , والتسامح لأن مبررات التوتر والصراع لم تكن موجودة بعد , ولأن الاثنين كان يحتاجان أحدهما إلى الآخر , كل لأسبابه وكل لتعزيز شرعيته , ولم يكونا في وضع سياسي ولا أمني ولا تنظيمي يسمح لهما بالصراع لمرهق.

والمستنفذ للطاقة والموارد كان الرئيس مبارك جديدا في الحكم ولم يكن من مصلحته أن يبدأ عهده بصراع مع حركة إسلامية معتدلة كبيرة وموجودة على الساحة قبل مجيئه إلى السلطة بسبب سياسات سلفه لرئيس السادات الانفتاحية سياسيا واقتصاديا لم يكن من مصلحة الإخوان أن تبدأ حقبة الثمانينيات باستفزاز النظام الجديد ولا سيما حركة خرجت لتوها من سجون عبد الناصر , ومن اعتقالات أيلول سبتمبر 1981 الساداتية الشهيرة وكانت تحتاج إلى فترة هدوء ومهادنة تستكمل معها بناء التنظيم واستقطاب أعضاء جدد وتوسيع رقعة وجودها في المجتمع المصري .

وملخص المرحلة الثانية , مرحلة التسعينيات وحتى الآن أن العلاقة بين النظام والإخوان اتسمت بالتوتر لأن الجماعة رغم كونها محجوبة عن الشرعية القانونية والرسمية استطاعت أن تحقق نمطا آخر من أنماط الشرعية أسميتها " الشرعية المجتمعية " أو " الشرعية الخدمية" أو " شرعية الانجاز" وهي شرعية مكتسبة من إنجاز خدمات 0 صحية ونقابية , وتعليمية وتكافلية .. الخ) لشرائح المجتمع المصري ولا سيما شريحة الطبقة المتوسطة اكتسبت جماعة الإخوان بفضل وجود تفاعل جيل جديد داخل الحركة شرعية غير رسمية .

لم تمنحها إياها الدولة وإنما منحها إياها المجتمع وما استفز النظام من هذه الشرعية أنها كانت منظمة للغاية بفضل جهود الجماعة في استكمال هياكلها وأقسامها التنظيمية منذ خروجها من سجون عبد الناصر في بداية السبعينيات أن هذه الشرعية المجتمعية أو الخدمية للإخوان وظفت من الجماعة توظيفا سياسيا للضغط على الدولة لتحويلها إلى شرعية قانونية.

وقد حدث ذلك التطور الجوهري في سياق تدهور شرعية النظام وبين المجتمع ( مجانية التعليم وضمان التوظيف , ومجانية العلاج المحترم .. الخ ) بسبب الضغوط الدولية للإصلاحات الهيكيلة في الاقتصاد وقد حدث ذلك التطور الجوهري أيضا في سياق تنامي أعمال العنف ( من الجماعات الإسلامية المتشددة ) ضد النظام وفوز جبهة الإنقاذ في الجزائر في انتخابات العام 1992 .

تضافرا هذه العامل بعضها جوهري وبعضها ثانوي وبعضها حقيقي وبعضها وهمي ومفتعل في خلق تصور معاد للنظام من الإخوان أدخل العلاقة بينهما إلى مرحلة الصراع الدموي الحالي .وكي تتضح الصورة أكثر وتحقيق جدلية الدراسة ببعض الأمثلة أسرد باختصار سمات ومظاهر كل مرحلة من المرحلتين مرحلة المهادنة في الثمانينيات مرحلة الصراع في التسعينيات :

أولا : مرحلة المهادنة في الثمانينيات

لم يتوفر في مصر في مستهل الثمانينيات السياق الذي يمهد لنشوب صراع بين الإخوان ومبارك فلم يكن للإخوان علاقة باغتيال السادات مثلا ولم يكن الإخوان مستعدين لاستخدام العنف ضد الدولة بعدما تخلوا عنه بحل النظام الخاص ومن وجهة النظام السياسي الجديد فإنه كان مشغولا بتوسيع قاعدة شعبية له لم تسمح بالدخول غير المنطقي ولا المبرز في مواجهات مع المعارضة عموما.

والإخوان خصوصا وبدلا من ذلك أكد الرئيس مبارك على سيادة القانون وشرع في تطوير البنية التحتية للدولة والإفراج عن المعارضة وعلى رغم أن النظام لم يحسم مسألة شرعيته الخاصة بصورة مطلقة إلا أنه يمكن القول إن مبارك نال درجة من القبول العام وهو ما دل عليه بدرجة كبيرة المستوي المتدنئ للعنف الاجتماعي والديني في السنوات الأول لقيادته ومشاركة القوي السياسية الرئيسية في انتخابات العام 1984.

أما الإخوان فاستغلوا المزاج التصالحي في سياسة مبارك وعملوا بجهد وهدوء على إعادة بناء التنظيم , والتفاعل مع شرائح المجتمع من خلال الفضاءات التقليدية في المساجد والأحياء السكنية وغير التقليدية في الجامعات النقابات وكان الفضل في توسيع رفعة تفاعل المجتمع في فضاءاته غير التقليدية إلى وجود جيل جديد من الإخوان كان له وجود طبيعي وتلقائي في الجامعات والنقابات وكان لديه قناعات انفتاحية تختلف تماما عن قناعات جيل الستينيات الذي تأثر بأفكار سيد قطب الداعية إلى " المفاصلة والعزلة الشعورية تجاه المجتمع "

وكان فوز أعضاء الجيل الثاني من الإخوان في نقابة الأطباء دافعا محفزا لأعضاء آخرين من الجيل نفسه إلى تكرار التجربة في نقابات أخري فشارك الإخوان في انتخابات نقابة المهندسين العام 1985 وحقق فوزا غير متوقع لثلث مقاعد مجلس إدارة النقابة , وبقية مقاعد المجلس في العام 1978 وتكررت التجربة في السنة نفسها مع نقابات أخري ففاز الإخوان في انتخابات نقابة البيطريين الصيادلة (عام 1988) والعلميين (1990) وكانت الدهشة في مسعي الإخوان إلى الترشيح في انتخابات نقابة المحامين القلعة التقليدية للتيار القومي العلماني , وفورهم بأغلب مقاعد النقابة في العام 1992 وكان الإخوان يحققون نجاحات مماثلة في فضاءات أخري داخل المجتمع المصري ضمنت لهم السيطرة على اتحادات لجامعات الطلابية الكبيرة ونوادي أعضاء هيئات التدريس .

وان السر في نجاح الإخوان يعتمد حسب الدراسة الميدانية والحوارات الشخصية مع طلبة وأساتذة جامعات ونقابين على ركنين أساسيين : أولا تقديم خدمات متميزة مقارنة بالخدمات التي كان يقدمها الموالون للنظام أو التيارات لمعارضة غير الإسلامية لما كانت تسيطر على هذه المؤسسات وثانيا تقديمها من خلال قوة ودفة الشبكة التنظيمية للإخوان التي كانت تضمن تنسيق العمل وتبادل الخبرات بين الفضاءات المختلفة .

ثانيا : خدمات وإنجازات متميزة

في النقابات

طرح الإخوان في نقابة الأطباء في العام 1986 مشروعهم الشهير المتعلق بالتأمين الصحي , إذ لم يكن في مقدور أغلب الأطباء الخريجين تحمل التكاليف الباهظة للعلاج في المستشفيات الخاصة وشعر العديد منهم بالمذلة في المستشفيات الحكومة لأنهم لم يكونوا يتلقون الرعاية المناسبة أو الخدمات اللائقة وقد حقق مشروع التأمين الصحي نجاحا كبير في أوساط الأطباء الشباب.

لأنه هدف إلى استعادة كرامتهم ومكانتهم في المجتمع كما وفر لهم المشروع ولعائلاتهم الرعاية الصحية اللائقة وبأسعار معقولة وزاد عدد المستفيدين بصورة ملحوظة في الأعوام التالية إذ بلع عدد المستفيدين من هذا المشروع في العام 1988 أكثر من الأعوام التالية, إذ بلغ عدد المستفيدين من هذا المشروع في العام 1988 أكثر من 17600 طبيب و43960 من أفراد أسر الأطباء وانتقلت التجربة في العام 1989 إلى نقابة المهندسين حيث وصل عدد المستفيدين منه إلى 72000 وأظهرت الأرقام الضخمة للمستفيدين حجم الحاجة إلى هذا النوع من الخدمات الصحية على الرغم من نظام التأمين الصحي القائم الذي ترعاه الدولة .

ونظم الإخوان معارض مبيعات ضخمة للأثاث والغسالات وغازات المطابخ والثلاجات وغيرها من الأدوات التي يحتاج المهنيون الشباب إلى تزويد منازلهم بها وبأسعار مخفض أو بالتقسيط ودون فوائد .. مرة ثانية جاءت هذه الأفكار تلبية لاحتياجات شريحة طالما أهملها النظام .

وفي العام 1992 , استطاعت الجماعة تحقيق نجاح غير متوقع في انتخابات مجلس نقابة المحامين واستنادا إلى نبيل عبد الفتاح , أحد الذين درسوا الظاهرة الإخوانية في النقابات عن قرب كان ذلك أحد أبرز الأحداث السياسية في مصر منذ اغتيال السادات في العام 1981 وذلك لأن النظام نظر إلى فوز الإخوان في نقابة المحامين بطريقة مختلفة تماما , ويرجع السبب في ذلك إلى أن نقابة المحامين وعلى العكس ربما من نقابة الأطباء أو نقابة المهندسين تشكل فضاء مسيسا بطبيعته ولذلك وفرت بصورة تلقائية أرضية أكثر قابلية للتعبئة والحشد الجماهيري .

ولم تكن شعبية الإخوان تكمن في تقديم هذه الخدمات فحسب وإنما في الطريقة الفعالة التي كانت تقدم بها ولم يتسن للجامعة أن تقدم بذلك من دون الاستناد إلى شبكتها التنظيمية التي وفرت لها حالة من التنسيق والكفاءة ضاعفت من قاعدة شرعيتها , بل جعلت هذه الشرعية تتسم بأنها " شرعية منظمة " وليست مبعثرة أو عشوائية , ويمكن القول إن هذا هو الشق الذي أزعج النظام بصورة أكبر , ولا سيما من حركة كبيرة ( محجوبة عن الشرعية )

يوجد داخل جماعة الإخوان المسلمين , إلى حين كانت هذه الدراسة نحو تسعة أقسام داخل التنظيم تشمل : قسم الدعوة , وقسم الخدمات الاجتماعية, وقسم الطلاب, وقسم العمال , وقسم نوادي أعضاء هيئة التدريس بالجامعة , وقسم الأخوات, وقسم التدريب الرياضي, وقسم شئون العالم الإسلامي, وقسم النقابات المهنية

ويمكن أن تتفرع بعض الأقسام إلى لجان متخصصة , مثل : اللجنة المالية , ولجنة التاريخ , ولجنة العلماء , وجري استخدام أقسام أخري مؤخرا لتنظيم الدور السياسي الجديد الذي يلعبه الإخوان في البرلمان , والقسم السياسي الذي يتضمن لجنة الإعلام , وهي أشبه بمؤسسة فكرية وهي متخصصة بتنسيق الدراسات التي تتناول القضايا والتطورات السياسية المتنوعة وستجد في الفصل السابع مناقشة لبعض من هذه الدراسات المتعلقة بالحركة وبالنظام المصري . كما يتضمن القسم السياسي اللجنة البرلمانية التي تضم في عضويتها نواب الإخوان في البرلمان .

إضافة إلى الأقسام واللجان الجديد حدث تطور ثان في الثمانينيات طال طريقة إدارة التنظيم نفسه , يعتمد على اللامركزية وطرحت فكرة اللامركزية في الإدارة في الثمانينيات كوسيلة لتطوير فاعلية الحركة , وأنها بدت صبغة عملية مناسبة , بالنظر إلى الظروف السلطوية السائدة , وإلى رفض الدولة الاعتراف بالحركة , وفي الإدارة اللامركزية , تتخذ القيادة المركزية من العاصمة ( القاهرة ) قاعدة لها.

وتكون هي المسئولة (من خلال مكتب الإرشاد) عن رسم السياسات الجوهرية التي تتبناها الحركة وبخاصة تلك المعنية بالدولة مباشرة ويجري الإعلان عن هذه السياسات في البيانات الرسمية التي تصدر عن المرشد أو الجماعة وعن طريق الخطابات في الاحتفالات والأقاليم القرار في السياسات المتبعة في مناطقهم والجدير بالذكر أن الأقسام الداخلية الحد عشر المذكورة آنفا توجد بالتالي على مستويين :

على المستوي المركزي الذي يخضع لإشراف القيادة في القاهرة وعلى مستوي المحافظات ’ أى أنه توجد هذه الأقسام بصورة مصغرة في المحافظات الثماني والعشرين في مصر , وبالطبع يجري عقد اجتماعات وإجراء اتصالات منتظمة بين أعضاء الأقسام المركزية والأقسام في المحافظات من أجل تبادل الخبرات وتوحيد وجهات النصر.

والتطور المهم الثالث هو أن تشكيل القيادة داخل الحركة وداخل أقسامها صار يتم عن طريق إجراء انتخابات داخلية بدلا من تعيين الكبار من أعضاء الحركة على نحو تقليدي على غرار ما كان سائدا في الماضي وقد شكل هذا التطور وإن لم يكن مثاليا من حيث الممارسة خطورة بارزة كونه يتناقض مع الثقافة السياسية السائدة التي تمارسها أغلب النظم العربية.

ويجري انتخاب أعضاء كل قسم داخل التنظيم من قبل قواعدهم الناخبة في العاصمة أو في المحافظات وربما ينتقل الأعضاء المنتمون إلى أحد الأقسام وبخاصة الأعضاء الأكبر سنا أو الأوسع خبرة من قسم إلى آخر أو يكونون ببساطة أعضاء في أكثر من قسم وهذا يضمن عدم ضياع الخبرات غالبا بل يضمن تقاسمها وزيادتها وسيكون حديثي عن التنظيم وماهيته مهما في الفصل الرابع حيث أناقش دور التنظيم وصلته في تأثير الإخوان ونفوذهم في المجتمع وفي السياسة .

واستفاد الإخوان من إمكانات التنظيم موارده ورفع كفاءة خدماتهم وفي إجراء اتصالات بين الساحات التي يشغلونها كوسيلة لزيادة تأثيرهم في المجتمع وفي السياسة فالارتباطات التنظيمية مكنت الإخوان في فضاءات معينة من تعبئة جماهيرهم الناخبة لدعم أهداف الحركة في الفضاءات الأخرى وبناء على ذلك أستخدم الإخوان في حرم الجامعات شعبيتهم ( أو شرعيتهم الخدمية ) لحشد الطلبة للمشاركة في الانتخابات البرلمانية في العام 1987 مثلا والتصويت لصالح مرشحي الجماعة ,.

وأكد عمرو أبو خليل وهو عضو في الإخوان الرئيس السابق لاتحاد الطلاب في جامعة الإسكندرية أن الطلاب كانوا متعاطفين أساسا مع الإسلاميين بحكم الاستفادة من خدماتهم في الجامعات ولذلك كانوا يصوتون لمشرحي الحركة لعضوية البرلمان أنفسهم .

وتجلت العلاقات التنظيمية أيضا في التنسيق مثلا بين الجامعات والنقابات فجري توعية الطلاب في الجامعات لبناء علاقات مع النقابات الخاصة بهم التي سيعلمون فيها بعد التخرج واستخدام الإخوان أيضا الفضاءات التي سيطروا عليها (النقابات تحديدا) للتعبير عن الآراء السياسية للتنظيم والتي لم يكن يسمح للجماعة بالتعبير عنها في أوضاع طبيعية نظرا إلى غياب مشروعيتهم القانونية وكانت نوادي أعضاء هيئة التدريس في جامعتي القاهرة والإسكندرية تعقد مؤتمرات مشتركة مع الاتحادات الطلابية في هاتين الجامعتين لدعم الانتفاضة الفلسطينية والمجاهدين في أفغانستان وقد استمر هذا التعاون بين الاتحادات ونوادي هيئات التدريس تعكس آراء الجماعة خارج سور الجامعة حيال الشؤون السياسية في فترة التسعينيات بما في ذلك حرب الخليج في العام 1991 .

كما نسّقت نوادي هيئات التدريس في الجامعات نشاطاتها مع النقابات لرفع مستوي أداء الطرفين وتبادل الأفكار والخبرات المتعلقة ببرامج الرعاية الصحية ومعارض مبيعات التجهيزات المنزلية والسلع المعمرة كما كان واضحا التعاون المنظم بين النقابات وبتنسيق من الأقسام المعينة داخل التنظيم ودفعت حرب الخليج في العام 1991 الإخوان من خلال ( لجنة تنسيق العمل النقابي ) إلى تحويل النقابات إلى جبهة سياسيا موحدة ضد الموقف الرسمي المصري من الحرب وكان النظام ينظر إلى هذا النوع من التنسيق والاتصال التنظيمي على أنه منافس لسيطرته العامة على حدود هذه الفضاءات وهو ما قاد في النهاية إلى الدخول في مرحلة التسعينيات , وهي مرحلة الصدام .

رابعا : مرحلة الصدام في التسعينيات

اتسم عقد التسعينيات ( مقارنة بالثمانينيات ) بأنه عقد التحديات والتحول إلى فترة مضطربة جدا للرئيس حسني مبارك , فقد تزامنت الظروف الاقتصادية الصعبة مع تفاقم خطر الجماعات الإسلامية التي أضّرت أعمال العنف التي كانت موجهة ضد الأجانب العائدات المتأتية من السياحة والأشد خطورة أنها استهدفت أيضا مؤولين رفيعي المستوي وعلى رأسهم مبارك نفسه , وشهد العام 1990 وحده 51 حالة تصادم بين الإسلاميين والأمن .

راح ضحيتها أكثر من 115 قتيلا من الطرفين , وتزامنت حادثة اغتيال الإسلاميين للكاتب فرج فودة في العام 1992 , وكان ناقدا عنيفا لهم مع تزايد بوضيافو وعزا البعض تزايد أعمال العنف إلى عدة عوامل على رأسها حسب الدراسة انحسار شرعية النظام في المجتمع لمصري وكان تنامي أعمال العنف الاجتماعي والديني أحد مؤشرات الإحباط العام من أداء النظام الي فشل في تلبية حاجات الناس .

إلا أن أهم تحد واجه النظام في مستهل التسعينيات وحول العلاقة من مهادنة إلى تصادم مع الإخوان كان ما يحققه الإخوان من شرعية اجتماعية اتخذت صبغة سياسية حادة أزعجت الرئيس مبارك على مستوي شخصي فقد استطاع الإخوان بفضل كفاءة هيكلهم التنظيمي وسيطرتهم على فضاءات الطبقة الوسطي من طلبة ( اتحادات الطلبة ) ومهنيين (النقابات) مع بناء عقد اجتماعي بديل من العقد الاجتماعي التاريخي بين الدولة والمجتمع والذي كان يتعرض للتآكل بسبب إصلاحات النظام الاقتصادية وتجلي ما أسميته بـ " تسييس الشرعية المجتمعية " في أحداث حرب الخليج في العام 1991 والزلزال في العام 1992 سعيا إلى ممارسة ضغط على النظام إزاء سياسته لرفض منح شرعية قانونية للجماعة.

حرب لخليج

سارع الإخوان إلى إدانة الغزو العراقي للكويت في 2 آب أغسطس 1990 وجاءت مطالبتهم للرئيس العراقي السابق صدام حسين بسحب قواته من الكويت منسجمة مع الموقف الذي اتخذه النظام المصري ولكن سرعان ما أوجد التدخل واحتجوا على قصف العراق وعلى رغم غيابهم عن مجلس الشعب (فقد قاطعوا انتخابات العام 1990)

إلا أن الإخوان وظفوا سيطرتهم على النقابات للتعبير عن آرائهم السياسية المعارضة لموقف النظام المؤيد للحرب وقد اعتبر النظام أن الإخوان يستغلون استغلالا سيئا الفضاءات التي سمحت الدولة بوجودها (أى النقابات) لتحريك وتعبئة الطبقة الوسطي من المهنيين ضد الشرعية الشعبية للرئيس الذي أمر الجيش المصري بالمشاركة في التحالف الغربي ضد بلد عربي مجاور كما أن النظام اعتبر أن حركة الإخوان بدأت تنسق بيم موارد هيكلها التنظيمي كحركة وموارد النقابات (كأعضاء في مجلس الإدارة) لشن حملة أكثر قوة وفاعلية ضد النظام .

وبالفعل فقد بدأت النقابات التي يسيطر عليها الإخوان بتشكيل تحالفات تنسيقية بين أنشطتها في ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ النقابات منذ لعام 1952, إذ تشكلت " لجنة تنسيق العمل النقابي " التي أدانت في بيان شديد اللهجة , واعتبر مستفزا للنظام الجود الغربي في الخليج ما اعتبره النظام تجاوزا للخطوط الحمراء.

سرعان ما أصبح الموقعون على البيان ضحايا حملة منظمة لتشويه سمعتهم صاغتها وسائل الإعلام والمسئولون النافذون اتهموا فيها الإخوان بـ " عدم الإخلاص " وبـ الخيانة" وبتلقي أموال من صدام وأصبحت النقابات هي المحور الجديد لانتباه الأجهزة الأمنية وتدخلها وتعرض العشرات من الأعضاء الذين كان أغلبهم أعضاء في الحركة أيضا للمضايقة والاعتقال وأجبر النظام الذي استفزته كما قلت نبرة البيان رؤساء النقابات التي كانت خارج نطاق سيطرة الإخوان على الانسحاب من عضوية اللجنة وعلى الامتثال للسياسة الرسمية التي أعلن عنها النظام .

حادثة الزلزال

شكلت حادثة الزلزال في العام 1992 حدثا آخر لم يكشف للدولة عن مدي قوة الهيكل التنظيمي للإخوان حسب بل أظهر كيف يمكن أن توظف تلك القوة سياسيا أيضا فمرة أخري وظف الإخوان مواردهم في النقابات فضلا عن مواردهم من التنظيم خارج سور النقابات.

في إنقاذ ضحايا الزلزال لقد استفاد الإخوان من وجودهم داخل نسيج المجتمع وفي المناطق الحضرية والريفية مع وجودهم في النقابات للتنسيق بين هذه المساحات والفضاءات لضمان نقل سريع وفاعل لمواد الإغاثة وتسخيرها في إنقاذ الضحايا وجري القيام بذلك بطريقة منسقة ومنظمة فاقت أداء الدولة نفسه.

واستحوذ أداء الإخوان في أثناء الهزة الأرضية على الانتباه داخل مصر ولكن ما أزعج النظام أنه استحوذ على الانتباه في الخارج أيضا فقد أشارت وسائل الإعلام الغربية إلى التباين بين نجاح الإسلاميين وفشل النظام في إنقاذ الضحايا واستخدمت ذلك في التلميح إلي إمكانية وصول الإسلاميين إلى السلطة في مصر وهذا النجاح بالإضافة إلى الأخبار التي تحدثت عن اتصالات وحوار بين مسئولين أمريكيين وقيادة الإخوان المسلمين عمق لا شك من مخاوف النظام.

وقد كان مبارك في زيارة إلى الصين لما وقع الزلزال فعاد إلي مصر على الفور ليس بالضرورة من أجل الإشراف أو تنسيق الجهود التي تبذلها الدولة وإنما لأنه بدا قلقا من اهتزاز وتشوه صورته في الخارج .

ولم تتفاقم مخاوف مبارك من التقارير الإخبارية التي كانت تذيعها محطة سي , إن , إن ومحطة بي بي سي وحسب اللتين سلطتا الضوء على انجازات الإسلاميين من جانب الإخوان للزلزال ففي غمرة جهود عملهم الإغاثي رفع الإخوان على الخيام التي كانوا ينصبونها للمتضررين وعلى واجهات مقرات ومراكز الإغاثة شعار " الإسلام هو الحل " وهو الشعار الذي استخدمته الحركة خلال حملتها السياسية في انتخابات العام 1978 .

توظيف الفضاءات المجتمعية سياسيا

عمل الإخوان على تفعيل الدور السياسي للنقابات للتعويض عن غيابهم عن مجلس الشعب وربما عدم فاعلية مجلس الشعب كمؤسسة سياسية واستخدموا جميع الوسائل والموارد المتوفرة في النقابات لخلق حالة من الوعي السياسي بدلا من اللامبالاة السياسية التي كانت مستشرية بين أوساط طبقات المهنيين في بداية الثمانينيات واستخدم الإخوان النقابات في عقد لقاءات ومؤتمرات جماهيرية لمناقشة الإصلاح السياسي

خاصة بعد قرارهم بمقاطعة انتخابات مجلس الشعب وكان يدعي إلى هذه الملتقيات ممثلون عن الأحزاب السياسية وعن قيادة تنظيم الجماعة واستخدم الإخوان أيضا الفضاء الجامعي كما فعلوا في النقابات كمنابر سياسية لانتقاد مواقف النظام ففي أثناء حرب الخليج مثلا انضمت الجامعات إلى النقابات وإلى هيئات التدريس في الجامعات وبتنسيق كلي من تنظيم الجماعة في تنظيم تظاهرات للاحتجاج على الحرب التي شنت على العراق.

وعلى مشاركة القوات المصرية في التحالف جري توزيع استبيانات على الطلبة في جامعة الإسكندرية مثلا وطلب منهم فيها الإدلاء بتعليقاتهم حول القرار الذي اتخذته الحكومة المصرية بإرسال قواتها إلى الخليج وحول الأسباب التي تقف خلف وجود الولايات المتحدة في الخليج وكيفية تصورهم للوجود الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة .

واستخدم التنظيم الفضاء الجامعي في تعبئة الطلاب الذين يحق لهم التصويت من أجل دعم مرشحي الإخوان في الانتخابات البرلمانية وجذبت مثل هذه الأنشطة الطلابية انتباه الأجهزة الأمنية على نحو متزايد وزادت من تدخلها في الشؤون الخاصة بالجامعة وأصبح استخدام الغاز المسيل للدموع الأسلوب المتبع دائما لصد التظاهرات الطلابية في التسعينيات.

وبات الطلاب الناشطون يخضعون لرقابة مشددة وشاركت إدارة الجامعة أيضا في الحملة التي شنها الأمن للتضييق على أنشطة الإخوان الطلابية فبدأت بتطبيق سياسة جديدة قصد منها إضعاف استقلالية الاتحادات وتقييد حريتها في تنظيم الأنشطة وبدأ الجهاز الأمني كذلك بزيادة وتيرة تدخلاته في الحملات الانتخابية وفي نتائج انتخابات الاتحاد في محاولة لمنع الإخوان من تحقيق مزيد من المكاسب الانتخابية في الجامعة .

وكان يجري اعتقال المرشحين الذين لم تردعهم التهديدات الأمنية ولم يطلق سراحهم سوي قبل أيام قلائل من امتحانات نصف السنة وإذا رسبوا في الامتحانات بعد ذلك كان يتوقع منهم إعادة دراسة مقررات السنة بأكملها والأسلوب القمعي الآخر كان إعلان الجامعة عن اليوم الذي يصادف أنه يوم منازلهم ولا يشاركون في الانتخابات وفي الحالات التي يكون إقبال الطلاب فيها أدني من النصاب القانوني الذي تحده اللائحة الطلابية

فغنه يحق لرئيس الجامعة الأمنية من الإخوان في هيئات التدريس بالجامعات مختلفا كثيرا عن تعاطيهم مع الاتحادات الطلابية ولولا النقابات واتحادات الطلبة ونوادي أعضاء هيئة التدريس وهي فضاءات تعترف بها الدولة لما سمح للإخوان الذين يمثلون تنظيما محظورا , من القيام بهذه الأنشطة السياسية من عقد المؤتمرات وتوزيع لاستبيانات وهو تناقض أوجده النظام , فاستفزه في النهاية وقادة إلى سياسة تصفية النفوذ الإخواني .

خامسا : أبعاد الصراع بين النظام والإخوان

وتتناول الدراسة بعد مناقشة مظاهر المرحلتين الثمانينيات والتسعينيات أبعاد التطورات الجديدة في علاقة الصراع بين النظام والإخوان في القرن الواحد والعشرين من خلال تناول التغيرات في الأجواء العامة في مصر والعالم والتغيرات داخل لنظام وداخل الإخوان وأثر كل ذلك في مستقبل علاقة الدولة والمجتمع في مصر .

أجواء الانفتاح العام

شهدت السنوات الأخيرة تطورا هائلا في تكنولوجيا المعلومات أضعف من قبضة الأنظمة السلطوية في التحكم بما تراه وتسمعه شعوبها ولم تعد تكنولوجيا المعلومات منحصرة في القنوات الفضائية (قناة الجزيرة كحالة) وإنما في الفضاءات الجديدة التي وفرتها شبكة الإنترنت مثل المدونات التي أتاحت للمواطنين.

ولأول مرة أن يساهموا في إرسال المعلومة والتعبير عنها وليس فقط أن يكونوا مستقبلين لها هذه الطفرة والوفرة في المعلومات أسفرت ضمن عوامل أخري عن حيوية وحراك سياسي واجتماعي في مصر , والعديد من الدول العربية لم يشهد من قبل ولم تكن الأحزاب السياسية التقليدية هي التي تقود هذا الحراك وإنما جبهات أوسع من المعارضين والحقوقيين والصحافيين وشرائح من الطبقات المتوسطة ومراكز حقوق الإنسان الوطنية , التي تطالب بإصلاحيات جذرية.

تطاول النظام والأحزاب السياسية المعارضة معا وفي حالة مصر فإن حركة " كفاية" تعتبر نموذجا عاكسا للحراك الشعبي المعبر عن الأجواء الجديدة ولا شك في أن الحراك السياسي لم تحفزه ظروف مصر المحلية ورغبة النظام في تجديد ولاية رئيس الجمهورية ولاية رابعة فحسب وإنما الظروف الإقليمية والدولية بعد أحداث أيلول سبتمبر 2001 التي أسفرت عن همينة الولايات المتحدة على الوطن العربي باحتلال العراق كنموذج مستفز ولم يقتصر الحراك على مؤتمرات وبيانات تنديد وإنما في غير سابقة حديثة إذ نزلا الآلاف إلى الشارع على شكل تظاهرات ومسيرات شعبية استفادت من أجواء الانفتاح العام رغم مضايقة الأمن .

تحولات داخل النظام

لم يعد خافيا أن النظام المصري الذي يتمثل في شخص الرئيس يمر بمرحلة شيخوخة تنذر بنهاية وشيكة وقد ساهم شعور الناس بالقلق من مستقبل النظام في تحفيزهم للنزول إلى الشارع في مطالبة بالإصلاح بقيادة " كفاية " والإخوان" الذين كانوا ينأون عن استخدام الشارع فضاء للتعبير عن آرائهم قبل سنوات وعلى الرغم من الحديث الشائع عن إمكانية توريث الحكم لجمال و نجل الرئيس مبارك إلا أنه بات واضحا أن هناك مراكز قوي آخري تتصارع على وراثة السلطة تشمل القوات المسلحة , وبسبب هيمنة شخص الرئيس على السلطة في مصر وضعف ثقافة المؤسسات وتداخل السلطات وغياب شعبية الحزب الوطني (الحاكم) وهذا يعني أن النظام الجديد سيواجه تحدي تأسيس شرعية جديدة لنفسه مستقلة عن النظام الذي سبقه .

وتمر دورة حياة النظام السياسي المصري في عملية تعزيز شرعيته بمحطات تبدأ وتنتهي بمحطة أسميتها " أزمة الشرعية" حيث يواجه النظام في مستهل مجيئه تحدي بناء شرعية مقبولة لدي الشعب , ويبدأ بإجراءات تهدف إلى رفع رصيده الشعبي وتحقيق مصالحه مع المجتمع فيطلق عفوا عن السياسيين الذين اعتقلهم النظام السابق في أواخر دورته ويفسح عن فضاءات تسمح بحراك مجتمعي محدود لكن ملحوظ وقد رأينا هذا الإجراء واضح في بداية عهد الرئيس مبارك عندما أطلق سراح الذين اعتقلهم السادات في أيلول سبتمبر 1981 وأفسح مجالا للمعارضة السياسية في المشاركة في انتخابات العامين 1984, 1987 .

وتقتنص قوي المعارضة ولا سيما القوي المحجوبة عن الشرعية الإخوان تحديدا وجود هذه الفضاءات لتأسيس شرعيتها الذاتية التي تتناسب تناسبا عكسيا مع شرعية لنظام , وبمرور الوقت يجد النظام نفسه يدخل محطة جديدة أسميتها " مأزق الشرعية " ففي الوقت الذي أفسح النظام عن هذه الفضاءات كإجراء لتعزيز شرعيته فإن الفضاءات نفسها توظف لتعزيز شرعية خصومه وتضعف على المدى البعيد شرعية النظام وبدلا من أن يسفر هذا هن " تنافس شريف " بين النظام ومنافسيه لتحقيق النظام الأحسن للشعب كما يحصل في الأنظمة الديمقراطية فإن النظام السلطوي يختار الحسم الأمني للخروج من مأزقه ,

ويقوض الفضاءات التي أفسح لها في مستهل مجيئه وقد رأينا هذا الإجراء واضحا في منتصف عهد الرئيس مبارك عندما همش الفضاءات النقابية والطلابية والسياسية واستهدف الإخوان باعتقالهم وتحويلهم على محاكمات عسكرية في التسعينيات.

وفيما تحجم الإجراءات الأمنية من نفوذ الإخوان إلى حين فإنها تعصف بالفضاءات المجتمعية وتحرم الشعب من خدمات أهلية لن تستطيع الدولة أن تعوضها عنه أو تقدمها بالجودة والتكلفة نفسهما ما يفضي في النهاية إلى تفاقم التوتر بين الدولة والمجتمع تتجاوز دائر الصراع بين النظام الإخوان وتتزامن علاقة التوتر مع ترهل أجهزة الدولة وشيخوخة شخص الرئيس التي بدا منها وانتهي إلى دورة الفناء حسب " التعبير الخلدوني , أو إلى محطته الثالثة التي بدأ منها وانتهي إليها , وهي " أزمة شرعية " وهي المرحلة التي يمر بها نظام مبارك حاليا .

وستمثل " أزمة شرعية " التي انتهي إليها نظام مبارك المحطة الأولي في دورة حياة النظام لوريث أيا كان إلا أن محطة " مأزق الشرعية " بالنسبة إلى النظام الجدد ستكون أعمق لأن الإخوان في عمليتهم الموازية لتعزيز شرعيتهم لن يبدؤوا من مربع الصفر نفسه الذي سيبدأ منه النظام وإنما من حيث سيستكملون من مرحلة متقدمة بدءوها منذ الثمانينيات فعلي عكس دورة حياة النظام السياسي التي تبدأ مع مجئ شخص جديد على رأس السلطة.

فإن شرعية الإخوان لا تنطلق من شخص المرشد وإنما من قوة التنظيم نفسه وقدرته على التوغل في نسيج المجتمع بخدماته وبسبب هذه المرحلة المتقدمة التي حققها الإخوان طوال العشرين سنة الماضية من عمر نظام مبارك وبسبب الحراك السياسي الشعبي الذي أصبح الإخوان طرفا فيه فإنه سيكون صعبا جدا على أى نظام جديد أن يبدأ دورته الحياتية بتحقيق مصالحه مع المجتمع من دون أن يمر ذلك بمصالحه مع الإخوان أولا .

إن حركة الإخوان اليوم ليست كالحركة في الثمانينيات وليست هي مجرد جماعة دينية تطالب بأن يكون " الإسلام هو الحل " وحسب وإنما استطاعت في السنوات الأخيرة أن تتفتح على المجتمع بكافة شرائحه أن تصبح رقما فاعلا مندمجا في معادلة الجبهة الوطنية المعارضة للنظام وبالتالي فإن أية محاولة مستقبلة في النظام لإقصائها ستكون أشبه بعملية جراحية احتمالات النجاح فيها ضئيلة جدا فما يراد استئصاله هو في الحقيقة صار متوغلا في نسيج وشرايين جسد المجتمع المصري ذاته وأى نظام جديد يسعي إلى أن ينتقل من محطة " أزمة الشرعية " فإنه لن يخاطر منذ البداية بإجراء هذه العملية الجراحية الحرجة لأنها لم تعد تتعلق باستئصال الإخوان وحدهم وإنما باستئصال أنسجة حية من المجتمع نفسه .

تحولات داخل الإخوان

وكما أن النظام المصري مر بتحويلات فإن الإخوان المسلمين أيضا مروا بتحويلات في السنوات الماضية فلم تعد الحركة جماعة منعزلة على هامش الطيف السياسي والاجتماعي بحيث يستطيع النظام أن يقصيها بسهولة وهدوء فالحركة منذ قيادة عمر التلمساني أعادت بناء تنظيمها بناء محكما ليس فقط على مستوي استقطاب الأعضاء وزيادة أعدادهم وإنما نوعيا من خلال استحداث مكاتب وتخصصات جديدة داخل الجماعة تخدم على شرائح المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية الذي انخرط بسهولة في العمل الاجتماعي الخدمي سواء على مستوي النقابات أو نوادي أعضاء هيئات لتدريس واتحاد الطلبة في الجامعة , أو الجمعيات الأهلية في الأحياء والمدن .

وظلت عقلية ضرورة والاندماج مع المجتمع راسخة, إلى درجة أن تعبير سياسة النظام تجاه الحركة وتحويل قياداتها الوسيطة على محاكمات عسكرية في التسعينيات لم يهز قناعة أعضائها في منهجية الجماعة السلمية , أو يدفعهم باتجاه التشدد والعزلة (كما حصل مع سيد قطب وجماعته في الستينيات) وإنما دفعهم إلى توسيع شبكة الاندماج كإستراتيجية لمقاومة تعسف النظام وكانت ضربات التسعينيات نقطة الاندماج كإستراتيجية لمقاومة تعسف النظام وكانت ضربات التسعينيات نقطة تحول في سلوك الجماعة باتجاه مزيد من التفاعل مع بقية مؤسسات الدولة والمجتمع إلى حد يعوض الجماعة عن فقدان مشروعيتها القانونية ويحولها واقعيا إلى رقم مهم في معادلة أية جبهة وطنية معارضة .

وفيما كانت الجماعة تتبع سياسة الحذر والحيطة تحت قيادة المرشد السابق مأمون الهضيبي و فإن وجود المرشد الحالي مهدي عاكف , ودائرة جيل السبعينيات حوله وتزامنا مع أجواء الانفتاح التي أرشنا إليها والحراك السياسي في الشراع المصري جميعها عوامل عززت من استراتيجية الجماعية لتحقيق مزيد من التمدد التي بالضرورة على مستوي زيادة عدد أعضائها وإنما على مستوي توسيع شبكة علاقاتها بأطياف المجتمع الفاعلة واتضحت معالم إستراتجية الإخوان في مبادرة الإصلاح العام 2004 ونزول الإخوان إلى الشارع , بالتعاون مع حركة " كفاية " وطرح برنامج الحزب السياسي ليس على لجن الأحزاب وإنما على نخبة المجتمع لنقاش والمراجعة .

وفيما تعتمد دورة حياة النظام السياسي في معادلة بناء وتعزيز شرعيته على شخص الرئيس فإن دورة حياة جماعة الإخوان تعتمد على قدرة التنظيم في البناء على إنجازاته السابقة التي لا تتوقف على شخص المرشد أو على أفراد بعينهم وفيما يبدأ شخص الرئيس الجديد من مربع الصفر ومن محطة " أزمة الشرعية " في رحلته لتحقيق المقبولية فإن الجماعة لا تبدأ من المربع نفسه , برحيل مرشد ومجئ آخر وإنما تستكمل مسيرتها من مربعات متقدمة والمربع الحال للجماعة أصبح بفعل استراتيجية الإخوان.

متداخلا مع نسيج المجتمع بصورة سيصعب على النظام استهداف الحركة من دون أن يؤدي ذلك إلى إحداث نوع من الالتهاب في جسد المجتمع المصري وتوتر في علاقة النظام الجديد بالشعب وبالتالي سيكون من المستحيل أن تتم أية مصالحة بين الدولة والمجتمع من دون أن تشمل الإخوان ومن الصعب أن يتم تهميش الإخوان من دون أن يؤثر ذلك في المجتمع المصري ككل .

النظام والإخوان وأمريكا

سببت أحداث 11 أيلول سبتمبر هزة عنيفة أربكت الولايات المتحدة في سياستها تجاه منطقة الوطن العربي ومصر تحديدا فمن جانب شنت أمريكا حربا على العراق في العام 2003 , وبررت ذلك على أنه تأسيس لنموذج بلد عربي ديمقراطي سيحتذي به في بقية دول المنطقة وعولت أمريكا على مصر في قيادة موجة التغيير الديمقراطي في المنطقة.

لكنها من جانب مناقض تحالفت مع الأنظمة السلطوية لما اتضح بان نتيجة إجراء انتخابات نزيهة سيفضي إلى فوز الإسلاميين في فلسطين , والأردن والمغرب والبحرين ومصر , ويبدو أن نجاح " حماس" في الانتخابات التشريعية في العام 2006 مثل نقطة تحول بالنسبة إلى الولايات المتحدة ونقله من أجندة الضغط للإصلاح السياسي إلى أجندة تكريس الأمن لمقاومة الإرهاب .

وانعكست النقلة الأمريكية بين الأجندتين المتناقضتين على أجواء الانتخابات المصرية لعام 2005 , إذ اتسمت المرحلتان الأولي والثانية بالشفوية النسبية وقد أسفرتا عن فوز الإخوان بـ 34 مقعدا , و42 مقعدا على الترتيب فيما اتسمت المرحلة الثالثة بالتدخل الأمني والتزوير ما قلص فوز الإخوان إلى 12 مقعدا وساد تحليل أن النقلة لأمريكية انعكست كذلك على الانتخابات الأردنية في لعام 2007 التي شهدت إقصاء الجبهة العمل الإسلامي الواجهة السياسية للإخوان المسلمين في الأردن .

إلا أن الدراسة تجادل بأن الأجندتين الإصلاح السياسي وضمان أمن مصالح الولايات المتحدة في المنقطة ليستا متناقضتين تماما كما قد يتهيأ للإدارة الأمريكية وأنه بإمكانها الجمع بينهما فالضغط على النظام المصري للمبادرة بإصلاحات سياسية لا يفضي إلى أن ترفض الحكومة المصرية بالتعاون مع أمريكا لتحقيق مصالحها في المنطقة.

كما دلت على ذلك مؤشرات سابقة وأن أمام الولايات المتحدة فرصة فريدة يجب أن تقتنصها مع لنظام المصري الجديد وهي حثه على الإصلاح السياسي كمرحلة ضرورية لتحقيق استقراره وإن أية إصلاحات سياسية يجب أن تستوعب قوي المعارضة وعلى رأسها الإخوان المسلمين باعتبار نفوذها في الشارع المصري والتزامها بآلات العمل السلمي ومن المفارقة أن تدرك الولايات المتحدة أن الاستمرار في إقصاء الإخوان عن العمل السياسي لن يكون سوي مسئول عن تنامي نفوذ الجماعة في الشارع لأنها عندئذ ستركز على أنشطتها الاجتماعية التي ستكسب لها مزيدا من الأنصار والمؤيدين .

مقدمة

صدف أنني كنت في مكتب الإخوان المسلمين في لندن يوم 11 أيلول سبتمبر 2001 لإجراء مقابلات خاصة بهذه الدراسة وقد عكست وجوه كل من كان في المكتب المشهد المفزع للطائرات وهي تصطدم ببرجي مركز التجارة الدولي في نيويورك وعلى رغم أن هوية منفذي تلك الهجمات لم تكن معروفة في تلك المرحلة المبكرة فقد سرت مخاوف من أن متطرفين من تنظيم القاعدة ربما كانا على علاقة بالحادث

وبدا واضحا أن الإخوان في المكتب ماتوا قلقين من النتائج المحتملة من تلك الهجمات إذ ثبت تورط الإسلاميين والتي ستعزز حينئذ مخاوف الأمريكيين ,والعالم الغربي ككل , من الإسلام والمسلمين وستوفر مزيدا من المصداقية لفكرة هانتنغتون التي تتحدث عن " صراع الحضارات" وفي غمرة المخاوف الغربية سيطمس الخط الفاصل حتما بين الإسلاميين المعتدلين والإسلاميين المتطرفين أو يصبح غير ذى أهمية وإذا حصل فلن يكون هذا خاطئا وخطيرا فحسب وإنما ستشجع بعض الأنظمة العربة على قمع كافة الإسلاميين دون تمييز بين معتدل ومتطرف .

وقد كان الرئيس المصري محمد حسني مبارك أحد قادة العرب الذين سبق أن شنوا حملات قمعية ضد الإسلاميين معتدلين ومتطرفين منذ منتصف التسعينيات من القرن الماضي وقد وصلت حملته إلى ذروتها العام 1995 عندما أحال 95 مدنيا من الإخوان المسلمين على محاكمات عسكرية بتهمة الانتماء إلى تنظيم محظور والتآمر على قلب نظام الحكم , ولكن أحداث 11أيلول سبتمبر 2001 والمناخ الدولي المتوتر شجع النظام المصري ( وأنظمة عربي أخري ) على اعتقال شخصيات إسلامية مدنية وسجنها بوتيرة أعلي بكثير من ذي قبل.

حتى إن عاطف عبيد و رئيس الوزراء المصري السابق دعا مفتخرا الدول العربية إلى العلم من تجربة مصر في التعامل مع الإسلاميين بدلا من انتقاد سجلّها في مجال حقوق الإنسان طوال العشرين سنة الماضية ( الثمانينيات والتسعينيات ) وتوازت لهجة عبيد بالتأكيد مع التحول الذي طرأ للمزاج الأمريكي والدولي الغاضب بعد أحداث أيلول سبتمبر ففي حين أن السفارة الأمريكية كانت ترسل موظفين لمراقبة سبتمبر لم تعد عمليات اعتقال شخصيات المعارضة بعد هذا التاريخ تثير تعليقات من السفارة الأمريكية في القاهرة كما أن اتخاذ تدابير مشابهة بهدف محاربة الإرهاب في بريطانيا وأمريكا جعلت النظام المصري يتباهي بأن محاكماته العسكرية وإجراءات الطوارئ ضد الإسلاميين كانت في محلها .

ومع ذلك أقول إنه ليس من العدل الافتراض أن علاقة الرئيس مبارك بالإسلاميين قامت على القمع والاضطهاد فقط فلربما كانت سياسة الدولة قائمة على قمع الإسلاميين المتطرفين من المنتمين إلى الجهاد والجماعة الإسلامية وليس الإخوان المسلمون الذين ظل أقطاب مهمون منهم داخل النظام (وما زالوا) الذين ينظر إليهم على أنهم يشكلون تيار الاعتدال الإسلامي في مصر

فقد كان يغض الطرف في أغلب فترات الثمانينيات عن الحركة وسمح لقيادتها بممارسة نشاطها من مكتب الجماعة في شارع رمسيس وسط القاهرة كما سمح لأعضائها بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية في العامين 1984 , 1987 ولم يتم اتخاذ إجراءات قمعية فعلية ضد الحركة سوي بحلول التسعينيات ذلك لما أصبح تأثير الحركة في سياسات مصر وفي مجتمعها واقعا لم يستطع النظام تحمله ويهدف هذا الكتاب إلى دراسة الأسباب وراء التغير في علاقة مبارك مع الإخوان المسلمين وما إذا كان هذا الأمر مرتبطا بالفعل بعلاقة الإخوان بالإرهاب وبالمؤامرات التي تخطط لقلب نظام الحكم ؟

وسأركز في تفسير العلاقة بين مبارك والإخوان المسلمين والتحولات التي طرأت عليها من خلال لتركيز على إصرار الدولة على حجب الشرعية القانونية عن الإخوان المسلمين وأثر هذا الحجب في تفسير سلوك وتطور الجماعة الاجتماعي والسياسي فمعظم الدراسات التي تناولت العلاقة بين الطرفين ركزت غالبا على الطبيعة السلطوية للنظام المصري وربما على الأداء الاجتماعي للإخوان في النقابات لتفسير التغير في موقف مبارك.

ولكن معظم الدراسات قلما تركز على موضوع الشرعية في تفسير الصراع بين الحركة والنظام فلا يمكن تحليل أداء الإخوان في المجتمع المصري وفهم تسيسس هذا الأداء في ما بعد ( كما سنري مثلا في حادثة الزلزال سنة 1992 ) من دون أن نؤكد أن عملية التسييس تمت في سياق كون الجماعة لا تحظي باعتراف الدولة وتهدف إلى إثبات وجودها ومن هنا لا يصبح لتفاعل الإخوان وحركتهم في المجتمع في يعين النظام أجندة لا يقبلها .

ويفعل النظام ذلك ليس لأنه سلطوي واستبدادي فحسب , وإنما لأنه يتصارع مع الحركة ساعيا إلى إقصائها على مساحات ومقدرات الشرعية نفسها وسيكون من الملاحظ أنه كلما زاد نفوذ الجماعة في المجتمع , وزادت بالتالي " مشروعيته " زاد توتر النظام من نتائج ذلك على وضعيته وبهذا تكون العلاقة بين الطرفين قائمة على تنافسهما على الشرعية وبذلك يتحول موضوع الشرعية وليس طبيعة النظام السلطوية فقط عنصرا رئيسيا في تحليل العلاقة بين الإخوان ومبارك .

في هذه المرحلة المبكرة يمكن أن يقال إن مبارك تسامح مع الإخوان في مستهل الثمانينات في إطار سعه إلى تعزيز شرعيته السياسية باعتباره حاكما وصل لتوه إلى السلطة في العام 1981 وقمعهم في التسعينيات لأن تراكم نفوذ الجماعة بدأ يهدد شرعية النظام وتهديد الإخوان لشرعية النظام لم يكن يستند إلى إنجازاتهم على مستوي النقابات وبقية الأنشطة الأهلية

وإنما أستند إلى " تسييس" هذه الإنجازات وتداعيات ذلك على استقرار النظام فقد شعر مبارك بالتهديد من أنه على الرغم من إنكار الدولة لحركة الإخوان فإن الحركة استطاعت كسر طوق حجبها عن الشرعية القانونية وبحثت لها عن شرعية بديلة مسمدة من المجتمع وليس من الدولة استطاعت بفضل تركيبة تنظيمية محكمة أن توظف هذه الشرعية لتعبئة الشارع والنخبة للضغط على على النظام باتجاه الاعتراف بالحركة وليس المراد من تعبئة الإخوان للشارع هي " قلب نظام الحكم" كما يتهم النظام وإنما إرغام الدولة على الاعتراف بهم وهو ما تراه الدولة محاولة ملتوية للابتزاز وجرها إلى فعل ما تريده تحت ضغط الأمر الواقع "

ما هي الشرعية ؟

قبل أن أجيب عن السؤال لابد أن أؤكد أولا أن هناك جدالا مستمرا حول الشرعية وتعريفها أهميتها وأنواعها وهو ما يجعل تفسير مواقف أنظمة وجماعات أمرا صعبا خاصة عند دراسة الأنظمة الاستبدادية أو تفسير العلاقة بين الدولة والمجتمع في وطننا العربي كما إن تعريف الشرعية يختلف أحيانا حسب التخصص الذي عرفه فمثلا...

يري المتخصص في القانون أن الشرعية هي امتداد لـ " القانونية " والنظام الشرعي إذا هو لنظام الذي يلتزم بأحكام القانون ويري السياسي الشرعية على أنها متصلة بمفاهيم القوة والسلطة وتصبح السلطة شرعية لما يتم قبول استخدام القوة عن طريق المؤسسات التابعة لها ( مثلا الشرطة والأمن ) ولكي يكون استخدامها للقوة مقبولا لابد من أن يكون هناك اعتقاد مشترك من الحاكم والمحكوم بأن صيغة سياسية معينة للحكم هي صيغة مرضية .

ويعتبر ماكس فيبر من المؤثرين في موضوع الشرعية السياسية وأنماطها الثلاثة وهي : الشرعية الكاريزمية , والشرعية التقليدية الشرعية العقلانية أو المستندة إلى المنطق والقانون ويقصد بالشرعية الكاريزمية التي تشع من " صفات غير عادية " في القائد أو الزعيم تبعث على قبول شخصي وفوري له من الجماهير وتشتمل الشرعية التقليدية على حكم القوي والمؤسسات التقليدية كالقبيلة , والتقاليد والأعراف ,والدين .

فيما تشير الشرعية العقلانية إلى نوع من السلطة يعتمد على القبول بقواعد وإجراءات رسمية معينة تعتبر صحيحة من الناحية المنطقية وملزمة ن الناحية القانونية ويرسي النظام السياسي حكمه باستخدام واحد أو أكثر من أنماط الشرعية تلك وبمرور الوقت وبروز التحديات فإن النظام يكيف نفسه ويعيد ترتيب أولويات أنماط شرعيته

فعلي سبيل المثال فإن حاكما ما قد يعتمد على شرعية الكاريزما لما يأتي إلى الحكم ( نموذج الرئيس المصري الراحل عبد الناصر مثلا 9 ولكنه بمرور السنوات سيعزز شرعيته الشخصية بالأعراف والإجراءات المنطقية والقانونية وحسب فيبر فإن هذا الحاكم الكاريزمي سكون قد "أضفي روتينية" على قيادته أى بني أسسا منطقية لزعامته من خلال دستورا أو قوانين تبقي على شرعيته نظامه وهذا التحول النهائي إلى الأعرف المنطقية هو أحد السباب التي جعلت فيبر يعتبر الشرعية القانونية الأكثر رسوخا واستمرارية مقارنة بالشرعية الكاريزمية والتقليدية .

والتعريف الآخر للشرعية هو تعريف ديفيد إيستون الذي اقترح فيه تصنيفا آخر لأنماط الشرعية هي : الشرعية الشخصية والشرعية الإيديولوجية والشرعية البنيوية وهي أناط قريبة من تصنيفات فيبر وتكون الشرعية الشخصية لما يكون لسلوك وشخصيات الذين يتولون حكم السلطة أهمية مهيمنة " إلى درجة يمكن للقائد معه أن " ينتهك الأعراف والإجراءات المنصوص عليها في النظام وربما تبدو الشرعية الشخصية التي يتكلم عليها إيستون قريبة من الشرعية " الكاريزمية" التي تحدث عنها فيبر.

وإن كان البعض يعتقد بأنها تغطي نطاقا أوسع لظواهر قيادة الزعيم وفي ما يتعلق بالشرعية الأيديولوجية فهي التي تشتمل على " المثل" والغايات التي تساعد أفراد النظام على تفسير الماضي وعلى شرح الحاضر وعلى توفير نظرة إلى المستقبل والشرعية البنيوية هي التي تتعلق بتركيبة النظام السياسي وبالمؤسسات التي تجعل النظام قادرا على العمل وبالإضافة إلى أعمال فيبر وإيستون هناك العديد من المحاولات الغربية المتنوعة التي تسعي إلى إيجاد أنماط أخري للشرعية .

قبل أن أناقش مفهوم الشرعية بالنسبة إلى واقع الأنظمة العربية أود أن أتطرق إلى مشكلة عملية وهي كيف يمكن لأحدنا أن " يقيس " درجة شرعية نظام ما ؟ والجواب هو أن بعض الباحثين تحدث عن طريقتين لقياس الشرعية : الأولي تعتمد على تقييم كفاءة النظام أو الحاكم فيما تعتمد لثانية على قياس الرأي العام أو المحكومين فالطريقة الأولي تنظر إلى الشرعية من أعلي أى علي مستوي النظام ومدي قدرة النظام على توفير الفرص للمشاركة الشعبية وهذه الطريقة في القياس لا تركز على ما يعتقده الناس إزاء النظام وإنما على مدي توفر صفات معينة في النظام نفسه مثل الكفاءة والعدالة واستعداده لإجراء انتخابات دورية مع الحفاظ حقوق الأقليات ... الخ .

وتنظر الطريقة الثانية إلي الأسفل وانطلاقا من المستوي الشعبي وتركز على معتقدات الفرد ومشاعره نحو السلطة وقد أصبحت هذه الطريقة ممكنة بفضل تطور منهجية الاستبيانات التي تطورت كأداة بحث بعد الحرب العالمية الثانية وهي تقيس الشرعية بناء على استبيانات تطرح أسئلة على المواطنين تتعلق بمصالحهم ومشاركتهم السياسية وآرائهم نحو النظام السياسي وهي أداة ليس من السهل إتباعها لقياس شرعية كثير من الأنظمة العربية للحرج الأمني الذي يكتنف موضوع توزيع استبيانات الرأي على المواطنين وهذا يقودنا إلى مناقشة موضوع شرعية الأنظمة العربية .

الأنظمة العربية والشرعية

يميل بعض الباحثين في منطقة الشرق الأوسط إلى التقليل من أهمية الشرعية كعنصر في تحليل سياسات العديد من الحكام العرب فعلي سبيل المثال أشار جون واتربري في مناقشته للفساد في المغرب إلى أن استقرار النظام يعتمد على غياب شرعيته وليس على وجودها وعادة ما يصاحب التقليل من أهمية الشرعية التشديد على مفاهيم مثل " القوة البوليسية " , "السلطة الأمنية " و" الإكراه " للأنظمة

ويتم تأكيد نموذج للحكم يعتمد على استخدام القوة المادية في المحافظة على السلطة بدلا من القبول الشعبي ولكن هذه الدراسة تجادل بأن الشرعية بأنماطها المختلفة بما فيها النمط الديني والتقليدي ليست مهمة فحسب وإنما هي متعذرة في تاريخ تشكل الدول في الشرق الأوسط , ومرتبطة ولو شكليا بطريقة تولي الحكام العرب سدة القيادة وبالتالي تصبح الشرعية مهمة بالنسبة إلى دراسة تبحث في موضوع علاقة النظام المصري بالإخوان

وتنظر إلى تلك العلاقة من زاوية سعيهما المشترك إلى اكتساب الشرعية ويعتبر مايكل هادسون أحد المساهمين الرئيسيين في دراسة الشرعية في السياسات العربية وقد رد هادسون على تقليل واتربري من أهمية الشرعية بالنسبة إلى الأنظمة لعربية قائلا :"

وحدهم المراقبون الأكثر استهتارا سيدعون بأن الأنظمة السياسية العربية مجردة بالكامل من صفة الشرعية أو الاهتمام بها وأنها بالتالي تعتمد بشكل كامل على الإكراه المجحف للتوصل إلى الاستقرار الذي ربما تتمتع به فهناك أنظمة تتمتع بقدر أكبر من الشرعية مقارنة بأنظمة أخري وهذه لشرعية التي تمتلكها تلك الأنظمة تتفاوت مع مرور الوقت .

واستخدام هادسون نمطي الشرعية اللذين تحدث عنهما فيبر وايستون في دراسته في شرج كيفية عمل الأنظمة العربية وطبق مثلا تعريف فيبر للقياد الكاريزمية على حكام مثل جمال عبد الناصر والحبيب بورقيبة وناقش مدي صلة تعريف إيستون للشرعية لشخصية بالأنظمة العربية الأخرى وقال إن الشرعية الأيديولوجية التي تحدث عنها إيستون تشكل بدرجات متفاوتة عنصرا مهما بالنسبة إلى أغلب الأنظمة العربية

سواء أكانت أنظمة " محافظة " أو " تقدمية" وقد طبق ما وصفه ديفيد أبتر بـ " الدين السياسي " في تفسير توظيف بعض الأنظمة العربية الثورية في العراق وليبيا وسورية الدين لتعبئة الجماهير فيما عمدت أنظمة أخري في مصر وتونس واليمن إلى رفع شأن لقيم الوطنية العلمانية والحداثة ويمكن القول إن دراسة هادسون للشرعية واستخدامها من الأنظمة العربية مفيدة وإن لم تكن شاملة .


النظام المصري والشرعية

يكتسب موضوع الشرعية بالنسبة إلى النظام السياسي في مصر أهمية خاصة بسبب وجود وعي شعبي بأن كل نظام يحكم مصر بصرف النظر عن طبيعة هذا النظام يجب أن يستند إلى شكل من أشكال الشرعية وهذا الوعي كما يري سعد الدين إبراهيم متجذر في المجتمع المصري وفي نخبته السياسية منذ الحقبة الليبرالية الممتدة بين العشرينيات من القرن الماضي والعام 1952 حسب تعبير سعد الدين إبراهيم :"

كانت وستبقي الشرعية هما أساسيا بالنسبة إلى أى نظام حاكم في مصر إذ يتوجب على أى نظام أن يزعم بأن نظام حكمه يستند إلى شكل من أشكال الشرعية , وساء أكانت شرعية دستورية أم سياسية بصرف النظر عمّا إذا كان الحاكم يؤمن فعلا بصدق دعوي امتلاكه للشرعية فهذه مسألة أخري لكن عندما تستمع إلى خطبهم وتنظر إلى سياساتهم ( الحكام المصريين ) فإنك تجد أنها تشير جميعا إلى مدي حرصهم على امتلاك الشرعية "

ولم يسفر انتهاء الحقبة الليبرالية ومجئ نظام عسكري في العام 1952 عن إضعاف هذا الإرث من الوعي لدي الناس , والنظام ووجوده يعد أحد الأسباب التي تجعل مبارك يبدو مترددا في تسمية نجله جمال ليكون خليفته المحتمل كما تفسر مسألة الشرعية الكثير من التوترات التي شهدها النظام في كل مرة أجري فيها انتخابات رئاسية وباختصار ربما لا يكون الشعب المصري قادرا على إحداث أى تغيير مفاجئ في النظام الحالي وهذا مرتبط بكافة الأسباب عدا حقيقة أنه " ضعيف " أو غير مبال لكن لا ينبغي الاستنتاج من ذلك أن الشرعية السياسية لحاكم غير مهمة بالنسبة إليه .

ومن هن فإن التصنيفات التي اقترحها فيبر مفيدة في شرح كيفية توظيف الحكام المصريين للكاريزما والتقاليد القانون في إضفاء الشرعية على قيادتهم فقيادة جمال عبد الناصر , كما ذكرت , غالبا ما تربط بشرعية الكاريزما الشخصية لديه , علما بأن هذه الشرعية لم تأت من فراغ وإنما آزرتها شرعية ثورة 1952 فيما يشتهر عن محمد أنور السادات بأنه حاكم اعتمد على الأنماط التقليدية لتأسيس شرعية حكمه إلى جانب شكل من أشكال الشرعية القانونية ولكن هل تكفي تصنيفات فيبر أو إيستون التي تطورت في سياق واقع غربي في تفسير سلوكيات لنظام المصري وبقية الأنظمة العربية عموما أم ينبغي التوصل إلى تصنيفات جديدة من البشرية على صلة بالقواعد التي وضعاها ولكن تأخذ في الاعتبار الواقع العربي ؟

هذا موضوع مثير للجدل ودارت حوله نقاشات عديدة وبخاصة في الوطن العربي حيث ترفض بعض النخب العربي التي تكن مشاعر وطنية أو دينية تصنيفات فيبر وايستون التي يعتبرونها غريبة عن التجربة السياسية العربية ولا تنسجم مع كيفية احتفاظ الأنظمة العربية بالسلطة فوحيد عبد المجيد مثلا وهو أحد المحليين في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية في القاهرة يعتقد بأن أنماط الشرعية التي تحدث عنها فيبر لا تنطبق على العديد من الأنظمة العربية:

" المشكلة في المفاهيم الغربية للشرعية هي أنها تعرف الأنماط بطريقة جامدة وغير مرنة وتضع كل شئ لا يمكنها أن تستوعبه لأنه غريب عن واقعها ولا يمكن تصنيفه على أنه شرعية كاريزمية أو قانونية في خانة " القيادة التقليدية " وهذا اختزال مخل بالواقع العربي السياسي المعقد "

ويقترح عبد المجيد أنماطا في وصف شرعية للأنظمة العربية بما في ذلك النظام المصري تعتمد على العنصر الأجنبي الذي يجب أن يدخل في معادلة شرعية الأنظمة العربية فالأنظمة العربية تعتمد في خطابها السياسي على الولايات لمتحدة وعلى إسرائيل في إثارة المشاعر الوطنية لتكسب بالتالي ما يصفه عبد المجيد بـ " الشرعية الشعبية " وتعتمد أيضا بدرجة كبيرة على وعود هذه الأنظمة بتحسين مستوي معيشة السكان والخدمات الاجتماعية في ميادين الصحة والتعليم والتوظيف وإن كانت تلك الوعود خطابية أو لا تترجم إلى انجازات فعلية .

وأعتقد أن فكرة الوعود بتحسين الأداء التي تحدث عنها عبد المجيد فكرة مهمة لأنها تشدد على أهمية الإنجاز بالنسبة إلى الأنظمة العربية حيث يمكن أن ينظر إلى الإنجازات التي تتحقق على الصعيد الاجتماعي أو السياسي أو الاقتصادي على أنها عامل مهم في سعي الأنظمة إلى الشرعية سواء كانت هذه الإنجازات حقيقية أو رمزية وقد تحدث إيلين باستفاضة عن هذا الشكل من أشكال الشرعية شرعية الإنجاز .

شرعية الإنجاز

يري إيلين أن شرعية الإنجاز تأتي من السياسات والأفعال التي يقوم بها الحاكم أو النظام وهي تنبع أساسا من فكرة دور الدولة في الغرب في تحسين مستوي الرعاية الاجتماعية ويربط بين أداء لحكومة في هذا المجال وشرعية النظام وهذا الذي دفع بوغي إلى أن يجعل قدرة النظام في تحقيق الرفاهية الاجتماعية مصدرا مهما لشرعية النظام ومستقبلا عن المصادر الأخرى للشرعية وهي الكاريزما والتقاليد والقانون التي تحدث عنها فيبر .

صحيح أن فيبر أقر بأهمية لإنجاز ولكنه جعله تابعا للشرعية الكاريزمية وقال أنه عندما يبدأ مؤيدو القائد الكاريزمي بالحكم على أدائه وأفعاله ويرون أنها لا تنسجم مع وعوده فإنهم عادة ما يتراجعون عن دعمهم له وهو ما يفسح المجال بعدئذ لبروز قادة بديلين منه وفي هذا السياق يصبح الأداء أو الإنجاز عند فيبر أشبه ما يكون بشبكة خلاص تستخدم فقط عندما يتراجع تأثير مصادر الشرعية التقليدية كما أنه بتأكيده أن النوعين التقليدي والمنطقي للشرعية هما أكثر استقرارا فهو يشير ضمنا إلى أن أداء الحاكم لا يصبح ذا أهمية كبيرة وهي فرضية تتناقض مع الأدلة التاريخية .

فمفهوم شعبية الإنجاز مفيد لأنه يبرز أهمية الإنجازات الاجتماعية والاقتصادية بوصفها مصدرا جوهريا ومستقلا للشرعية بل ويعطي الشعب وزنا وقيمة في صياغة شرعية النظام وبما ينسجم والتوقيعات الشعبية التي تحدث عنها سعد الدين إبراهيم وعلى رغم أنه لا ينبغي النظر إلى شرعية الإنجاز على أنها بديل أو عوض عن أنماط الشرعية الأخرى فإن بعض العلماء مثل جون شار أعتبر أن أهمية شرعية الانجاز مقارنة بأشكال الشرعية الأخرى زادت في العقود الأخيرة فالشرعية الكاريزمية والتقليدية والمنطية يعتريها الضعف في نظر شار بسبب التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المتنوعة .

وأعتقد بأنه يمكن أن يكون مفهوم شرعية الانجاز مفيدا في أى بحث عن الشرعية في الوطن العربي وبخاصة في حالة الأنظمة التي تعتبر نفسها أنها تحكم دولا قائمة عل الرعاية الاجتماعية لشعوبها وهذا يقودنا إلى تعريف دولة الرعاية الاجتماعية أولا , وإلى تحديد المدى الذي يمكن لدولة مثل مصر أن تعرف نفسها بأنها دولة رعاية اجتماعيا .

دولة الرعاية أو الرفاهية :

ينص أحد تعريفات دولة الرعاية الاجتماعية ( أو دولة الرفاهية ) على أنها الدولة التي تهدف إلى خفض التأثيرات السلبية للانقسامات الاجتماعية والتخفيف من حالات انعدام المساواة الاجتماعية ويشدد تعريف آخر على مسؤوليات الدولة في تأمين مستوي أساسي من الرعاية الاجتماعية لمواطنيها وتركز الدراسات التي قام بها ويلينسكي وكوربي على حجم النفقات التي تقوم بها الدولة على الخدمات الرئيسية كمعيار أساسي لتعريف دولة الرعاية الاجتماعية على اعتبار أن مستوي الإنفاق على الخدمات الاجتماعية يعكس التزام الدولة بتوفير الرعاية الاجتماعية ولكن الإنفاق وحده كمعيار لدولة الرعاية الاجتماعية يمكن أن يكون مضللا لأن أوجه الإنفاق ليست متساوية ولا يوجد لها معيار محدد وهناك تعريف ثالث يربط بين دولة الرعاية الاجتماعية في الغرب جاءت من أنظمة استبدادية مثل فرنسا على عهد نابليون الثالث وألمانيا على عهد بسمارك ويمكن للمرء أن يستنتج عموما أن دولة الرعاية الاجتماعية هي الدولة الملتزمة أو التي نقدم نفسها على الأقل على أنها ملتزمة بتحسين الرعاية الاجتماعية والمعيشية لشعبها .

وبالنسبة إلى دولة مثل مصر فإن النخبة المصرية سواء كانت اشتراكية أو ناصرية أو ليبرالية اقتصادية تعتبرها دولة رعاية اجتماعية وقد تطور نظام الرعاية الاجتماعية في مصر في أواخر الخمسينيات وفي عقد الستينيات من القرن الماضي في وقت كانت فيه الدولة ملتزمة بحق في ظل ناصر بتحسين الظروف المعيشية للشعب المصري فقد وفرت الدولة التعليم المجاني والخدمات الصحية المجانية وفرص العمل لكافة خريجي المدارس الثانوية والجامعات كما ضمنت للشريحة السكانية الأشد فقرا.

ولو من ناحية الشعارات الخطابية , زيادة في الدخل , ورفعا في المستوي المعيشي فوفرت هذه المزايا على شكل سلع أساسية مدعومة وخدمات اجتماعية اشتمل هذا النوع من الالتزام على يصفه اتربري بـ " العقد الاجتماعي " بين الدولة والشعب بحيث تقوم الدولة بموجبه بتوفير السلع والخدمات في مقابل الإذعان السياسي للشعب وقد شكل العقد الاجتماعي مكونا جوهريا في شرعية ناصر بعد مجيئه إلى السلطة في العام 1954, واستمر الأمر علي هذه الحال في ظل الأنظمة المتعاقبة التي اعتمدت على دعم المؤسسة العسكرية وحتى في ظل سياسة الانفتاح السياسي والاقتصادي التي طبقها السادات في السبعينيات , أو التعديل الهيكلي ( الخصخصة ) الذي أعلن عنه مبارك في التسعينيات فإن الدولة المصرية ظلت محسوبة تاريخا على أنها دولة رعاية اجتماعية .

فكما قال خالد منبر وهو صحافي مصري " الدولة المصرية لا تستطيع أن تتخلي ببساطة عن دورها الاجتماعي بعد ثورة 1952 , وإذا ما أقدم نظام ما علي التخلي عن هذا لدور فإنه يعلن تلقائيا أنه غير شرعي , لأنه سيكون قد قضي على قاعدة دعمه .

شرعية مبارك

وبعد أن قلت إن الشرعية مهمة بالنسبة إلى الأنظمة العربية السلطوية وإلى النظام المصري تحديدا دعنا نناقش الآن شرعية النظام السياسي المصري في حقبة الرئيس مبارك و وربما كان الحديث عن أشكال الشرعية التي يذيعها نظام مبارك أنه يستند إليها أسهل بكثير من الحديث عن مقدار شرعية نظامه في الواقع وبتحليل خطابات مبارك منذ أن تولي السلطة في العام 1981 فإنه يمكن أن أشير إلى الملاحظات التالية واضعا في الاعتبار الأشكال الكلاسيكية للشرعية التي تكلم عليها فيبر فزعامة مبارك تفتقر بكل تأكيد إلى الشرعية الكاريزمية مقارنة بناصر مثلا كما إن مبارك لم يعول كثير على الشرعية التقليدية ( الدين تحديدا ) كما اشتهر السادات وإن كانت الشرعية الدينية مهمة في نظر مبارك ولكن يمكن القول إن مبارك اعتمد على الشرعية القانونية وهي السند الذي أتي بي إلى السلطة باعتبار أنه كان نائب الرئيس خلال فترة السادات وبالتالي خليفته المتوقع من الناحية الدستورية كما أنه في ظل دولة لرعاية الاجتماعية فإن مبارك اعتمد أيضا على شرعية الإنجاز بالتأكيد في سنوات حكمه الأولي لتوطيد زعامته القانونية

أنا مدرك حقيقة أنه ربما تثير هذه الملاحظات بعض النقاش والجدل بل والرفض خاصة وأننا نتكلم على نظام يعيش سنواته الأخيرة وبدا متوترا وعنيفا في تعامله مع الناس والمعارضة أكثر من أى وقت مضي ما يجعل البعض يشكك في اهتمام النظام بشئ اسمه شرعية وأحب من ألان أن أسجل بعض ملاحظات نظرية ستصبح أكثر وضوحا وعملية عند ورودها لاحقا في متن الكتاب :

  1. كما قلت لا يستطيع أى نظام أن يتخلي تماما عن موضوع الشرعية حتي إن سعي إليه بصورة وهمية فنحن هنا لا نقيس مدي شرعية النظام بقدر ما نؤكد أن الشرعية يمن أن تكون مدخلا مهما لدراسة سلوكياته وتفاعلاته مع المجتمع .
  2. من المهم أن ندرك أن الطريقة التي يبني بها أى نظام شرعيته ليست طريقة وآلية واحدة وهي ابعد ما تكون عن الجمود ولكنها كما سنري لاحقا عندما نتكلم في الكتاب على تفاعلات النظام في الثمانينيات والتسعينيات تتميز بأنها دينامية وفي تغير مستمر وبالتالي لا يمكن أن تنسب إلى نمط معين وأحيانا لا يكون الحاكم نفسه مدركا بأنه يطبق في فترة معينة نمطا معينا من أنماط الشرعية التي تكلمنا عليها وإن كنا نتمني من الناحية النظرية أن يعتقد بان سلطته تستند إلى جميع أشكال الشرعية الكاريزما ,والتقاليد والقانون والإنجاز ولكن من الناحية العملية وبدراسة وتحليل خطاب وسياسة النظام في فترات مختلفة فإنه يمكن أن نتحدث عن شكل " مهيمن" أو طاغ على بقية الأشكال فالشرعية القانونية تكون هي الحاضرة خلال فترة الانتخابات البرلمانية أو الرئاسية مثلا , وهكذا .
  3. تبدو الأمور أكثر تعقيدا عندما تكون أشكال الشرعية متداخلة كما لو أنها تشير إلى الأمر نفسه فأحيانا يقتضي السعي في تكريس الشرعية القانونية مثلا إلى إدخال شكل من أشكال الإصلاح القانوني ويكون لهذا الإصلاح بعد أو مضمون اجتماعي , يحقق في آن واحد شرعية إنجاز للنظام وهذا يمكن أن يعني أنه يمكن أن يكون هناك أكثر من نمط شرعية مهيمن أو طاغ في فترة واحدة
  4. من المهم أن ندرك أن عملية بناء الشرعية لا تنشأ في فراغ وإنما تأتي استجابة للنظم الاجتماعية والسياسية الاقتصادية والمحيطة ما يتطلب تغيرا مستمرا وإعادة صياغة لأشكال الشرعية حسب الأولويات التي يفرضها الواقع وهذا يرتبط أيضا بما سبق أن اشرنا إليه بشأن دينامية أنماط الشرعية الدينية إلا أنها تتحول إلى أولوية ف يحال ظهر له خصم يناوئه على أسس دينية .
  5. ما يزيد من تعقيد وصعوبة عملية بناء الشرعية هو أنها في أحيان كثيرة تستهدف شرائح مختلفة من الجماهير فالإنجازات التي يوفرها لنظام لكي يكسب دعم الجيش أو الطبقة العليا مثلا تختلف عن الإنجازات التي يريد من ورائها النظام دعم وتأييد الطبقة المتوسطة وطبقة الفقراء وأحيانا يشرع النظام في سياسات معينة لاكتساب شكل من أشكال الشرعية القانونية بين أفراد النخبة السياسية ويشرع في سياسات أخري مختلفة لكي يحظي بشرعية دينية بين أوساط الشباب الساخطين وهناك أمثلة كثيرة تدل على أن مسألة دراسة الطريقة التي يتفاعل بها النظام لكسب درجة من القبول المجتمعي هي في المحصلة عملية شائكة ومعقدة .
  6. إن النظام في الحالات الطارئة وحماية لما يعتبره يهدد شرعيته, قد يلجأ إلى استخدام القوة المادية ( العنف ) ضد من يهدده علما بأن اللجوء المتكرر والمتسمر إلى الإكراه يسفر تدريجيا إلى تآكل شرعية النظام نفسه . " وتدريجيا" هنا مهمة لأن الشرعية ليست واقعة بين ثنائية : إما موجودة 100 بالمئة , وإما غائبة 100 بالمئة وإنما ينبغي أن ينظر على أنها طيف من المستويات وتتنوع من شرعية فائضة إلى شرعية متآكلة أو متأزمة إلى شرعية غائبة تماما وهذه النظرة مهمة للغاية عند دراسة وتحليل موضوع الشرعية بالنسبة إلى الأنظمة العربية والمصرية تحديدا وستتضح مستويات أطياف الشرعية أكثر عند ورودها في متن الكتاب .

الشرعية في نظر الإسلاميين

قلت حتى الآن أن الشرعية مهمة للنظام المصري وبما أننا نبحث علاقة مبارك والإخوان المسلمين ونتخذ من الشرعية مدخلا في تحليل هذه العلاقة فمن المهم في هذه المرحلة أن نناقش موضوع الشرعية في نظر الإسلاميين عموما والإخوان بعد ذلك,وأنا في هذه المناقشة أريد أن أجيب عن سؤالين.

وهما:كيف يدرك الإسلاميون شرعية الأنظمة العربية وكيف يتصورون شرعيتهم أنفسهم كتيار وبالنسبة إلى السؤال الأولي فمن الناحية النظرية الحاكم الشرعي هو الحاكم الذي يطبق الشريعة الإسلامية وهذا هو الفهم التقليدي السائد بين أوساط الباحثين في ما يتعلق بالسلطة الشرعية ويقول المفكر الإسلامي المعروف كمال أبو المجد إنه على الرغم من أن الشرعية سمة دينية في السلطة السياسية الإسلامية غير أن الحكومة وأجهزتها البيروقراطية هي مدنية وليست دينية وبالتالي تنبع شرعية الحكومة من التزامها بتعاليم الإسلام كما أنها تنبع من قبول الناس ربها .

ومع ذلك يسود جو من الارتباك والغموض بين أوساط الإسلاميين عندما يتعلق الأمر بدراسة شرعية الدول أو الأنظمة العربية في الواقع وليس مثاليا ووجهة النظر التي يؤمن بها سيف عبد الفتاح وهو إسلامي ومحاضر في كلية العلوم السياسية في جامعة القاهرة توفر لنا مثالا لافتا على صراع الإسلاميين منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية في العام 1923.

من أجل تطوير مفهوم " السلطة الشرعية " يقترح عبد الفتاح تصنيفا في دراسة اغلب الأنظمة لعربية يري أنه مفيد أكثر من تصنيفات فيبر " المثالية " للشرعية:

فهو يجادل بأنه ينبغي النظر إلى شرعية الأنظمة العربية من خلال ثلاث زوايا : الأولي هي الإطار الأيديولوجي الذي يمنح لنظام هويته , والثانية هي طريقة وصول النظام إلى السلطة وطبيعة العقد الذي بين الدولة والمجتمع والثالثة هي شرعية الممارسة التي تركز على السياسات المتنوعة التي يطبقها النظام وهو في السلطة .

ويوفر التمييز الذي يقترحه عبد الفتاح بين مستويات السلطة في الأنظمة العربية إطار عمل غير مكتمل ولكنه مفيد في طريقة نظر الإخوان المسلمين إلى النظام المصري فقد كانت الحركة حريصة منذ أيام مؤسسها الإمام حسن البنا على عدم مناقشة القضايا التي تتعلق بالشرعية السياسية للنظام ربما لأن الموضوع لم يكن يشكل أولوية بالنسبة إليه طالما أن لجماعة معترف بها رسميا من قبل الدولة ويوجد درجة من درجات التعاون بين الحركة والسلطة (الملك فاروق وقتئذ)

وبناء علي ذلك فلم يكن لبنا يري مشكلة في خوص الانتخابات البرلمانية ولم يمنع أتباعه من تولي مناصب رفيعة في المؤسسات الحكومية كما أن المواجهة التي وقعت بين الحركة والدولة في أواخر الثلاثينيات ومستهل الأربعينيات من القرن الماضي والاغتيال المفاجئ للبنا لم يوفر للحركة فرصة كافية لتطوير موقف مناسب من النظام ومن شرعيته .

وأما أراء الإخوان المسلمين في الشرعية في الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي فتميزت هي الأخرى بالغموض خاصة بعد صدامهم مع عبد الناصر ونشر مؤلفات سيد قطب وحتى نفهم أسباب هذا الغموض.

من المفيد أننقسم مسألة الشرعية السياسية بالنسبة إلى منتسبين إلى الإخوان إلى ثلاث مستويات مستوي يتعلق بشرعية رئيس الدولة ومستوي يتعلق بشرعية سياسات النظام ومستوي يتعلق بشرعية مؤسسات الدولة الرسمية وهي في الحقيقة والواقع تقسيمات وهمية بسبب هيمنة شخص الرئيس على صناع السياسة وهيمنته على المؤسسات التشريعية والقضائية ومع ذلك تبقي تقسيمات مفيدة .

فبالنسبة إلى مستوي شرعية رئيس لدولة ونظرة الإخوان إلى ذلك فإن الإخوان لم يكن لديهم رأي واضح من شرعية شخص عبد الناصر مثلا فالحركة اعترفت في البداية بشرعية الثورة في العام 1952 وقدمت المساعدة للانقلاب العسكري الذي قام به الضباط الأحرار ولكنها بدءا من العام 1954 رفضت الاعتراف والتعاون مع عبد الناصر كما أنها رفضت أيضا شرعية مؤسسات الدولة سواء داخل الحكومة ( واتضح ذلك بفصل الجماعة الأعضاء الذين وافقوا على تقليد مناصب وزارية في حكومة عبد الناصر) أو داخل مجلس الشعب وبالنسبة إلى شرعية سياسات عبد الناصر في الخمسينيات والستينيات , فقد اتسم موقف الإخوان بالغموض أيضا ربما لأن أغلب أعضاء الحركة بمن فيهم قيادتها كانوا في السجون وبالتالي لم يعبروا عن موقف علني معين نحو قرارات وأفعال النظام .

واستمر سجن الإخوان حتى مستهل عقد السبعينيات وهو ما عني أن الحركة كانت ما تزال غير قادرة على التعبير عن موقف حاسم من شرعية السادات عندما توي السلطة في العام 1970 وحتى بعد إطلاق سراحهم من السجون وتعاونهم بعد ذلك مع السادات في حملته ضد اليساريين فشل الإخوان في صياغة رد على شرعيته الشخصية وبدا موقف الحركة من مؤسسات الدولة في ظل السادات متناقضا أيضا فمن ناحية رفض الإخوان القبول بعرض السادات للمشاركة في منابر السياسية التي تشكلت حديثا

أو في نيل رخصة بوصفهم جمعية خيرية تعمل تحت إشراف وزارة الشؤون الاجتماعية أو القبول بالتعيين (في شخص المرشد وقتئذ عمر التلمساني) في مجلس الشورى ولكن من ناحية أخري أقرت الحركة بشرعية المؤسسات القانونية للدولة ووظفت اعترافها بسلطة القضاء ورفعت دعوي ضد الحظر الرسمي المفروش عليها والذي ما يزال ساري المفعول منذ العام 1954 .

وأما نظرة الإخوان إلى مستويات الشرعية الخاصة بالنظام في عهد مبارك فقد اتسمت بالتعقيد .. فالإخوان لم يعبروا عن رأي واضح في شرعية مبارك لأن قيادة الجماعة كانت في السجن مرة أخري ( اعتقالات أيلول سبتمبر الشهيرة ) لما تولي مبارك السلطة في العام 1981 ولكن يمكن القول إن الإخوان اعترفوا بشرعية مبارك كرئيس عندما صوتوا في البرلمان سنة 1987 للتمديد له لفترة ولاية ثانية ولكن الحركة عادت وصوتت ضد منحه فترة ولاية ثالثة , وبررت موقفها وقتئذ بأن تصويتها لا يعني أنها تعارض شرعيته كرئيس وإنما تعارض سياساته , وكانت الحركة حريصة على التمييز بين شرعية الرئيس وشرعية سياساته.

وخاصة وهي تدرك أنها تعمل في ظل ظروف سلطوية وبالتالي ليست مهيأ للدخول في مواجهة مكشوفة مع النظام في مسائل يبدو أنها حسمت سلفا ويبدو أن الإخوان تجنبوا أو تجاوزوا مناقشة قضية شرعية شخص مبارك لأن شرعية رئاسة مبارك على حد قول عضو الإخوان البارز عصام العريان " أمر واقع" فعلي حد تعبيره:

" إن شرعية مبارك أمر واقع , وعلى الرغم من حقيقة أننا عارضنا طريقة إجراء الاستفتاء (على الرئيس) وطريقة وصول الرئيس إلى السلطة واجهنا (الإخوان) رئيسا بحكم الأمر الواقع وواقعا لا يمكننا تجاهله وساء أعجبنا ذلك أم لا "

وإدراك العريان لشرعية النظام ورئيسه ليس فريدا وإنما يعكس الفهم التقليدي للعلماء السنة الذين يعترفون بشرعية الحاكم حتي وإن كان مستبدا وكان عزله محفوفا بالمخاطر مغامرة دموية والقبول على مضض بقيادة حاكم إذا كانت تصب في مصلحة المجتمع يؤكدها مرشد الحركة الراحل مأمون الهضيبي في سياق مناقشته لشرعية مبارك " من حيث المبدأ تنبع الشرعية الحقيقية من خيار الشعب بالنسبة إلى المسلمين هم يختارون شخصا يحكمهم بموجب تعاليم القرآن والسنة وهذا هو الخليفة الوحيد (الذي يعتبر شرعيا) في الإسلام وفي ما عدا ذلك يكون خليفة بحكم الأمر الواقع.

والإمام بحكم الضرورة وعندما يصبح الأخير حقيقة واقعة وشخصا لا يمكنك عزله يتعين عليك حينئذ أن تطيع هذا الإمام وإلا فإن عاقبة المقاومة المسلحة ستكون الفوضي الاجتماعية وهذه هي حالة رئيسنا (مبارك) فهو يسيطر على 90 بالمئة من قوي السلطة بما في ذلك الجيش وقوات الشرطة .

ولا تقتصر" سياسات الضرورة " على كيفية رؤية الإخوان الشرعية مبارك بل هي تعني أيضا بشرعية مؤسساته فصحيح أن الحركة كانت قد رفضت المشاركة في المجلس التشريعي أو مجلس الشورى على عهد السادات إلا أنها بالمقابل شكلت حضورا قويا في برلمان مبارك في الثمانينات وصاعدا في مجلس الشورى في التسعينيات من القرن الماضي

بل شهدت فترة التسعينيات تحالفا بين الإخوان وأحزاب أخري بعضها علماني (مثل الوفد) في حين رفضت الحركة أن تكون جزءا في أى تحالف سياسي في منابر السادات في فترة السبعينيات كما أن الثمانينات والتسعينيات وحتى السنوات الأخيرة شهدت محاولات متنوعة لتشكيل حزب سياسي رسمي للإخوان وهو خيار لم تكن الحركة تفكر فيه في السبعينات

ما يعني اعترافا بشرعية المؤسسة البرلمانية باعتبارها مؤسسة رسمية وحتى نفهم أسباب هذه التحولات فإنه لن يكون مفيدا أن نقصر نقاشنا على الشرعية في نظرة الجماعة إلى النظام ومؤسساته وإنما يجب أن نشمل نظرة الحركة إلى شرعيتها هي في المجتمع المصري وتأثير ذلك في تطورها الاجتماعي والسياسي وهذا ينقلنا إلى مستوي آخر من النقاش خاص بتصور الحركة لشرعيتها .

شرعية الإخوان المسلمين

تعتبر جماعة الإخوان المسلمين التي تأسست في العام 1927 واحدة من أكبر الحركات الإسلامية وأعظمها نفوذا في مصر وينظر إلى حركة الإخوان على نطاق واسع على أنها " أم " الجماعات الإسلامية في العالم أجمع وهذا النفوذ تؤكده صلاتهم الدولية وهو ما ساعد الحركة على تأسيس فروع مستقلة لها في أغلب الدول العربية والإسلامية وحتى الأوروبية ففي الكويت على سبيل المثال تعرف الحركة على نطاق واسع باسم " الحركة الدستورية" وتعرف في الأردن باسم " جبهة العمل الإسلامي " وتعرف في فلسطين باسم " حركة المقاومة الإسلامية " ( حماس ) وتعرف في اليمن باسم " حركة الإصلاح " وفي الجزائر باسم " حركة السلم "

ولكن في حين أن هذه الجماعات تحظي باعتراف رسمي من قبل الدول التي تنشط فيها وبالتالي هي منخرطة بشكل أو بآخر في النظام الاجتماعي والسياسي نجد أن الحركة " الأم " في مصر محرومة من الصفة القانونية وأنا أجادل على مدي صفحات هذا الكتاب بأن هذا الحجب عن المشروعية أثر بدرجة كبيرة في طبيعة تطور الحركة وفي كيفية صياغة هذا التطور لعلاقاتها مع الدولة ومع المجتمع ويعود جزء من قدرة الحركة على البقاء في ظل ظروف إنكار الدولة لها إلى مهارتها في توسيع التنظيم وإلى تشكيلها تحالفات جديدة وتبنيها أفكارا ومواقف حيال قضايا مثل الديمقراطية التعددية الحزبية وحقوق المرأة وإن قدرة الحركة على التكيف مع التغيير وعلى التصدي للهموم الاجتماعية والدينية لإتباعها جعلها قوة فاعلة وبخاصة بين أوساط الشباب والطبقة الحضرية المتوسطة .

ويقصد من هذه الدراسة إذ التركيز على مفهوم الشرعية كنقطة انطلاق في تفسير تطور الإخوان المسلمين وكيف اثر هذا التطور في علاقة الحركة مع النظام وسبق أن أشرت إلى أهمية الشرعية القانونية (وغيابها) بالنسبة إلى الإخوان لكني أود التوسع في مناقشتي لتشمل أنماط الشرعية الأخرى التي ستثبت أنها لا تقل أهمية عن الشرعية القانونية .

معظم مناقشات فيبر وإبستون وسعد الدين إبراهيم (في حالة مصر) للشرعية انصبت على شرعية النظام السياسي فهي مناقشات تركز على الدولة وليس على القوي المجتمعية مثلا ولكن مع بعض التكييفات يمكن أن تصبح أنماط الشرعية الكاريزمية.

والتقليدية والمنطقية وشرعية الإنجاز ملائمة لمناقشتنا لشرعية الحركات الاجتماعية بما في ذلك الحركات الإسلامية التي تشكل بدائل " شرعية " للسلطات السياسية القائمة واحدي المشكلات التي ستواجهنا في هذه المقاربة هي انه ربما ينتهي الأمر بنا إلى تطبيق أنماط مشابهة من الشرعية ولكن في تحليل مستويين من القوة مختلفين أحدهما يتعلق بالدولة والآخر يتعلق بالمجتمع أو بقوة معينة فيه فعمليا من الصعب مقارنة السلطة الحاكمة وما لديها من قوة ونفوذ وثروت بقوة الاجتماعية في مستوي تحت مستوي سلطة الدولة وبالتالي تتأثر أو تقيد أو تعاق من قبل بيروقراطيات الدولة وأجهزتها وحدودها المرسومة وبالتالي سأقصر المقارنة بين مستويي الشرعية بالنسبة إلى النظام والإخوان بدلالة القبول فقط , وليس بحسب حجم الموارد والقدرات لأنه لن تكون هناك مقارنة أصلا .

إجراء مقارنات متنوعة بين شرعية الأنظمة العربية وشرعية الإسلاميين ليس أمرا غير مسبوق وإنما قام به باحثون قبل فاستنادا إلى ليوبيك وبريتس أسفر الضغط العالمي لإعادة هيكلة الاقتصاد إلى تقويض شرعية الدولة الوطنية وأفسح المجال لقوي مجتمعية في منافسة الدولة على الشرعية ويرجع الباحثات تآكل شرعية الدولة العربية إلى عوامل منها أن الوطنية العلمانية لم تنبع من الأسفل وإنما فرضت دائما من الأعلى إلى الأسفل

بحيث قامت النخب العسكرية في الجيش بخلافة أجهزة الاستعمار الاستبدادية واستكملت مسيرة القيادة التسلطية ومنها أن التأثير المتراكم للكوارث مثل الحرب العربي الإسرائيلية التي اندلعت في العام 1967 والجمود الذي أصاب عملية التطوير وتطبيق الدولة لبرامج إعادة الهيكلة الاقتصادية جميع ذلك " دمر العقد الاجتماعي بين نخب الدولة وسكان المناطق الحضرية "

زد على ذلك أن العناصر الأجنبية والضغوط التي تعرضت لها هذه البرامج (من صندوق لنقد الدولي مثلا) قضت بسرعة على أى اثر باق للشرعية التي امتلكتها النخب السياسية العلمانية وهي شرعية يفترض بأنها استندت إلى مسؤوليات الرعاية الاجتماعية التي تحملتها الدولة في بواكير تأسيسها ونتج من هذا الركود فضلا عن الفساد المستشري وانعدام كفاءة الأجهزة الحكومية إصابة الطبقات الدنيا والمتوسطة بالإحباط ( وبخاصة طلاب الثانويات العامة وطلاب الجامعات )

وجعلها عرضة للانخراط في النشاطات المعادية للدولة واستنادا إلى سوليفان يتم استيعاب هؤلاء المجندين بالتدريج في شبكة من الحركات الإسلامية المنتشرة في المدن وجماعات المجتمع المدني كمسار بديل لتحقيق كافة تطلعاتهم أو بعض منها وهذا ما يدفع إلى اعتبار الإسلاميين بأنهم منافسون "شرعيون" للدولة وما يشير ليبوبيك وبريتس وسوليفان إليه في مؤلفاتهم هو هذا النمط من الشرعية الاجتماعية الذي تبناه الإسلاميون في معرض منافستهم للدولة في العقود الأخيرة .

وقد سعي مؤلفون آخرون إلى مقارنة شرعية الإسلاميين بشرعية الدولة في البلدان العربية المختلفة وركزت بعض هذه الدراسات على نمط الإنجاز في التنافس على الشرعية الحجة الأساسية في هذه الدراسات هي أن الإسلاميين برزوا كحركة اجتماعية تحتج الأساسية على الفشل الكلي لمشروع التحديث الاجتماعي والاقتصادي والثقافي الذي ناصرته ذات يوم الدول الوطنية العلمانية في حقبة ما بعد الاستعمار.

فقد أصبحت هذه الدول عاجزة من الناحية العملية عن تأمين الحاجات الدنيا لسكانها الذين يتزايد عددهم باستمرار على الرغم من الخطابات والوعود الطموحة ولم يعد ينظر إليها كدولة تلبي حاجات سكانها فقد شرعيتها ومبرر وجودها في عيون سكانها الساخطين وفي هذا السياق من فشل الدولة يبدأ الإسلاميون من خلال مواردهم المحدودة وفضاء اتهم المحدودة (مثل المساجد والأحياء والعيادات والمدارس الخيرية) بتوفير ملاذ وبديل ليس على صعيد القيم الأخلاقية أو الدينية فحسب وإنما على صعيد تلبية الحاجات المادية كذلك ويبدءون بالتدريج في اكتساب درجة معينة من الشرعية الاجتماعية القائمة على الإنجاز .

وهناك حالات مذكورة في دراسات أخري مثيرة لاهتمام وتستحق أن نشير إليها بإيجاز فمن جانب يجادل يحيي زبير في معرض شرح أسباب بروز جبهة الإنقاذ الإسلامي كقوة شعبية في الانتخابات الجزائرية في العام 1992 بأن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذت في الثمانينيات من القرن الماضي زادت من وطأة الظروف الاجتماعية الاقتصادية التي عانتها أغلب الطبقات في الجزائر وهو ما أفرز مشكلة سكن حادة ومشكلات في المياه ونقصا في الإمدادات الغذائية ومعدل تضخم مرتفعا ومعدل بطالة مرتفعا وما إلى ذلك

وكان الدور المنحسر للدولة نتيجة تطبيق هذه الإصلاحات سببا في انتهاك لعقد الاجتماعي الذي كان قد تأسس في عهد نظام الرئيس بومدين وكانت النتيجة تراجعا ملحوظا في شعبية جبهة التحرير الوطني والقيم الوطنية التي نشأت عليها وملأ الخطاب الديني لجبهة الإنقاذ بالتدريج الفراغ الناتج من فشل النظام ومن خلال خدماتها المتواضعة ولكن المهمة .

ومن جانب آخر يناقش هلال خشان الإنجازات الاجتماعية للإسلاميين في لبنان كمصدر مهم لشرعيتهم حيث عوملت الشرعية هناك أيضا من خلال النمط التقليدي (الدين) ومن خلال تقديم الخدمات المادي وحجته الأساسية هي أن تقديم الخدمات العامة لعبت دورا حاسما في توسيع الشرعية السياسية للجهة التي توفرها (أى للإسلاميين بدلا من الحكومة) وبعد أن درس خشان إجابات لعينة عشوائية شملت 500 لبناني مسلم منقسمين بالتساوي بين سنة وشيعة سئلوا فيها عن الشرعية الشعبية والعوامل المؤثرة التي تؤثر فيها لاحظ حسب تعبيره أن:

" شرعية الحكومة اللبنانية حصلت على علامات متدنية من قبل المستجوبين الذين وصف أغلبهم مدي الخدمات التي توفرها للشعب بأنه أقل من مرض و هذا القصور في خدمات الحكومية عوضته المؤسسات التابعة للجماعات الإسلامية.

وعلى نحو ينذر بالخطر لا يشعر أغلب المستجوبين بأن أداء النظام السياسي اللبناني المعدل للجمهورية الثانية (منذ العام 1989) قد تحسن بالمقارنة مع الأداء على عهد الجمهورية الأولي (من العام 1943 وحتى العام 1975) وبالتالي , فليس من المفاجئ أن نكشف بأن العديد من المستجوبين يؤيدون النشاطات التي تقوم بها الجماعات الإسلامية .

ويختلف جوهر إنجازات الإسلاميين في الجزائر وفي لبنان ومضمونها (علما بأن الدراسة تتحدث أيضا عن الإسلاميين في الأردن وفي فلسطين) عن جوهر ومضمون إنجازات الإخوان المسلمين في مصر ويرجع هذا الاختلاف إلى أن كلتا الجماعات الإسلامية في الجزائر ولبنان تحظي باعتراف الدولة التي تنشط وتتمتع فيها بشكل من أشكال الشرعية.

في حين أن حركة الإخوان في مصر محظورة قانونا من قبل الدولة وهذا التمييز ليس شكليا وإنما هو عنصر مهم لأنه يفرض برنامج عمل مختلفا على الإخوان باعتبار أن في مصر آليات وبرنامج عمل مختلفا فبسبب غياب الشرعية القانونية للإخوان فإن الشرعية التي يكتسبونها من المجتمع (شرعية الإنجاز) توظف في النهاية توظيفا سياسيا من أجل تأمين اعتراف الدولة وهو ما يخلق حالة من التوتر بين الحركة والنظام تسفر في النهاية عن قمع الجماعة بمبررات غير موجودة في حالة الجزائر ولبنان ( إنها حركة غير مشروعة ).

وعلى الرغم من ذلك نجد أن هذا التمييز غائب أولا يحظي بالاهتمام الكافي في الأدبيات التي تتحدث عن الإخوان في مصر مقارنة بالإسلاميين في لدول العربية الأخرى وقد صدر في العقد الماضي العديد من الدراسات المهمة التي تناولت العلاقة بين مبارك والإخوان المسلمين من دون التركيز على هذا العنصر الذي يناقشه هذا الكتاب ففي مقالتها المهمة درست ويكهام كيف يستطيع الإسلاميون مثل الإخوان المسلمون استقطاب أعضائهم وتعبئتهم في ظل حكم مبارك السلطوي.

وقالت إن الليبرالية الجزئية للنظام المصري الممنوحة من الأعلى إلى جانب التراجع في قدرة الدولة على المراقبة والسيطرة وسعت من "الفرص السياسية" للامتداد الإسلامي على محيط النظام السياسي الرسمي وكان هذا التمدد ممكنا من خلال نشر الفكرة الإسلامية ومن خلال إقامة شبكات خاصة بالجماعة (تقصد تجربة النقابات المهنية)

وأضافت أنه كان للتعبئة الإسلامية أثر أوسع وذلك لأنه أوجد قاعدة دعم للمزيد من المرشحين الإسلاميين في انتخابات النقابات المهنية والبرلمانية ومن خلال تركيزها على الإخوان في النقابات صاغت ويكهام عبارة " القطع الإسلامي الموازي " لتسليط الضوء على الخدمات والمشاريع المتنوعة التي يقوم بها الإخوان المسلمون بدلا من الدولة كوسيلة لكسب الدعم .

واعتمدت ويكهام على مقابلات مع قادة الإخوان من الشباب وعلى البحث المعمق الذي أجرته أماني قنديل عن الإخوان في النقابات وتتبني قنديل وجهة نظر مختلفة عن وجهة نظر الدولة بما أنها تعتبر الإخوان بالنظر إلى التأثير القوي لخدماتهم الاجتماعية حركة شرعية في المجتمع المصري

وإن لم تحظ باعتراف الدولة وحجتها الرئيسية هي أن مصر شهدت في العشرين سنة الماضية تغيرات اجتماعية واقتصادية جذرية أدت إلى بروز جماعة كبيرة من الشباب المتذمرين المنتمين إلى الطبقة لدنا وقد فشل النظام حسب قنديل في استيعاب هذه التغيرات ناهيك عن فهمه لتداعياتها وكان الإخوان في المقابل أذكياء بما يكفي للإحساس بتلك التغيرات ولرؤية إمكاناتها المستقبلية

وبما أن النقابات المهنية جسدت الفضاءات التي تجلت فيها هذه التغيرات الاجتماعية استثمرت الحركة " موارد التعبئة" لديها في هذه الفضاءات بجدارة وفي حين ركزت قنديل إلى حد كبير على الإسلاميين في نقابة الأطباء وركز آخرون على الدور الاجتماعي للإخوان في نقابة المهندسين

وقال أحمد حسن عن الآلية الرئيسية لدي الإسلاميين لامتلاك النفوذ في النقابة اعتمدت على تقديم الخدمات الاجتماعية واستخدام المبادئ والشعارات الإسلامية وبعيدا عن النقابات ركز سوليفان وعبده قطب على الدور الاجتماعي والرعاية الاجتماعية التي يقوم بها الإخوان المسلمون من خلال جمعياتهم الخيرية والتطوعة ( عيادات , دور كفالة الأيتام .. الخ) واستنتجا أن الإخوان يشكلون عنصرا حيويا في المجتمع المدني بمصر وبناء على ذلك ينبغي على النظام الاعتراف بهم قانونيا .

وفي دراسة مهمة أخري للعلاقة بين مبارك والإخوان المسلمين قام بها حسنين إبراهيم تفحص الأسباب التي تقف خلف التغير في سياسة النظام وجادل بأن السبب في ذلك يعود إلى أن الحركة تولت دورا جوهريا سواء على مستوي السياسة أو المجتمع وهو ما لم يكن النظام على استعداد للتسمح معه .

طريقة البحث

وبعد هذه المقدمة النظرية عن الشرعية وأشكالها وأهميتها بالنسبة إلى النظام السياسي المصري والإخوان المسلمين معا سأشرح طريقتي في بحث هذا الكتاب وأذكر أن هذه الدراسة تهدف إلى شرح العلاقة بين مبارك والإخوان المسلمين في إطار أنه صراع على الشرعية.

وتجادل بأن لسبب الذي يقف خلف تغيير الدولة لموقفها من الحركة يرجع بدرجة كبيرة إلى كون الأداء الاجتماعي للإخوان (والذي كانت قد تساهلت معه في الماضي) بدأ يأخذ طابعا سياسيا أفضي إلى استفزاز النظام وأولي مكونات هذا الطابع كانت هي الشرعية التي اكتسبتها الجماعة تدريجيا عبر خدماتها الاجتماعية ومن خلال شبكة تنظيمية متماسكة ساعدت على تقديم هذه الخدمات بطريقة فاعلة ومؤثرة في المجتمع وتوظيف هذه الشرعية كما قلت توظيفا سياسيا أغضب النظام في ما بعد ..

وأعني بالشرعية على وجه التحديد الشرعية الاجتماعية التي تراكمت عبر الثمانينيات والتسعينيات بفضل توفر هيكل معقد من الشبكات والاتصالات بين أعضاء الجماعة النشطين والفاعلين في مختلف الفضاءات والمجالات وأعني بالتوظيف السياسي لهذه الشرعية الاجتماعية (أو شرعية الإنجاز) تعبئة وحشد المنتفعين من خدمات الإخوان (وكثير منهم غير منتم إلى الجماعة) لدعم برنامج عمل سياسي يهم الحركة ولا يهم هؤلاء المنتفعين مباشرة بالضرورة والنقطة الأخيرة هنا مهمة لأنها تعني أن الإخوان لا يهدفون من تعبئتهم السياسية للمجتمع إلى " قلب نظام الحكم"

حسبما يشيع عنهم وإنما إلى خلق رأي جماهيري عام يضغط ضد اتجاه رفض النظام المستمر لفكرة الاعتراف بالحركة ودفع النظام إلى مراجعة موقفه المتعنت وكما قال حامد عبد الماجد :" الإخوان موجودون على الساحة المصرية بحكم الأمر الواقع ومع ذلك لا يحظون باعتراف الدولة وهو وضع متناقض اوجد غموضا وارتباكا حقيقيا لدي الإخوان أنفسهم وهو تناقض يصبح جوهريا عندما نريد أن نفهم خطابهم وتفاعلاتهم مع المجتمع والدولة فهم يقومون بفتح ثغر في كافة الطرقة لإيصال إعلان إلى الحكومة مفاده أننا " نتمتع بالشعبية بحكم الأمر الواقع , وبالتالي ينبغي عدم تجاهلنا " وهذا الإعلان مهم في خطاب الإخوان وإن لم يفص عنه صراحة "

ومهمة هذه الدراسة معقدة بسبب الصعوبات التي تكتنف مفهوم الشرعية كيف يمكن تعريف الشرعية وتحديد أنماطها المتنوعة وتحديد جمهورها المستهدف وطريقة قياسها أو" تحديد مقدارها " حتى إن المهمة تزداد صعوبة عندما يحاول المرء التحدث عن مستويين من مستويات الشرعية : المستوي الأول يتعلق بالدولة أو نظام مبارك والمستوي الثاني يتعلق بالإخوان المسلمين كما أن عملية المقارنة بين هذين المستويين معقدة بسبب الديناميات التي ترافق كلا منهما وحقيقة أن كل مستوي في حالة منافسة مع المستوي الآخر حتى وإن كانت هذه المنافسة على نمط آخر من أنماط الشرعية .

ولتقريب هذه العملية من التناول سأسعي إلى مقارنة إنجازات مبارك بإنجازات الإخوان المسلمين في ميادين السياسة والمجتمع والاقتصاد وإلى إظهار كيف أن كلا من هذه الميادين يتطلب أنماطا مختلفة من الشرعية خاصة به وسأقيس مدي نجاح مسعي كل من الطرفين أو فشله عبر استخدام جملة من المؤشرات البسيطة مثل نسبة المشاركة في الانتخابات وعدد مناصري الحزب الحاكم ووقوع اضطرابات اجتماعية دينية وسياسية أو عدم وقوعها ( مثل أعمال الشغب . وأعمال العنف ... الخ )

ومدي تكرار اللجوء في حالة النظام إلى الإجراءات السرية من أجل تنفيذ سياسة معينة وسنري كيف أن شرعية القانونية تصبح جوهرية أكثر في الميدان السياسي في حين تصبح الشرعية الاجتماعية أكثر أهمية أكثر في لميدان الاقتصادي وبالإضافة إلى ما تقدم سأركز على حالات معينة أو على مؤسسات معينة تنشط في هذه الميادين الثلاثة الرئيسية .

سأتفحص في الميدان السياسي مثلا السياسة المتبعة في الانتخابات البرلمانية وسأدرس في الميدان الاجتماعي موضوع النقابات المهنية ونوادي أعضاء هيئة التدريس في الجامعات ز وبما أن الجامعات ونوادي التدريس تشكل تنوعا آخر في تأثير الإخوان في المجتمع المصري.

فهذا التحليل الذي يستند إلى الوثائق الأساسية والمقابلات الشخصية سيساعد على تكملة الدراسات السابقة (التي تقدمت الإشارة إلى بعضها) المتعلقة بتأثير الإخوان إلى وثائق داخلية وغير منشورة تكمل المؤلفات المتوفرة حاليا عن الجماعة من حيث إنها تبرز كيف تستخدم الحركة هذه الفضاءات في عملية التعبئة السياسية وأشير إلى أن الدراسات السابقة مالت إلى التركيز على جامعة القاهرة فقط في موضوع اتحاد الطلبة ونادي أعضاء هيئة التدريس فيما شملت مصادر دراستي بالإضافة إلى جامعة القاهرة جامعتي الإسكندرية وأسيوط أيضا .

وأخيرا سأركز في الميدان الاقتصادي علي انتقال مصر من الاقتصاد الذي يدار بطريقة مركزية إلى الخصخصة وعلى تأثير هذا الانتقال في شرعية النظام وسأدرس كيف أثرت المؤسسات الإسلامية وبخاصة البنوك الإسلامية وشركات توظيف الأموال في بناء نفوذ وشرعية الإخوان المسلمين داخل المجتمع المصري .

العمل الميداني

وقد تحدثت مطولا خلال الشهور الثلاثة التي قضيتها في العمل الميداني بمصر (من شهر كانون الأول ديسمبر 2000 إلى شباط فبراير 2001) إلى شخصيات تنتمي إلى حركة الإخوان المسلمين وكان هدفي هو جمع أكبر قدر من المعلومات عن فترة لم تدرس من قبل بكثير من التفصيل واعتمدت مقابلاتي المهمة على أسئلة مفتوحة عالجت مسألة الشرعية ومسألة العلاقة مع مبارك والتطورات الرئيسية بين الإخوان والنظام المصري خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي والسنوات الأولي من القرن الحالي

وأجريت في البداية مقابلات مع شخصيات قيادية منها المرشدين السابقين مصطفي مشهور ومأمون الهضيبي والمرشد الحالي مهدي عاكف لمقارنة تصوراتهم لنظام مبارك بتصوراتهم لنظامي السادات وعبد الناصر وفي وقت لاحق بدأت ألتقي بالكوادر الشابة في التنظيم والذين يشاركون في النشاطات التي تجري علي مستوي القاعدة وركزت في أسئلتي المفتوحة إليهم على تأثير الإخوان المسلمين في الاتحادات الطلابية وفي النقابات وفي البنوك والبرلمان وقمت بتسجيل كافة تلك المقابلات التي أجريتها في القاهرة على أشرطة تسجيل صوتية .

وخلال فترة زيارتي الثانية لمصر (بين حزيران يونيو 2002 وآب أغسطس 2002) واصلت مقابلاتي مع الإخوان المسلمين الناشطين في القاهرة ولكني بدأت أيضا بإجراء مقابلات مع أشخاص آخرين يقيمون في الإسكندرية وفي أسيوط بما أنني رغبت في التحقيق من أعضاء آخرين في الإخوان في هاتين المدينتين لمعرفة ما إذا كانت قوة الإخوان تقتصر على العاصمة أم أنها تشمل مناطق أخري.

فمعظم الدراسات المتعلقة بالإسلاميين الراديكاليين تميل إلى التركيز على المناطق الواقعة في مصر العليا (الصعيد) في حين تميل الدراسات المتعلقة والإسكندرية ولكن التحقيقات التي أجريتها في أسيوط أظهرت أن الإخوان المسلمين يشكلون قوة ملحوظة في المناطق الريفية كما في المدن الكبيرة وتمكنت من الالتقاء في أسيوط بعضو مهم في الإخوان (خالد عبد القادر عودة) يعمل في القطاع التجاري والصناعي ووجدت أن أراده حول دور الحركة في الميدان الاقتصادي لا تقدر بثمن للآن العديد من الإخوان الذين التقيت بهم في القاهرة أو في الإسكندرية ترددوا في مناقشة ما اعتبروه موضوعا شديد الحساسية والحرج الأمني .

واحدي الفوائد العديدة التي حصلت عليها من لقاءاتي القريبة مع الإخوان في القاهرة والإسكندرية وأسيوط هي أنني تمكنت من الحصول على عدد من الوثائق الداخلية وغير المنشورة التي كتبها أعضاء المكتب السياسي في جماعة الإخوان وهي وثائق مهمة لأنها تسلط الكثير من الضوء على كيفية فهم الحركة للتغيير في الموقف الرسمي لنظام مبارك وللعوامل التي أدت إلى هذا التغيير.

ومع أن هذه الوثائق كتبت عندما كانت المواجهة بين النظام والحركة في أوجها فإن أيا منها لم يأت على ذكر " الصراع المسلح " أو كر خطط لـ " الإطاحة بالحكومة " كرد على تلك المواجهة وبدلا من ذلك ركزت على الحاجة إلى التوسع بهدوء إلى أن تصبح الحركة واقعا لا يمكن إنكاره وقد تعمقت في دراسة هذه الوثائق في الفصل السادس وأدرجت بعضا منها في ملحق الكتاب .

كما تمكنت في أثناء زيارتي الثانية إلى مصر من الالتقاء بمفكرين مستقلين بارزين وناشطين حزبيين ومسئولين حاليين أو سابقين في نظام مبارك على رغم أنني واجهت مشكلات جمة وبخاصة عندما أردت الالتقاء بمسئولين أمنيين أو بشخصيات مثيرة للجدل مثل سعد الدين إبراهيم الذي كان حينها يخضع لمراقبة الشرطة بعد تعرضه للمحاكمة والسجن واحدي مشكلاتي الرئيسية كانت في التعامل مع الأجهزة المنية في مؤسسات حكومية وزارات معينة , لكنني أعتقد بأن مثل هذه الصعوبات كانت متوقعة على كل حال لأي شخص يبحث في موضوع حساس مثل الإخوان ومبارك .

استعراض عام للكتاب

وبعد هذا الشرح الموجز , أقول إن مقدمة الكتاب تقدم مراجعة موجزة للخليفة التاريخية للعلاقة بين الإخوان المسلمين والنظام المصري ف يعهد الرئيسية جمال عبد الناصر والسادات وهذه المقدمة ليست سردا تاريخا مجردا إنما تلقي الضوء على تعامل كل رئيس مع مختلف الميادين والمؤسسات لبناء شرعيته .

وتعالج الفصول الأول والثاني والثالث فترة الثمانينيات من القرن الماضي على وجه التحديد وهي العقد الأول من وجود الرئيس مبارك في السلطة إذ يتحدث الفصل الأول عن النظام المصري والعقد الاجتماعي ويتحدث الفصل الثاني عن الفترة الممتدة بين العامين 1981 , 1984 ويتحدث الفصل الثالث عن المرحلة الأخيرة من عقد الثمانينيات أى الفترة الممتدة بين العامين 1984 و1987 وقد تفحصت في كل فصل تأثير التطورات والتغيرات التي طرأت على الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية في الإخوان وفي نظام مبارك ومساعي الطرفين في توظيف هذه التغيرات لاكتساب كل طرف شرعيته وعلى رغم أن الفترة الواقعة بين مستهل عقد ثمانينيات ومنتصفه غاب عنها سياق المواجهة يبين الفصل لرابع أن لنظام بدأ يستشعر الخطر من زيادة تأثير الإخوان في المجتمع وفي السياسة بحلول العام 1987 حتى العام 1990.

ويعالج الفصلان الخامس والسادس فترة التسعينيات باستفاضة فيتفحص الفصل الخامس الفترة الممتدة بين العامين 1990 و1994 ويناقش السياق الذي تحولت فيه الشرعية الاجتماعية للإخوان إلى تطر سياسي استفز النظام وهذا لا يرجع إلى مقدار فاعلية لحركة وإنما يرجع كما ذكرت , إلى قدرتها التعبوية للجماهير عندما يجري تنظيمها وتسييسها ومما زاد من تفاقم الوضع قلق النظام من مدي شرعيته الاجتماعية بسبب تقلص دور الدولة لصالح تمد القطاع لخاص , ويعالج الفصل السادس الفترة الممتدة بين العامين 1995 و 2000 ويبحث في تفاصيل ذروة المواجهة التي وقعت بين مبارك والإخوان في العام 1995 وخلال تلك الفترة أدت المحاكمات العسكرية للإخوان إلى إضعاف تأثير الحركة لكنها عمقت في الوقت نفسه أزمة شرعية النظام .

وجري استغلال هذه الشرعية بعد ذلك في صيغة سياسية ليس كردة فعل على التطورات المهمة مثل حرب الخليج والهزة الأرضية المدمرة التي ضربت القاهرة في العام 1992) وحسب بل كردة فهل على رفض النظام المستمر للاعتراف بالمنظمة وقامت الحركة بتوظيف شرعيتها الاجتماعية المنظمة سياسيا لتعبئة المستفيدين من خدماتها الاجتماعية من أبناء الطبقة الدنيا ضد إنكار الدولة الرسمي للإخوان كما أن الشكل المنظم والسياسي للشرعية الاجتماعية تحدي سعي النظام نفسه إلى كسب الشرعية ودفع مبارك إلى التخلي عن سياساته المتسامحة مع الإخوان وغلى استرداد المساحات التي كان قد فتحها خلال عقد الثمانينيات وربما تسببت هذه الخطوة في ردع الإخوان وفي إضعاف شرعية الحركة ولكنها أضعفت في الوقت نفسه الشرعية القانونية لمبارك وزادت من حدة أزمة شرعية وهي الأزمة التي أصبحت أكثر وضوحا في منتصف عقد التسعينات .

وأما الفصل لسابع فإنه يغطي أهم التطورات من الفترة من 2000 إلى 2007 , ولا سيما طرح الإخوان لبرنامج حزبهم السياسي وصعودهم السياسي الملحوظ في انتخابات العام 2005 وهي فترة اتسمت بحدة الصراع بين الإخوان والدولة .

الفصل الأول

النظام المصري والعقد الاجتماعي منذ أن تأسست الحركة في العام 1927 , والعلاقة بين الإخوان المسلمين والأنظمة لمصرية تتبع نمطا دوريا عادة ما يبدأ بتعايش ومهادنة وينتهي بمواجهة وصدام ويؤكد حامد عبد الماجد , وهو عضو في الإخوان وأستاذ في كلية العلوم السياسية بجامعة القاهرة وجود هذا النمط الدوري ويشرح مثلا كيف أن الملك فاروق تعايش مع الإخوان طوال الفترة الممتدة بين العامين 1942 و1947 ثم عمد إلى قمعهم في عام 1952, وكيف أن عبد الناصر تعايش معهم بين العامين 1952 و1954 ثم عمر إلى قمعهم بين العامين 1954 , 1970 وكيف أن السادات تعايش معهم في مستهل السبعينيات من القرن الماضي ثم قمعهم ابتداء من العام 1978 وحتى العام 1981 وهو لعام الذي اغتيل فيه .

وكانت الأسباب التي تقف وراء هذه التغيرات في العلاقات بين الحركة وكل نظام تختلف تبعا لكل حالة لكنها في النهاية لم تتحد أو تناقض منطق ذلك النمط الدوري القائم على : تعايش تتبعه مواجهة وسندرس في هذا الفصل العناصر التي صاغت هذا النمط خلال مدة حكم كلمن عبد الناصر والسادات وسأحاول في الفصول التالية تحديد مدي استمرار هذه العناصر في التأثير ففي علاقات مبارك مع الحركة وسيعتمد تحليلي على المقدمة التي تقول بأن العلاقة بين الإخوان وعبد الناصر وبين الإخوان والسادات صاغها صراع كل طرف منهما لاكتساب الشرعية وأنه بناء على هذا الصراع وعلى متطلبات " شكل الشرعية " المنشودة ( التي تكلمنا على أشكالها في المقدمة ) كانت الحركة تمر إما بمرحلة تعايش وإما بمرحلة قمع .

أولا: عبد الناصر والبحث عن الشرعية

عندما وصل عبد الناصر إلى السلطة في العام 1954 كان يتمتع بدرجة معينة من الشرعية التي منحته إياها ثورة 1952 وخلال تلك الفترة لم يكن لدي الرئيس الجديد رؤية محددة لكيفية حكم مصر أو للمسار لذي يبنغي إتباعه لتأكيد هويتها السياسية والإيديولوجية وفي هذه المرحلة من الارتباك تعايش النظام مع الإخوان وفي ما عدا الشرعية الثورية والدينية تمنع عبد الناصر بكاريزما شخصية وفرت شرعية لقيادته أيضا .

بالإضافة إلى صفاته الشخصية فقد كان للسياق الاجتماعي والسياسي لمصر في حقبة الخمسينيات والستينيات أثر في زيادة الكاريزما التي تمتع بها عبد الناصر وكما يشير تأكد في دراسة للكاريزما في الأوضاع الثورية فإن القائد الكاريزمي غالبا ما يبرز من حركة تدعو إلى التغيير أو إلى الإصلاح كما ينبغي أن يكون هناك توق شعبي عام للخلاص أو وجود أزمة تتطلب حلا عاجلا في مختلف شرائح المجتمع المعني ولقد كان عبد الناصر شابا وقائدا سياسيا متحمسا ومواطنا مصريا بعكس الحكام الفاسدين السابقين الذين خلفوا محمد علي الذي لم يولد في مصر , وتاق المصريون إلى التخلص من قوتين رئيسيتين الملك الفاسد والبريطانيين واستفاد عبد الناصر من مواهبه الشخصية في تلبية هذه المطالب فخطاباته القوية والمشحونة بالرموز الخطابية حولت الأحلام التي تطلع إليها المصريون سنين عديدة إلى حقيقة وبالنسبة إلى المواطن العادي المتأثر إلى حد بعيد بالدعاية القوية التي كانت تبثها الدولة كان عبد الناصر يعتبر " منقذ " مصر في تلك المرحلة وهي نظرة تأكدت بالقرار الذي اتخذه بتأميم قناة السويس في العام 1956 ولم يتم تصوير هذا القرار كرد غاضب على رفض أمريكا تمويل بناء السد بل كمحاولة وهي نظرة تأكدت بالقرار الذي اتخذه بتأميم السويس في العام 1956 ولم يتم تصوير هذا القرار كرد غاضب على رفض أمريكا تمويل بناء السد العالي بل كمحاولة وطنية لتحرير مصر من الهيمنة الأجنبية وهذا ما زاد في شعبية النظام .

الشرعية الشعبية

بالإضافة إلى الكاريزما التي تمتع بها عبد الناصر , بدأت هالة تتكون حول القيادة الشخصية له بناء على الخط الذي انتهجه في سياساته وقد هدفت هذه السياسات إلى إعطاء شرعية شعبية اعتمدت على سياسته الخارجة في التعاطي مغ إسرائيل والولايات المتحدة ولعب عبد الناصر على وتر مشاعر الشعب المصري الذي اعتقد على رغم عدائه الشديد لإسرائيل بإمكانية التعايش السياسي مع الدولة العبرية شريطة استعادة حقوق الفلسطينيين .

ولم يتغير هذا الاعتقاد حتى في أعقاب العدوان الثلاثى لبريطانيا وفرنسا وإسرائيل في العام 1956 , على اعتبار أن عبد الناصر لم يأخذ استنادا إلى أسامة الغزالي حرب مسألة المواجهة مع إسرائيل على محمل الجد وواصل عبد الناصر استخدام القضية الفلسطينية في تعبئة وجذب قاعدة تأييد أوسع لقيادته كما هو الحال الذي لا يزال في معظم الأنظمة العربية واستمر في تصوير صراعه من أجل فلسطين على أنه جزء من صراع القومية العربية ضد الإمبريالية والاحتلال الغربي واستخدم في سياق هذه العملية خطابه في تحديث الجيش وفي إحكام سيطرته على المعارضة وكما قال وحيد عبد المجيد فإن السياسة الخارجية لعبت دورا في تعزيز شرعية النظام المصري وكانت إسرائيل رقما مهما في تلك المعادلة وفي تلك الفترة .

شرعية الإنجاز

ولكن الكاريزما والسياسة الخارجية الخاصة بالمواقف من إسرائيل والغرب لا تكفيان وحدهما في المحافظة على استقرار النظام في السنين التالية. فالناس في نهاية الأمر تقيم أى نظام ليس من خلال الشعارات فحسب وإنما من خلال ما يقدمه من خدمات تلبي احتياجاتهم اليومية أيضا وكان يتوقع من عبد الناصر إذا أن يوسع من جاذبيته الشعبية من خلال التوفيق بين الشعارات التي كانت تتحدث عن " الكرامة والوطنية والعدالة الاجتماعية" وبين الإنجازات التي يتم تحقيقها في الواقع وبعبارة أخري كان يتوقع من عبد الناصر دعم وتأكيد مسؤولية الدولة في توفير الطعام المدعوم والتعليم المجاني والخدمات الصحية فضلا عن توفير الوظائف للخريجين الجدد وكان هذا هو الثمن الذي دفعه عبد الناصر مقابل حصوله على رضا الطبقة الوسطي وهو العقد الاجتماعي الذي ابرمه مع هذه الطبقة مقابل إذعانها السياسي وسرعان ما باتت الهياكل البيروقراطية التي تطلبها العقد الاجتماعي تسيطر على المواقف وعلى المنظمات السياسية والاجتماعية وعلى النقابات والاتحادات العمالية والجمعيات التطوعية والساحات الجامعية والحركات الاجتماعية التي أجبرت على الانضمام إلى الدولة والانصهار في أجهزتها وفي حال رفضت ذلك كما كان الحال مع الإخوان المسلمين كانت تتعرض لقمع وحشي .

وقد انقضت سنتان على نجاح الثورة وكانت شعبية عبد الناصر في ازدياد ما أشعره بأنه لم يعد بحاجة إلى دعم الإخوان ومن جهة أخري بدأ لهم أن ذلك لم ولن يحصل بانتقاد سياسات عبد الناصر حيال البريطانيين وحيال دور الدين في المجتمع المصري وفي السياسات المصرية وكان عبد الناصر قد عمد منذ السنة التي تولي فيها السلطة إلى التخلص من الحركة بوصفها منافسا سياسيا وإلى حلها ومصادرة أرصدتها الاقتصادية في العام 1954 على الرغم من العدد الكبير لأعضائها .

قمع الإخوان المسلمين

في أعقاب تخلص عبد الناصر من منافسيه شرع في بناء دولة استبدادية تتركز كافة سلطاتها في يده وبناء على ذلك لم يعد مسموحا للمؤسسات والمنظمات التي تضمنت مجلس الشعب واتحادات الجامعات الطلابية والنقابات المهنية بالعمل بطريقة مستقلة عن الدولة .

ففي ما يتعلق بالمجلس التشريعي شهدت فترة حكم عبد الناصر أربع دورات في الأعوام 1957 , 1960, 1964, 1969 ولم يتمتع أى من تلك الدورات بسلطة حقيقية تتجاوز إرادة النظام وبناء على ذلك وافقت اللجنة التنفيذية للإتحاد القومي ( التي كان يرأسها ناصر بنفسه ) على أسماء 1748 مرشحا من أصل 2508 ترشحوا لانتخابات العام 1957 وذلك لضمان عدم نجاح أى عضو من الإخوان أو أى متعاطف مع قضيتهم في الوصول إلى مجلس الشعب وفي العام 1957 كان يوجد في مجلس الشعب 342 مقعدا حظي كافة شاغليها برعاية الدولة حيث خصص 94 مقعدا لضباط الشرطة و103 مقاعد للمهنيين و124 مقعدا للفلاحين والعمال .

وقمع عبد الناصر حرية اتحادات الطلاب الجامعية في إجراء انتخابات حرة فلغاية الأربعينيات ومطلع الخمسينيات من القرن الماضي احتفظت الجامعات بممثلين عن الإخوان الذين تولوا إدارة الاتحادات الطلابية إلا أنه في العام 1953 أصدر عبد الناصر قانونا أعطي وزير التعليم الحق في نقل المحاضرين في الجامعات الذين يشتبه في ولائهم لحركة الإخوان المسلمين أو للشيوعيين إلى مناصب خارج الجامعات وفي شباط / فبراير 1954 جري اعتقال لعديد من الإخوان ومعاقبتهم في أعقاب اندلاع تظاهرات طلابية حاشدة وتنظيم إضرابات طالبت بقدر أكبر من الديمقراطية .

وكان عبد الناصر يعرف قوة الإخوان في لجامعات حتى قبل مجيئه إلى السلطة في العام 1954 فبوصفه وزيرا للداخلية في العام 1952 , زار عددا من معسكرات تدريب الطلاب الخاصة بالإخوان في الإسكندرية ودمياط وحلوان وطبقا لمهدي عاكف مرشد الإخوان " دهش ( ناصر) من حجم هذه المعسكرات " كما كان عبد الناصر على علم بأن الإخوان يستخدمون الحرم الجامعي كمواقع تدريب عسكرية حيث استخدموا الذخيرة الحية في بعض الأحيان ونتيجة لذلك تم فرض قيود على الطلاب وإجراءات أمنية عند مدخل الجامعات .

وسيطر عبد الناصر أيضا على النقابات المهنية وحرم الإخوان من الانتساب إليها , كما منعوا أيضا من خوض الانتخابات لنيل العضوية في مجالس إدارة النقابات وتوجب على الأعضاء المهنيين الذين يرغبون في خوص هذا الانتخابات الحصول على عضوية الاتحاد القومي ( الذي أصبح في ما بعد الاتحاد الاشتراكي العربي ) وقد فكر عبد الناصر في إلغاء النقابات في مناسبات عديدة واستنادا إلى بيانكي فقد حل عبد الناصر مجلسي نقابتي الصحافيين والمحامين مثلا عندما طالبتا بالعودة إلى الحكم الديمقراطي وعندما خرجت الانتخابات في احدي النقابات عن السيطرة عمد عبد الناصر إلى تعلقيها وإلى تعيين مجلس إدارة أكثر ولاء له .

أزمة الشرعية في العام 1967

ناقشنا لغاية الآن طريقة اعتماد عبد الناصر على أشكال معينة من الشرعية في إرساء دعائم قيادته ( الكاريزما والشعبية السياسية والخدمات ) والطريقة التي وظف فيها القمع في لتخلص من منافسيه ومن الإخوان المسلمين تحديدا وعلى رغم أن الهزيمة التي مني بها عبد الناصر أمام إسرائيل في حرب 1967 قوضت مخزون شرعيته فقد تمكن من تجاوز الأزمة بسبب إجراءاته القمعية ( حسب هادسون ) ورصيده من الكاريزما والعقد الاجتماعي بينه وبين لطبقة التي استفادت من خدماته ويشير وحيد عبد المجيد إلى أهمية العقد الاجتماعي بوصفه عنصر دعم لنظام عبد الناصر بعد العام 1967:" معظم الأشخاص الذين نزلوا إلى الشوارع وحثوا عبد الناصر على عدم الرحيل في أعقاب خطاب الاستقالة انتموا إلى الطبقة الوسطي والذين استفادوا من خدماته كانوا في غالبيتهم من المهنيين ومن صغار التجار وموظفي القطاع العام في القاهرة وهذا هو سبب افتقار المتظاهرين إلى دعم الطبقات الأشد فقرا الذين قدموا من الأقاليم الريفية بمصر .

ولكن الظروف الجديدة التي ارتبطت بهزيمة 1967 فرضت على عبد الناصر البحث عن أشكال أخري من أشكال الشرعية لتعويض تداعيات الحدث ومن البحث عن أشكال أخري من أشكال لتعويض تداعيات الحدث ومن اجل امتصاص غضب اغلب المصريين من فشل القومية العربية .

وعلى العكس من الموقف القمعي الذي تبناه في الخمسينيات وفي مستهل الستينيات أصبح عبد الناصر أكثر تجاوبا مع المطالب الشعبية الداعية إلى إدخال إصلاحات ديمقراطية وإلى سيادة القانون , ويمكن القول إذا أن الشرعية القانونية أصبحت شكلا مهما للانتصار بعد لعام 1967 من ذي قبل ففي جامعة القاهرة ردد الطلاب الإسلاميون والشيوعيون شعارات تطالب بحرية الصحافة وانتخابات نزيهة وإبعاد الجهاز الأمني عن حرم الجامعات ووعد عبد الناصر بإدخال بعض الإصلاحات المدرجة في برنامجه الشهير الذي أعلن عنه في آذار / مارس 1968 الذي اعتبر محاولة لإحلال نمط الشرعية العقلاني الذي تحدث عنه فيبر محل الشرعية الكاريزمية والثورية وخفف عبد الناصر من القيود النقابية المفوضة على النقابات التي كانت تتمتع بحريات مقيدة وتعبر عن آراء مختلفة وبدأت السياسات الاقتصادية تتأرجح أكثر من أى وقت مضي بين الاشتراكية المركزية والليبرالية المتواضعة حيث كانت الأخيرة مدفوعة بمشاعر عارمة بأن المصريين عانوا بما فيه الكفاية تبعات الحروب السابقة والمغامرات الخارجية وأن إرخاء القيود المفروضة على الرأسمال الخاص أمر لابد منه لإيجاد مصادر دخل بديلة .

بالإضافة إلى الإصلاحات القانونية تودد عبد الناصر إلى أصحاب المشاعر الدينية للمحافظة على استقرار نظامه بعد العام 1967 , وهذا الأمر أفسح مكانا للشكل التقليدي لديني من أشكال الشرعية التي اتبعها النظام في أواخر الستينيات ولا يعني هذا أن عبد الناصر كان قد أهمل الشرعية الدينية لنظامه حتى لما كانت شعبيته في أوجها وإن كان موقفه من الدين تفاوت تبعا للظروف الاجتماعية والسياسية السائدة ففي دراستها للدور السياسي للأزهر تجادل ماجدة ربيع بان الإسلام مثل أداة قوية لعبد الناصر وبخاصة في ذروة المواجهة التي اندلعت بينه وبين الإخوان في العامين 1954, 1965 وكذلك في أعقاب هزيمة العام 1967 ويضيف أسامة الغزالي حرب أن عبد الناصر وظف الشرعية الدينية كخطاب مناوئ لاستخدام إسرائيل الطرح الديني في تعبئة اليهود لدعم الدول العبرية وفي سياق ذلك سعي عبد الناصر إلى الحصول على دعم الأزهر .

وفي سياق تعزيز شرعيته الدينية بدا عبد الناصر أنه يتودد إلى الإخوان أيضا عندما أطلق سراح العديد من أعضاء الحركة من السجون إلى درجة أنه لم يبق قيد الاعتقال من الإخوان في العام 1971 سوي 140 عضوا حسب مصدر مقرب من النظام ولم ينكر مهدي عاكف أن عبد الناصر أطلق في سنيه الأخيرة سراح أعضاء من الإخوان لكنه قال إن عدد الذين أفرج عنهم كان ادني بكثير من العدد الذي ادعاه المقربون من النظام في الواقع جاءت معظم عمليات الإفراج نتيجة للضغوط الدولية التي مارستها الدول العربية والإسلامية في أعقاب إعدام قطب في العام 1966.

ةفي المجمل خفت القيود المفروضة على الإخوان نسبيا وباتت الحركة قادرة على استعادة بعض من حريتها واستنادا إلى ظورل باري وبناء على مقابلاته الشخصية التي أجراها مع عصام العريان فقد بدأ الإخوان بإعادة تجميع صفوفهم في العام 1969 , وشكلوا حلقات في المساجد وفي حرم الجامعات لكن حضورهم القوي لم يبدأ إلا في السنين التي أعقبت وفاة عبد الناصر وتولي السادات السلطة في العام 1970 .

ثانيا : السادات والبحث عن شرعية جديدة

كان على السادات أن يبحث له عن شكل جديد من أشكال الشرعية , بما أنه كان يفتقر إلى الكاريزما التي تمتع بها عبد الناصر , ويبدو أنه اختار أن يؤسس شرعية سلطته على الشرعية القانونية كما أن السادات بالتأكيد مقارنة بعبد الناصر , اشتهر بتدينه وهو الأمر الذي استخدمه أيضا في مجابهة تأثير اليساريين وما تبقي من الناصريين وفي سياق سعيه إلى الحصول على الشرعية تسامح مع الإخوان المسلمين وإن لم يعترف بوجودهم بشكل رسمي .

بناء دولة القانون

تشير الدراسات المصرية إلى أن الإسهام الرئيس الذي قام به السادات في تطوير الدولة المصرية كان التحول من الشرعية الثورية إلى الشرعية القانونية ولا يعني ذلك أنه لم يعد يحكم مصر نظام عسكري أو سلطوي بل كان ما في الأمر أنه جري إضفاء صفة مؤسساتية من نوع ما على العنصر الاستبدادي فبعد مرور سنة على توليه السلطة أدخل السادات إصلاحات في الدستور تؤكد سيادة القانون وأعلن أن مصر " دولة القانون " ووعد بحقبة جديدة من الاستقلال القضائي وأعلن عن وقف عمليات سجن الأشخاص بسبب قناعاتهم السياسية والدينية .

وابتعد السادات في العام 1976 عن نظام الحزب الواحد الذي اعتمد على الاتحاد الاشتراكي العربي وطرح تعددية حزبية مقيدة سمحت بثلاثة أحزاب رئيسية هي : الحزب الاتحادي التقدمي الذي يمثل اليسار وحزب العمل الاشتراكي الذي يمثل الوسط وحزب الأحرار الذي يمثل يمين الوسط كما اعترف النظام بحزب الوفد الجديد كحزب رابع في العام 1977 على رغم حزب الوفد الجديد قرر بعد عام واحد حل نفسه احتجاجا على اتهام السادات بأن كان له ماض سياسي " فاسد" .

الرئيس المؤمن

بالإضافة إلى التزامه الشخصي بالدين شهد السادات بروز التيار الإسلامي في أعقاب هزيمة عبد الناصر في العام 1967 فاستغل هذا التيار في الشخص من منافسيه اليساريين الذين كان يرأسهم على صبري , ووزي الداخلية في حكومة السادات شعراوي جمعة ونص دستور النظام الدائم على أن " الإسلام هو دين الدولة وعلى أن العربية هي لغتها الرسمية , وعلى أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي مصدر رئيسي للتشريع " وبالطريقة نفسها التي أعلن فيها السادات أن مصر هي " دولة القانون" أعلن بأنها " دولة العلم والإيمان ".

وأطلق السادات سراح الإخوان المسلمين من سجون عبد الناصر وأعاد إليهم ممتلكاتهم وأرصدتهم المصادرة وسمح للإخوان الذين كانوا يعيشون في المنفي منذ الستينيات بالعودة إلى مصر كما سمح للحركة باستعادة مقراتها وعقد لقاءاتها العامة , واستئناف مطبوعاتها ( مجلة الدعوة ) .

وشجع على بناء المراكز الدينية خارج إطار جامعة الأزهر وعلى بناء المساجد خارج نطاق إشراف الدولة وفي أعقاب الانتصار على إسرائيل في حرب العام 1973 وتحت شعار " الله أكبر" طرح السادات نفسه بوصفه " الرئيس المؤمن " واستخدم الشرعية الدينية بوضوح عندما بدأ أن الإسلام يدعم سياساته وفي حين أن عبد الناصر وظف الإسلام في تبرير ولعه بالاشتراكية قام السادات بفعل الشئ نفسه في تبرير سياسة الانفتاح والرأسمالية وشرع في صحافته شبه الرسمية من مناقشة ما وصفه بـ " الاقتصاد الإسلامي " مشيرا إلى أن الإسلام يحترم الملكية الفردية وسعي الإنسان إلى كسب الرزق وقد أدي ذلك إلى بروز " شركات توظيف الأموال الإسلامية " و" البنوك الإسلامية " التي سنتحدث عنها في الفصل الثاني .

ولقد جلب دستور العام 1971 الذي وضعه السادات , والذي نص على الدور الرئيسي للإسلام في التشريع إلى الواجهة نقاشا عاما واسعا في مصر حول موقع الدين في السياسة المصرية وعندما جري تعديل الدستور في العام 1980 بحيث أصبحت الشريعة مصدر التشريع اكتسب هذا النقاش زخما أكبر .

إن الشرعية الدينية التي حصل عليها الإخوان على مر العقود الماضية عززت من جاذبيتهم الجماهيرية ومن خلال أفكار الحركة في مجلة الدعوة وفي الميادين الأخرى التي شغلتها اهتمامهم لهذه القضية بناء على توجيهات الجماعة ( كان المساهمون الرئيسيون في هذا الجدال عمر التلمساني , من خلال مقالاته ومقابلاته الصحافية والشيخين الغزالي وكشك من خلال مساجدها الشعبية وخطب الجمعة ) .

العقد الاجتماعي

ولم يتخل السادات بالكلية عن العقد الاجتماعي الذي أبرمه عبد الناصر عن التزام الدولة بالطبقات الوسطي ولكن ابتداء من منتصف السبعينيات ووصولا إلى الثمانينيات استنفذ النظام قدرته في الحفاظ على نفقات الرعاية الاجتماعية واستنادا إلى ويكهام استنفد السادات عائدات مصر لأنه على رغم أنه أراد تأكيد التزامه بالعقد الاجتماعي لمصر كان غير قادر على القيام بذلك من الناحية العملية لأنه قاعدة المستفيدين من العقد الاجتماعي باتت أوسع بكثير أضف إلى ذلك التجزئة التدريجية للطبقة الوسطي وهي الطبقة التي عمل عبد الناصر على تعزيزها من أجل السير قدما في توسيع بيروقراطيات دولته نتيجة لسياسة فتح الاقتصاد المصري أمام الاستثمارات الأجنبية فقد أوجدت سياسة الانفتاح التي اتبعها السادات فرصا جديدة تنسجم بالضرورة مع المهارات والمستويات التعليمية التي وصلت إليها هذه الطبقة من دراستها في الجامعات كان ذلك يعني من الناحية العملية إضعاف قدرة الدولة على ضمان حصول حملة الشهادات المصريين على مداخيل الطبقة الوسطي التالي كان من الصعب المحافظة على " العقد الاجتماعي " كما صاغه عبد الناصر .

بالإضافة إلى ما تقدم بدا وضاحا أن السادات كان أكثر انحيازا إلى الطبقات البرجوازية التي شكلت القاعدة الاجتماعية لنظامه والتي كانت تدفع باتجاه الانفتاح والليبرالية السياسية ويدعي هابنبوش بأن هذا الانحياز شكل العقد الاجتماعي الجديد الذي أبرمه السادات مع طبقة اجتماعية جديد وأقل اتساعا وبموجب هذا العقد الجديد سيضعف السادات سياسة التدخل التي تمارسها الدولة في المجتمع وف المعترك السياسي في مقابل إطلاق يده في رسم السياسة الخارجية وعدم تحدي رئاسته الاستبدادية .

ثالثا : الإخوان المسلمون والبحث عن الشرعية

عندما أطلق السادات سراح الإخوان من السجون بدأت الحركة بالسعي إلى تحقيق هدفين متلازمين :

كان الهدف الأول هو الحصول على الاعتراف الرسمي من قبل الدولة والذي كانت قد فقدته منذ العام 1954 .

والهدف الثاني كان إعادة بناء تنظيم الجماعة وفي ما يتعلق بالاعتراف الرسمي فقد كان السادات على استعداد للتسامح مع الحركة لكن من غير أن تعود إلى وضعيتها القانونية السابقة وهو الأمر الذي لم يقبل به الإخوان ففي ضوء تجربتهم مع عبد الناصر التي أدت إلى القضاء على وجوده السياسي والاجتماعي والاقتصادي بالكامل قرر الإخوان عدم الاعتماد على القبول الضمني من قبل النظام أو الرئيس ما لم يترسخ ذلك القبول على شكل اعتراف رسمي .

ورفع عمر التلمساني في تشرين الأول أكتوبر 1977 قضية ضد قرار عبد الناصر بحل التنظيم مجادلا أولا بما أن المجلس الثوري لم يكن يتمتع بحقوق تشريعية أو دستورية فالقرار الذي اتخذه بحل الحركة في العام 1954 لا يعتبر قانونيا وثانيا, حتى لو تم التسليم بأن القرار كان صحيحا من الناحية القانونية , فقد انتقض باعتذارات عبد الناصر على ما فعله في العام 1954, وبإطلاقه سراح الإخوان من السجون والسماح لهم بالتالي بالعمل بحرية وثالثا , ألغت الإصلاحات السياسية التي أدخلها السادات كما تجلت في قانون الأحزاب الصادر في العام 1976 بشكل تلقائي القرارات التي اتخذها عبد الناصر بحل الأحزاب السياسية والمنظمات السياسية بما في ذلك التنظيم إلا أن القضية التي رفعها التلمساني لم تحسم من قبل المحكمة حتى أن ولا تزال لغاية تاريخ هذه الكتابة محل نزاع واستنادا إلى مجلة لواء الإسلام المتعاطفة مع الإخوان أرجأت المحكمة النظر في قضية الإخوان أمثر من أربعين مرة بين العامين 1977 و1990 وأدرك الإخوان أنه حتى محاكم السادات مهما بدت " مستقلة" وهي في الحقيقة خاضعة لسياسات الدولة .

وكان الاتجاه الآخر للإخوان هو الاستفادة من التغذية الحزبية التي دعا إليها السادات وإعادة تعريف نفسها في سياق سياسي حزبي ولم يكن التحول الذي أحدثه نظام التعددية الحزبية في العام 1976 بمثابة تغيير في أفكار الإخوان المتعلقة بالسياسات الحزبية ولكن الحزبية وفرت قناة بديلة للحصول على اعتراف الدولة وكان الوضع المثالي سيتجسد بالطبع في أن يمنح النظام أو الحاكم حركة الإخوان الحق القانوني بالوجود بوصفها حركة إسلامية جماهيرية بدلا من الاعتراف بها حزبا سياسيا وهذا هو السبب الذي جعل من الصعب الانتقال من وضعية الحركة إلى وضعية الحزب وسبب عدم القبول بها بعبارات مطلقة .

ولذلك كان الإخوان عاجزين في السبعينيات من القرن الماضي عن تصور مهمتهم في المجتمع المصري دون وجود الحركة كفكرة وكتنظيم وبدلا من أن تصبح وسيلة للوصول إلى غاية أصبحت الحركة استنادا إلى عبد المنعم أبو الفتوح وهو مسئول رفيع في الإخوان المسلمين غاية في حد ذاتها وعندما تحدث التلمساني عن إمكانية دخول برلمان السادات عارض مهدي عاكف , مرشد الإخوان ذلك الاقتراح بقوة وقال لى عاكف " قلت للتلمساني بأن فهمي للإخوان هو أنها منظمة شاملة ( و) ... لذلك لن تقبل أو نوافق على إلغائها أواستبدالها بحزب سياسي ينظمه قانون الأحزاب , ولم يعترض التلمساني على رفض عاكف , ولكنه اكتفي بالتشديد على الحاجة إلى تأمين مظلة قانونية لكي تعمل تحتها الحركة بطريقة علنية حبا سياسيا كانت أو جماعة شعبية .

ولكن ذلك لم يكن يعني أن التلمساني كان على استعداد للتخلي عن التنظيم تماما من أجل حزب سياسي فقد كان ينظر إلى التنظيم على أنه يختلف بشكل كامل عن الحزب السياسي الذي هو أضيق نطاقا بكثير على العموم من حيث أفقه وجاذبيته كما أن التلمساني بقي ينظر بسلبية إلى فكرة التعددية السياسية المستندة إلى الحزبية فقد انتقد في العام 1978 الحزبية بالقول إن البيانات الحزبية وسياسات الأحزاب تتغير مع تغير القادة والشخصيات ولم يكن لها علاقة مصالح الأمة وفي مقالة كتبت في العام 1979 كرر الملاحظات التي تنم عن شكوك البنا في الحزبية إلى درجة ربط الأحزاب دائما بالشجارات والنزاعات التي تقسم المجتمع وتمزقه أشلاء كان أمل التلمساني هو أن يوافق السادات على القبول بدخول الإخوان البرلمان على اعتبار أنهم يمثلون اتجاها اجتماعيا سياسيا وليس حزبا سياسيا , وليس حزبا سياسيا بالمعني التقني الضيق للكلمة. وقد رفضالإخوان الاندماج التي عرضها السادات مع أى من الأحزاب السياسية الرئيسية لأنهم رأوا أنهم يمثلون في المجتمع اتجاها مستقلا ينبغي أن يحظي بتمثيل مستقل في البرلمان وبالتالي لم تكن فكرة الحزبية قد تحولت بعد إلى واقع متأصل في السياسة في فترة السبعينيات كما أنها لم تحظ بأولوية سياسية في أذهان الإخوان بعكس ما أصبح عليه الحال في الثمانينيات والتسعينيات وفي السنوات الأولي من الألفية الثالثة ( لما طرح الإخوان لأول مرة علنا برنامج حزبهم السياسي ).

هدف الحصول على الاعتراف السياسي من قبل الدولة

وفي السبعينات تقدم الإخوان بطلب الحصول على اعتراف سياسي لكنهم توقعوا أن يلقي الرفض وكان قانون الأحزاب قد حظر تشكيل الأحزاب بناء على معتقدات دينية بما أن تشكيل الأحزاب على أسس دينية سيتسبب كما جادل النظام.

في حدوث انشقاقات اجتماعية وحزبية بين المسلمين والأقباط وبدروهم بني الإخوان حججا هدفت إلى دحض حجج النظام واستنادا إلى دراسة غير منشورة أعدها محام مخضرم من الإخوان في القاهرة جاء في احدي هذه الحجج أن الإخوان المسلمين لا يمثلون في الواقع حركة دينية بالمعني التقليدي للكلمة وإنما حركة تعني بـ " البعد السياسي للإسلام " ومضي الكاتب إلى حد القول أن الإخوان شاركوا في البعد السياسي للإسلام فقط كجزء من طريقتهم الهادفة إلى السمو بالوضع الروحي والتعليمي والسلوكي لأعضاء الحركة:

"وبخلاف ذلك تعني الحركة أساسا بالبعد السياسي للإسلام أن مشاركة الحركة في السياسة صاغتها مبادئ الشريعة وهي تقتصر على استخدام الوسائل الديمقراطية والدستورية لبلوغ أهدافها وهذه المشاركة السياسية هي التي تميز الإخوان المسلمين من الجماعات الإسلامية الأخرى التي تعني فقط بالناحية الدينية الصرف للإسلام مثل الجمعية الشرعية وأنصار السنة والتبليغ .

ولم يكن المقصود من التركيز على العنصر السياسي ببساطة هو تمييز الحركة ممن الجماعات الإسلامية الأخرى , بل كان المراد إعادة تعريف التوجهات الدينية للحركة بدلالة ما سيجعلها منسجمة مع الترتيبات السياسية الجديدة وهذه المقارنة في التعاطي مع السياسة ومع الدين مختلفة علي نحو صارخ عن المقارنة التي اتبعتها الحركة في فترة الأربعينيات واستنادا إلى حامد عبد الماجد عضو في المكتب السياسي في الإخوان فقد قدم حسن البنا الحركة بالمقارنة على أنها أكثر اهتماما بالإصلاح الديني وإن أدي ذلك في مرحلة معينة إلى التنازل عن المكاسب السياسية فقد وافق البنا على سبيل المثال على سحب ترشيحه في انتخابات العام 1943 في مقابل إدخال جملة من الإصلاحات الدينية .

والحجة الثانية التي طرحها الإخوان ضد إنكار النظام هو أن دستور مصر الذي أقر في العام 1971 نص على أن الإسلام هو دين الدولة " وأن الشريعة تشكل " أحد مصادر التشريع " جري تعديل الدستور في العام 1980 وأصبحت الشريعة المصدر الرئيسي للتشريع " وبالتالي فإن للإخوان المسلمين الذين يحترمون الدستور ويذعون بأنهم يمثلون تطلعات ومعتقدات المسلمين في المجتمع المصري الحق في الوجود كحزب سياسي معترف به قانونا ذوالحجة الثالثة هي أن الاعتراف بالإخوان سيكون بمثابة حاجز في وجه التطرف والإرهاب الإسلامي وقد جاءت هذه الحجة في الزمان والمكان المناسبين قبل أن يشهد النظام تصاعدا في العنف الإسلامي منذ العام 1973 الذي تجسد في العام 1974 بمحاولة فاشلة لاغتيال السادات .

ورأي الإخوان أنهم يشكلون قوة مستقلة تستحق أن تحظي بالاعتراف كحركة وإذا لم يكن ذلك ممكنا فكحزب وفي تلم المرحلة وعلى عكس ما كان عليه الحال في الثمانينيات لم يفكر الإخوان في إمكانية بناء تحالف مع الأحزاب أو المنابر الحزبية الأخرى وبناء على ذلك رفضت الحركة عرضا من السادات بالمشاركة في البرلمان كحزب تابع لحد المنابر السياسية الثلاثة:

إلا أن التلمساني سمح لأعضاء مثل حسن الجمل بخوض الانتخابات تحت راية الحزب العربي الاشتراكي ويصرح فيورست بأن هؤلاء الأعضاء تمكنوا من تأمين ستة مقاعد في انتخابات العام 1976 وللأسباب نفسها المتعلقة بمسألة المحافظة على استقلالية الحركة رفض التلمساني عرض السادات منح الحركة مقعدا في المجلس الاستشاري كما رفض التلمساني عرضا ثالثا من السادات بتسجيل الحركة كجمعية خيرية, لكي لا تؤول الحركة إلى مؤسسة خيرية تعتمد في بقائها المالى على تمويل وزارة العدل الاجتماعي .

هدف بناء التنظيم

وأما الهدف الثاني الذي سعت إليه الحركة بعد إطلاق سراح أعضائها من السجن فكان إعادة بناء تنظيم الجماعة ففي مستهل السبعينيات كان تنظيم الإخوان ضعيفا ومنقسما نتيجة للفترة الطويلة التي قضاها أعضاؤها في السجن ولم يكن التلمساني على عجلة من أمره في الشروع في تجنيد ناشطين جدد في أعقاب إطلاق سراح الإخوان من السجون في مستهل السبعينيات لأنه لم يكن يرغب في إثارة مخاوف النظام ودفعه غلى التراجع عن سياساته التصالحية واستنادا إلى محمد فؤاد

وهو قائد مخضرم في الإخوان يقيم في لندن لم تبدأ الحركة بعملية التجنيد بشكل جدي إلا في العام 1976 وهي العملية التي كانت أكثر بروزا في حرم الجامعات وفي أوساط الطلاب الذين تملكهم السخط من فشل القومية العربية وبدأوا يبحثون عن أيديولوجيا بديلة ..

وقد عرف الاتجاه الإسلامي في الجامعات في السبعينيات باسم " الجماعة الإسلامية " وكان مختلفا عن الجماعة الإسلامية المسلحة ومنفصلا عنها كما أن أعضاءه لم يكونوا منتسبين إلى أي جماعات خارج الجامعة بالرغم من أن عددا كبيرا من الطلبة الناشطين كان متأثرا بأفكار الإخوان المسلمين بسبب إطلاعه على كتابات سيد قطب ومحمد الغزالي ويوسف القرضاوي وبعد سنتين من فوز الجماعة الإسلامية في الانتخابات الطلابية في جامعات القاهرة والمنيا , والإسكندرية عقد الإخوان المسلمون اجتماع مع رؤساء هذه الاتحادات الطلابية في محاولة لاستقطابهم إلى التنظيم ويقول طلعت فؤاد قاسم الذي حضر ذلك اللقاء وهو الذي أصبح في النهاية عضوا في الجماعة الإسلامية المسلحة وليس في الإخوان:

" في ذلك الاجتماع "... مثل " الجماعة الإسلامية" الطلابية من الأعضاء محي الدين وأبو العلا ماضي وأنا من اتحاد المنيا وناجح إبراهيم وأسامة حافظ من أسيوط وتضمن وفد الإخوان المسلمين الذي حضر الاجتماع مصطفي مشهور وصلاح أبو إسماعيل وسألنا الوفد بصراحة إن كنا سننضم إلى الإخوان ولكننا رفضنا ذلك بسبب اختلاف برنامج عمل كل منا عن برنامج عمل الآخر ومع الآخر ومع ذلك نجحوا في التأثير في بعض أعضاء "الجماعة الإسلامية"

ومن ابرز هؤلاء محيي الدين وأبو العلا ماضي من الصعيد وعصام العريان وحلمي الجزار وعبد المنعم أبو الفتوح من القاهرة وأحمد عمر وإبراهيم الزعفراني من جامعة الإسكندرية.

وبعد أن أصبحوا أعضاء في التنظيم بدأ الطلاب مثل أبو العلا ماضي وعصام العريان عبد المنعم أبو الفتوح الذين أصبحوا ناشطين معروفين في البرلمان وفي النقابات المهنية خلال الثمانينيات من القرن الماضي بتنسيق جهودهم ومواردهم لكي يقدموا لزملائهم الطلاب خدمات مهمة .

وبالإضافة إلى شعور الطلاب بالانجذاب إلى أيديولوجيتهم بانحسار موجة القومية العربية انجذبوا إلى الإسلاميين بسبب لخدمات التي وفورها لهم ( مثل الكتب الرخيصة الثمن والمساكن ذات الأجور المعقولة والمساعدات المالية ووسائل النقل المناسبة للطالبات ) وهي الخدمات التي تباينت بشكل صارخ مع ما كان اليساريون يوفرونه عندما كانوا يتولون يقولون رئاسة الاتحادات الطلابية واستنادا إلى صحافي من مجلة الدعوة استطلع آراء الطلاب حيال الخدمات التي وفرها الإسلاميون عبر أغلبهم عن استحسانهم لها مشيرين إلى فاعلية تلك الخدمات وكفاءتها وبدا واضحا أن تغطية المجلة لتعليقات الطلاب خدمت كشكل من أشكال الدعاية التي تؤيدها الممارسة العملية " أو الدعاية بالأفعال " التي أريد منها جذب المزيد من الطلاب إلى قضية الإسلاميين .

وفي البداية اعتبر السادات المسئولون المقربون منه مثل محمد عثمان إسماعيل أن نشاط الإسلاميين في حرم الجامعات رصيد للدولة في صراعها لإضعاف تأثير اليساريين حتى عندما رأت الأجهزة الأمنية في الإسلاميين خطرا .

وحالة الإرباك في سياسة الدولة تجاه ناشط الإخوان في الجامعات أكدها فؤاد علام الذي كان مسئولا أمنيا رفيعا في السبعينيات والثمانينيات " منح السادات دعمه للإخوان ولغيرهم من الجماعات الإسلامية حتى من غير أن يطلع الأجهزة الأمنية على قراره بالقيام بذلك .

أراد أن تكون علاقته مع الإخوان مبنية على حسابات سياسية ولم يرد من المسئولين الأمنيين التدخل في هذا الأمر كان ملف الإسلاميين أعني في فترة السبعينيات في يد السياسيين ولم يكن في أيدي ضباط الأمن , ولم تبدأ الأجهزة الأمنية بإدراك هذا الأمر إلا في وقت لاحق لأنه لم يكن يوجد تنسيق بيننا وبين السياسيين في هذه القضية .

وكان واضحا أن الإخوان في الوقت الذي كانوا يعيدون فيه بناء تنظيمهم كانا يؤسسون أيضا لشرعية اجتماعية بدأت نواتها الأولي بين شريحة الطلبة وداخل الحرم الجامعي وكان النظام في سعيه إلى تصفية معارضيه من اليساريين مفسحا المجال للإخوان لتحقيق مسعاهم من دون أن يمنحهم اعترافا قانونيا .

رابعا: مأزق السادات مع الشرعية

لم يستمر هذا الاختلاف في الرأي بين السادات وأجهزته الأمنية مدة طويلة لأن قوة الإخوان بدأت تتعاظم على نحو متزايد داخل الجامعات وفي أوساط المجتمع ككل , وازدادت معه انتقاداتهم لسياسات النظام فقد أثارت سياسة الانفتاح والخطط التي أعلن عنها السادات والتي تهدف إلى خفض دعم الرغيف أحداث الشغب الشهيرة التي اندلعت في العام 1977 , وانتشرت الاضطرابات التي بدأت في القاهرة وفي الإسكندرية في العديد من المناطق الأخرى في البلاد وتسببت في وفاة أكثر من 80 شخصا فضلا عن إلحاق أضرار جسيمة بالمباني العامة وبمنازل المسئولين الحكوميين واحتاج أفراد الشرطة إلى دعم من القوات المسلحة إلى جانب فرض حظر على التجول من أجل قمع مثيري أعمال الشغب وانتهز الإخوان الفرصة انتقدوا النظام وفشله في التعامل بفاعلية مع المشكلات الكبيرة في مجال التعليم والنقل والتضخم .

وكتب عبد المنعم أبو الفتوح مقالة في مجلة الدعوة تناولت ما اعتقد بأنه أذي إلى أعمال الشغب الواسعة النطاق تلك وهاجم أداء النظام الذي زاد كما أدعي من اتساع الفجوة بين التوقعات والإنجازات وجعل الشعب يعاني مزيدا من الإحباط أشار إلى تزايد الممارسات والسياسات غير العادلة التي أدت إلى زيادة حدة معاناة المواطنين العاديين وزادت من المشكلات اليومية التي يعانونها في النقل والغذاء والكسوة والسكن واشتكي من ارتفاع الأسعار فيما يواصل النظام وأصدقاؤه المقربون بناء المنازل الفخمة والإنفاق بإسراف .

كما بدأ أبو الفتوح بالتهجم على الشعارات الدينية التي كان قد رفعها " الرئيس المؤمن " من أجل إضفاء صبغة الشرعية على نظامه , مشيرا إلى أن شعار " العلم والإيمان " الذي رفعه النظام بقي شعارا فارغا :" انتظر الناس النظام تنفيذه لكن دون جدوى . وبدلا من ذلك , بدأ الفساد السام بتخريج أجيال جديدة لا تعرف شيئا عن الإسلام سوي اسمه "

وكما استخدم الإخوان مجلة الدعوة التي حظرتها الدولة في النهاية كمنصة لإضعاف أشكال الشرعية التي استخدمها السادات في غرساء دعائم نظامه استخدمت المجلة في الوقت للترويج للخدمات التي يقدمها التنظيم للطلاب بوصفها " فاعلة " و" مؤثرة" واستنادا إلى إيلزكيبل كان الإخوان حريصين على إبراز صورتهم بأنهم أكثر ذكاء وإخلاصا من النظام " في وقت جعل الانفتاح الاقتصادي الذي أعلن عنه السادات الفساد واختلاس الأموال العامة ضرعي حليب البقرة المصرية ".

وبدا الضغط الذي يمارسه الإخوان والإسلاميون الآخرون أكثر قوة عندما وقع السادات على اتفاقية سلام مع إسرائيل في العام 1979 وعندما بدأت القوي التي كان قد شجعها ودعمها من أجل تعزيز شرعيته تهدد هذه الشرعية وفي أواخر السبعينيات بدا السادات بمواجهة ما أصفه بـ" مأزق الشرعية " وهو المأزق الذي يواجه أغلب النظم الاستبدادية عندما تنفتح على مجتمعاتها لتدرك بعد ذلك أن عواقب هذا " الانفتاح " تهدد شرعيتها ففي أيلول سبتمبر 1981, نقض السادات سياسته تجاه الإخوان واعتقل منهم مئات وأقفل مجلة الدعوة وبعد شهر من ذلك اغتيل السادات على يد جماعة الجهاد وخلفه على الفور حسني مبارك الذي كان نائب الرئيس .

خلاصة

أوضحت هنا كيف أن السعي إلى اكتساب الشرعية مثل عاملا مهما في تفسير أسباب التغير في العلاقة بين الإخوان المسلمين ونظامي عبد الناصر والسادات حيث عمل كلا الطرفين على دعم قوته وعلى قبول المجتمع له عبر استخدام أى شكل من أشكال الشرعية وجدوه مفيدا في ظل عبد الناصر لم يستفدالإخوان من أى شكل من أشكال الشرعية التي أسسها عبد الناصر بما أنهم كانوا في السجون وغائبين عن الساحة العامة معظم تلك الفترة ولكن عبد الناصر اعتمد على أشكال الشرعية المتنوعة في دعم قيادته بما في ذلك الشرعية الكاريزمية والشرعية الشعبية السياسية وشرعية الإنجاز أو العقد الاجتماعي مع الكاريزمية والشرعية الشعبية السياسية وشرعية الإنجاز أو العقد الاجتماعي مع الطبقة الوسطي الذي وعد فيه بتقديم خدمات مدعومة وبمجانية التعليم وتوفير الوظائف في القطاع العام في مقابل حصوله على الولاء والإذعان السياسي .

وجري تقويض العقد الاجتماعي لعبد الناصر على يد السادات الذي آثر ترسيخ قيادته بالاعتماد أكثر على نمطي الشرعية القانونية والتقليدية ( ببعدها الديني ) وبدورهم وظف الإخوان روح التسامح التي تميز بها نظام السادات وذلك في إعادة بناء التنظيم وفي تنظيم حملة الاكتساب شرعيتهم الخاصة وعلى رغم أنهم فشلوا في الحصول على الاعتراف الرسمي فقد تمكنوا من التأثير بقوة في الجامعات ومن إحياء سمعتهم الدينية والأهم من ذلك كله إعادة بناء هيكلهم التنظيمي وتوسيعه , واستغلت الحركة هذه القوة في إضعاف شرعية السادات في أعقاب توقيعه على اتفاقية سلام مع إسرائيل وهو ما أسهم في إحداث تغير في العلاقة بين الطرفين مع اقتراب عقد السبعينيات من نهايته.

الفصل الثاني

مبارك في السلطة ( 19811984)

عندما تولي مبارك السلطة في تشرين الأول أكتوبر 1981 كان يفتقر إلى شرعية خاصة به في ما عدا حقيقة أنه كان يشغل منصب نائب الرئيس في عهد السادات وبالتالي كان خليفته المتوقع من الناحية الدستورية (أى شرعية قانونية) وكان ذلك الافتقار سببا رئيسيا لمحاولة مبارك في مستهل الثمانينيات بناء قاعدة امتن وأطول لشرعية تتجاوز العنصر الدستوري.

وبناء على ذلك شرع في سلسلة من السياسات والإصلاحات التي هدفت إلى تعزيز القاعدة الشعبية والقانونية لشرعيته كبيرة بدلا من أن يعتمد على إصلاح حقيقي كان الجو العام خلال تلك الفترة قائما على التسامح والمصالحة وقد استغل الإخوان المسلمون هذا الجو وسعوا إلى استكمال تحقيق هدفيهما الرئيسيين السابقين وهما:أولا بناء وتوسيع هيكلية التنظيم واستكمال نشاطاتهم وثانيا الحصول على اعتراف الدولة بهم .

ويهدف هذا الفصل أولا إلى دراسة الطرق التي استخدمها مبارك في قيادة مصر في مستهل الثمانينيات مع التركيز على سنوات تأسيس الشرعية الأولي في الفترة الممتدة بين العامين 1981 و1984 والجهود التي بذلها في بناء سلطته السياسية .

ويهدف الفصل ثانيا في المقابل إلى دراسة كيفية توظيف الإخوان سياسات مبارك المهادنة في تقوية تنظيمهم وفي الحصول على الوضعية القانونية وغني عن القول إن الهدف الثاني الذي وضعه الإخوان الحصول على الشرعية القانونية لم يتحقق لأن مبارك لم يكن مستعدا من الناحية الرسمية على الأقل لإطلاق يد الإسلاميين علنا وبالتالي تكرار الخطأ الذي وقع فيه السادات لكن الإخوان تمكنوا من تحقيق هدفهم الأول بشكل جيد بما أن نشاطاتهم اتسعت بالتدريج وكذلك هيكلهم التنظيمي ولكي نفهم هذا التطور الأخير الذي سمحت به سياسة مبارك في المرحلة الأولي لحكمه.

من المهم أن نتحدث قليلا عن الصفات الشخصية لمبارك عندما جاء إلى السلطة لأول مرة وأن نلقي نظرة على الظروف التي سادت خلال الفترة الانتقالية بين السادات ومبارك .

هناك نواح معينة في شخصية مبارك على علاقة بروح التسامح التي سادت في مستهل الثمانينيات وتتعلق الناحية الأولي بخلفية الرئيس مبارك فحتي تاريخ تعيينه من قبل السادات في منصب نائب الرئيس في العام 1975 لم يسبق أن تولي مبارك أية مسؤوليات سياسية بما أن تعليمه والمناصب المتتالية التي شغلها كانت عسكرية صرفا وهذه الخلفية غير السياسية تعني أنه لم يكن على خلاف أو على خصومة مع اي قوة سياسية معينة ترجع إلى موقف سياسي معين .

وأما الناحية الثانية فتتعلق بالجيل الذي ينتمي إليه مبارك فصحيح أن مبارك جاء من خلفية عسكرية لكنه لم يكن ينتمي إلى جيل الضباط الأحرار الذين صلوا إلى السلطة في العام 1952 وهذا يعني أنه لم يرث آراء عبد الناصر العدائية سواء تجاه الإخوان أو حتى تجاه الشيوعيين وعلى النقيض من ذلك كان ماضيه مع الإخوان يتميز نسبيا بالتعاون .

ويتعين تذكر أن أول مرة تولي فيها مبارك مسؤولية سياسية كانت في العام 1975 عندما تولي منصبه العام بوصفه نائبا للرئيس . في ذلك الوقت كان تسامح السادات مع الإسلاميين في ذروته والمقابلات الشخصية التي أجريتها مع المخضرمين من أعضاء الحركة تكشف عن أنه لم تراود مبارك أية شكوك أمنية في الإخوان حتى إنه كانت تربطه علاقات ودية في بعض الأحيان مع شخصيات مثل عمر التلمساني لذي كان نفسه (أى التلمساني قريبا من السادات) .

وبالإضافة إلى خلفية مبارك غير السياسية فقد عرف عنه التزامه جانب الحذر بخلاف السادات فكانت قرارات مبارك تعتمد في العادة على حسابات دقيقة وعلى مشاورات واسعة وهذا يشير من بين جملة من الأشياء الأخرى إلى أن موقفه المحايد على الأقل من الإخوان لم يكن توقع منه أن يتغير بشكل مفاجئ متي ما وصل إلى السلطة وهذا ما كان عليه الوضع بالفعل في مستهل الثمانينيات عندما لم تكن الظروف السائدة في مصر مؤاتية أصلا لمثل هذا التغيير .

لقد كانت مصر في حالة اضطراب قبيل اغتيال السادات وبعده في العام 1981 . وهذا يرجع إلى أن السياسات الاستبدادية التي اتبعها السادات زادت من السخط العام ونفرت الناس من النظام وبالتالي كان من المتوقع أنه في حال أراد مبارك إرساء دعائم نظامه الجديد فإن عليه أن يكون أكثر تسامحا مع المعارضة كان النظام وقتئذ بحاجة إلى تشكيل جبهة وطنية واسعة في مواجهة حالة السخط وكان بحاجة أيضا إلى استيعاب الإسلاميين المعتدلين مثل الإخوان المسلمين لمواجهة تهديدات الجماعات الإسلامية المتطرفة .

وبالإضافة إلى الاعتبارات المحلية فإن فترة الثمانينيات شهدت كذلك موجة عالمية باتجاه الديمقراطية بدأت في أوروبا الشرقية باتجاه دول العالم الثالث وكان يتحتمم على أى نظام عربي يشعر بأنه بحاجة إلى تأمين شكل من أشكال الدعم الاقتصادي والسياسي من الغرب أن يظهر استعداده لإرساء دعائم الديمقراطية غلى إدخال إصلاحات سياسية وإن يكن من الناحية الشكلية وحسب وقد استفاد الإخوان وغيرهم من المعارضة إلى حد معين من هذه الموجة .

باختصار وفر جو التسامح لمبارك وللإخوان فترة راحة وفرصة لكي يؤسس الواعدة التي تجسدت في الفضاءات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ويناقش في المبحث التالي الوضع السياسي في مصر في مستهل الثمانينيات والطرق التي استخدم فيها مبارك الفوضي السياسية لكسب درجة من الشرعية .

أولا : الميدان السياسي

يمكن للمرء أن يجادل بأن الوضع السياسي في مصر في مستهل الثمانينات وفر لمبارك فرصة تعزيز كل من رعيته الشعبية والقانونية وسأقتصر في حديثي عن " الشرعية الشعبية على الخطاب السياسي وعلى السياسة الخارجية التي صاغها نظام مبارك السياسي للرد على الضغوط التي كانت تبذلها الولايات المتحدة وإسرائيل والدول العربية على مصر بهدف كسب مبارك للمشاعر الوطنية وتحقيق المصادقية المحلية

وأعني بالشرعية القانونية الإصلاحات القانونية التي أدخلها مبارك لتأكيد احترام نظامه لسيادة القانون وهذان الشكلان من الشرعية الشعبية السياسية والقانونية كانا هما البديلين الأكثر ملاءمة للكاريزما التي افتقر إليها مبارك مقارنة بعبد الناصر أو للشكل التقليدي (ولا سيما الديني) الذي لم يكن مبارك مستعدا للتفكير فيه مقارنة بالسادات .

شرعية الشعبية السياسية

إذا كان ينظر إلى شرعية الشعبية السياسية في سياق السياسات الخارجية والإقليمية (كما أوضح وحيد عبد المجيد في المقدمة) فسيكون صحيحا المجادلة بأن شرعية السادات أضعفتها ثلاثة عوامل : اعتماده الاقتصادي والسياسي الواضح على الملايات المتحدة ومعاهدة السلام التي أبرمها مع إسرائيل وما تلاها من قطع علاقات مصر بباقي الوطن العربي وبالتالي سيكون من المنطقي بالنسبة إلى النظام الجديد إعادة تعريف علاقاته إن جزئيا أو رمزيا مع الولايات المتحدة ومع إسرائيل ومع الدول العربية .

وبالفعل فقد أعلن مبارك في خطابه الأول للمصريين عن خطته القاضية بمواصلة سياسات السادات ولكن بأسلوب " دينامي وحكيم" وعلى رغم أن ذلك كان يعني أن نظام مبارك ملتزم بالمحافظة على العلاقات الخاصة التي تربط مصر بالولايات المتحدة فقد كان حريصا فى الوقت نفسه على تجنب أى مضامين سلبية يكتنفها هذا الموقف إزاء شرعية النظام أنه سيأمل بالتالي في أن يصبح قائدا أكثر استقلالية من السادات .

وتجلت مظاهر هذا الحرص مثلا في رفض مبارك قبول مساعدة أمريكية بلغت نحو 500 مليون دولار في العام 1983 لتطوير قاعدة رأس بيناس العسكرية البحرية في مصر كما رفض مبارك الإذعان للضغوط الأمريكية في العامين 1985 1986 للمشاركة في عملية عسكريا ضد ليبيا.

وفي ما يتعلق بإسرائيل أكد مبارك التزامه بمعاهدة السلام التي وقعت في كامب ديفيد لكنه حرص في الوقت نفسه على عدم ترجمة هذا السلام إلى تطبيع كامل للعلاقات الاجتماعية أو الاقتصادية فقد أراد مبارك الذي امتلك أحد عناصر الشرعية بسبب الدور الذي لعبه في حرب تشرين الأول أكتوبر 1973 أن يطمئن المصريين إلى أن نظامه لن يتسرع في إرساء سلام حقيقي إلى أن تسترجع مصر كافة أراضيها المحتلة منذ العام 1967 وإلى أن يستعيد الفلسطينيون وطنهم وقد تأكد هذا الشعور عندما سحب مبارك على الفور سفيره لدي تل أبيب احتجاجا على اجتياح إسرائيل للبنان في العام 1982 .

وعلى النقيض من ذلك كان مبارك متشوقا إلى إعادة الدفء إلى علاقاته مع الوطن العربي وكان قد أعطي توجيهاته للصحافة المصرية بإنهاء حملاتها المعادية للدول العربية وبخاصة ليبيا وسورية التي كانت تنتقد بشدة معاهدة السلام التي أبرمتها مصر مع إسرائيل وتناقضت خطوة مبارك بشكل صارخ مع الخطاب العدائي الذي اعتمده السادات في الدفاع عن قراره المتفرد بالاعتراف بإسرائيل في العام 1979 وما من شك في أن مواقف مبارك حظيت بالترحاب من قبل الأنظمة العربية بقدر ما حظيت بترحاب القوميين والإسلاميين المصريين .

زد على ذلك أن موقف مبارك من الحرب العراقية الإيرانية (19801988) ودعمه للعراق بوصفه " بلدا عربيا" عزز صورة النظام الجديد , ليس في العراق وحسب بل في دول الخليج أيضا وهي الدول التي رأت نفسها معرضة للخطر الإيراني وكان موقف6 مصر في الحرب من بين جملة العوامل التي حسنت علاقات القاهرة مع الخليج وقد أوجد هذا بدوره فرصا جديدة للمصريين لكي يعملوا في الخارج.

وفي هذا الصدد شكلت الحوالات التي كان يرسلها المصريون الذين يعملون في العراق وفي دول الخليج مصدرا مهما للدخل بالنسبة إلى الاقتصاد المصري ففي السنوات المالية بين 19801981 و 19841985 شكلت حوالات المصريين 10 بالمئة من الناتج المجلي الإجمالي لمصر ليرتفغ هذا المستوي إلى 18 بالمئة في 19891990

وبالإضافة إلى مقدار المساعدات التي تحصل عليها مصر من الملايات المتحدة (2 مليار دولار سنويا) تسهم الحوالات المالية في تحسين مستوي المعيشة للمصريين من أبناء الحوالات العاملة والمتوسطة , وعلى مستوي الدولة فقد استخدم النظام عوائد الحوالات إلى جانب المساعدات والقروض التي حصل عليها من العراق ومن دول الخليج في تنفي مشاريع إعادة بناء البنية التحتية مثل أنظمة الاتصالات والنقل والصرف الصحي .. الخ وهي انجازات طالما تباهي بها الرئيس في خطاباته لتعزيز شرعيته .

الشرعية القانونية

كانت خطابات مبارك في مستهل الثمانينيات حريصة على تأكيد التزام نظامه بحكم القانون . وهذا ما تجل في تشديده على احترام مبارك للمساواة في الحقوق وعلى استقلالية القضاء وعلى سيادة القانون وفي أحد خطاباته شدد الرئيس على أن سيادة القانون " هي الأساس لحكم الدولة , وأنه ما .. من سلطة ينبغي لها التدخل في القضايا المرفوعة أمام المحاكم ...

التزمت منذ اليوم الأول (في السلطة) بحكم القضاء وعمل مبارك على تعزيز سلطة القضاء عبر طرح قانون جديد وفر الحصانة والحماية الكاملة لأعضاء الجسم القضائي ومحكمة الدولة كما أدخل إصلاحات في مجلس المحكمة العليا بإسناد رئاستها إلى قاض مستقل بدلا من إسنادها إلى مستقلة وفي هذا السياق شدد طارق البشري وهو مفكر مستقل وقاض سابق في المحكمة الدستورية العليا على أن الشرعية القانونية شكلت عنصرا مهما بالنسبة إلى مبارك كانت قضية مهمة بالنسبة إلى مبارك ألا يظهر بأنه ضد القرارات التي تصدرها لمحاكم أو ضد تشريعات مجلس الشعب كما أنه مال إلى تصوير نفسه بأنه منفذ للتشريعات واعتني أكثر على النقيض من عبد الناصر مثلا بالشرعية القانونية لقيادته .

وخلصت أحلام فرهود , في بحثها عن وضعية الشرعية القانونية في النظام السياسي المصري إلى أن الأحكام الصادرة عن المحاكم وبخاصة في السنين السبع الأولي من حكم مبارك لاقت احترام النظام بوجه عام واستخدمت دليلا على اتخاذ القرارات السياسية وفي السابق كان يجري إخضاع المحاكم لشخص عبد الناصر وبدرجة أقل لشخص السادات

وكانت تستغل في إصدار أحكام تضفي الشرعية على السياسات الاستبدادية لكن في عهد مبارك أو على الأقل في مستهل الثمانينيات كان الوضع مختلفا واستنادا إلى الدراسة أو على الأقل في مستهل الثمانينيات كان الوضع مختلفا واستنادا إلى الدراسة التي أجرتها فرهود لم يستخدم مبارك سلطاته الرئاسية في الضغط على المحاكم من أجل إصدار أحكام جديدة تفيد الحريات الاجتماعية والسياسية بل على العكس ترك الأمر للمحاكم لكي تصدر سلسلة من الإصلاحات المحدودة ولكن المهمة في المجالين الاجتماعي والسياسي .

وفي سياق روح الإصلاح جاءت حملة مبارك الشهيرة ضد الفساد المتأصل واستهدفت الحملة شخصيات مهمة كان أبرزها عصمت شقيق الرئيس السادات الذي حوكم في العام 1983 بسبب عقده صفقات واسعة غير مشروعة و وقد حازت تلك المحاكمة تغطية إعلامية واسعة والتي بدا واضحا أن هدفها هو أن تظهر للشعب أن النظام الجديد ملتزم باستئصال الفساد وأن النظام لا يعرف المحاباة وأن الجميع متساوون أمام القانون على رغم ان حملة مبارك كانت " قصير الأمد" على حد تعبير نزيه أيوبي فقد كانت كافية لتوصل الرسالة .

واقترنت تلك الحملة بتأكيد مبارك حرية الصحافة وواظب على تذكير المصريين بأن حية التعبير السياسي في ظل قيادته " غير مسبوقة" في تاريخ مصر .

وعلى الرغم مما تقدم ينبغي ألا يستنتج المرء بأن إصلاحات مبارك كانت مطلقة بما أن النظام الجديد استمر في تطبيق أغلب القوانين التي تقيد الحريات التي أصدرت على عهد السادات (وأسواها قانون الطوارئ الذي بدأ العمل به في العام 1981) كما أبقي مبارك أغلب السلطات في يده واحترامه للقانون اقتصر على النواحي التي لا تهدد بقاء النظام وبناء على ذلك بقيت القيود مفروضة على السياسة وعلى الحريات السياسية .

وفي حين شدد مبارك على دعمه للتعددية السياسية فهو لم يفعل شيئا لتوسيعها من الناحية العملية بل إنه أبقي في الواقع على القيود الأساسية المفروضة على تشكيل أحزاب جديدة التي كانت ستهدد في حال تشكلها الحزب الوطني الديمقراطي الذي يتزعمه الرئيس نفسه وتأكدت الميول الاستبدادية للنظام بعد تشكيل لجنة الأحزاب المسئولة عن منح الرخص والصفة القانونية للأحزاب المشكلة حديثا

وقد رفضت المعارضة تشكيل هذه اللجنة واعتبرت أنها لا تتمتع باستقلالية وإنما تخضع بحكم طبيعتها لسيطرة الحكومة وبغرض تأكيد الصلاحيات المستقلة التي يتمتع بها القضاء سمح النظام للأحزاب السياسية المرفوضة بالتقدم بالتماس إلى المحاكم ضد القرارات التي تصدرها اللجنة ولكن هذا وحده لا يضمن التحول إلى التعددية على اعتبار أن المحاكم بقيت في النهاية خاضعة لإرادة رئيس الدولة وبالجملة فبقدر ما عززت التطورات الأخيرة الشرعية القانونية للنظام فقد أظهرت مدي محدودية هذه الشرعية .

الإخوان المسلمون والسياسة

هدف الإخوان المسلمون إلى استغلال روح التسامح في عهد مبارك من أجل بلوغ هدفين رئيسين وهما:مواصلة إعادة بناء التنظيم وإعادة الاندماج بالمجتمع والسياسة بشكل كامل ولكن كان من غير الوارد تحقيق الهدف الأخير ( أى الاندماج السياسي ) بشكل كامل إذا كانت الحركة تفتقر إلى شكل من أشكال الاعتراف الرسمي من قبل الدولة أو من قبل محاكمها أو لجنة الأحزاب لعليا التي شكلتها الحكومة .

في البداية أحيا تأكيد مبارك حكم القانون آمال الإخوان بإمكانية اعتراف الدولة بهم كحركة جماهيرية وبخاصة عندما وافق مبارك على عودة الشخصيات الإخوانية البارزة التي كانت في الخارج مثل المرشد السابق مصطفي مشهور وعندما امتثل لقرار المحكمة بالسماح باستئناف إصدار مطبوعات مثل الاعتصام والمختار الإسلامي القريبتين جدا من أفكار الحركة ولكن سرعان ما خاب أمل الإخوان من نظام لم يكن مستعدا للسماح بالوجود القانوني للتنظيمات الإسلامية أو اقتراح بدائل شبيهة بتلك التي سبق أن اقترحها النظام السابق ( مثل الاعتراف بالحركة كجمعية خيرية ) ولا تزال المحكمة الدستورية ترجئ النظر في القضية التي رفعها الإخوان في العام 1977 حتى اليوم .

أكد القانون الانتخابي الذي اقترحه مبارك في العام 1983 الثقافة الحزبية في التعاطي السياسي وهو ما أرغم الإخوان على التفكير في الحصول على صفة الحزب إذ كانوا يريدون التمتع بحماية " مظلة قانونية " وكان الإخوان قد بدأوا التفاوض في السبعينيات على بدائل لوجودهم كحركة جماهيرية (الذي يعتبر الخيار المثالي بالنسبة إليهم)

وكانت الحزبية التي اقترحها السادات لا تزال في مراحلها التكوينية واعتقد الإخوان بأنه ربما يمكنهم التفاوض على مكان في العملية السياسية بناء على شروطهم الخاصة فالتسامح الذي أبداه السادات تجاوز إطار البرلمان وهو ما وفر للحركة خيارات متنوعة ولكن بالمقارنة اقتصر التسامح السياسي لمبارك على الأحزاب السياسية

وهو ما ضيق بالتالي من الخيارات المتوفرة للحركة ومما ضيق الخيارات أيضا المضامين المحددة لقانون الأحزاب نفسه فلجنة الأحزاب كانت لا تزال محكومة منذ العام 1976 بقوانين التعددية الحزبية التي تحظر تشكيل أحزاب على أسس دينية وفي تلك المرحلة من السبعينيات لم تكن قيادة الحركة تولي أولوية للعب دور سياسي على مستوي الأحزاب من السبعينيات لم تكن قيادة الحركة تولي ولاية للعب دور سياسي على مستوي الأحزاب بقدر ما كانت أولويتها هي إعادة بناء التنظيم وترسيخ حضوره على المستوي الجماهيري الواسع أولا.

ولكن هذه الطريقة في التفكير تغيرت في الثمانينيات وبدأت الحركة بناء على اقتصار جو التسامح النسبي في الحزبية المقيدة فحسب بدراسة فكرة المشاركة السياسية من خلال لتحالف مع حزب قانوني . وبالتالي شهد مستهل عقد الثمانينات تطورين رئيسيين على صعيد التكفير السياسي لدي الإخوان المسلمين .

التطور الأول كان القرار بالمشاركة في السياسة البرلمانية ولكن ككتلة منظمة في هذه المرة وليس كأفراد ( كما كان عليه الحال في السبعينيات) .

والتطور الثاني كان المشاركة في الانتخابات البرلمانية بالتحالف مع حزب سياسي لو توجه سياسي مختلف عن توجه الجماعة ( حزب الوفد ) ولم يكن لهذين التطورين صلة برغبة الجماعة في تشكيل حزب سياسي مستقل بعد وهو تطور تبلور في ما بعد في منتصف الثمانينيات لما شعرت الحركة بنفوذها البرلماني دون الحاجة إلى الدخول في تخالف وسأناقش الآن بشكل موجز التطور الأول وأعني دخول الحركة (البرلمان) وأرجئ الحديث عن التطور الثاني إلى الفصل الثالث عندما أدرس تحالف الإخوان مع حزب الوفد في العام 1984 .

لا يوجد تاريخ واضح للقرار الذي اتخذ الإخوان بالمشاركة في برلمان مبارك , على رغم عبد المنعم أبو الفتوح يدعي أن الفكرة بدأت بالتبلور في ذهن التلمساني منذ العام 1983 ولكن القرار بالمشاركة في البرلمان باسم حركة محظورة بموجب القانون كان قرارا شجاعا على أى حال.

ولم يكن الجميع داخل الحركة مستعدا بعد لتقبل تداعياته فقد قال لى بدر محمد بدر الذي كان قد عمل عن قرب مع التلمساني في الثمانينات إن مسالة دخول مشاركة الإخوان في انتخابات العام 1984 خضعت لنقاشات حامية ليس في أوساط الجيلين الصغير والكبير في الحركة وحسب بل بين كبار الأعضاء في مكتب عاكف مرشد الإخوان وبين التلمساني المرشد السابق ولكن في الثمانينيات اتخذت مثل هذه المناقشات أبعادا أوسع فاستنادا إلى بدر عقد اجتماع موسع في العام 1983 في القاهرة ترأسه التلمساني الذي كان ينوى إقناع المشاركين والمسئولين في الحركة القادمين من العاصمة ومن المدن في المحافظات الأخرى بطريقته في التفكير وهي ضرورة المشاركة كجماعة في هذه المرحلة والاستفادة من أجواء الانفتاح الحزبي الذي كرسته سياسة مبارك لطرح اسم الحركة في المجتمع .

في تلك الفترة لم يكن قد مضي على خروج الإخوان من السجون وقتا طويلا وكانوا مترددين في المشاركة بهذه السرعة في لمعترك السياسي وكان ما يزال البعض مترددا بسبب فترة عبد الناصر والأعمال الوحشية التي ارتكبها في حقهم في حين رأي البعض الآخر بأنه يلزم توفر مزيد من الوقت والموارد لاستكمال عملية بناء التنظيم وفي الاجتماع الموسع بين أعضاء الجماعة جادل التلمساني أولا بأن بناء لتنظيم والمشاركة في العملية السياسية يمكن أن يحدثا في وقت واحد وأنه ليس بناء من الضروري الإعلان عن كافة نواحي التنظيم وأعضائه وثانيا هو أنه يتوجب على الإخوان في نهاية المطاف التوقف عن العمل كحركة سرية والسعي بدلا من ذلك إلى استكشاف كافة السبل الكفيلة بنشر أفكارهم في المجتمع .

وثالثا , قال التلمساني إن الإخوان يحتاجون إلى اكتساب مزيد من الخبرة في العملية السياسية وهذا النوع من الخبرة لا يمكن تحصيله إلا من خلال المشاركة في البرلمان ورابعا إن وجود الإخوان في البرلمان سيوفر للحركة فرصة ثمينة لإصلاح القوانين بناء على مقتضيات الشريعة وأخيرا ستوفر هذه المشاركة للإخوان فرصا للإلقاء بالوزراء والمسئولين الذين يمكن أن تقنعهم الحركة بمقاربتها التي تنبذ العنف في التعاطي مع الدولة ومع المجتمع كان التلمساني بدفع بحججه إلى تغيير عقلية الكثير من الإخوان في هذه المرحلة نحو ضرورة الانفتاح السياسي على المجتمع بدرجة انفتاح سياسات مبارك نفسها في الميدان السياسي .

ثانيا : الميدان الاجتماعي

هدف الموقف المتسامح الذي تبناه مبارك عموما إلى تنفيس التوترات في علاقة الدولة بالمجتمع نتيجة للأعمال التعسفية التي قام بها السادات ضد الناس أولا سيما اعتقالات العام (1981) وبناء على ذلك أطلق مبارك في العام 1982 سراح الناشطين السياسيين الذين اعتقلهم السادات

وسجنهم وكان من بينهم أكثر من ألف شخص من الأطياف المتنوعة من المجتمع مثل الرموز الدينية والصحافيين والطلاب وأعضاء النقابات المهنية واتحادات العمال كما أراد مبارك توحيد قوي المجتمع ومؤسساته في مواجهة المتطرفين الذين رأي فيهم النظام تهديدا مباشرا لسلطته وكان ذلك أحد ألأسباب التي وقفت وراء تسامحه مع الإسلاميين المعتدلين كما قلنا فضلا عن دعمه لمؤسسة الأزهر

وفي هذا السياق فتح مبارك بعض الساحات الاجتماعية وأبقي على الهياكل شبه المتنقلة وسمح للمعارضة بالعمل داخلها وإن ضمن حدود معينة وسأضرب المستقلة أمثلة على سياسة التسامح التي أبداها مبارك في الميدان الاجتماعي بالتركيز على النقابات المهنية والأزهر والفضاء الجامعي وسأرصد كما فعلت في الميدان السياسي الكيفية التي وظف فيها الإخوان هذه السياسة والوجود في هذه المساحات وسأبدأ بالنقابات المهنية .

النقابات المهنية

كان من المتوقع أن يطرح مبارك في حال أراد التطلع إلى الفوز بدعم الطبقتين الوسطي والدنيا اللتين همشهما السادات جملة من الإصلاحات داخل النقابات المهنية وكوسيلة للسيطرة على النشاط المتعاظم للنقابات المهنية الذي أعقب سياسات السادات غير الشعبية في أواخر السبعينيات أقدم السادات على وضع عدد من اللوائح الداخلية التي تقيد من فاعلية هذه النقابات ففي العام 1981 حل السادات المجلس المنتخب لنقابة المحامين بسبب رفضه المتزايد لمعاهدة السلام مع إسرائيل .

وعندما وصل مبارك إلى السلطة أراد أن يظهر أن الأمور قد تغيرت في عهده باتجاه الأحسن وبناء على ذلك فقد ألغي في عام 1983 قرار السادات بحل مجلس نقابة المحامين وأصدر قانونا جديدا وأعاد المجلس المنتخب للنقابة بالطبع رحب أعضاء النقابة بقرار مبارك وإن اعترضوا على أن أجزاء من القانون المعدل بقيت من حيث الجوهر مقيدة لحرية العمل النقابي وكوسيلة لإعطاء المحامين العاملين في القطاع العام صلاحيات أوسع في عملية صناعة القرار نقل القانون الجديد سلطات معتبرة إلى مجلس النقابة ووافق مبارك على طرح مزيد ممن الإصلاحات في أعقاب التماسات نشطة من أعضاء النقابة ودعي رئيس النقابة إلى حضور مناقشات مجلس الشعب التي عالجت مسودة القانون الجديد وحصل القانون المعدل على مزيد من الاستحسان في العام 1984 .

وتعتبر حالة نقابة المحامين مثالا واضحا على كيفية تسامح مبارك مع مطالب المهنيين في مقابل حصوله على دعمهم واستنادا إلى بيانكي " ت دهورت " علاقات مصر بكل من إسرائيل والولايات المتحدة في مستهل الثمانينيات وكان ذلك سببا آخر لعدم اتخاذ مبارك إجراءات في حق نقابة المحامين بعكس ما فعل السادات لقد وظف مبارك النقابات بفاعلية في دعم شرعيته القانونية فضلا عن شرعية وسط طبقات المهنيين في مجتمع .

ويمكن القول أيضا إن تسامح الرئيس مع النقابات يرجع جزئيا إلى جانب موضوع الشرعية إلى أن مبارك لم يكن يتوقع من النقابات أن تتحول إلى فضاءات للتعبئة والحشد يستخدمها الإخوان في ما بعد كما حدث في التسعينيات وربما افترض ن موقفه من الإصلاح السياسي من التعددية الحزبية كما تجلي في قانون الأحزاب الجديد الذي صدر في العام 1983 أنه سيوفر للمعارضة هامشا ديمقراطيا كافيا وع ذلك يبدو أن مبارك كان مستعدا للتسامح مع دور سياسي هامشي تلعبه النقابات شريطة أن يبقي هذا الدور محصورا بشكل صارم ضمن حدود هذه النقابات وان يخضع لمراقبة الدولة .

الأزهر

كما أشرنا سابقا تسامح مبارك مع الإسلاميين المعتدلين ( الإخوان) ومع مؤسسة الأزهر لكي يدفع خطر حركتي الجهاد والجماعة الإسلامية وهما الحركتان المسؤوليتان عن أحداث العنف التي وقعت في أسيوط والمنصورة والقاهرة وأراد مبارك من دعمه للأزهر اكتساب شرعية دينية في مواجهة مزايدات المتطرفين على هوية الدولة الدينية ففي العام 1983 وبمناسبة الاحتفال بمرور ألف عام على تأسيس هذه الجامعة الإسلامية العريقة منح مبارك أوسمة لبعض علماء الأزهر

كما أن مبارك كان يلتقي بشكل متكرر بشيخ الأزهر جاد الحق على جاد الحق ( الذي عين في هذا المنصب في العام (1982) وشدد مبارك في اجتماعاته تلك مع المفتي السابق ومع وزارة الأوقاف على أهمية الدور الذي يلعبه الأزهر في تجنيب مصر موجة تشدد الإسلاميين المتنامية وظهر العديد من الشيوخ على شاشة التلفاز بدعم من النظام لتفنيد أفكار الجماعات الإسلامية وللترويج لمنطق التفكير الذي يسير بموازاة الخطوط التي تتبناها الدولة وتم تشكيل لجنة جديدة متخصصة في الأزهر لرفع توصيات خاصة بنشر القيم الدينية عبر وسائل الإعلام .

واقترن طلب الشرعية الدينية للنظام مع استخدام القوي الأمنية التي بدأت حملة قمع واسعة للأشخاص الذين يشتبه في ارتكابهم أعمال عنف فخلال الأسابيع التي تلت اغتيال السادات قدر أنه تم اعتقال أكثر من أربعة آلاف شخص وزعمت تقارير الهيئات المدافعة عن حقوق الإنسان أن الاعتقالات استمرت خلال العام 1982.

" حيث كان يجري الإبقاء على المحتجزين رهن الاعتقال مددا قابلة للتجديد كل ستة شهور مع عدم توفر سبيل للجوء إلى المحاكم للطعن ف باعتقالهم وتعاون الأزهر مع الأجهزة الأمنية في دعم النظام في محاربته للمتشددين الإسلاميين ونظم قوافل متنوعة لزيارة المدن والقرى المختلفة ومحاورة الإسلاميين الشباب وما من شك في أن هذا التحالف بين الدولة ومؤسسة الأزهر أضعف تدريجيا من مصداقية الأزهر في عيون الشباب الذين كان العديد منهم مجندين محتملين في جماعات العنف .

الفضاء الجامعي

في الحقيقة مثل حرم الجامعات استثناء بارزا لروح التسامح وللإصلاحات التي طرحها مبارك في فضاءات المجتمع كما مثل استمرار الحملة النظام الهادفة إلى القضاء على التطرف ويمكن فهم أسباب ذلك الاستثناء بسهولة لأن الحركات الطلابية هي التي شكلت الأرضية لرئيسية لنشر أفكار عنف الجماعات الإسلامية والتي كانت المسئولة (كما أظهرت التحقيقات في ما بعد) عن اغتيال السادات ويؤكد بدر محمد بدر وكان طالبا ناشطا من الإخوان في جامعة القاهرة أن الجامعة ظلت تخضع منذ مقتل السادات لإجراءات مراقبة وعمليات تحقيق ظاهرة بسبب مخاوف النظام من أن الكليات آخذة في التحول إلى " نقاط تجنيد قوية للمسلحين" .

وأبقي مبارك على التعذيب الذي اقترحه السادات في العام 1979 الخاص باللائحة الطلابية الذي أريد منه في الأساس إضعاف قوة ونشاط الطلاب في الجامعات عبر حل هيئات التمثيل الطلابية مثل الاتحاد العام للطلاب المصريين المنتخب كما وضعت اللائحة نشاطات الطلاب تحت المراقبة الكاملة من قبل هيئة التدريس وهي الهيئة التي لم تكن مستقلة بل عكست مزاج الحكومة أطاعت أوامرها وقننت اللائحة في الوقت نفسه وجود الحراس الأمنيين داخل الجامعات ومن جهتهم واصل الطلاب جهودهم الحثيثة لتغيير اللائحة وقد تجلي ذلك في الزيارات المتكررة التي قام بها مندوبو الطلبة إلى المسئولين الحكوميين وأعضاء البرلمان ولكن وبخلاف حالة نقابة المحامين فإن النظام الجديد ورفض مطالب الطلبة .

مع هذا الوجود الأمني المحكم لم يتمكن الإخوان المسلمون من استئناف نشاطاتهم في الجامعات حتي العام 1984 , عندما طح مبارك إصلاحات شكلية ولكنها كانت جوهرية بالنسبة إلى اللائحة الطلابية ففي أثناء السنين الأولي التي تلت اغتيال السادات كان أغلب الجامعات عديم الناشط على الصعيد السياسي وفي حالة جمود.

وعلى رغم أن انتخابات الاتحادات الطلابية استؤنفت بعد سنة من مقتل السادات لم يكن أغلب الطلاب الذين خاضوا الانتخابات في العامين 1982 1983 منتمين إلى أية جماعة أو معتنقين أى اتجاه فكري فقد أصبح أغلب الطلاب الذين أطلق سراحهم من السجون بعد اغتيال السادات أكثر اهتماما بشؤونهم الشخصية وبمواصلة دراساتهم المتأخرة منهم بالنشاطات الطلابية كما أن العديد منهم ظل يخش المشاركة في النشاطات الجامعية يشكل مباشر بسبب زيادة التدخلات الأمنية وعمليات المراقبة منذ مقتل السادات .

وأظهرت المقابلات التي أجربتها مع مندوبي الطلبة في القاهرة والإسكندرية وأسيوط أن حالة الجمود هذه لم تقتصر على جامعة بعينها أو على منطقة معينة وإنما عكست طاهرة عامة عمت جميع الجامعات في مصر ولكن يمكن تفهم حقيقة أن الوضع في جامعة أسيوط كان اشد توترا في القاهرة بسبب وجود جماعات متطرفة مثل " الجماعة الإسلامية"

وخلال تلك الفترة وعلى الرغم من عدم تمكن الإخوان المسلمين من المشاركة في النشاطات الطلابية ويعود ذلك جزئيا إلى أن أعضاء الحركة من الشباب كانوا لا يزالون في السجون ركزت أغلب أهداف الطلاب من الإخوان على متابعة تحصيلهم الأكاديمي مع المحافظة في الوقت نفسه على الروابط التنظيمية داخل الجامعات وخارجها وكانت تلك الروابط تعني في وجه من الوجود أن الجامعات لم تخل بالكلية حتى في مستهل الثمانينات

وفي ظل الإجراءات الأمنية المشددة من النشاط وغن كان نشاطا هادئا واستنادا إلى أحمد عبد الله وهو ناشط طلابي من الإخوان أصبح في وقت لاحق رئيس اتحاد الطلاب في جامعة القاهرة كانت اللقاءات غير الرسمية بين أعضاء الاتحاد من طلاب الجامعة تعقد بانتظام داخل مسجد الجامعة وأكد لى عبد الله وغيره من الطلاب الذين التقيت بهم في الإسكندرية وفي أسيوط أن تلك اللقاءات كانت تستخدم أيضا في ضم مزيد من الأعضاء إلى الحركة .

تنظيم الإخوان المسلمين في الثمانينات

أظهرت المعلومات التي كشف عنها عبد الله أنه خلال تلك الفترة العصبية أن تشديد الإخوان على المحافظة على التنظيم وعلى توسيعه كان أكبر من تشديدهم على استئناف النشاط العام وكانت العملية برمتها قد بدأت في السبعينيات على يد عمر التلمساني لكن سرعان ما أعاقتها عمليات الاعتقال التي أمر بها السادات في أيلول سبتمبر 1981 والتي طالت الأعضاء المنتمين إلى الحركة ولكن الجماعة استأنفت مهمتها غير المنجزة بعد وقت قصير من إطلاق سراح الإخوان من السجون في العامين 1982 1983 وكما هو الحال ف يحرم الجامعات سارت تلك العملية بهدوء وبالتدريج .

وصاحب تلك العملية قناعة متنامية لدي اغلب الإخوان بأن الحركة بحاجة إلى التعايش بطريقة علنية وسلمية مع الدولة وداخل مؤسساتها وقد جاء هذا الاستنتاج نتيجة لعدة تطورات. التطور الأول كان النبذ الجدي من قبل الحركة لاستخدام أعمال العنف كوسيلة لتحقيق أهدافها وتعزز هذا الالتزام بإتباع الطرق السلمية لتحقيق الإصلاح في السبعينيات نتيجة للحصيلة الإيجابية للحصيلة الإيجابية من التفاعل مع المجتمع بمختلف أطيافه .

والتطور الثاني تمثل في الدور المحوري الذي لعبه عمر التلمساني في تسريع عملية التغيير كما رأينا في الاجتماع الخاص بأعضاء الجماعة لمناقشة خيار المشاركة السياسية كان التلمساني المرشد العام للحركة رجلا مهذبا وحظي التلمساني الذي امتهن المحاماة باحترام العديد من المسئولين المصريين بمن فيهم السادات وبالإضافة إلى ذلك فإن حقيقة أن التلمساني لم يكن عضوا في النظام الخاص ( الذي أصبح في وقت لاحق المصدر الرئيسي للعمليات العنيفة ) عنت أنه كان وجها أكثر قبولا للجماعة .

والتطور الثالث كان التأثير المتنامي لكوادر الشباب المنتمين إلى التنظيم وهذه الكوادر لم تشارك المخضرمين الذين تعرضوا للتعذيب على يد عبد الناصر في شكوكهم وكراهيتهم للنظام وعلى الرغم من ذلك لم تكن هذه الميول المعتدلة لتتبلور دون شكل من أشكال التودد الإيجابي من الدولة بالمقابل فروح التسامح التي تميز بها مبارك وسياساته الخارجية الشعبية وميله إلى تحقيق العدالة وضمان المساواة في الحقوق كل ذلك شجع الحركة بلا شك على تبني هذا الموقف التصالحي

وفي هذه السياقات الجديدة بدأ الإخوان المسلمون فور تسلم مبارك القيادة بإعداد خطتهم المنظمة للتوسع في شرائح المجتمع المصري واعتمدت الحركة على المساجد والمناطق الحضرية والريفية وعلى أنماط التأثير التقليدي والديني من أجل استعادة شعبيتها ومثلما كان مبارك يغازل مؤسسه الأزهر لكسب الشرعية الدينية كانت الجماعة تفعل ذلك بخطابها ورموزها وسط المجتمع المصري ولا يزال الخطاب الديني والرموز الدينية حتى يومنا هذا وسيلة قوية لتجنيد مزيد من الأعضاء في صفوف التنظيم وكانت هذه الوسائل هي التي سمحت للإخوان المسلمين بإعادة بناء التنظيم وإعادة بناء هياكله التنظيمية .

وسأتناول بشئ من التفصيل حقيقة معني التنظيم وماذا كان يعني استكمال بنائه في هذه المرحلة المبكرة من عهد مبارك ؟ وسأسعي إلى أن أجيب عن السؤال وهو كيف يساعدنا استيعاب فكرة التنظيم على فهم الأسباب التي تقف خلف قوة الحركة وفاعليتها على فضاءات المجتمع مثل النقابات أو الاتجاهات الطلابية ؟ وأخيرا ما هي علاقة التنظيم بالهدف الذب تسعي إليه الحركة وهو الحصول على الاعتراف القانوني من الدولة ؟

بداية يشكل التنظيم الهيكل الداخلي وديناميات الحركة وهرمياتها وأغلب هذه الديناميات والهرميات كانت معروفة ومحددة علنا بواسطة اللائحة الداخلية للحركة في عهد مؤسس الجماعة حسن البنا إلا أنه بعد حل الحركة في العام 1954 أصبحت القضايا المتعلقة بالتنظيم سرية للغاية وهذا ما جعل مهمتي في سير أغوار التنظيم وماهيته صعبة .

ولقد حظيت أسئلتي المتعلقة بالتنظيم التغيرات التي مر بها منذ السبعينات بإجابات مبهمة من قلب المرشدين الراحلين مصطفي مشهور ومأمون الهضيبي وكانت تقابلاتي مع قيادة الإخوان تجري خلال الفترة التي بلغت فيها المواجهات مع النظام ذروتها وسرعان ما أدركت أن الأسئلة التي أطرحها عن هذا الموضوع كانت حساسة للغاية ووجدت في وقت لاحق أن الكوادر الأصغر سنا كانت ربما أكثر ميلا إلى الحديث عن هذا الموضوع بانفتاح أكبر وعلى سبيل أمثال كان عصام العريان وهو عضو مؤثر في مكتب الإرشاد

وأحد المصادر المفيدة لى في هذا الموضوع وقد اعترف العريان بان التنظيم كان بمثابة مفهوم مركزي للإخوان المسلمين ولا تزال حركة جماهيرية تضم أعضاء من خلفيات اجتماعية متنوعة وأقساما متخصصة وفروعا محلية وخلال السنين الأولي من عقد الثمانينيات واصلت الحركة عملية إعادة بناء أقسامها المتخصصة وفروعها بحيث أضافت إليها أقساما وفروعا جديدة سبق تطويرها تهيئة لدورها الجديد في المجتمع وفي المجال السياسي .

واستنادا إلى العريان يوجد نحو تسعة أقسام داخل التنظيم يشمل : قسم الدعوة وقسم الخدمات الاجتماعية وقسم الطلاب وقسم العمال وقسم نوادي أعضاء هيئة التدريس في الجامعة وقسم الأخوات وقسم التدريب الرياضي وقسم شؤون العالم الإسلامي وقسم النقابات المهنية ويمكن أن تتفرع بعض الأقسام إلى لجان متخصصة.

مثل : اللجنة المالية ولجنة التاريخ , ولجنة العلماء , وتعتبر لجنة العلماء مثلا مسئولة عن ضمان توافق آراء الحركة ومواقفها السياسية مع أحكام الشريعة ف يحين أن لجنة التاريخ التي قمت بزيارة مكتبها وأجريت مقابلات مع أعضائها معنية بكتابة رواية " رسمية " لتاريخ الإخوان المسلمين وجري استحداث أقسام أخري مؤخرا لتنظيم الدور السياسي الجديد الذي يلعبه الإخوان في البرلمان والقسم السياسي الذي يتضمن لجنة الإعلام أشبه بمؤسسة فكرية وهو متخصص بتنسق الدراسات التي تتناول القضايا والتطورات السياسية المتنوعة وستجد في الفصل السادس مناقشة لبعض من هذه الدراسات المتعلقة بالحركة وبالنظام المصري كما يتضمن القسم السياسي اللجنة البرلمانية التي تضم في عضويتها نواب الإخوان في لبرلمان .

وإضافة إلى الأقسام واللجان الجديدة حدث تطور ثان في الثمانينيات طال طريقة إدارة التنظيم نفسه يعتمد على اللامركزية وطرحت فكرة اللامركزية في الإدارة في الثمانينيات كوسيلة لتطوير فاعلية الحركة ولأنها بدت صيغة عملية مناسبة بالنظر إلى الظروف السلطوية السائدة وإلى رفض الدول الاعتراف بالحركة وفي الإدارة اللامركزية تتخذ القيادة المركزية من العاصمة (القاهرة) قاعدة لها وتكون هي المسئولة (من خلال مكتب الإرشاد) عن رسم السياسات الجوهرية التي تتبناها الحركة وبخاصة تلك المعنية بالدولة مباشرة ويجري الإعلان عن هذه السياسات في البيانات الرسمية التي تصدر عن المرشد أو الجماعة وعن طريق الخطابات في الاحتفالات العامة والتجمعات . الخ .

ويعود إلى القيادات المحلية المنتشرة في المحافظات والأقاليم القرار في السياسات المتبعة في مناطقها والجدير بالذكر أن الأقسام الداخلية الأحر عشر المذكورة آنفا توجد بالتالي على مستويين على المستوي المركزي الذي يخضع لإشراف القيادة في القاهرة وعلى مستوي المحافظات أى أنه توجد هذه الأقسام بصورة مصغرة في المحافظات الثماني والعشرين في مصر وبالطبع يجري عقد اجتماعات وإجراء اتصالات منتظمة بين أعضاء الأقسام المركزية والأقسام في المحافظات من أجل تبادل الخبرات وتوحيد وجهات النظر .

التطور الآخر المهم هو أن تشكيل القيادة داخل الحركة وداخل أقسامها صار يتم عن طريق إجراء انتخابات داخلية بدلا من تعيين الكبار من أعضاء الحركة على نحو تقليدي على غرار ما كان سائدا في الماضي وقد شكل هذا التطور وإن لم يكن مثاليا من حيث الممارسة خطوة بارزة كونه يتناقض مع الثقافة السياسية السائدة التي تمارسها أغلب النظم العربية ويجري انتخاب أعضاء كل قسم داخل التنظيم من قبل قواعده الناخبة في العاصمة

أو في المحافظات وربما ينتقل الأعضاء المنتمون إلى أحد الأقسام وبخاصة الأعضاء الأكبر سنا أو أوسع خبرة من قسم إلى آخر أو يكونون ببساطة أعضاء في أكثر من قسم وهذا يضمن عدم ضياع الخبرات غالبا بل يضمن تقاسمها وزيادتها وسيكون كلامي على التنظيم وماهيته مهما في الفصل الثالث حين أناقش دور التنظيم وصلته بتأثير الإخوان ونفوذهم في المجتمع وفي السياسة .

ثالثا : الميدان الاقتصادي

شكل الاقتصاد المصري تحديا هائلا لكافة الأنظمة المصرية تقريبا منذ العام 1952 فبخلاف الميدان الاجتماعي أو السياسي حيث في استطاعة الرئيس تحسين صورته العامة عبر مواقف إيجابية مثل إطلاق سراح سجناء سياسيين أو طرح إصلاحات اجتماعية ثانوية تتميز الإصلاحات في الميدان الاقتصادي بالصعوبة وتتشكل أغلب المشكلات الاقتصادية التي تعانيها مصر من طبيعة مصادر الدخل وهي الرسوم التي تحصل عليها الدولة من عبور السفن قناة السويس والدخل الناتج من النفط والأهم من السياحة ومن تحويلات المصريين العاملين في الخارج وهي عائدات لا يمكن ضبطها أو التحكم فيها وبالتالي لا يمكن التنبئ بها .

والمأزق الفريد الذي يعانيه مبارك هو أنه ورث سلسلة من السياسات الاقتصادية التي تراكمت عبر العهود الماضية والتي تعارض طبيعتها بعضها مع بعض بطبيعة التعارض بين فترة حكم عبد الناصر وفترة حكم السادات والتحدي الذي واجهه مبارك في البداية كان تعذر إلغاء سياسات عبد الناصر التي كانت تعتمد على الاشتراكية ودور أكبر للدولة وإلغاء سياسات السادات التي تعتمد على رأسمالية الطبقة التي استفادت من الانفتاح والتحرر الاقتصادي كانت مهمة مبارك في الإصلاح الاقتصادي إذا غاية في التحدي والصعوبة .

وأنا هنا لن أقدم سردا ناقدا للاقتصاد المصري في عهد مبارك بما أن هذا الموضوع خضع للنقاش المستفيض في أدبيات أخري كثيرة لكني سأتفحص بدلا من ذلك كيفية تفاعل مبارك مع الحقائق الاقتصادية في مصر بهدف تعزيز شرعيته وسيكون من المبالغة الافتراض بأنه كانلدي مبارك الذي كان طيارا حربيا رؤية واضحة أو خطة جاهزة في المراحل الأولي من قيادته لإنقاذ مصر من مشكلاتها الاقتصادية ولكن يكفينا الافتراض بأن موقفه الحذر عموما من الجميع وتردده في إدخال تغييرات جذرية خاصة إذا كانت غير شعبية عنيا أن مبارك استمر في التشديد على دور الدولة في " العقد الاجتماعي " الذي أرسي قواعده عبد الناصر ولكن دون التخلي عن الانفتاح الذي بدأه السادات .

ففي خطاباته ومقابلاته التي أجراها في مستهل الثمانينيات لم يتحدث مبارك يشكل مباشر عن تفكيك القطاع العام أو حتى عن خصخصة أجزاء منه ولكنه اقتصر على الحديث عن الحاجة إلى إصلاحه وتفعيل إنتاجيته وفي إحدي المقابلات أكد التزامه بالقطاع العام وتباهي بأن نظامه خصص في العام 1983 سبعمائة مليون جنيه مصري من ميزانيته لدعم التصنيع على الخصوص في القطاع العام وشدد مبارك على أنه يريد إعادة تأهيل القطاع لعام ورفع مستويات إنتاجيته والتشجيع على الاستثمار وأعاد التأكيد أن هذا هو الحل الوحيد للمشكلات الاقتصادية التي تعانيها مصر .

وفي الوقت نفسه قاوم مبارك الضغوط التي بذلتها المؤسسات المانحة وصندوق النقد الدولي لإدخال إصلاحات هيكلية من اجل تجنب إثارة أعمال شغب شبيهة بالأعمال التي وقعت في العام 1978 عندما خفض السادات من دعم السلع الغذائية وآثر مبارك عوضا عن ذلك حل مشكلات مصر الملحة من خلال زيادة الافتراض الخارجي الذي سهلته كافة أشكال القروض والسلف التي قدمتها الولايات المتحدة وفي حال كان التخفيض في دعم السلع يتم في سياق مواصلة سياسة الانفتاح التي بدأها السادات والتي قال مبارك إنه سيدخل إصلاحات عليها بدلا من إلغائها كانت تلك التخفيضات تطبق على السلع غير الضرورية أو لا تطبق ولكن بشكل هادئ ومستتر .

وعلى رغم ذلك فقد ظل أغلب المصريين يتوقعون من النظام الجديد رؤية ما هو أكثر من مجرد المحافظة على القطاع العام لقد توقعوا إدخال تحسينات حقيقية في أحوالهم المعيشية وفي مستوي الخدمات الاجتماعية وعلى رغم أن سياسة الانفتاح أفادت شريحة ضيقة من المجتمع فقد همشت أبناء الطبقات الدنيا والفقيرة لتي ظلت تفتقر إلى الخدمات وإلى البنية التحتية الجيدة ومع ذلك فإن عهد مبارك شهد تحسينات على مستوي البنية التحتية ظل الرئيس يتباهي بها في خطاباته .

ومن المهم أن نلفت النظر إلى أن الكثير من مشاريع البنية التحتية كانت قد بدأت منذ عهد السادات إلا أنها لم تستكمل إلا في عهد مبارك بسبب رحيل السادات المفاجئ في العام 1981.

وقد كان السادات بدأ بالفعل بتنفيذ مشاريع صناعية مهمة وبني مصانع وخصص مساحات للناشطات العمرانية والإسكان ( مثل مدينة العاشر من رمضان ) واستنادا إلى نزيه أيوبي خصصت حكومة السادات 45 بالمئة من كافة الاستثمارات العامة لمنشآت البنية التحتية والخدمات ( حوالي 9 بالمئة لمشاريع الطاقة و27 بالمئة لقطاعي النقل والاتصالات وما تبقي للإسكان والبناء ) في خطته الخمسية للأعوام 19781982 ولكن كما أشرت أغلب هذه المشاريع لم يكتمل في عهد السادات وإنما أكتمل في عهد مبارك وابتداء من عام 1982 جري تخصيص حصة كبيرة من استثمارات مصر للبنية التحتية .

وكانت نتائج هذه الاستثمارات محل احتفال مجلة الأهرام الاقتصادي التي تملكها الدولة التي ادعت بأنه في الفترة الممتدة بين العامين 1981 و1986 " زادت شبكة الطرقات من 26000 إلى 42000 كيلو متر وزاد عدد الشاحنات على الضعف وازداد عدد الخطوط الهاتفية بأكثر من ضعفين ونصف وزاد إنتاج الطاقة الكهربائية من 18 مليارا إلى 45 مليار كيلو واط في الساعة وكنتيجة لهذه الزيادة باتت الكهرباء تصل إلى 8,2 ليون منزل في العام 1986 بعد أن كانت تصل إلى 5,2 مليون منزل في لعام 1981 , وزاد عدد البلدات التي تصلها المياه العذبة من 4200 إلى 4500 بلدة .

وإبراهيم عويس محق في الإشارة إلى أن الأرقام لمذكورة آنفا ليست مؤشرات حقيقية على أداء النظام الجديد عندما تقاس مقابل الزيادة الكبيرة في عدد السكان ولكن بصرف النظر عن مدي تواضع أداء النظام في هذا المجال فإن ما تم وفر بالتأكيد لوسائل الإعلام وللصحافة التي تملكها الدولة والأهم من ذلك للخطابات الرئاسية المادة المطلوبة في حملة الفوز الشرعية الإنجاز التي تحدث عنها غيلين وبوغي (راجع المقدمة) ففي المؤتمرات والخطابات والمقابلات مع الصحافة الأجنبية والمحلية أشار مبارك تحدث عن إنجازاته أمام الصحافة الأجنبية لأن ذلك كان مؤشرا على أنه كان يهدف أيضا إلى جذب المستثمرين الأجانب بقدر ما كان يهدف إلى إرضاء المصريين وهذان العنصران ليسا مستقلين أحدهما عن الآخر بالطبع لأن الاستثمار الأجنبي والعائدات التي ستتولد عنه ستقوي في نهاية المطاف الاقتصاد المحلي وعلى حد تعبير مبارك نفسه ستوفر فرص عمل للخريجين .

بروز المؤسسات المالية الإسلامية

تمكن الإخوان المسلمون من تطوير مشاريعهم المالية الخاصة ويعود ذلك جزئيا إلى روح التسامح التي سيطرت على النظام المصري في البداية ويعود جزئيا إلى أنه لم ينظر إلى هذه المشاريع الإسلامية على أنها تشكل تهديدا جديا بعد ..

ويمكن المجادلة بالطبع بأن النظام وحلفاءه اعتقدوا في احدي المراحل أنهما ربما يستفيدون من هذه المشاريع إما بتحويلها إلى مصدر مساعدة لاقتصاد الدولة أو بتحولها إلى مصدر لزيادة الثروة الشخصية لأفراد في الحكومة وقد اعتبر الأمران واردين في حالة شركات الاستثمار الإسلامية التي نمت بسرعة في الثمانينيات وفي الرد الغامض من قبل الدولة على ظهورها وعندما أدرس الناشطات المالية للإخوان في مستهل الثمانينيات يناقش كما ذكرت دور البنوك الإسلامية ودور المشاريع الاستثمارية الخاصة بأفراد الجماعة وأبدأ أولا بشركات توظيف الأموال .

شركات توظيف الأموال

يتعين على أن أوضح منذ البداية أنني لا أقدم وصفا لظهور شركات توظيف الأموال الإسلامية والسياسات التي اتبعتها هذه الشركات فأنا أكثر اهتماما بدراسة العلاقة التي تربط الإخوان تحديد وليس الإسلاميين بالعموم بهذه الشركات كما أن هناك خلطا خاطئا ومتكررا بين شركات توظيف الأموال وتنظيم الإخوان نفسه وربما مرد ذلك من الناحية العملية إلى سرية المعلومات التي تجعل من الصعب معرفة إن كان أصحاب شركات التوظيف هذه تابعين بأي وجه من الوجوه للحركة أم أنهم مستقلون

فبالنسبة إلى من يراقب من الخارج أو حتى بالنسبة إلى المحليين المصريين المحليين يبدو أن الخيار الأسهل هو الجمع بين كافة الإسلاميين الملتحين معا وبخاصة إذا كانت دراسة الظاهرة تتم على أساس المؤهلات الدراسة أنه من الضروري أخذ الاختلافات التنظيمية أهمية لكننا نجد في هذه الدراسة أنه من الضروري أخذ الاختلافات التنظيمية بعين الاعتبار إذا كان مراد الباحث تقديم وجهة نظر دقيقة وموضوعية عن الدور الاقتصادي للإخوان وتأثير هذا الدور في تنظيم الجماعة وفي النظام لسياسي المصري .

عندما سافرت إلى مصر لإجراء بحثي في دور الإخوان المسلمين في بروز شركات توظيف الأموال وتطويرها سرعان ما أصبح اسم أحمد عبيد مألوفا لى وربما لم يكن عبيد معروفا في الأوساط العام كناشط مثل عصام العريان على سبيل المثال لمنه بالتأكيد احدي الأذرع المالية المهمة للحركة لعب عبيد العضو المخضرم في الإخوان وصاحب شركة الحجاز الاستثمارية الصغيرة ولكن القوية دورا عظيما في بروز شركات التوظيف الضخمة والمشهورة التابعة للشريف والسعد والريان وعلى رغم أن الإخوان ينفون تمثيل عبيد أية جهة سوي نفسه إلا أن انتماءه إلى الحركة ظل لا شك يعني أنه جرت الاستفادة من إنجازاته المالية في تمويل أنشطة الجماعة أو على الأقل توظيف عدد من كوادرها في مصانعه .

وقد التقيت في القاهرة بعاصم شلبي وشقيقه الأكبر محمد شلبي وكلاهم مقاولان من الإخوان كان يملكان ذات يوم شركة استثمار إسلامية ( قبل تصفيتها من النظام في العام 1989) وتعاونا بشكل وثيق مع عبيد ويملك عاصم حاليا دار نشر إسلامية " دار الوفاء " في حين يملك شقيقة محمد شركه بناء ضخمة وكلاهما يحتفظ بوثائق وحسابات تسجل قصة عبيد وصلاته بشركات توظيف الأموال .

في مستهل السبعينيات خرج عبيد من سجون عبد الناصر وبدأ في عهد السادات بالعمل لصالح رجل الأعمال الإسلامي المستقل عبد اللطيف الشريف الذي كان يملك مؤسسة صغيرة لتصنيع المنتجات البلاستيكية وقد استفاد الشريف من سياسة الانفتاح التي تبناها السادات وتوسعت أعماله بسرعة طوال فترة السبعينيات.

ولكن على رغم زيادة في الأرباح, كان ما يزال الشريف بحاجة إلى مزيد من الأموال لتوسيع تجارته وتحويلها إلى مؤسسة ضخمة مجهزة بماكينات حديثة , واستخدم عبيد شبكة معارفه التنظيمية في إقناع أعضاء من الإخوان كانوا يعملون في دول الخليج ويبحثون عن فرص آمنة لتوظيف أموالهم في مصر , بإيداع مدخراتهم لدي الشريف .

وبالمقابل وظف الشريف العديد من أعضاء الإخوان الذين أطلق سراحهم حديثا من سجون عبد الناصر وممن كانوا لا يستطيعون السفر إلى الخليج أو ممن آثروا البقاء في مصر والعمل في القطاع الخاص .

وبلغت أرصدة الشريف الإجمالية في أواخر السبعينيات ما لا يقل عن 300 مليون جنيه مصري وشاركت مجموعة شركاته في أعمال تراوحت ما بين بناء العمارات السكنية وتصنيع المنتجات البلاستيكية ومعدات الإضاءة ومواد التنظيف.

والمعدات الإلكترونية وكوفيء عبيد على جهوده بترقيته ليصبح عضوا في مجلس مدراء الشركات المختلفة وبراتب شهري مقداره 5000 جنيه مصري وكانت تلك زيادة مالية ملحوظة في فترة زمنية قصيرة جدا وبخاصة عند مقارنتها بمبلغ 180 جنيها مصريا كان يتقاضاه عندما بدأ العمل في العام 1974 وفي العام 1979 قرر عبيد الاستقالة من منصبه على إثر نزاع نسب بينه وبين الشريف حول طريقة إدارة الأخير لمؤسساته التجارية .

بالاشتراك مع محمد عليوه , وهو عضو في الإخوان ومقاول كبير , أسس عبيد شركة الحجاز الاستثمارية ومن بين العديد من التطورات الأخرى , أدي ذلك إلى تحول مدخرات الإخوان من مؤسسات الشريف إلى شركة الحجاز , وهو ما يوضع ي الحد الأدنى قيمة الصلات والو لاءات التنظيمية وابتداء من مطلع الثمانينيات شاركت شركة الحجاز في مشاريع استثمارية محدودة لكن أحد الأعمال المهمة التي قامت بها الشركة كان تقديم القروض لشركات المقاولات الصغيرة التي غبت في الاستثمار في العقارات وسأستكمل في الفصل الثالث الدور المهم الذي لعبته هذه القروض في بروز مؤسسة السعد والريان والشركات الإسلامية العملاقة الأخري ومن اللافت أنه خلال هذه الفترة كانت صلات عبيد إخوانية معروفة جيدا لدي الأجهزة الأمنية وهو ما أكد تسامح النظام بوجه عام مع النشاطات التي كانت تقوم بها شركة الحجاز لأن النظام لم ير في نفوذ الإخوان المالي تهديدا على شرعيته بعد كما حصل في العام 2005 مثلا

البنوك الإسلامية

أما البنوك الإسلامية فكانت نوعا آخر من أنواع المؤسسات المالية التي تسامح معها النظام في مستهل الثمانينيات ولعب الإخوان دورا بارزا أيضا في تأسيسها وتطويرها وكان يوجد في مصر في أواخر السبعينيات ومستهل الثمانينات بنكان إسلاميان رئيسيان.

هما البنك الدول الإسلامي للاستثمار والتنمية وبنك فيصل الإسلامي وكلاهما تأسس في لعام 1979 وكان المدير التنفيذي لبنك فيصل في احدي المراحل أحمد عادل كمال وهو عضو في الإخوان لديه اهتمام خاص بالاقتصاد الإسلامي والأعضاء المعروفون الآخرون الإخوان تضمنوا حلمي عبد المجيد وتوفيق الشاوي وكلاهما كان عضوا في مجلس إدارة البنك وبالمثل ضم مجلس إدارة البنك الدولي الإسلامي للاستثمار والتنمية عبد الحميد الغزالي وسعد عمارة وخيرت الشاطر وكان الغزالي والشاطر عضوين مؤثرين في مكتب الإرشاد .

واستنادا إلى عبد الحميد الغزالي وهو ناشط معروف وأستاذ محاضر في جامعة القاهرة أجريت مقابلة معه في العام 2002 تأسيس البنك الدول الإسلامي في عهد السادات برأسمال بلع 12 مليون جنيه مصري ولكن في الفترة الواقعة بين العامين 1981 1983 أرباحا على المودعين وصلت إلى 14,7 بالمئة ( مقارنة بالفائدة التي تدفعها البنوك التابعة للدولة التي تراوحت بين 11,10بالمئة) وحرص البنك الدولي الإسلامي على أن يكون أغلب المودعين لديه من المصريين من أبناء الطبقات الدنيا " من أجل المساعدة على تحسين مستوي معيشتهم .

واستنادا إلى الغزالي جري توظيف أرصدة البنك في مشاريع مهمة في القطاعين الصناعي والزراعي وقد شكلت البنوك الإسلامية مؤسسات مفيدة أظهرت التزام الإخوان بتوفير بديل إسلامي للبنوك التي توجد مقراتها الرئيسية في الغرب والبنوك التي ترعاها الدولة.

ولكن الحركة لم تحقق نجاحا مرموقا في هذا المجال لأن هذين البنكين واجها العديد من المشكلات كانت في أغلبها متعلقة بنزاعات شخصية والافتقار إلى نظم الإدارة المنظمة كان للنزاعات الشخصية فضلا عن الضغوط المتزايدة التي مارستها الدولة.

تأثير سلبي كبير في مصير البنوك الإسلامية وبخاصة في أواخر الثمانينيات وهو الأمر الذي سنناقشه في الفصل الرابع كل الذي أريد توضيحه من هذه المعلومات هو أن الإخوان استفادوا من أجواء الانفتاح الاقتصادي الذي سمح بها النظام في بداية تأسيس شرعيته .

المشاريع الخاصة

يحذر الإخوان المسلمون من الخلط بين الملكية التجارية الخاصة للعضو والمشاريع لتجارية التي تمثل ملكية الحركة, وقد ادعي تنظيم الإخوان في العام 1954 بأنه قام بتصفية أغلب إن لم يكن كافة مؤسساته الاقتصادية الرسمية في أعقاب حظر الحركة.

وذلك باستثناء دار التوزيع والنشر الإسلامية وهي دار نشر تقوم بنشر وتوزيع الكتب الإسلامية العام والخاصة بالجماعة والمواد السمعية وبالرغم من ذلك الفصل تبقي هناك الصلة بين الأفراد والحركة وإن على صعيد التبرعات في الحد الأدني وهو ما لا تنكره القيادة بما أنها تفتقر إلى مصادر التمويل المناسبة وبما أنها تعتمد على اشتراكات أعضاء أساس في تنفيذ نشاطاتها ولا شك في أن رفض الدولة الاعتراف بالحركة كان له تأثير كبير على صعيد حاجة الحركة إلى الاعتماد على اشتراكات أعضائها بدلا من الاعتماد على مصادر دخل أكثر انتظاما .

ولم يكن من السهل إقناع بعض رجال الأعمال من الإخوان بالتصريح عن أعمالهم التجارية الخاصة وعن التقدم الذي أحرزوه في ظل حكم مبارك خلال السنوات الأولي من عقد الثمانينيات لكني وجدت بعض الأعضاء الأثرياء من الإخوان الذين تمكنت بصعوبة من الالتقاء بهم على استعداد للتحدث عن أفكار مجردة لها علاقة بالأخلاقيات الإسلامية في إدارة الأعمال التجارية الناجحة لكنهم لم يكونوا مستعدين للحديث عن كل ما له علاقة بتجارتهم الخاصة في الأعمال التجارية

وبما أني قمت بعملي الميداني في فترة لمواجهة بين مبارك والحركة فأنا أتفهم حقيقة أن أغلب الإخوان كانوا غير مستعدين للتضحية بمؤسساتهم التجارية من اجل بحث منشور بتناول هذا الموضوع وبخاصة في النظام اتهم بعض رجال الأعمال من الإخوان بتمويل النشاطات السياسية التي تقوم بها الحركة وقد استشهد أحد الأعضاء في الإخوان بالقول المصري المأثور " رأس المال جبان ".

لكن هناك استثناء لهذا القول المأثور , وهو خالد عودة , أحد رجال العمال من الإخوان من مدينة أسيوط الذي كان على استعداد للتحدث إلى وقد التقيت بعودة في شقته بالقاهرة قبل يوم سفره إلى الولايات المتحدة لحضور مؤتمر عن الجيولوجيا وخالد وهو نجل عبد القادر عودة المعروف الذي شنق في عهد عبد الناصر في الستينيات من القرن الماضي وأستاذ محاضر في جامعة أسيوط يملك سلسلة من الشركات والمصانع في مسقط رأسه أسيوط وقد خاض الانتخابات البرلمانية سنة 2000 في أسيوط لكنه ادعي أنه خسر الانتخابات لأن التدخل العنيف من جانب القوي الأمنية حال دون فوزه .

بدأ عودة ممارسة التجارة في العام 1980 في مصنع صغير يدعي " الرباط" لصنع الألبسة وكان يوجد في المصنع اثنتا عشر ماكينة خياط وحسب ولم يكن يزيد عدد العاملين فيه على عشرين عاملا وخلا الثمانينيات توسع المصنع ولم يتأثر كثيرا بالاعتقالات التي استمرت لفترة وجيزة لأعضاء الإخوان في لعام 1981 ويشرح عودة المسألة بالقول " إن اعتقالات السادات لم تكن تستهدف الإخوان.

بل كانت حملة ضد المعارضة بأكملها , بما في ذلك الأقباط ولهذا السبب لم يعان كافة أعضاء الإخوان منها , " وعندما وصل مبارك إلى السلطة ازدهرت أعمال المصنع بوتيرة أعلي.

بل اختارته وزارة التموين أيضا بعد وقت وجيز لتزويدها بملابس قليلة الكلفة لصالح القطاع العام " وقع الاختيار علينا لأن اليد العاملة قليلة الكلفة في أسيوط بعثت وزارة التموين إلينا بالأقمشة وصنعنا كافة أنواع الملبوسات للرجال والنساء والأطفال وكانت الوزارة تسلم هذه الألبسة للقطاع العام لبيعها بأسعار زهيدة وكان الناس سعداء بمنتجات المشروع .

وكان ذلك يعني أنه في أواخر الثمانينيات بات مصنع عودة يضم خمسا وأربعين ماكينة خياطة ونحوا من مئة عامل وفي العام 1982 أسس عودة مصنعا آخر هو " البنيان المرصوص " لصنع أحجار البناء ومرة أخري ازدهرت منتجات المصنع ولم يتأذ بمشكلات الجماعة الإسلامية بأسيوط ويؤكد عودة على أن النظام ان يميز بين الإسلاميين المتطرفين والإسلاميين المعتدلين وقتئذ كان واضحا أن الإخوان استفادوا من الأجواء الاقتصادية التي واكبت مجئ مبارك إلى السلطة وبدا واضحا سعي كلا الطرفين الإخوان ومبارك إلى توظيف الميدان الاقتصادي لتعزيز شرعيتهما كل على حدة .

خلاصة

أظهرت مناقشتي التي تناولت الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية أنه لم يتوفر في مصر في مستهل الثمانينيات السياق الذي يمهد لنشوب صراع بين الإخوان ومبارك فلم يكن للإخوان علاقة باغتيال السادات مثلا كما أن الإخوان لم يكونوا على استعداد لاستخدام العنف ضد الدولة وفي هذه الأثناء كان النظام أكثر انشغالا في توسيع قاعدة شرعيته ولذلك لم يكن مستعدا للدخول في مواجهات غير مبررة أو عبر شعبية مع المعارضة كما أن هاجس جو من التسامح لم يكن متوفرا في أواخر عهد سلفه السادات ولذلك أكد مبارك على سيادة القانون وعمل على إبطاء عملية التطبيع مع إسرائيل وعلى تحسين علاقات مصر بالدول العربية وشرع في تطوير البنية التحتية للدولة ويهدف تعزيز صورته الدينية في صراعه مع المتطرفين الإسلاميين سعي مبارك أيضا إلى إرضاء مؤسسة الأزهر وعلى رغم النظام لم يحسم مسألة شرعيته الخاصة بصورة مطلقة إلا أنه يمكن القول إن مبارك نال درجة من القبول العام وهو ما دل عليه بدرجة كبيرة المستوي المتدني للعنف الاجتماعي والديني في السنوات الأولي لقيادته ومشاركة القوي السياسية الرئيسية في انتخابات العام 1984 .

وفي هذا السياق استغل الإخوان المسلمون المزاج التصالحي لدي مبارك في إعادة بناء التنظيم وفي اكتساب الوضعية القانونية ونجحوا في مسعاهم الأول .

وفشلوا في مسعاهم الأخير , واستمروا في توظيف الشرعية الدينية كوسيلة فاعلة في استقطاب مزيد من الأعضاء عبر الفضاءات التقليدية في المساجد والأحياء السكنية واستخدمت الخطابات والأحكام الدينية أيضا في تنفيذ مشاريع اقتصادية ( مثل شركات توظيف الأموال ) التي ربما كانت متواضعة في حجمها لكنها كانت كافية لتوفير الدعم والتمويل اللازمين لتوسع آفاق ونفوذ الحركة

الفصل الثالث

الإخوان وشرعية الإنجاز ( 1984 -1987)

كما قلت في بداية الفصل الثاني لم توفر السنون الأولي من الثمانينيات لمبارك مصدرا مستقلا للشرعية ما عدا الشرعية القانونية باعتباره نائب السادات وبالتالي خليفته في تولي السلطة وقد تبني مبارك روح التسامح في بداية حكمه.

وكان الهدف من ورائها السعي إلى توفير أسس مصداقية جديدة لنظامه ونزع فتيل التوتر والاحتقان بين الدولة والمجتمع وقد آتت الجهود التي بذلها مبارك ثمارها في الميدان السياسي غذ وفرت انتخابات العام 1984 النزيهة نسبيا لقوي المعارضة بما فيها الإخوان المسلمون فرصة لكي تعاود الظهور على الساحة السياسية بقوة.

ومن ناحية أخري وفرت الانتخابات لمبارك السياق المناسب الأول لتطبيق مفهوم الشرعية القانونية بوصفها " الشكل المهيمن " من أشكال البرلمانية وحسب بل في المجتمع بوجه عام موقف الإخوان لا في السياسة البرلمانية وحسب بل في المجتمع بوجه عام وفي مؤسساته المؤثرة أيضا على رغم أن الإخوان كانوا لا يزالون في طور إعادة بناء التنظيم فقد أصبحوا الآن في موقف أقوي يمكنهم من خوص الانتخابات في الاتحادات الطلابية وفي النقابات المهنية وكان هدفهم النهائي هو التأثير في الساحات التي يحتلونها وبناء رأي عام بالتدريج يولد ضغطا على النظام لكي يمنحهم وضعية قانونية .

وإذا استثنينا الإخوان المسلمين والناشطين السياسيين الآخرين نلحظ أن الغالبية العظمي من المصريين لم تستفد في الواقع من الفسحة السياسية التي أتاحها النظام ربما لأنه لم يكن لديها اهتمام خاص بالشؤون السياسية والانتخابات فالشئ الأكثر أهمية بالنسبة إلى أغلب المصريين كان معرفة ما إذا كان النظام الجديد سيتمكن من تحسين مستوي ظروفهم المعيشية أم لا .

وقد بينت في الفصل الثاني كيف أن كبارك شدّد في البداية على التزامه بتطوير القطاع العام والبنية التحتية وأن هذا الوقف استمر في السنوات التالية ولكن بالنظر إلى واقع الأزمة الاقتصادية والمشكلات الاقتصادية الأخرى التي واجهتها مصر في منتصف الثمانينات بدا النظام عاجزا عن الوفاء بالتزامه وعلى النقيض من بداية الثمانينات عندما كانت آمال وتوقعات الشعب متفائلة فإن السنين اللاحقة شهدت شعورا بالإحباط

فلم تكد تمضي خمس سنين على وصول مبارك إلى السلطة حتى شهدت مصر أعمال شغب لم تكن متوقعة في أوساط قوات الأمن المركزي وعلى نحو يذكر بأعمال الشغب التي اندلعت على إثر تخفيض دعم السلع الغذائية في العام 1977 فضلا عن عودة ظهور عليات العنف من جماعات التطرف وشكلت عمليات العنف منذ منتصف الثمانينيات العنصر الجديد في تعقيد العلاقة بين الإخوان المسلمين والنظام .

وسأناقش في هذا الفصل هذه التطورات الجديدة وأقيم كيف أثرت في مواقف مبارك وفي الإخوان وفي سعي كل من الطرفين إلى الشرعية ويمكن القول مجملا إنه في الميدان السياسي استخدم مبارك الانتخابات في تعزيز " صورته الديمقراطية" داخل مصر وخارجها في حين استخدم الإخوان الانتخابات كوسيلة أخري للحصول على الاعتراف الرسمي وفي الميدان الاجتماعي استغل الإخوان ذلك للعودة بقوة إلى الجامعات ولكن الأهم من ذلك

كان بروزهم هذه المرة في النقابات المهنية أيضا ومن ناحية أخري شكل الميدان الاقتصادي التحدي البارز لمبارك فالأزمة الاقتصادية التي اندلع في منتصف الثمانينات أضعفت التزام الدولة بـ " العقد الاجتماعي " وسرعان ما أشعل ذلك نقمة اجتماعية وبدا أداء النظام في الجانب الاقتصادي متناقضا مع الدور المتنامي للإخوان في شركات التوظيف الإسلامية ومع نجاحهم في المؤسسات الخاصة التي استخدمت في تمويل التنظيم بكلمة واحدة بدا الإخوان ينافسون النظام من خلال خدماتهم في الجامعات والنقابات وشركات التوظيف على شرعية الإنجاز.

أولا: الميدان السياسي

مبارك وانتخابات العام 1984

اكتسبت الانتخابات التي أجريت في أيار مايو 1984 أهمية خاصة بالنسبة إلى مبارك ويعود ذلك ببساطة إلى أنها كانت الانتخابات الأول التي تجري في عهده ولأنها وفرت فرصة لتأكيد التزامه بالتعددية السياسية وقد وفرت الانتخابات سياقا قويا لكي يبني مبارك أسسا جديدة لشرعيته

وقد جعلت في هذه المرة القانونية هي "الشكل المهيمن" من أشكال الشرعية كما وفرت الانتخابات لمبارك المستلزمات الديمقراطية والقانونية اللازمة لإرساء نظامه ولتشكيل حكومة منبثقة عن نخبة سياسية موالية وقد استخدم مبارك في خطابه الانتخابات في إعادة تأكيد احترامه للدستور ولحق الشعب في اختيار ممثليه في البرلمان .

كان مبارك قد وعد المصريين قبل إجراء الانتخابات بأن نظرية إلى الديمقراطية ستكون واضحة على العكس من الظرف التي كانت سائدة على عهد عبد الناصر والسادات واستنادا إلى حسن نافعة وهو أستاذ محاضر في العلوم السياسية بجامعة القاهرة وأحد المرشحين عن حزب التجمع في العام 1984.

لم تكن الانتخابات تتعلق بشكل مباشر بمبارك وبمدي شرعية رئاسية بل كانت متعلقة في الحقيقة بشرعية نظامه وحكومته وبالرغم من ذلك, أعاد مبارك استخدام الانتخابات بطريقة جعلت " شرعية النظام والحكومة مصدرين جديدين لشرعية شخص الرئيس نفسه " ويجادل نافعة بأن الانتخابات وفرت عنصرا أكثر أهمية لشرعية مبارك من حقيقة أنه كان نائب الرئيس في زمن السادات واستنادا إلى نافعة " لا يبالي الشعب في مصر في الواقع بمن يتولي السلطة وإنما ينصب اهتمامه على كيفية عزمه على الاستمرار في البقاء في السلطة " أى أن مغزي الانتخابات كان في أنها أجابت عن شرعية الاستمرار في السلطة .

ويغرض تعزيز مصداقية الانتخابات وبالتالي تعزيز مصداقية النتائج المتوقعة أفسح مبارك أمام المعارضة السياسية وسمح للإخوان المسلمين بالمشاركة في الانتخابات عبر التحالف مع حزب الوفد وعلى رغم أن الإخوان غير معترف بهم كحزب سياسي لم يتدخل النظام لمنع تشكيل هذه التحالف مع أن قانون الانتخابات لعام 1983 حظر بالفعل تشكيل تحالفات بين الأحزاب السياسية المعترف بها .

وربما سمح مبارك بتشكيل هذا التحالف لتوسيع ائتلافه ف مواجهة المسلحين الإسلاميين فمن خلال السماح للإخوان بالمشاركة في العملية السياسية يعبر مبارك عن موقف مفاده أنه لا يناصب الإسلاميين العداء.

بل إنه ضد التطرف فقط واستنادا إلى أحد التفسيرات رغب مبارك الذي لم يكن يتصور بعد أن الإخوان يشكلون تهديدا على المدى القصير في تقييم موارد وإمكانيات الجماعة الخفية ونفوذهم في الشارع .

كما كان متوقعا أفضت الانتخابات إلى انتصار حققه الحزب الوطني الديمقراطي الذي حصل على غالبية 390 مقعدا من أصل 448 مقعدا (أى أنه حصل على 87 بالمئة من المقاعد) وترك المقاعد الثمانية والخمسين المتبقية للمعارضة ولكن الأمر الذي ربما شكل مفاجأة بالنسبة إلى النظام على الأقل أن المعارضة في البرلمان تكونت من حزب الوفد (المتحالف مع الإخوان المسلمين) فقط في حين أن أحزابا معروفة مثل حزب التجمع وحزب العمل فشلت في تأمين نسبة الثمانية بالمئة لدخول البرلمان .

وبدا واضحا أن المعارضة السياسية خاب أملها بعد صدور النتائج واستنتج مرشحون هزموا في الانتخابات مثل نافعة أنه لا يوجد اختلاف حقيقي بين التعددية الحزبية في عهد مبارك ونظيرتها في عهد السادات وبالمقابل سعي كلا الحاكمين السادات ومبارك إلى تأمين انتصار حزبه من أجل السيطرة على السلطة التشريعية وساد اعتقاد شائع بأن الحكومة تلاعبت بصناديق الاقتراع لضمان تحقيق نتائج متحيزة للحزب الوطني الحاكم وكان انعدام الثقة في نوايا الحكومة بالإضافة إلى أجواء اللامبالاة المستشرية بين المصريين هما المسئول المباشر بدرجة كبيرة عن قلة عدد المقترعين (إذ لم يقترع سوي 43 بالمئة ممن يحق لهم التصويت).

ولكن خطاب مبارك في أثناء فترة الانتخابات بأكملها تمحور حول موضوعي (أهمية التعددية الحزبية واحترام القانون ) .

طبعا كان هذا هو الخطاب الرسمي ولكن الواقع هو أن القانون كان في حد ذاته مقيدا ولا يفضي إلى نشوء تعددية حزبية حقيقية فقد حصر قانون الانتخاب فرصة المشاركة السياسية بالأحزاب السياسية المعترف بها.

مما حرم المرشحين المستقلين من حقهم السياسي بالمشاركة وكانت شروط تشكيل الأحزاب صعبة ولم تتغير هذه الشروط منذ أن طرح السادات قوانينه الانتخابية في العام 1976 ولكن الأشد من ذلك صعوبة انه اشترط على الأحزاب التي ترغب في أن يكون لها تمثيل في البرلمان في انتخابات العام 1984 الحصول على ثمانية بالمئة من الأصوات بمعني أن كل حزب لا يستطيع تأمين نسبة الثمانية بالمئة من الأصوات التي ذهبت إلى صالح الأحزاب التي فشلت في تامين نسبة الـ8 بالمئة تضاف في النهاية إلى الحزب الذي يحصد أغلبية الأصوات في هذه الحالة الحزب الوطني الديمقراطي .

كما طلب من الأحزاب تقديم قائمة احتياطية من المرشحين وهو ما وجدته الأحزاب الصغيرة طلبا تعجيزيا وكان الهدف الرئيسي للنظام هو تأمين أساس هش وشكلي للشرعية بدلا من تأمين أساس حقيقي وقد تعرض قانون الانتخابات لانتقادات شديدة من قبل اغلب الأحزاب السياسية لأنه مقيد ومفصل بطريقة تضمن للحزب الوطني الديمقراطي الحصول على الأغلبية واشتراط الحصول على ثمانية بالمئة من الأصوات لم يكن عقبة وحسب بل " وكان غير متيسر بصراحة ".

ومن الناحية العملية كانت المطالبة بأن تقدم الأحزاب قائمتين لمرشحيها يعني أن يتوقع من كل حزب توفير أسماء يبلغ عددها ضعف عدد المقاعد في البرلمان ادعي النظام بأنه أراد التأكد من أن الأحزاب التي ستدخل مجلس الشعب هي الأحزاب التي تحظي بشعبية حقيقية وأن تأمين نسبة الثمانية بالمئة كحد أدني هو أحد سبل تحقيق ذلك وإذا كان هذا هو المقصود فعلا فإن النتائج أظهرت أن حزب الوفد بالتحالف مع الإخوان المسلمين إذا استثنينا الحزب الوطني الديمقراطي شكل القوي الشعبية الحقيقية في مصر وكانت هذه النتيجة مفاجئة للنظام .

الإخوان في مجلس الشعب (1984)

قصر القانون الانتخابي الذي اقترحه مبارك في العام 1983 المشاركة السياسية على الأحزاب السياسية واستثني الأفراد المستقلين وتحصل الأحزاب على الوضعية القانونية عن طريق لجنة الأحزاب التي تهيمن عليها الدولة وقد حمل هذا القانون الإخوان على التفكير في منطلقات جديدة ومختلفة عن تلك التي كانت سائدة في السبعينيات وبدأوا بالتفكير بمزيد من الجدية في خيار تشكيل تحالف مع الأحزاب السياسية.

وفي سياق ذلك توصلوا إلى فكرة تشكيل حزب سياسي مستقل وتوقع الإخوان أن الوصول إلى البرلمان سيوفر في كلتا الحالتين فرصة للشروع في الإصلاح من داخل النظام السياسي وأنهم سيكونون قادرين على أن يثبتوا للمسئولين وللشعب أن الحركة تبنت تصورا ومنهجا للعمل بعيدا عن العنف في التعامل مع الدولة ومع المجتمع وعلى حد تعبير عبد المنعم أبو الفتوح.

" نحن لم نأبه كثيرا بمدي حجم حضورنا في البرلمان في العام 1984 فقد كانت تلك تجربتنا الأولي وكان كل ما أردناه في هذه المرحلة هو أن نجعل الآخرين يحسّون بوجودنا لقد أردنا إثبات وجودنا للجهات التي تشكك في نوايانا وأردنا أن يكون لنا وجود في المجتمع وأن نعمل من خلال قنوان قانونية ومفتوحة ولولا ذلك فإننا لم نكن لنشارك في العملية السياسية أصلا "

وشكلت مبادرة التلمساني الهادفة إلى إدخال الحركة ف يحلف مع حزب الوفد الجديد العلماني في العام 1984 تطورا لافتا للنظر وتمكنت الحركة من إعادة تحديد موقفها في ما يتعلق بالواقع السياسي وبالمجتمع المسلم.

بخلاف موقف سيد قطب الذي رسم حدودا صارمة تفصل بين المسلمين " الحقيقيين" والمسلمين " المزيفين" مارس التلمساني استراتيجية أكثر مرونة هدفت إلى صياغة علاقات مع خصومه السياسيين والأيديولوجيين وبناء على ذلك , تعاون التلمساني بدءا من الثمانينيات مع خصومه السابقين مثل الناصريين والشيوعيين ودافع عن القضايا " الوطنية الأوسع بدلا من الاقتصار على الدفاع عن القضايا " الدينية " بهدف " تطبيع " الأفكار والاعتقادات المتعلقة بالإخوان داخل ذهنية المجتمع وبين النخب المختلفة .

ولطالما عرف حزب الوفد نفسه بأنه حزب وطني علماني يرفض المزج بين الدين السياسة وهذا ما ولد الضغينة بين الوفد والإخوان المسلمين منذ العام 1942 وعندما طرح السادات إجراءات التحرر المفيد في العام 1976 بدأت العلاقات بين الإخوان والوفد بالتحسن وقد تمتع التلمساني لذي كان هو نفسه عضوا سابقا في الوفد بعلاقة وثيقة برئيس الوفد فؤاد سراج الدين وبالنسبة إلى الإخوان كان التحالف مع حزب شعبي الوفد خطوة ذكية ومحسوبة وافق عليها فؤاد سراج الدين فورا وفي العام 1983 عاد حزب الوفد إلى الظهور على المسرح السياسي ولم تكن فكرة عقد تحالف مع الإخوان الذين يتمتعون بشعبية فكرة سيئة وبخاصة عند بروز الحاجة إلى التغلب على عقبة الحصول على ثمانية بالمئة من الأصوات .

زاد هذا العائق الذي وضعه القانون الانتخابي من الضرر الذي لحق بالأحزاب السياسية الأقل شهرة ولذلك طرحت على الإخوان فكرة تشكيل تحالف و واستنادا إلى وثيقة خاصة مكتوبة بخط اليد ادعي الإخوان أن أحزابا متنافرة مثل العمل والأمة والتجمع عرضت على الحركة تشكيل تحالف معها لكن الحركة رفضت ذلك وادعت الوثيقة التي كتبها شخص يدعي أبا أيمن ( ربما كانت كنية مصطفي مشهور المرشد السابق ) أن الإخوان رفضوا طلب حزب الأمة بسبب نظرة المعادية للدين واستنادا إلى أبي أيمن

فإن الأسباب التي دعت إلى رفض عرض تشكيل تحالف مع حزب العمل هي أولا: اظهر الحزب علاقاته الوثيقة بالناصريين بمشاركته في ذكري وفاة الطاغية الأكبر في البلاد عبد الناصر

ثانيا . قدم رئيس حزب العمل .إبراهيم شكري في وفد مع التجمع ( للرئيس السوري ) حافظ الأسد الذي باع الجولان ميدالية سلام بعد أن دمر مدينة حماة وقتل 40 ألف مواطن سوري . ثالثا وافق حزب العمل على معاهدة كامب ديفيد في مجلس الشعب رابعا حزب العمل حزب ضعيف لا يملك قاعدة شعبية ولا يحمل مبادئ واضحة .

إنه استشهاد لافت للنظر لأنه بعد مرور بضع سنين فقط على فشل التحالف بين الوفد الجديد والإخوان قررت الحركة تشكيل تحالف جديد مع العمل في انتخابات العام 1987 وباختصار كانت ظروف التحالف تصب لمصلحة الطرفين : الإخوان (الإسلامي) والوفد (العلماني) .

وكان التحالف بين الإخوان والوفد ناجحا وتمكن التحالف من الحصول على 58 مقعدا نال الإخوان منها ثمانية مقاعد وكان للنتائج المترتبة على ذلك أكثر من مغزي بالنسبة إلى النظام وإلى الإخوان وإلى المجتمع :

أولا: كان وجود تنظيم محظور في المجلس التشريعي بمثابة مؤشر محرج دال على عيوب التعددية الحزبية في زمن مبارك فإصرار مبارك على إنكار قوة شعبية نالت ثمانية مقاعد في البرلمان أضعف دعواه بأنه يرغب في إدخال إصلاحات حقيقية في النظام السياسي .

ثانيا: كشفت النتائج عن الثقل السياسي للإخوان وهو شئ أراد التلمساني أن يتأكد منه وفي ما يتعلق بالتجربة والأداء السياسي أظهر الإخوان احترافية متواضعة ولكنها مهمة في البرلمان فعلي النقيض مما كان متوقعا على نطاق واسع.

وبخاصة بين أوساط النخب السياسية العلمانية لم يتعمق الإخوان في الخطاب الديني ولكنهم شاركوا بفاعلية في التصدي للهموم الاجتماعية الاقتصادية في دوائرهم الانتخابية وأخيرا ضمن وجود الإخوان في البرلمان نقاشا أوسع حول ما إذا كانت العملية السياسية التي بدأها مبارك تعكس القوي الحقيقية في المجتمع وحول الأسباب التي تدعو الدولة إلى الإصرار على رفض الاعتراف بحركة إصلاحية تنبذ العنف مثل الإخوان لقد كان مثل هذا النقاش يصب في مصلحة الإخوان في صناعة رأي عام يدعم مطالب الجماعة في الحصول على الشرعية القانونية وهو نقاش طالما كان يسبب حرجا للنظام .

ولا شك في أن فوز الإخوان في انتخابات العام 1984 بثمانية مقاعد من خلال تحالفهم مع حزب الوفد أثار نقاشا داخليا بين صفوف الجماعة حول موقف الحركة من الحزبية وهو نقاش اتسم بحساسية تاريخية .

الإخوان والتحول إلى الحزبية

فتح نجاح الإخوان في البرلمان شهيتهم على خيار تشكيل حزب سياسي مستقل وينبغي النظر إلى هذا التحول في سياق كون الجماعة محجوبة عن الشرعية ويكون الحزب سيوفر لها قناة قانونية للحركة للعمل والنشاط وقد نص قانون الأحزاب على أنه لا يحق لمجموعة سياسية التقدم بطلب الحصول على رخصة تشكيل حزب إلى أن تتمكن من الحصول على 20 مقعدا في مجلس الشعب على الأقل واستنادا إلى أبو الفتوح الذي كان يتعاون بشكل وثيق مع التلمساني في تلك المرحلة

كان ذلك هو السبب الذي دعا التلمساني إلى التفكير بجدية في تشكيل حزب سياسي وبخاصة أن عدد أعضاء الإخوان في البرلمان يمكن أن يزيد كثيرا في الدورات البرلمانية المقبلة ومع ذلك فلم يكن ذلك التفكير في إنشاء حزب سياسي خيارا سهلا بالنسبة إلى الإخوان الذين كانوا ينظرون سلبيا إلى الثقافة السياسية القائمة على الحزبية حتى إن حسن البنا عبر عما يمكن اعتباره وجهة نظر غامضة في أحسن الأحوال حيال الحزبية .

وهناك قول يصر على أن البنا رفض مبادئ الحزبية معتبرا أن أسسها لا تنسجم مع الإسلام وفي حين أن الإسلام يهدف إلى إقامة مجتمع مسالم وموحد تؤدي الحزبية إلى إصابة المجتمع بالضعف والتمزق ويدعي قول آخر أن البنا رفض التأثيرات السلبية للحزبية في الثلاثينيات وفي الأربعينيات من القرن الماضي وأنها عنصر تقسيمي في صراع مصر من أجل الاستقلال وقتئذ

ولكنه لم يرفض الحزبية نفسها وأبو الفتوح هو أحد الذين يعتقدون أن البنا كان ينظر بسلبية إلى الحزبية وأنه لا ضير من الاعتراف بذلك شريطة أن تكون الحركة على استعداد لتغيير وجهات النظر هذه :" يشعر بعض الإخوان بالحرج من القول إنه كان للبنا آراء سلبية تجاه الحزبية بدلا ن أن يعترفوا بأننا تطورنا وأعدنا النظر في أفكارنا تجاه الأحزاب كما طورنا موقفنا مثلا من الحقوق السياسية للمرأة.

إن رويل ميجر محق في قوله إن تبني الإخوان للحزبية لم يكن عملية سلسلة أو تلقائية فحتي التلمساني لم يتحول إلى مؤيد متحمس للحزبية حتى عندما سعي إلى حشد التأييد لها وبعد مرور سنتين على صياغة الإخوان برنامجا حزبيا في العام 1984 أقر التلمساني أن الحركة أرغمت على تبني الحزبية لإسماع صوتها في البرلمان بعد أن سدت في وجهها كافة السبل الأخرى ويجادل حسنين إبراهيم بأن التحول إلى حزب سياسي كان جزءا من سعي الحركة إلى الشرعية والأهم من ذلك أن الحزب لم يكن بديلا من التنظيم بحال من الأحوال وهنا أيضا نعود إلى التلمساني الذي يقول  :" الإخوان تنظيم دولي واهتماماتهم تشمل العالم والقارات جمعاء وهذا يختلف عن الأحزاب السياسية التي لديها اهتماما محلية فالحزب الوطني الديمقراطي الحاكم على سبيل المثال لا يملك فروعا بانكلترا أو بأمريكا في حين أن لدي الإخوان فروعا في العالم اجمع.

وشكل التلمساني في العام 1984 أى في العام نفسه الذي فاز فيه الإخوان بـ 8 مقاعد في مجلس الشعب لجنة داخلية خاصة برئاسة صلاح شادي وهو شخصية بارة في التنظيم كلفت بإعداد مسودات لبرنامج حزبي للجماعة وقال لى محمد فودة.

وكان أحد الذين عملوا عن قرب مع هذه اللجنة إن الإخوان وظفوا في تلك الفترة واردهم المحلية واستفادوا من ارتباطاتهم الدولية في التشاور بشأن تشكيل حزب سياسي وذلك عبر الاتصال بالإسلاميين في الأردن (جبهة العمل الإسلامي) وتركيا (حزب الرفاء) واليمن (حزب الإصلاح) ممن لديهم بعض الخبرة العملية في تجربة الحزبية كما عرض على فودة مسودتين منفصلين لبرنامجين حزبيين أعدهما الإخوان في الثمانينيات المسودة الأولي كانت برنامجا لحزب أطلق عليه حزب " الإصلاح المصري" والمسودة الأخرى كانت لحزب أطلق عليه " الشورى" لكن أيا من المسودتين لم يتم تقديمها بشكل رسمي إلى لجنة الأحزاب أبدا مخافة أن ترفض كما لم يعلن عنها للنخبة المصرية كما حدث في برنامج الحزب السياسي للإخوان في العام 2007 .

ومن المشوق إجراء مقارنة وإبراز الفروق بين مسودتي برنامج " الإصلاح" و"الشورى " لأنهما تظهران كيف كان الإسلاميون يصيغون خطاباتهم تكيفا وتجاوبا مع الحقائق المستجدة مثل الدولة المستقلة ومع الثقافة الحزبية التي احتكرت العمل السياسي في منتصف الثمانينيات وبالرجوع إلى مسودة برنامج حزب " الشورى " نجد أن هدف الحزب هو:

"إقامة دولة مصرية إسلامية تهدف إلى الجمع بين دولة إرشاد تدار دفتها على ضوء الإسلام وتلتزم بأحكامه وبين دولة رعاية اجتماعية توفر الخدمات لمواطنيها وتعمل على ضمان الحرية والأمن وتوفر لمواطنيها كافة الحاجات الضرورية "

ومن ناحية أخري هدف حزب " الإصلاح " الذي بدا أقل أيديولوجية وأكثر براغماتية إلى :" إصلاح شؤون الدولة المصرية بحيث تصبح قادرة على توفير الخدمات لمواطنيها وعلى العمل على ضمان الحرية والأمن وتوفر لمواطنيها كافة الحاجات الضرورية ففي الوقت الذي هدف حزب " الشورى" إلى إقامة دولة إسلامية فإن حزب " الإصلاح" اكتفي بالمطالبة بإصلاح شؤون الدولة المصرية .

وتجدر الإشارة إلى أن النص الذي أعد لحزب " الإصلاح " أصبح المسودة الأكثر شعبية داخل الدوائر الضيقة في الإخوان وبخاصة بين أوساط الأجيال الأصغر سنا التي بدأت تشق طريقها في الحياة الاجتماعية في مصر منذ منتصف الثمانينيات (ولا سيما النقابات) وقد أدي إعجاب الجيل الجديد بسمودة " الإصلاح " إلى إدخال تعديلات طفيفة عليها وتقديمها على أنها برنامج حزب " الوسط " المثير للجدل الذي قدم إلى لجنة الأحزاب ورفضته اللجنة فورا في العام 1996

كما جري تكرار أغلب ما ذكر في برنامج حزب الإصلاح (يكاد يكون النقل حرفيا) في الخطابات والبرامج الانتخابية لمرشحي الإخوان بمن فيهم المرشد السابق مأمون الهضيبي في أثناء حملته الانتخابية في منطقة الدقي بالجيزة سنة 1995 وأتناول باختصار أهم ما جاء في برنامج حزب " الإصلاح".

فاستنادا إلى برنامج " الإصلاح " يتوقع من الدولة أن تحمي الحريات العامة وحرية مواطنيها وبنيغي ألا تكون هناك قيودا أيا كان نوعها على " تشكيل الأحزاب, أو التنظيمات أو التجمعات السياسية التي تنوي التعبير عن آراء جماعة معينة في ما يتعلق بقضية معينة "

كما أنه لا الدولة ولا أى مؤسسة من مؤسساتها تملك حق حظر أو منع المصريين من المشاركة في العمل السياسي أو الاجتماعي وهذا يتضمن حق تشكيل نقابات مهنية وجمعيات عامة بصرف النظر عن انتماءاتها أو آرائها السياسية أو توجهاتها الأيديولوجية كما عكس برنامج الإصلاح وجهات نظر الإخوان تجاه القوات المسلحة (الصفحة 33)

والاقتصاد, والزراعة (الصفحة 49) والصناعة (الصفحة 54) والطاقة (الصفحة 52) وناقش البرنامج ووضع حلولا واقترح إصلاحات للمشكلات الاقتصادية المتفشية في مصر بما في ذلك الديون الخارجية (الصفحة 64) البطالة (الصفحة 73) وتكاثر السكان كما أشار البرنامج إلى المشكلات الاجتماعية مثل المخدات (الصفحة 79) وأكد أهمية الرياضة (الصفحة107) والصحة (الصفحة 101).

وشكلت الانتقادات التي وجهت إلى أداء الدولة في ميادين الرعاية الاجتماعية والاقتصاد جوهر العقد الاجتماعي الذي يستند إليه النظام في شرعيته وفي هذا الصدد أكدت مسودة برنامج حزب الإصلاح على سبيل أمثال على الحاجة إلى تطوير المراكز الصحية الطبية وزيادتها في المدن وفي لقري النائية والمناطق الريفية حيث ينبغي توفير الخدمات الصحية بالمجان أو مقابل أسعار رمزية (الصفحة 72)

كما شددت على وجوب أن تسهل الدولة تأسيس المستشفيات الخاصة التي توفر علاجا جيدا ولكنه مكلف (الصفحة 102) ولا شك في أن قيام الإسلاميين بتقديم مثل هذه الحلول لإصلاح العقد الاجتماعي يظهر مدي الضعف الذي اعتري هذا العقد في ظل نظام مبارك كما أن العديد من الحلول المقترحة وضعها الإخوان موضع التنفيذ والتطبيق داخل لمؤسسات التي أداروها في وقت لاحق أو من خلالها وشكلت محورا من محاور شرعيتهم في المجتمع ولا شك في أن هذه مفارقة أقلقلت النظام بمرور الوقت .

الانضمام إلى الأحزاب

وبالإضافة إلى دراسة فكرة تشكيل حزب سياسي خاص بالإخوان المسلمين كان هناك تجاه إلى تعزيز فكرة الانخراط في الأحزاب القائمة وقد زعم أن الإخوان أو قسما منهم على الأقل انضم فعلا إلى الحزب الوطني الديمقراطي أو إلى أحزاب سياسية أخري على أمل امتلاك القدرة على التأثير من الداخل ولكن بالنظر إلى الافتقار إلى الأدبيات التي تتحدث عن الإسلاميين وعن السياسة في مصر يصعب التحقق من هذه المزاعم.

ولكنها إذا كانت صحيحة فعلا فهي تكشف عن معلومات مهمة حول كيفية مراجعة الإخوان لمواقفهم السياسية بطرق كانت مرفوضة رسميا في الماضي القريب وبدا أنه لا يوجد اعتراض لدي الحزب الوطني الديمقراطي على هذا الانتماء وبخاصة عندما احتاج إلى مرشحين ذوي توجهات إسلامية لخوض الانتخابات في دوائر انتخابية معينة وقال لى حامد عبد الماجد إن عبد الصبور شاهين وهو عضو سابق في الإخوان ترأس الجنة الدينية في الحزب الوطني الديمقراطي وإن أعضاء من الإخوان انتسبوا مرة حزب الأحرار في حين التجمع إن هذه الممارسات المثيرة للجدل هي نتاج بحث الجماعة عن مشروعية الوجود في السياسة والمجتمع .

ومن الميدان السياسي أنتقل الآن إلى الميدان الاجتماعي في نتصف الثمانينيات الذي بدا أنه اتسم بالسخط والإحباط من أداء النظام وحيال ذلك بدأت قوات الأمن تلعب دورا يتوازي مع الدور السياسي المتسامح في صياغة موقف النظام من المجتمع ومن المعارض .

ثانيا: تنامي السخط الاجتماعي

شهد منتصف الثمانينيات عودة ظهر القلاقل الاجتماعية والدينية في وضع يتناقض مع الهدوء النسبي الذي ساد في العام 1981 عندما وصل مبارك إلى السلطة وتميزت تلك الاضطرابات بأنها كانت متفقة ومدفوعة بظروف مختلفة لكن أغلبها عكس معارضة آخذة في الاتساع والنمو بسبب فشل النظام في تلبية حاجات السكان ومعالجة همومهم وارتياح المحدود من جانب المعارضة السياسية للإصلاحات الديمقراطية التي اقترحها مبارك في العام 1984 لم يكن ذا أهمية بالنسبة إلى باقي الشعب المصري الذي شعر أن الدولة تخلت عنه , ويعود جزء من فشل النظام في معالجة الغضب العام إلى الأزمة الاقتصادية التي تفاقمت في العام 1985 نتيجة لتراجع أسعار النفط كما أن تراكم الديون وعدم توفر مصادر جديدة للدخل جعلت من الصعوبة بمكان على النظام الغرق في المشكلات الرد بسرعة وفاعلية على مشكلا ت البطالة والفقر وعلى الزيادة السريعة في السكان وكانت نتيجة كل ذلك اضطرابات اجتماعية تجلت في أعمال الشغب والتمرد بين أوساط قوات الأمن المركزي وعودة ظهور الإرهاب .

تمرد قوات الأمن المركزي

شكل تمرد قوات الأمن المركزي أكثر التطورات التي واجهها مبارك إثارة منذ مجيئه إلى السلطة ففي الساعات الأولي من صباح 25 شباط فبراير 1976, شهدت القاهرة أسوأ موجة من الاضطرابات منذ أعمال الشغب التي اندلعت إثر تخفيض الدعم عن المواد الغذائية في العام 1977 , ونزل مئات من رجال الشرطة المكلفين بحماية السفارات والجسور والمواقع الأخرى داخل العاصمة وفي ضواحيها إلى الشوارع وبدئوا ينهب وإحراق الفنادق , والنوادي الليلية والسيارات والمنشآت الأخرى التي تملكها الدولة وتواصلت أعمال الشغب في اليوم التالي على رغم أنه ساد اعتقاد على نطاق واسع بان تلك الأعمال أشعلتها مفادها أن الحكومة تنوي تمديد فترة الخدمة في قوات الأمن المركزي لسنة إضافية رابعة .

ولغاية اليوم لا يعرف من الذي أطلق تلك الشائعة أو لماذا أطلقها لكن حقيقة أن شائعة أثارت هذه الدرجة من الغضب تحكي شيئا عن طبيعة مشاعر شرائح معينة من المجتمع المصري تجاه الدولة إذ ينتمي أغلب المجندين في وقات الأمن المركزي إلى طبقات اجتماعية متواضعة تعيش في المناطق الفقيرة بمصر وفي أثناء الخدمة يسئ رؤساء هؤلاء المجندين معاملتهم علما بأنهم يتقاضون أجورا قليلة نظير الساعات الطويلة التي يمضونها في الحراسة وكان استهداف منشآت الدولة وتدميرها إعلانا غاضبا ضد الحكومة التي شعروا بأنها فشلت في معالجة حاجاتهم كما انضم إلى هؤلاء المتمردين بعض من عموم الناس غلب عليهم الشباب والعاطلون عن العمل وفي رد على أعمال الشغب استدعي مبارك الجيش على الفور بقيادة وزير الدفاع المشير عبد الحليم أبو غزالة وجري نشر الدبابات والمدفعية ووحدات الكوماندوس الخاصة لمواجهة المتمردين ولأول مرة منذ اغتيال السادات شوهدت وحدات عسكرية ضخمة في كافة المراكز الرئيسية وعند مفارق الطرق في المدينة كما فرضت الحكومة حظرا شاملا على التجول في القاهرة وتعطلت الدراسة في كافة الجامعات والمدارس واستنادا إلى بعض التقديرات جري اعتقال نحو 200 متمرد من الأمن المركزي فضلا من عدة مئات من المدنيين عندما توقفت أعمال الشغب أخيرا .

دور الأجهزة الأمنية

زادت أعمال الشغب إلى جانب وقوع حوادث مهمة مثل " المسيرة الخضراء " الكبيرة التي طالبت بتطبيق الشريعة وتطورت إلى أعمال عنف معينة من مخاوف النظام وأدت إلى توسيع دور القوي الأمنية في سياسات مبارك وبدأت قوات الأمن تلعب دورا بتوازي مع الدور السياسي المتسامح في صياغة موقف النظام من المجتمع ومن المعارضة وهو ما أوجد في النهاية تناقضا بين السياستين حيث هدف مبارك إلى ممارسة السلطة من خلال صناعة القبول في حين مارس الأمن سلطته من خلال القمع ويعكس هذا التباين وعدم التناغم في السياسات فيوجه من الوجوه القوي والأولويات المتنافسة داخل أجهزة الدولة مما يجعل من الصعب التحدث باسم النظام ككيان موحد ويمكن مشاهدة أحد أبهي تجليات انعدام التناعم هذا , وما يرقي إلى افتقار كامل إلى التعاون بشكل أو بآخر في حالة السادات والإسلاميين عندما دعم السادات الإسلاميين بعكس رغبات المسئولين الأمنيين كما دلت تصريحات فؤاد علام .

وقد مالت السياسات على مدي فترة زمنية معينة إلى عدم الانسجام حتى داخل الأجهزة الأمنية ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى تغير الظروف الأمنية في مصر وإلى خلفية الشخصيات التي تولت منصب وزير الداخلية, وقد لعب وزراء الداخلية دورا بالغ الأهمية في صياغة السياسة الأمنية للنظام وهو الأمر الذي يؤثر في النهاية في العلاقات بين الدولة والمجتمع وكان وزير الداخلية الذي غينه مبارك عندما جاء إلى السلطة هو حسن أبو باشا التعامل مع المحرضين على القلاقل الاجتماعية والمشكلات السياسية من خلال الحوار وليس من خلال الإكراه وجاء هذا الأسلوب في الإدارة منسجما مع روح التسامح لدي مبارك اهتمامه بسيادة القانون وخلال الفترة التي قضاها أبو باشا في منصبه

وامتدت بين العامين 1981, 1984 شرع في سلسلة من الحوارات المكثفة مع قادة جماعات المعارضة التي كان يديرها علماء الأزهر وتذاع على شاشة التليفزيون المصري وعلى رغم كراهيته للإخوان المسلمين لم يتدخل أبو باشا لمنع تشكيل التحالف بينهم وبين الوفد, لأن هذا التحالف لم يكن من الناحية القانونية يتعارض مع " الشرعية الدستورية لمبارك " على حد تعبيره .

وواصل أحمد رشدي النهج الذي بداه أبو باشا بعد أن أصبح وزير الداخلية الجديد في تموز يوليو 1984 وعكس تعيين رشدي أيضا روح التسامح لدي مبارك لكن كان لموقف رشدي على النقيض من موقف أبو باشا تأثير إيجابي في الإخوان المسلمين ويزعم إبراهيم منير وهو عضو مخضرم من الإخوان يعيش في لندن أن وجود رشدي في الحكومة كان أحد العوامل التي ساهمت في إقامة علاقة حيادية بين مبارك والحركة فعندما أصبح وزيرا قام رشدي باستدعاء حسن عبد الباقي وهو عضو مخضرم من الإخوان سبق أن كان مرشحا في انتخابات العام 1984 ومعاتبته بطريقة مؤدبة عندما قال له :" بما أنني أصبحت وزيرا لماذا لم يرسل إلى الإخوان تهانيهم الرسمية ؟"

واستنادا إلى منير قرر الإخوان في الحال إرسال وفد برئاسة التلمساني لزيارة رشدي في مكتبه :"

عندما التقي رشدي بالوفد ترك مكتبه وجلس معهم في غرفة الجلوس وطلب من التلمساني عدم تحميله مسؤولية الأعمال السابقة التي قامت بها الأجهزة الأمنية في حقبة عبد الناصر , عندما شارك في عمليات التعذيب وأشار إلى أنه كان يقوم بعمله حينها وحسب , وأضاف " أما الآن , فقد أصبحت مسئولا عن صنع السياسات".

وكانت المدة التي شغل فيها رشدي منصب وزير الداخلية هي الفترة نفسها التي بدأ فيها الإخوان شق طريقهم إلى مجلس إدارة النقابات واتحادات الطلبة في الجامعة دون أى تدخلات ظاهرة من جانب الأجهزة الأمنية ولكن رشدي أقيل من منصبه بعد وقت قصير على اندلاع أعمال الشغب التي قامت بها قوات الأمن المركزي وحل محله زكي بدر وهو رجل متوحش سنناقش فترة شغله لهذا المنصب في الفصل الرابع .

ما أريد التشديد عليه هو أن هذه التباينات في المواقف وفي الأولويات بين الأجهزة السياسية والأجهزة الأمنية جعلت من الصعب استقراء طريقة تفاعل النظام مع التقدم الذي أحرزه الإخوان في الساحات المتنوعة داخل المجتمع المصري فعلي سبيل المثال كان التباين في حالة النقابات التي سنناقشها بمزيد من التفصيل بعد قليل مرتبطة بعدم توقع النظام أن يهدد النقابات شرعيته في وقت لاحق وتجادل أماني قنديل التي درست نشاط الإسلاميين في النقابات بأن النظام في الحقيقة لم يكن يعرف شيئا عما كان يجري داخل النقابات:

" ركز مبارك على الإصلاح السياسي لتعزيز شرعيته لكنه تجاهل الميدان الاجتماعي فلقد شهدنا مصر في الثمانينات تغيرات اجتماعية واقتصادية مهمة أدت إلى بروز طبقة وسطي مهنية جديدة وكان النظام غير مدرك ببساطة للطبقة المهينة الجديدة وكيف يتم تعبئتها في النقابات ".

شهدت النقابات المهنية توسعا جذريا في العقد الذي امتد بين منتصف السبعينيات ومنتصف الثمانينيات من القرن الماضي بحيث عكس النمر المتسارع في نسب الالتحاق بالجامعات في عهد السادات وفي مستهل التسعينيات وصلت العضوية في النقابات ا لمهنية في مصر إلى أكثر من مليون عضو كان أغلبهم يحمل شهادات مهنية في الطب والهندسة والقانون وقد جاء هذا التوسع في الطبقة الوسطي الجديدة نتيجة للعقد الاجتماعي لعبد الناصر الذي وعد بالتعليم المجاني وتأمين الوظائف بعد التخرج في مؤسسات الدولة ولكن منذ سياسة الانفتاح التي انتهجها السادات وبسبب عدم قدرة مبارك في ما بعد على إدخال إصلاحات جذرية في ما يختص بمستقبل الطلاب الخريجين بمصر أصيبت هذه الطبقة الجديدة بإحباط متزايد وبخيبة أمل في النظام الجديد.

وربما لا يكون دقيقا القول إن النظام كان غافلا تماما كما تقول قنديل عن تأثير التغيرات الاجتماعية والاقتصادية في تنفير الطبقة الوسطي المهنية الجديدة فقد ظل النظام يواصل تودده إلى الطبقة الوسطي في النقابات المهنية كما رأينا ( راجع الفصل الثاني ) وفي النقابات التي ظلت تحت سيطرة الحكومة مثل نقابة الصحفيين وعد مرشحو النظام أنصارهم بزيادة مرتباتهم في حال انتخبوا نقباء وفي العام 1985 صوت الصحافيون لصالح مكرم محمد أحمد رئيس تحرير في مجلة المصور الأسبوعية وحصلوا على زيادات على المرتبات بشكل منتظم بعد أن أصبح إبراهيم نافع رئيس تحرير صحيفة الأهرام رئيسا للنقابة ووصلت إلى 320 جنيها مصريا في سنة 2002 وهذا يشير إلى أن النظام كان على دراسة بالإحباط الذي يشعر به أبناء الطبقة أوسطي لكنه عالج هذا الإحباط بصورة جزئية ومن خلال ما اعتبره النقابات الأكثر أهمية فقط ( نقابة الصحفيين).

وفيما أهمل النظام أو لم يركز كثيرا على بقية النقابات وبقية الفضاءات في المجتمع فقد استفاد الإخوان من تلك الفجوات وملئوها بخدماتهم التي شكلت عقدا اجتماعيا موازيا للعقد الاجتماعي المهترئ بين الدولة والمجتمع وسأتناول بالمناقشة بناء هذا " العقد الاجتماعي الإسلامي " الموازي والتركيز على أداء الإخوان المسلمين في النقابات واتحادات الطلاب في الجامعة .

عقد اجتماعي إسلامي

استطاع الإخوان استغلال النصف الثاني من عقد الثمانينيات في استيعاب غضب الطبقات الوسطي والتصدّي لهمومهم إلى أن حسم مبارك رأيه وقرر ممارسة القمع في حق النقابات والجامعات في التسعينيات وقد فتحت هذه العملية للحركة أفقا جديدا تسعي من خلاله إلى الشرعية بشكلها الخدمي والمقبولية من المجتمع وليس من الدولة أو من المحاكم أو من مجلس الشعب وينبغي عدم النظر إلى هذه العملية التي شرع فيها جيل الشباب في الإخوان كبديل للحصول على الشرعية القانونية وإنما متمم للجهود التي بذلها الجيل القديم في السعي إلى الحصول على الشرعية الاجتماعية يمكن استخدام هذه الشرعية من المجتمع عندئذ في الضغط على الدولة والحصول على اعترافها الرسمي وكان من المتوقع أن هذه الضغوط لن تمارس من قبل الإخوان مباشرة وإنما من قبل المستفيدين من خدماتهم وممن يتلقونها فضلا عن النخب السياسية بحيث تقتنع هذه النخب بأن الحركة وجهودها عنصران جوهريان في المجتمع لمدني في مصر وبالتالي ينبغي على النظام أن يعترف بالإخوان ويدعم أنشطتهم .

ولكن ينبغي عدم النظر إلى إعادة تنشيط مساحات مثل الجامعات والنقابات المهنية على أنها مخطط منسق مسبقا من قادة الإخوان في المراحل الأول على الأقل للحصول على الوضعية القانونية في نهاية المطاف وإنما ينبغي النظر إليها على أنها انعكاس لأبعاد أخري أولا , شكل الإخوان المسلمون حركة اجتماعية تتألف من طلاب ومن مهنيين وبالتالي فإن وجودهم في الجامعات أو النقابات ( وهو شرط مسبق للحصول على وظيفة في أغلب التخصصات متوقع وطبيعي ثانيا بصرف النظر عن الخدمات التي طورها الإخوان في الجامعات أو في النقابات ( مثل تأمين الكتب الرخيصة ومعاشات التقاعد والرعاية الاجتماعية ) كان المراد من تلك الخدمات تحقيق إفادة فورية للأعضاء المنتمين إلى الحركة فضلا عن باقي أفراد قاعدتهم الجماهيرية بمعني أن الإخوان أو الشريحة الفقيرة منهم استفادوا مما كانوا يقدمونه من خدمات بصرف النظر عن نتائج تلك الخدمات على شرعية الجماعة ثالثا إن تنظيم الإخوان ظل حركة جماهيرية ناشطة بصرف النظر عما إذا كانت تتمتع بوضعية قانونية أم لا , وبالتالي اتسمت أنشطتها في الحرم الجامعي والنقابات بالحراك المعهود من الجماعة ولكن يمكن القول إنه سرعان ما جري تنظيم هذا الحراك والقوي على نحو متزايد ووضعه في خدمة صراع للحصول على الشرعية وهو ما اتضح أكثر في التسعينيات كما سنري .

وقبل أن أناقش أداء الإخوان في الجامعات وفي النقابات من المهم أن أتناول سمات جيل الشباب في الحركة خلال عقد الثمانينيات مقارنة بالسبعينيات باعتباره الجيل الذي قام بالأداء في هذه الفضاءات وهذه التغيرات هي انعكاس أو حصيلة التطورات الاجتماعية والاقتصادية التي أشارت إليها أماني قنديل ( أعلاء ) والتي أثرت في الطبقة الوسطي الجديدة ككل وجاءت ثمرة للجهود التي بذلها الحركة للتطبيع والاندماج في المجتمع .

وأحد الفروقات الفورية بين أعضاء عقد السبعينيات وعقد الثمانينيات كان له علاقة بطبيعة الهوية الدينية للحركة ففي الثمانينيات كان يتم التعبير عن الآراء الدينية بطريقة غير مباشرة بالمقارنة مع الصراحة التي كانت سائدة في السبعينيات ويقول حلمي الجزار وهو عضو في الإخوان كان ناشطا في نقابة أطباء الجيزة في القاهرة ورئيسا سابقا لاتحاد الطلاب في جامعة القاهرة إن اغلب الإخوان أطلق لحيته في السبعينيات وارتدي الجلابية أو الجلباب

ولكن هذا المشهد تغير في الثمانينيات فحسب الجزار :" إذا نظرت إلى الجامعات في الثمانينيات فلن تري عضو في الإخوان يرتدون الملابس الغربية " كان للجزار والعريان وأبو الفتوح لحي طويلة وكانوا يرتدون الملابس التقليدية في السبعينيات ( وهو ما منحهم مظهرا أكثر أصولية أو سلفية ) في حين أنهم يحلقون لحاهم الآن ويرتدون الثياب الأوروبية الشائعة ويتكلمون الإنكليزية بطلاقة عندما يتحدثون إلى الصحافيين والباحثين الغريبين .

وقد هيمن على الخطاب في السبعينيات الأدين بطريقة مباشرة وركز على قضايا مثل أهمية الرداء الإسلامي ( بالنسبة إلى النساء ) أما في الثمانينيات واستنادا إلى الجزار مرة أخري :" .. تغير خطابنا وبدأنا بالتشديد على الحرية وعلى الديمقراطية على تلبية حاجات الطلاب وتوفير المراجع الرخيصة الثمن وكتيبات المراجعة لهم . تميز هذا الخطاب بمزيد من المنطق بهدف جذب الطلاب والفوز في الانتخابات وأنا أري ذلك تطورا إيجابيا وليس سلبيا بالنسبة إلى أى شريحة اجتماعية إن من يدعي تمثيلها هو الذي يعمل على خدمتها ".

كان الطلاب في السبعينيات لا يزالون منهمكين في صياغة هويتهم الإسلامية لتي ضاعت منذ زمن بعيد كما هي متصورة بالمعني الأكثر حرفية وتقليدية فالمسلم الجيد هو الذي يتبع سنة النبي ( صلي الله عليه وسلم ) بما في ذلك طريقته في اللبس وحظي هذا الفهم بتشجيع السادات الذي أراد معادلة تأثير اليسار كما أنه لم تكن توجد صلات تنظيمية مناسبة بين أغلبية الطلاب الناشطين والإخوان المسلمين لأن معظم الإخوان كانوا ما يزالون ف السجون في تلك الفترة .

لكن بفضل مؤلفات سيد قطب والبنا وشخصيات مثل التلمساني القرضاوي والغزالي الذين كانوا يدعون إلى إلقاء كلمات في الجامعات , حظيت أفكار الإخوان بكثير من الإعجاب وبالإضافة إلى ذلك وافق النظام على نشر كتبهم ومحاضراتهم من جديد ولم تبدأ عملية استقطاب الطلاب من أمثال العريان وأبو الفتوح والجزار وماضي إلا في أواخر السبعينيات وهي الفترة التي خرج فيها أغلب الإخوان من السجون وبدأ فيها التلمساني بإعادة بناء التنظيم ويشير الجزار إلى أن التوترات التي نشأت بين السادات والإسلاميين في مستهل الثمانينيات جعلت الحياة صعبة على الطلاب ودفعتهم إلى حلق لحاهم وارتداء الملابس الغربية لإخفاء هويتهم الحقيقية عن المراقبة المتزايدة من جانب الأجهزة الأمنية .

واستمر هذا الوضع في عهد مبارك غير أن الحرية والديمقراطية أصبحتا قضيتين أكثر أهمية في نظر شباب الإخوان من إطلاق اللحية وارتداء الجلابية ويؤكد صلاح عبد المقصود وهو صحافي من الإخوان عمل في مجلة الدعوة في السبعينيات والثمانينيات على هذا التحول في الخطاب ويجادل بأنه اصطبغ وفقا للظروف التي جاء بها نظام السادات مقارنة بنظام مبارك :" ركز الإخوان في السبعينيات على قضية تطبيق الشريعة في أعقاب دستور العام 1971 الذي وضعه السادات وفي أعقاب الاستفتاء الذي أجراه والذي أدي إلى إدخال تعديلات في الدستور في العام 1980 لكن هذا الوضع تغير في الثمانينات وتراجع مطلب تطبيق الشريعة وهيمنة المطالبة بحرية تشكيل الأحزاب السياسية والمشاركة في انتخابات العام 1984 وامتلاك صحفنا الخاصة بناء .

أضحت مسألة الحريات أكثر أهمية عندما تخرج الطلاب في السبعينيات في الجامعات وأرادوا الحصول على وظائف في المستشفيات العام وفي الجامعات والمحاكم لقد أرادوا التأكد من أنهم لن يتعرضوا للتمييز في المعاملة بسبب انتماءاتهم الدينية ولكنهم أرادوا في الوقت نفسه التعبير عن حيويتهم في أى مكان يذهبون إليه وبناء على ذلك واصل خريجون مثل العريان وأبو الفتوح والجزار وماضي نشاطاتهم في النقابات فيما احتفظوا في الوقت نفسه بارتباطاتهم التنظيمية واتصالاتهم مع الجامعات ويحكم تجربتهم الطويلة في العمل الطلابي تولي اغلبهم المسؤولية في مكتب الطلاب داخل التنظيم صاغ هذا المكتب السياسة الطلابية ونسق العلاقات بين حرم الجامعات والحركة .

حرم الجامعات

احتاج الإخوان في منتصف الثمانينات إلى التفاعل والاحتكاك عن قريب مع الحركة الطلابية الأكثر نضجا وتعقيدا للتعرف على احتياجات الطلبة وكيفية تلبية هذه الاحتياجات وقد وصف هذا التفاعل الوثيق والاحتكاك مع الطلبة عمرو أبو خليل رئيس اتحاد الطلاب في جامعة الإسكندرية بين العامين 1984 و 1985 وبوصفه أحد الرموز المهمة في الحركة الطلابية الإسلامية في الثمانينيات قائلا :

" اعتمدت نشاطاتنا وخدماتنا في الثمانينيات بدرجة كبيرة على التفاعل والاحتكاك مع الطلاب وكان ذلك أمرا اعتبرناه مهما من أجل حملاتنا الانتخابية وكنا نقيم أداءنا بانتظام وندرس كيفية تحسينه بناء على تعليقات الطلبة على خدماتنا وأصبح توزيع استبيانات الرأي مثلا وهو أمر لم يكن شائعا في الجامعات في السبعينيات احدي الوسائل التي استخدمناها في التعرف على ما يريده الطلاب وكنا نطلب منهم أيضا التربع لدعم أنشطتنا المختلفة من باب إشراكهم في أدائنا ".

وسرعان ما أصبح الإخوان القوة الأكثر فاعلية في الجامعات وفي مرحلة مبكرة في العام 1984 وعلى الرغم من المراقبة الأمنية المستمرة فازوا في انتخابات الاتحادات الطلابية وبقوا مسيطرين عليها من منتصف الثمانينيات ولغاية أواخر التسعينيات ولم يكن الإخوان يتمتعون بشعبية في الجامعات الكبيرة مثل جامعتي القاهرة والإسكندرية وحسب بل كان لهم حضور في جامعات الأقاليم الأخرى وتقع في صعيد مصر مثل أسيوط وكانت سياسات مبارك مسئولة جزئيا عن النجاح الذي حققه الإخوان وبخاصة إصلاح اللائحة الطلابية في العام 1984 الذي شكل تطورا مهما وإن يكن محدودا لأنه أعاد بعض السلطات المفقودة إلى الاتحادات الطلابية فاستنادا إلى اللائحة الطلابية لعام 1979.

يتكون مجلس الطلاب في أى جامعة , من اثني عشر عضوا : خمسة أعضاء من الطلاب وسبعة أعضاء من هيئة التدريس كانت ملاحظات الأعضاء المنتمين إلى هيئة التدريس ملزمة في العديد من سياسات اتحاد الطلاب وإجراءاته بما في ذلك تحديد من سيصبح رئيس الاتحاد وهو ما قيد حركة وأنشطة الاتحاد ولكن نتيجة للإصلاحات التي أدخلها مبارك ف العام 1984 بات مجلس الطلاب مكونا من ثمانية عشر عضوا وينتخب اثنا عشر عضوا منهم من الطلاب وستة من أفراد هيئة التدريس فزاد نفوذ الطلبة وأصبح لهم رأي وإن من الناحية الصورية أحيانا في اختيار الرئيس الجديد لاتحاد الطلاب .

أما بالنسبة إلى نوعية الخدمات التي كان يؤديها الاتحاد لتلبية احتياجات الطلبة فقد بقي العديد منها شبيها إلى حد كبير بالخدمات التي كانت تقدم في السبعينيات وذلك بما أن احتياجات الطلاب الأساسية ( كالكتب الرخيصة , ومذاكرات المراجعة ) لم يطرأ عليها تغيير ومع ذلك فقد قدم إخوان الثمانينيات للطلبة خدمات جديدة مواكبة للظروف المستجدة وفي أثناء المدة التي قضيتها في بحثي في مصر التقيت بطلاب من جامعة القاهرة والإسكندرية وأسيوط لمعرفة أوجه الاختلاف بين الخدمات التي كان يقدمها الإخوان في السبعينيات والخدمات التي كانوا يقدمونها في الثمانينيات وكانت تلك الجامعات القاهرة والإسكندرية وأسيوط الأكبر والأكثر في مصر ولا تزال تشكل معاقل قوية للإخوان مدة عدة سنين وكانت جامعة أسيوط مثار اهتمام خاص بالنسبة إلى لأنها تتحدي التصور الشائع الذي يقصر منطقة مصر الصعيد على أنها تعتمد على نفوذ الجماعات الإسلامية العنيفة فقط واكتشفت أن نفوذ الإخوان في أسيوط كان ملموسا وفي ما يلي تناول مختصر لأهم الخدمات التي ميزت أداء الإخوان الطلابي في الثمانينيات عن فتة السبعينيات .

ولنبدأ بجامعة الإسكندرية مثلا التي تحولت منذ أواخر السبعينيات إلى معتقل للإخوان وإلى ما هو أكثر من ذلك ابتداء من العام 1984 عندما انتخب عمرو أبو خليل الذي كان حينئذ رئيس اتحاد الطلبة في جامعة الإسكندرية رئيسا لكافة اتحادات طلبة جامعات مصر , وقد سبق أن حل منصب اتحاد طلبة جامعات مصر بموجب لائحة 1979 , وردا من نظام السادات على نفوذ الطلبة المتزايد في الحراك السياسي وكان انتخاب أبو خليل احتجاجا رمزيا على هذه اللائحة التي اعتبرها الطلبة غير شرعية.

وقد عكس انتخاب أبو خليل الذي قابلته في الإسكندرية شعبية الإخوان المتنامية في عيون الطلبة نظير خدمات الجماعة للطلبة وكانت أحدي هذه الخدمات التي تميزت في الثمانينات وتحدث عنها أبو خليل في ما عرف بالمشروع الطبي للعائلة " فقد قمنا في قسم الطب بالجامعة بالاتفاق مع بعض الأطباء في القسم على توفير لعلاج الطبي لمجاني للطلاب في كلية الطب وبدأت هذه الخدمة في العام 1985 وحققت رواجا كبيرا بين الطلبة لدرجة أننا قمنا بتطويرها لاحقا إلى ناد مستقل أسميناه نادي طب العائلة وقد قامت بقية الأقسام الأخرى في الجامعة من هندسة وحقوق مثر بتوفير هذه الخدمة لطلبتها في ما بعد .

وفي جامعة أسيوط قام الإخوان بعمل شبيه غذ وفروا للطلبة العلاج الطبي في العيادات الخاصة بأطباء الإخوان أو بأي طبيب آخر متعاطف مجانا أو مقابل أسعار زهيدة جدا كما قام طلبة الإخوان ولأول مرة بتفعيل العلاقة بين الحرم الجامعي والمجتمع خارج الجامعة من خلال توفير خدمات طبية للشرائح الفقيرة المنطقة واستنادا إلى الأخ المسئول عن مكتب الطلاب داخل هيكل تنظيم الجماعة في أسيوط:

" كنا نرسل قوافل المساعدات الطبية المؤلفة من الطلاب في كلية الطب والأساتذة إلى القرى والمناطق الفقيرة لعلاج الماشية وكنا نقوم بتنظيم ما أطلقنا عليه أسبوع العلاج أو شهر العلاج , حيث كنا نذهب إلى القرى وتقدم الدواء للناس دون مقابل وفي المناسبات كنا نشجع الطلبة على التبرع بالدم للمرضي في القرية .

وكما قلت فإن نفوذ الإخوان في أسيوط كان ملحوظا إن إنهم لا لم يكونوا وحدهم وإنما كان يوازي نفوذهم وجود الجماعات الإسلامية العنيفة وكان هذا يشكل اختلافا جوهريا بين جامعة أسيوط وكل من جامعة الإسكندرية والقاهرة من حيث أن الإخوان المسلمين عانوا في أسيوط تدخل الأجهزة الأمنية بسبب وجود " الجماعة الإسلامية وسأسلط الضوء باختصار على هذه الجزئية لأنها مهمة في قصة أداء طلبة الإخوان في أسيوط في فترة الثمانينيات ولأنه لم تنتاولها دراسات أخري .

كان يطلق اسم الجماعة الإسلامية على الاتجاه الإسلامي بين الطلاب في الجامعات في أواخر السبعينيات ولم يكن لذلك الاسم بعد علاقة بأية مجموعة أو منظمة معينة خارج سور الجامعة وكان الرئيس الأول للإتحاد الطلابي في أسيوط في العام 1979 أو أمير الجماعة الإسلامية كما كان يطلق عليه عضوا في الإخوان المسلمين ولكنه أزيح من منصبه بالقوة في أعقاب الاحتجاجات التي أثارها الإسلاميون المتشددون بشأن انتخابه وعينوا شخصا من فريقهم مكانه .

واستنادا إلى الأخ المسئول عن مكتب الطلاب في أسيوط استمر العداء بين الإسلاميين المعتدلين والإسلاميين المتطرفين حتى منتصف الثمانينيات وتنافست المجموعتان على تمثيل الطلاب باسم الجماعة الإسلامية وفي العديد من المناسبات كان الإسلامية المتطرفون يلجئون إلى استخدام القوة الجسدية لإعاقة عمل ناشطي الإخوان في الجامعة فضلا عن تهديد أنصارهم وغالبا ما كان رجال الأمن يشاهدون تلك المواجهات العنيفة من غير أن يتدخلوا بحيث بدوا أنهم لا يمانعون في أن يقتتل الإسلاميون في ما بينهم طالما أن ذلك لا يؤثر بحال من الأحوال في استقرار النظام وبما أن الأجهزة الأمنية بقيت على الحياد اضطر الإخوان إلى الدفاع عن أنفسهم والرد على من كان يعتدي عليهم .

ولم تتدخل القوي الأمنية إلا عندما بدأ الإسلاميون المتطرفون باسم الجماعة الإسلامية بالقيام بأعمال عنف خارج الجامعة ضد الدولة وضد المجتمع وفي هذه المرحلة قرر الإخوان التخلي عن اسم الجماعة الإسلامية والعمل تحت اسم جديد هو " التيار الإسلامي " وأصبح التيار الإسلامي " عنوانا للإخوان الطلبة في جامعات مصر إلى أن جاء المرشد مهدي عاكف وطلب تغيير الاسم إلى " الإخوان المسلمين " علانية وصراحة كما سنري في الفصل السابع .

النقابات لمهنية

كان حضور الإخوان المسلمين في النقابات المهنية ظاهرة طبيعية " وليس عملا مخططا له كما ذكرت ويرجع ذلك إلى أن أغلب الإخوان كانوا طلابا في السبعينيات وتخرجوا في الثمانينيات واحتاجوا إلى البحث عن وظائف في الميادين المهنية المناسبة وكانت العضوية في النقابة المعنية شرطا مسبقا للحصول على وظيفة كما أن النقابة كانت توفر مزايا لا غني عنها مثل معاشات التقاعد والتأمين الصحي المدعوم وتساعد على الحصول على تأشيرات للعمل في الخارج وسواء أكان الخريجون موظفين أم لا.

فإنه يحق لحملة الشهادات في أغلب المهن الانتساب إلى عضوية نقابة مهنته أو تخصصه وسرعان ما لعب الإخوان دورا ناشطا عندما بدأوا في منتصف الثمانينات بتنظيم أنفسهم وخوض انتخابات مجالس إدارة النقابات وأينما ذهبوا سواء في الجامعات و في النقابات فإنهم كانوا يعملون كناشطين وكانوا يؤدون مهمتهم السياسية ولفكن مقارنة بما هو الحال في الجامعات كان لنشاط الإخوان في لنقابات مغزي أكثر أهمية .

فأعضاء النقابات ينتمون إلى المهنيين من أبناء الطبقة الوسطي الذين لديهم مطالب وهموم أكثر تعقيدا من الحصول على الكتب الرخيصة أو حضور صفوف للمراجعة الدراسية فالعديد من هؤلاء المهنيين موظفون أصلا في القطاع العام أو الخاص ويتمتعون بدرجة من الاستقلالية المادية فضلا عن أن لديهم إمكانية أكبر للتحرك في المجتمع والتأثير فيه من الطلاب الجامعيين وعلى العكس من أغلب الطلاب الذين لم يبلغوا السن القانونية للتصويت كان يحق للمهنيين التصويت في الانتخابات البرلمانية وبالتالي كان لهم تأثير سياسي قوي لا يمكن إهماله .

ولو عدنا إلى الفترة التي سبقت منتصف الثمانينيات فسنجد أن أغلب النقابات كان ساحات تستخدم ( أو يساء استخدامها ) من قبل رئيس النقابة أو النقيب ومن دائرته المغلقة من المعارف للحصول على الامتيازات التي توفرها لهم النقابة إضافة إلى الامتيازات المالية بحكم وضعيتهم ومن ناحية أخري كانت ميزانيات النقابات محدودة بحيث كان من المتعذر عليها توفير خدمات مهمة لهذا العدد الكبير من أعضائها ولهذا , ومنذ البداية وعد الناشطون الجد مثل العريان وأبو الفتوح والجزار وماضي الذين تطلعوا إلى خوض الانتخابات ناخبيهم بتوفير الخدمات لأعضاء النقابة بالإضافة إلى وعودهم بمحاربة الفساد الإداري والمالي .

ولطالما كانت الحملات الموجهة ضد الفساد عناصر جذابة وفعالة في الخطاب السياسي العربي ومبارك نفسه بدأ عهده بحملة منظمة ضد الفساد كوسيلة لكسب الدعم الشعبي , وقام الإخوان المسلمون بالمر نفسه في النقابات , باستثناء أنهم طبقوا سياساتهم على نحو أكثر انسجاما وجذبة وفي هذا الصدد درست أماني قنديل أداء الإخوان في النقابات وهي تدّعي بناء على اطلاعها على عدد كبير من الوثائق التي تتعلق بكيفية إدارة النقابات قبل منتصف الثمانينات أن الحركة أبلت بلاء حسنا بالفعل في محاربة الفساد تقول قنديل :

" اطلعت على العديد من الدعاوي القضائية التي رفعها الإخوان المسلمون ضد ممارسات فاسدة متنوعة كانت تحدث في النقابات وعرض على المحامي الدكتور محمد سليم العوا وكيل الإخوان عددا من المستندات التي تكشف كيف أن الشركات السبع عشرة التي تملكها نقابة المهندسين وتدار من قبل أصدقاء عثمان أحمد عثمان (النقيب) كانت تمني بخسائر ثقيلة بسبب ما بها من فساد مستشر .

وتجادل قنديل بأن الإسلاميين نجحوا في النقابات في وقف سوء استخدام الموارد وتمكنوا لأول مرة من تحقيق فوائض كبيرة في ميزانيات النقابات التي سيطروا عليها واستنادا إلى أحمد النحاس أمين الصندوق في فرع نقابة المهندسين بالإسكندرية فقد بلغت ميزانية نقابة المهندسين مثلا في العام 1994 خمسة عشر مليون جنيه مصري , مقارنة مع 230 جنيها مصريا فقط في العام 1986.

وسبق لأعضاء الإخوان في النقابات أن كانوا نشطين في الاتحادات الطلابية ( العريان وأبو الفتوح في جامعة القاهرة , وأبو العلا ماضي في جامعة أسيوط مثلا ) وبناء على ذلك لم تبدد خبراتهم الإدارية والتنظيمية التي اكتسبوها في الجامعات أو تضيع هباء وبفضل تنظيم الجماعة وشبكاته المنظمة التي تشمل أقسامه ومكاتبه كما شرحت جري تطوير هذه الخبرات نقلها إلى النقابات واستنادا إلى أبو العلا ماضي كان عبد المنعم أبو الفتوح هو أحد الرموز التي حافظت على الصلة بين الجامعات والنقابات :

" أبو الفتوح هو أحد الرموز التي حافظت على الصلة بين الجامعات والنقابات :"كان أبو الفتوح شخصية مهمة بالنسبة إلى أدائنا في النقابات لأنه سبق أن كان شخصية مهمة في الحركة الطلابية في السبعينيات كما أنه آمن بضرورة مشاركة الإسلاميين في الاتحادات الطلابية وآمن بأنه ينبغي علينا أن نفعل كإخوان الشئ نفسه في النقابات .

وقد شجع نجاح أبو الفتوح في نقابة الأطباء في العام 1984 الإخوان على خوض انتخابات مجالس الإدارة في النقابات الأخرى وسرعان ما نال أعضاء الحركة عضويه مجالس نقابة المهندسين (في العام 1986) ونقابة الصيادلة (في لعام 1988) وفي البداية وباعتبار أن الإخوان كانوا يحاربون الفساد المتأصل في النقابات لم يكن بمقدورهم سوي أن يعيدوا طرح خدمات شبيهة بالتي كانوا يقدمونها إلى الطلاب في السبعينيات مثلا كان أحمد النحاس طالبا رائدا من الإخوان في جامعة الإسكندرية في العام 1978, وقد عمل على تنظيم معارض لبيع السلع المعمرة ( مثل الغسالات والثلاجات , والأثاث المنزلي وما إلى ذلك ) في الجامعات للطلاب وعائلاتهم

وعندما أصبح أمين الصندوق في نقابة المهندسين في فرع الإسكندرية نظم عمليات بيع مماثلة بدءا من العام 1985 وأول صفقتي مبيعات كانتا مشابهتين للصفقات التي أبرمها في السبعينيات لكن سرعان ما تطورت أ‘ماله لتلبي الحاجات للأعضاء المنهيين وقد حققت هذه المبيعات رواجا شديدا بحيث وصلت الأرباح التي جنتها النقابة إلى 20 مليون جنيه مصري وأدرك النحاس أهمية الخدمات بدلا من الخطاب السياسي في الفوز بتأييد شريحة المهنيين في انتخابات مجلس إدارة النقابة في " السنين القليلة التي أعقبت ترسيخ تواجدنا في النقابات لم نفعل شيئا سوي تقديم الخدمات عرفنا أن الناس سينصتون إلينا إن نحن عالجنا همومهم أولا بطريقة عملية بدلا من مجرد التحدث إليهم عن السياسة منذ البداية وكانت تلك خير وسيلة لتعبئة الناس لدعم سياساتنا دور السياسة يأتي بعدئذ "

وهذا التوجه السياسي في توفير الخدمات لتلبية حاجات الجماهير الشابة هي التي منحت الإخوان الشعبية وبالتالي تحقيق الفوز في الانتخابات , واستنادا إلى النحاس :" معظم الذين صوتوا لنا في الانتخابات النقابية سواء كان عددهم ثلاثة آلاف أم أربعة آلاف كانوا في الأساس من المهنيين الشباب الذين تعرفنا عليهم منذ أن كنا طلابا وهذا جعل من السهل علينا التواصل معهم بلغة يمكنهم فهمها والتجاوب معها والناخبون الأكبر سنا الذين لم يتسن لهم التعرف علينا سابقا آثروا التصويت لأصدقاء عائلاتهم في مقابل الحصول على امتيازات شخصية .

وطرح الإخوان في نقابة الأطباء في العام 1986 مشروعهم الشهير المتعلق بالتأمين الصحي إذ لم يكن في مقدور أغلب الأطباء الخريجين تحمل التكاليف الباهظة للعلاج في المستشفيات الخاصة وشعر العديد منهم بالمذلة في المستشفيات الحكومية لأنهم لم يكونوا يتلقون الرعاية المناسبة أو الخدمات اللائقة واستنادا إلى أنور شحاته أمين صندوق نقابة الأطباء أحرز مشروع التأمين الصحي نجاحا كبيرا في أوساط الأطباء الشباب لأنه هدف إلى استعادة " كرامتهم ومكانتهم في المجتمع " كما وفر لهم المشروع ووفر لعائلاتهم الرعاية الصحية اللائقة وبأسعار معقولة ومقابل هذا العقد الاجتماعي المتنامي بين الإخوان والطلبة والمهنيين كان العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع يتعرض للتآكل ولا سيما في الميدان الاقتصادي .

ثالثا : الميدان الاقتصادي

لقد بدأ واضحا في منصف الثمانينيات أن مبارك يريد أن تتبني مصر اقتصادا ليبراليا يتماشي مع سياسة الانفتاح التي تبناها السادات وإن يكن بطريقة أكثر حكمة وحذار ولكن المشكلة المستمرة كانت في كيفية التسويق لهذا الخط السياسي بين أوساط الطبقتين الفقيرة والدنيا دون أن يبدو أنه تخل عن العقد الاجتماعي لعبد الناصر ودون أن يخاطر بتجريد نظامه من شرعية هذا العقد وقد واصل مبارك الدفاع عن سياسة الانفتاح التي دعا إليها السادات واستمر في مواجهة تأثيراته السلبية ( التي تجلت في نفسي استهلاك السلع الكمالية والتراكم السريع للثروات باستخدام وسائل غير منتجة أو فاسدة ) وأكد أهمية انفتاح منح وليس استهلاكا لكن من غير أن يحدد بدقة مصير القطاع العام وعلى الرغم من تشديده على الحاجة إلى الإصلاح واصل مبارك التعهد بالتزام الدولة بإصلاح القطاع العام فضلا عن تطوير البنية التحتية .

وفي ما يتعلق بالناحية الأخيرة فإن مبارك حقق بالفعل إنجازات لا يمكن إنكارها بتحسينه نظام الصرف الصحي المترهل وبناء الجسور وشق الطرقات وزيادة المساكن ووسائل النقل بما في ذلك شبكة الإنفاق الأرضية ( المترو) في مدينة القاهرة وضواحيها , وعلى رغم أنها كانت تحسينات متواضعة مقارنة بما كان متوقعا فهي إنجازات مهمة مكنت النظام من أن يقول للناس إنه " فعل شيئا".

وغالبا ما كان مبارك يشير في خطاباته وفي مقابلاته إلى الإنجازات التي حققها منذ مجيئه إلى السلطة وبعد بتحقيق مزيد من الإنجازات في المستقبل وفي أحد خطاباته ذكر المصريين بأن التقدم على صعيد التنمية أسع بكثير وأوسع شمولا خلال السنتين الأوليين من الخطة الخمسية منه خلال فترة العشرين عاما التي سبقتها وأصر على أن مثل هذه النتائج انبعث على الثقة والتفاؤل"

الدفاع عن سياسة الانفتاح

وعلى الرغم من هذا الخطاب فشل أداء مبارك في إرضاء توقعات أغلب المصريين الذين لم يستفيدوا من الانفتاح أو من التحسينات في الخدمات الأساسية فالمواطن المصري العادي الذي يعيش في إمبابة أو بولاق ( وهما منطقتان فقيرتان في ضواحي القاهرة) لا يمكنه ملاحظة أى تحسن في حياته اليومية ووصفت مقالة كتبها مصري ونشرتها مجلة روز اليوسف في العام 1984 كيف أن عددا كبيرا من المصريين يفتقر إلى مستلزمات الحياة الأساسية بما في ذلك " القدرة عل الحركة في الشوارع سواء في المركبات أم سيرا على الأقدام , من غير أن يتعثر أو يعلق في وسط الزحام " وكيف أن المواطنين يسكنون في أحياء " ملوثة ببرك مياه الصرف الصحي وأكوام من النقابات ) .

ويمكن القول إن تحسينات مبارك ركزت على المناطق الأكثر عمرانا في مصر ( وبخاصة في المدن الكبيرة التي تضم أطيافا شتي مثل القاهرة والإسكندرية ) أهملت المناطق الأكثر والأقل عمرانا في الأقاليم وفي صعيد مصر ( تشير الأرقام إلى أن النظام استثمر في الفترة الواقعة بين عامي 1983 و1984 تسعة وعشرين بالمئة من الميزانية في المحافظات الجنوبية) وبدا أنه يسعي إلى الحصول على شرعية الإنجاز ولكن من الطبقات الأكثر ثراء التي تضم الضباط في القوات المسلحة والبرجوازيين العاملين في التجارة الذين جذبوا العائدات الخارجية إلى البلاد غير أن الغضب الشعبي المتفاقم بسبب هذا الانحياز إلى الأثرياء تجلي في عودة ظهور القلاقل الاجتماعية الدينية بعد العام 1985.

وسبق أن أشرت إلى أعمال الشغب التي قامت بها قوات الأمن المركزي والتي اندلعت في العام 1976, وفي هذا السياق شهدت منطقة كفر الدوار مثلا أعمال عنف قام بها عمال القطن والنسيج عندما أعلنت الحكومة عن تخفيضات في الدعم وربما تفاوتت الأسباب عندما أعلنت الحكومة عن تخفيضات في الدعم وربما تفاوتت الأسباب التي دعت إلى اندلاع أعمال العنف غير أن كافة الاضطرابات ترافقت مع شعور عام بالإحباط بسبب فشل الدولة في تأمين الحاجات الأساسية ( وسنلاحظ في الفصل لسابع ازدياد إضرابات العمال في السنوات الأخيرة من بداية الألفية الثانية ).

وبالإضافة إلى ما تقدم فقد عانت مصر في منتصف التسعينيات تضخما مرتفعا وارتفاع حجم الديون وذهبت ضحية أزمة النفط الدولية فتراجع أسعار النفط أثر في ميزانية الحكومة بسبب تراجع عائدات المشتقات النفطية التي ينتجها القطاع العام , وتراجع المبالغ الضريبية التي تدفعها الشركات النفطية العاملة في البلاد .

كما أنه كان لها وقع سلبي على اقتصاد الولايات المتحدة وهو ما أدي إلى التقليل من حجم بعض المعونات المالية الأمريكية لمصر , وأدت هذه الأزمة في نهاية المطاف إلى جعل مصر أكثر ضعفا أمام الضغوط التي يبذلها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لحضها على الخصخصة وكان مبارك على علم بالانتقادات المشار إليها أعلاه غير أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة وما يصفه رودوني ويلسون بـ " انعدام رؤيته " حالت دون مواصلته سياسة منسجمة للتخفيف من هذه المظالم وبدلا من ذلك تبني ما يصفه برومبيرغ بـ" استراتيجيات البقاء " بهدف إطالة عمر النظام ومن ناحية أخري , أمل " بتنفيس مشاعر الغضب " عبر إيجاد هامش من الديمقراطية يمكنه التعويض عن الفشل في إصلاح الاقتصاد وقد تجلي هذا " الهامش في انتخابات عامي 1984 , 1987 على رغم أنني جادلت أن النظام استهدف من وراء ذلك الهامش النخبة السياسية أكثر مما استهدف قطاعات الشعب الأوسع وهذا ما تؤكده دراسة حسنين إبراهيم الذي وجد أن شرعية النظم الحاكمة في البلدان النامية تحددها قدرة هذه النظم على تأمين التوزيع لعادل للثروة وليس هوامش الحرية السياسية فقط ولهذا فإن اللافت هو أن اندلاع أعمال العنف في مصر جاء في غمرة الإصلاحات السياسية والقانونية التي شرع فيها مبارك .

واستهدفت " استراتيجية البقاء " الثانية التي اتبعها مبارك في المشروع في جملة " الإنعاش الوطني " أولئك المصريين الذين يمكنهم المساهمة ماليا في التخفيف من التأثيرات الدراماتيكية للمشكلات الاقتصادية التي تعانيها مصر فقد كان للركود الذي ساد في منتصف الثمانينات تأثيرات عميقة في عائدات مصر بما في ذلك العائدات المتأتية من السياحة ( التي تضررت بفعل أعمال العنف التي قام بها المتطرفون الإسلاميون) لم يكن أمام مبارك خيار سوي إشراك شعبه ومواجهته بالحقائق القاسية بقوله في أحد خطاباته :" نحن لا نقلل من شدة وصعوبة المشكلة التي نواجهها وقد زاد من حدة هذه المشكلة عاملان أساسيان العامل الأول هو الانخفاض الكبير في أسعار النفط.

والعامل ألثاني هو أن حجم دفعات سداد الديون الناجمة عن التزاماتنا الخارجية والتي يتعين الوفاء بها وصل إلى أقصي مستوي له في السنة الخارجية ( 1986) وفي السنتين القادمتين وسنكون مرغمين على مواجهتهما "وأشار مبارك أيضا إلى مشكلة التكاثر السريع في أعداد السكان ومما لذلك من تأثير سلبي في مستوي المعيشة وبعد أن توجه إلى القطاعات المختلفة من المجتمع طلبا للمساعدة طلب من " كل من استفاد كثيرا بطرق مشروعة ....

المساهمة بدافع وطني في وضع حلول تضمن مصالح أغلبية المصريين الذين يعانون بسبب الدخل المحدود وارتفاع الأسعار وطالب " الأحزاب , واتحادات العمال والمنظمات العديدة في مصر " وبخاصة " تلك التي لديها وفرة من المال .. البدء في عملية تساعد على التخفيف من أعباء الأشخاص ذوي الدخل المحدود " وذكر مبارك المصريين الذين يعملون في الخارج بأنهم " استفادوا جميعا ومن كافة النواحي " من الدعم الذي وفرته لهم عائلاتهم وبلادهم وطلب منهم رد هذا الجميل وتقدم الصفوف في المشاركة في النهضة الكبرى ( لبلادهم) كما أطلق " حملة الدين " التي يساهم كل مواطن فيها بما يستطيع من غير أن يحمل نفسه أعباء إضافية " من أجل تخفيض الدين الوطني الثقيل .

وفي نهاية العام 1985 وصل الدين الخارجي لمصر إلى 33 مليار دولار , واستهلكت خدمة هذا الدين 35 بالمئة من إيرادات الحسابات الجارية ,وكان فشل " الإنعاش الوطني " و" حملة الدين " مؤشرا خطيرا يوضح حقيقة تصور المصريين لشرعية النظام أما الإخوان فقد وظفوا الفرص التي أتاحها لهم الميدان الاقتصادي بصورة مغايرة .

توسع التمويل الإسلامي

لم يظهر أن للمشكلات الاقتصادية التي تعانيها الدولة المصرية تأثيرا سلبيا في النشاطات المالية للإخوان وثرواتهم بل على العكس أدي تراجع دور الدولة والتخطيط والإدارة ابتداء من منتصف الثمانينيات والتحرر التدريجي للاقتصاد وروح التسامح التي تميز بها مبارك في تلك الفترة تجاه المجتمع والقوي السياسية وروح التسامح التي تميز بها مبارك في تلك الفترة تجاه المجتمع والقوي السياسية المعتدلة إلى تعاظم نشاط الإخوان في الميدان الاقتصادي ويمكن مشاهدة ذلك في توسع شركات توظيف الأموال والبنوك وأعمال التجارة الخاصة بالأعضاء .

شركات التوظيف

شهد منتصف عقد الثمانينيات تعاظم أهمية دور أحمد عبيد وهو عضو مخضرم في الإخوان وصاحب شركة الحجاز الاستثمارية في بروز التكتلات المالية إلى جانب مؤسسات الشريف , إلى حد فاق دور أشرف السعد وأحمد الريان اللذين لم يكونا عضوين في الإخوان ( راجع الفصل الثاني ) وكان السعد والإخوة الريان الثلاثة ( أحمد وفتحي ومحمد ) من بين المستفيدين من سياسة الانفتاح التي تبناها السادات حيث توصلوا إلى طرق سهلة لجني المال عبر التعامل بالعملات الأجنبية غير المنضبط بقوانين

وعلى رغم أن هذه التعاملات حظيت بمباركة البنوك والحكومات الغربية والعمال المصريين فإنها كانت تتم بطريقة محظورة في السوق السوداء وفي ظل غياب المراقبة الصارمة من جانب الدولة أو غياب مراقبة الهيئات المالية الدولية وبحلول منتصف الثمانينيات بذلت الدولة جهودا لتنظيم عملية المتاجرة بالعملات الأجنبية ولتعزيز دور البنوك الحكومية وبناء على ذلك شن مصطفي سعيد , وزير الاقتصاد بين عامي 1983, 1985 حملة جدية ضد اشرف السعد وأحمد الريان بالإضافة إلى أكثر من 50 تاجرا غير قانوني في مسعي إلى إلغاء السوق السوداء وفرض معدلات صرف رسمية جديدة وسرعان ما تم اعتقال السعد والريان ولكن أطلق سراحهما بكفالة في وقت لاحق وكان أحمد عبيد هو الذي دفع الكفالة بعد أن صادرت الحكومة الأموال التي جمعها السعد والريان بل عوضهما عن بعض الثروة التي فقداها ووافق على إبرام عقود شراكة معهما في مشاريع تجارية صغيرة في مرحلة لاحقة .

واستأنف السعد نشاطه المهني المالي في منتصف الثمانينات عبر تأسيس شركة جديدة اسمها شركة اشرف سعد وبشراكة مع شركة بارتنر كار ( التي امتلكها عبيد نفسه ) والتي وفرت 80 بالمئة من رأس المال وعملت شركة السعد في تجارة السيارات الحديثة وكان زبائنها أساسا من العمال المصرين الذين يعملون في الخليج وفي العراق وقد شهد محمد شلبي وكان يملك شركة اسمها " العقارية" لتوظيف الأموال أيضا قصة ولادة تحالف السعد عبيد وتطور هذه العلاقة :" كنت هناك عندما ذهب اشرف السعد إلى عبيد وأقنعه بأن يكون شريكه في شركة السيارات وافق عبيد وبعد ذلك بوقت قصير أسس السعد شركة لبيع السيارات في السمبلاوين ( في محافظة الدقهلية ) حيث أسهم عبيد بثمانين بالمئة من رأس المال ونمت الشركة وأراد السعد أن يستأثر بالشركة لنفسه وفي نهاية المطاف قرر السعد فسخ شراكته مع عبيد "

كانت هذه قصة عبيد مع السعد , وأما قصة عبيد مع البرلمان فهي مختلفة فقد أراد الريان تأسيس شركة للمتاجرة بالعملات الأجنبية مجددا بعد خروجه بكفالة ولكن عبيد آثر استثمار ماله في مشاريع تجارية أقل خطورة وأكثر ربحية ولذلك رفض تشكيل شراكة مع الريان ولكن السعد وافق على إقراض الريان رأس المال اللازم لتأسيس لشركة التي أراد تأسيسها الريان وهي التي عرفت في بعد باسم شركة الريان للاستثمار"

وقد أردت من سرد هذه الروايات المختصرة التي تحكي عن بروز شركتي السعد والريان توضيح الدور الذي لعبه الإخوان في توسع شركات التوظيف الإسلامية في الثمانينيات وإظهار كيف أن هذه الفترة شهدت حركة حرة نسبيا وغير خاضعة للقوانين لرأس المال الإسلامي بعيدا عن تدخل لدولة وقد أفادت الصلات المالية لعبيد الحركة بالتأكيد وساعدتها على زيادة تأثيرها في المجتمع وعمل نجاح عبيد ونجاح رجال أ‘مال آخرين مثل خالد عودة كنموذج فعال لـ" الدعاية بالأفعال " لما يمكن للإخوان تحقيقه في الميدان الاقتصادي دون الحاجة إلى الدخول في تعاملات مالية لا تجيزها الشريعة ( مثل تعاطي الربا ) وهذا ما زاد من المصداقية الدينية للإخوان .

وإذا قارنا الأداء الاقتصادي للإخوان بأدائهم في النقابات المهنية يتبين أن أداءهم الاقتصادي لم يكن قصة نجاح باهر للحركة فهناك بعض المشاريع الاقتصادي التي انتهت إلى فشل بالتأكيد وإن ظلت العديد من المشاريع الأخرى تساهم في توفي مصدر للدعم المالي للحركة وفرص عمل للعديد من الإخوان الخريجين العاطلين عن لعمل الذين توظف عدد منهم في الشركات الخمس والثمانين التي يملكها عبيد حتى ن ما يصل إلى 300 عامل في أحد المصانع كانوا ينتمون إلى الإخوان المسلمين وهذا سوي من استطاع عبيد توظيفهم من الإخوان من خلال شبكة اتصالاته مع مستثمرين من غير الإسلاميين

وكان العديد من الموظفين الإسلاميين يحصل على أجور أعلي من تلك التي كانوا سيتقاضونها لو أنهم عملوا في القطاع العام وقد بينا في الفصل الثاني كيف أن عبيد استخدم صلاته مع التنظيم في جذب رساميل كبيرة منن داخل مصر ومن المصريين الذين يعملون في دول الخليج إلى شركات الشريف وكيف أنه تم سحب هذه الرساميل في وقت لاحق بعد أن غادر عبيد شركات الشريف وأسس شركة الحجا الاستثمارية ولم يحدث ذلك لأنه لدي الإخوان ثقة بالشريف ( لأن أغلبهم لا يعرفه ) بل لأنهم أثروا إيداع مدخراتهم لدي شخص وثقوا به وعرفوا أنه من التنظيم).

ويميل قادة الإخوان إلى التقليل من الدور الذي لعبه عبيد والمقاولون الآخرون مثل محمد عليوه في المكاسب المالية التي جنتها الحركة ولست أدري على وجه لتأكيد إن كان ذلك يعود إلى أسباب تكتيكية من أجل تجنب لفت أنظار الدول وأجهزتها الأمنية التي استهدفت المصادر المالية للإسلاميين بوجه عام ( ولا سيما في اعتقالات 2007 )

أو لأن هذه هي الحقيقة فعلا لكني استبعد الخيار الثاني لأنه حتي وإن كان عبيد عمل فعلا من أجل مصالحه المالية الخاصة و\كما يدعي الإخوان فقد استمرت الحركة في الاستفادة من إنجازاته فمن الناحية التقنية يساهم كل عضو في الإخوان باشتراك شهري في الحركة إلى خمسة بالمئة أو أكثر من مدخوله أو مدخولها ( يعفي الأخ من دفع الاشتراك غن كان عاطلا عن العمل أو يدفع اشتراكا رمزيا ) وأنا لا أملك رقما دقيقا لمدخول عبيد من شركاته الخمس والثمانين لكن في ما يتعلق بمساهمته المالية الشهرية في التنظيم أتوقع بأنها كانت مساهمة كبيرة .

كما شجعت الحكة أعضاءها المقتدرين ماليا على المساهمة بسخاء في دعم أنشطة الجماعة وقال لى أحد الأعضاء المخضرمين في الإخوان إن عبيد ساهم مرة بمبلغ بلغ نحوا 250000 جنيه مصري وهي مساهمة كانت تساوي في منتصف الثمانينات مبلغا كبيرا من المال وبالإضافة إلى ذلك كان العديد من شركات عبيد ومصانعه موزعا في شتي أنحاء مصر في حين جري استخدام بعضها كساحات للتعليم الديني والدعوة والنشاط السياسي وفي أثناء انتخابات العام 1984 وأكثر من ذلك في العام 1987 ساعد العمال في هذه المصانع على إدارة الحملات الانتخابية لمرشحي الإخوان

وقد تضمن هذا النشاط التحدث إلى الناس وتعليق الملصقات وتوزيع المنشورات وفي هذا السياق وظفت الشركة العقارية وهي شركة توظيف أسستها عائلة شلبي ما بين 200 و300 عامل كان جلهم أعضاء في الحركة كما ساهمت الشركة في تمويل إنتاج الملصقات المطبوعة والمنشورات بكلفة مخفضة باختصار , استفاد الإخوان من تجربة شركات التوظيف لتعزيز مكانتهم في الميدان الاقتصادي وكسب مزيد من الشعبية ويمكن أن نخرج بالاستنتاج نفسه من دراسة تجربة بعض رجال الأعمال الإخوان في إدارة مشاريع خاصة استفادت منها الحركة وشرائح من المجتمع .

المشاريع التجارية الخاصة

ولم تكن حالة خالد عوده الذي كان رجل أعمال من الإخوان تدخل في دائرة شركات التوظيف الإسلامية لكنها ليست شديدة الاختلاف عن حالة عبيد ( راجع الفصل الثاني ) كان خالد يدفع اشتراكاته الشهرية للحركة وساعد في توظيف شباب الإخوان في مصانعه بأسيوط وقد بينت في الفصل الثاني كيف أن بعضا من مصانع عودة استفاد من روح التسامح لدي مبارك في مستهل الثمانينات وكيف أثر ذلك في تطور المشاريع الجديدة وتوسعها في مرحلة لاحقة من ذلك العقد . فقد تأسس مصنعه مصنع الرباط" – لإنتاج الملابس في العام 1980 كما ذكرت , وازدهر المصنع بسبب مشروع " كساء " العاملين بالدولة" الذي كان يزود وزارة التموين بالملابس لموظفي القطاع الحكومي وتأسس مصنعه الآخر الخاص للطابوق – مصنع " البنيان المرصوص" في سنة 1982 وسرعان ما تطور وأصبح مصنعا لنصع البلاط أيضا .

كما بني عودة مصنعا آخر لتصنيع الأخشاب مصنع الفتح " سنة 1984 , قدرت قيمة معداته الحديثة بمئات الآلاف من الجنيهات المصرية واستنادا إلى عودة كان هذا المصنع هو ثاني أكبر مصنع لصنع لتجهيزات الخشبية والأثاث في مصر وقد عمل في هذا المصنع نحو من 120 عاملا ووصلت طاقته الإنتاجية إلى إنتاج مئة باب ونافذة في اليوم وتخصص المصنع الرابع لعودة مصنع" الرشاد " في تصنيع المواد البلاستكية.

اقر عودة أن مبارك لم يتدخل أبدا لعرقلة مشاريعه في الثمانينات بل إنه تسامح في الواقع مع توسيع هذه المؤسسات كما كان الحال مع شركات الاستثمار الإسلامية كما أوضح أن النظام كان على دراية بأن كافة هذه المشاريع يملكها عضو في الإخوان المسلمين وهو مما يعكس تمييزا واضحا بين الإخوان والجماعة الإسلامية المتطرفة في أسيوط

وكان مصنع الرباط بمثابة حالة ساطعة على التعاون بين الدولة والإخوان في حين استفاد الإخوان من القطاع العام فضلا عن القطاع الخاص في استثمار مواردهم وزيادة حجم تأثيرهم ولكن بصرف النظر عن مدي صغر حجم المشاريع التجارية التي يملكها عودة ساهمت هذه المشاريع بالتأكيد في " الدعاية بالأفعال " حتى وإن زعم الإخوان أنها كانت محدودة من الناحية الفعلية عبر إظهار ما يمكن للحركة تحقيقه في الميدان المالي وقد استخدم عودة نفسه موارده الواسعة في بناء سمعة شعبية وظفها في وقت لاحق في المضمون السياسي ففي التسعينيات من القرن الماضي خاض الانتخابات في أسيوط لكنه لم يوفق بسبب مزاعم عن تلاعب الدولة بصناديق الاقتراع ( ما اعتقل النظام نشطاء رجال أعمال الإخوان في 2007 وحولهم إلى محاكمة عسكرية كان خالد عودة من بين قائمة المعتقلين ) .

خلاصة

بينت في هذا الفصل كيف أن انتخابات العام 1984 حولت الشرعية القانونية إلى " شكل مهيمن " من أشكال الشرعية لكل من مبارك والإخوان المسلمين وبالنسبة إلى مبارك تجلي ذلك في خطابه السياسي الذي ركز على التعددية الحزبية التي حكمها القانون وعلى الالتزام بإرادة الشعب وربما حققت حملة مبارك السياسية نجاحا في أوساط النخب السياسية ولكنها حتما فشلت على صعيد المجتمع ككل فقد افتقد الرئيس الرؤية وبدا نظامه عاجزا عن معالجة القضايا الأكثر أهمية وهموم المجتمع وكان نتيجة ذلك عدد متزايد من القلاقل الاجتماعية والدينية كان من تداعياتها تنامي دور الأجهزة الأمنية وهذا التناقض بين النظام إلى الشرعية من خلال الإصلاح السياسي واعتماده على الإكراه من خلال قوات الأمن للتغلب على المعارضة زاد من حدة مشكلاته .

وبالنسبة إلى الإخوان , يمكن النظر إلى سعيهم إلى امتلاك الشرعية القانونية في سياق رغبتهم في تأمين اعتراف الدولة بهم وبحصر دورهم في كونهم حزبا سياسيا وفي هذه الأثناء وافق الإخوان بغرض المشاركة في العملية السياسية على تشكيل تحالف مع حزب الوفد العلماني وهو ما أظهر مدي استعداد الحركة للمضي في تطبيع علاقاتها مع الدولة ومع المجتمع ولكن في ما كانت هذه الأحداث تجري في الميدان السياسي كان الإخوان يفتحون آفاق في الوقت نفسه في الاتحادات الطلابية وفي النقابات المهنية حيث الشرعية في هذه الفضاءات لا تعتمد على اعتراف الدولة وإنما على اعتراف المجتمع وأضحي توفير الخدمات بمثل أهمية استخدام الخطاب السياسي والرموز الدينية إذا لم يفقها أهمية لكسب شعبية شرائح الطلبة والمهنيين واستخدام الخطاب السياسي في الميدان السياسي وفي أثناء الحملات الانتخابية في حين جري الترويج للخطاب الديني أساسا داخل المساجد والأحياء بهدف ضم أعضاء جدد.

وقام الإخوان في كافة هذه الحالات بتمويل نشاطاتهم وزيادة حجم تأثيرهم من خلال مواردهم المالية الآخذة في التوسع كما هو ملاحظ في النمو التدريجي لشركات التوظيف الإسلامية والمشاريع لخاصة في منتصف الثمانينيات ومن ناحية أخري تسامح مبارك مع الدورين الاجتماعي والاقتصادي للإخوان لأن ذلك جاء منسجما مع رغبته في إظهار وجه ديمقراطي

ولأنه بدا أن الإسلاميين يساعدون الدولة في جهودها الهادفة وجه ديمقراطي ولأنه بدا أن الإسلاميين يساعدون الدولة في جهودها الهادفة إلى تخفيف العبء عن أبناء الطبقات الدنيا الذين يتزايدون عددا واستفاد النظام على الصعيد الرسمي من بعض مشاريع الإخوان التجارية مثل مصنع البلاط وكذلك على الصعيد غير الرسمي والصعيد الشخصي من شركات التوظيف فقد جري توظيف بعض كبار المسئولين كـ"مستشارين " لدي شركات الاستثمار هذه ( من الأمثلة البارزة على ذلك وزير الداخلية السابق النبوي إسماعيل الذي عمل لصالح شركة الريان ) وكشفت فضيحة ما سمي بـ" كشوف البركة " ( وهي عبارة عن قائمة خاصة بأسماء كبار المسئولين المصريين الذين جري توظيفهم في شركة الريان كأعضاء في مجلس إدارة الشركة وحصلوا على مبالغ ضخمة من المال ) عن مدي تورط الدولة في الناشطات المالية للإسلاميين ولكنه تورط وصل إلى نهايته في أواخر عقد الثمانينات .

الفصل الرابع

قوة تنظيم الإخوان المسلمين ( 19781990)

يستند جوهر هذا الفصل إلى استكمال قصة سعي كل من مبارك والإخوان إلى تكريس شرعيتهما في المجتمع حتى نهاية الثمانينات ولكن الفصل سيسلط الضوء أكثر على جدلية أن شرعية الإخوان الخدمية ما كان لها أن تكون بهذه الفعالية لولا قوة تنظيم الجماعة فهذا التنظيم , بهيكله الداخلي وأقسامه ومكاتبه وأعضائه وامتداداتهم داخل نسيج المجتمع هو الذي مكن الجماعة من أن تقدم خدماتها سواء إلى الطلبة , أو إلى أساتذة الجامعة , أو المهنيين في النقابات بكفاءة وذكاء مقارنة بخدمات النظام وكفاءة التنظيم في توزيع خدماته هل التي ستساهم في تعزيز شرعية الحركة وحثها على توظيف هذه الشرعية توظيفا سياسيا يقلق النظام بحلول التسعينيات ( كما جاء في الفصل الخامس) .

وأما الرئيس مبارك فقد ظل مهتما بصورته الشعبية كحاكم يلتزم بالقانون والنظام غير أن سياساته القمعية في حق المعارضة الدينية التي تواجه الدولة ازدادت قسوة وهو ما أدي في نهاية المطاف غلى التأثير بشكل سلبي في موقف الدولة من المجتمع وفي الوقت نفسه كان النظام يعاني تبعات تأثير الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر , والتي زادت من التذمر والغضب الشعبي فقد شهدت الفترة التي تلت منتصف الثمانينيات تدهورا سريعا في مصادر العملة الصعبة وزيادة في معدلا التضخم وتراجع حجم المدخرات والاستثمارات وزيادة الضغوط التي يبذلها صندوق النقد الدولي من أجل إعادة هيكلة جدية وإدخال إصلاحات وعلى رغم أن الفترة الأخيرة من عقد الثمانينيات شهدت مصادرة شركات التوظيف الإسلامية وتنظيم حركة الأموال بقي مبارك بالإجمال متسامحا مع الإخوان المسلمين فسمح للحركة بالمشاركة في انتخابات العام 1987 البرلمانية غير أن جوا من عدم الثقة بدأ بالتطور بين الطرفين نتيجة للتأثير المتنامي للإخوان ولترددهم في دعم حملة النظام ضد حركتي الجهاد والجماعة الإسلامية وهو تطور انفجرت معالمه بحلول بداية التسعينيات ( راجع الفصل الخامس )

وبحلول نهاية الثمانينيات أضحي الإخوان قوة لا يمكن إنكارها في السياسة المصرية وفي المجتمع المصري حتى وإن استمرت الدولة في إنكار وجودهم رسميا فقد شكلوا داخل البرلمان مجموعة المعارضة الأكبر حجما ولم يكونوا الطرف الذي يثير مناقشات جادة حول الإصلاح وتطبيق الشريعة وحسب بل باتوا يملكون رأيا في تحديد المصير السياسي لمبارك نفسه

وهذا هو الأخطر عندما رشح لمدة ولاية ثانية كرئيس في العام 1978, فقد اقترن نجاحهم السياسي بوصولهم السريع والملحوظ إلى مراكز القرار في النقابات المهنية الرئيسية وفي الاتحادات الطلابية وفي نوادي أعضاء هيئة التدريس وبقدرتهم على توفير خدمات ضرورية لجماهيرهم من أبناء الطبقات الدنيا والأهم من ذلك كما قلت أنهم وظفوا كفاءة التنظيم وشبكاته المنظمة والمتداخلة في لحمة المجتمع في الاتصال والتنسيق بين الفضاءات التي سيطروا عليها وقد عملت الشبكات التابعة للتنظيم بطريقة فاعلة هدفت إلى معادلة آليات السيطرة والتحجيم التي في حوزة النظام وبالتالي باتوا يشكلون مصدر تهديد للنظام ولسلطته على المجتمع المدني من خلال خدماتهم والطريقة التي كانوا يقدمونها بها .

وأوجد تأثير الإسلاميين المتنامي لمبارك في أواخر الثمانينات في مصر مأزق الشرعية الذي يواجه أغلب النظم السلطوية عندما لا تكون على استعداد لدفع ثمن ما تقتضيه عملية حصولها على الشرعية ( أى مزيد من الانفتاح )

وفي هذا السياق , واجه مبارك حقيقة متناقضة عندما أدرك أن ما تسامح معه في السابق وأن ما دفعه إلى فتح الميدانيين السياسي والاجتماعي ما لبث أن تحول إلى مصدر تهديد لشرعيته ووجد مبارك نفسه عالقا بين الفضاءات التي سبق له أن سمح بها وحافظ عليها من أجل تعزيز صورته الشعبية وسيطرة المنافسين الإسلاميين على هذه الفضاءات وسعيهم إلى تقديم خدمات بديلة من خدمات النظام وكانت هذه المعضلة الصعبة التي واجهها نظام مبارك في نهاية الثمانينيات هي ما أسميته بـ " أزمة الشرعية" وهي الحالة التي يصبح فيها السعي إلى الشرعية " ورطة " يحج ذاتها على شرعية النظام نفسه .

وإزاء هذه " الأزمة" يختار النظام في النهاية أن يحسم معضلته باستخدام العنف ضد منافسيه ولو أسفر ذلك عن التضحية بسمعته ( شروعيته ) وهو مع قام به النظام ضد الإخوان في التسعينيات أكد النمط الدوري لعلاقة النظام المصري التقليدية بالجماعة مهادنة تنتهي بصدام .

أولا : مبارك وانتخابات العام 1987

أدت المشكلات التي واجهها مبارك مع عنف الإسلاميين إلى زيادة تدريجية ف يتطرف سياساته تجاه المجتمع لكنه حافظ على تجاوبه المعتدل مع المعارضة السياسية والانتخابات التي جرت في العام 1978 والتي تزامنت مع انتخاباته الرئاسية أكدت أن السعي إلى الشرعية القانونية مسعي يستحق أن يبذل الجهد فيه وبناء على الحصيلة التي تمخضت عنها انتخابات العام 1984 طعنت المعارضة في نتائجها وفي دستورية القانون الانتخابي ( رقم 114 في العام 1983) لأنه حظر على المرشحين المستقلين المشاركة في الانتخابات واقتصارها على الأحزاب فحسب , وهذه المعارضة تسببت في إحراج شديد للنظام وبخاصة عندما رفعت المعارضة القضية إلى المحكمة الدستورية العليا وطالبت بحل مجلس الشعب وتحديد تاريخ لإجراء انتخابات جديدة ز

وقد قرر مبارك في مسعي لتفادي مزيد من الإحراج إبطال حكم المحكمة ووافق في كانون الأولي ديسمبر 1986 على إدخال بعض التعديلات في القانون الانتخابي ونتيجة لذلك تم حل مجلس الشعب في شباط فبراير 1987 وتحديد شهر نيسان أبريل من السنة نفسها كموعد لإجراء انتخابات جديدة وبالمقارنة مع القانون القديم ( رقم 114) اعترف القانون الانتخابي الجديد ( رقم 188) بحق المرشحين المستقلين في خوض الانتخابات ومنحهم 10 بالمئة من المقاعد كما نص على توزيع الأصوات التي صبت في صالح الأحزاب التي فشلت في تامين نسبة الثمانية بالمئة المطلوبة لدخول البرلمان على الأحزاب التي فشلت في تأمين نسبة الثمانية بالمئة المطلوبة لدخول البرلمان على الأحزاب الفائزة بما يتناسب وحصصها التمثيلية من الأصوات وجاء هذا التعديل مختلفا عن القانون السابق الذي كان يضيف أصوات الأحزاب التي خسرت في تأمين النسبة المطلوبة إلى نصيب الحزب الحاصل على أكبر عدد من الأصوات ( وغالبا ما يكون الحزب الوطني الحاكم ) في مسعي واضح لتعزيز نفوذ الحزب الحاكم .

وكالعادة شجع مبارك في خطاباته كافة الأحزاب السياسية على المشاركة في انتخابات العام 1987 مع الحرص في الوقت نفسه على بقاء المجلس التشريعي تحت سيطرة الحزب الوطني الديمقراطي وجاءت حصيلة الانتخابات كما كان متوقعا مرة أخري وفاز الحزب الوطني بأغلبية 309 مقاعد من أصل 448 مقعدا في مجلس الشعب ولكن تبين أن الحزب الوطني كان الخاسر الأكبر هذه المرة بما أن نسبة السبعين بالمئة من الأصوات التي حصل عليها كانت أدني نسبة يحصل عليها اى حزب حاكم منذ العام 1952 كما أن عدد المقاعد التي حصل عليها في عام 1987 كانت أدني بالتأكيد من عدد المقاعد التي حصل عليها في العام 1984 ( وهي 390 مقعدا , أى خسر 81 مقعدا) يضاف إلى ذلك أن عدد المقترعين في الانتخابات لم يزد على أكثر من 7 بالمئة عما كان عليه في انتخابات العام 1984 ويمكن هذين الرقمين بمثابة مؤشرين تقريبيين لرأي الشعب في الحكومة لقدرة مجلس الشعب على إحداث تغيير حقيقي.

وعلى الرغم من ذلك قام مبارك بما ينبغي عليه القيام به لتأمين شرعية لرئاسته الثانية بعد أن انتهت فترة رئاسته الولي في 13 تشرين الأول أكتوبر 1987 وكما أشرنا سابقا نبع تجاوبه مع مطالب المعارضة السياسية بانتخاب مجلس شعب جديد من رغبته في تأمين مجلس شعب دستوري مما يمكنه بالتالي من تجنب الأسئلة تطرح حول دستورية حقه في تجديد رئاسته وقد رشح البرلمان بالفعل بما في ذلك التكتل المعارض الأكبر أى التحالف الإسلامي بزعامة الإخوان المسلمين مبارك لفترة رئاسة ثانية في تشرين الثاني نوفمبر 1987 وحصل مبارك على 420 صوتا من 448 نائبا في مجلس الشعب وهو عدد أكبر بكثير من غالبية ثلثي الأصوات التي يشترطها الدستور .

ولكن بقدر ما كانت تلك أخبارا طيبة بالنسبة إلى مبارك كانت بالتالي مصدرا لحقيقة مزعجة أيضا فالشئ الذي أراد مبارك الحصول عليه وهو البرلمان دستوري هو نفسه الذي باتت تسيطر عليه الآن معارضة غير دستورية ( أى الإخوان المسلمون ) وهي معضلة محرجة للنظام وكانت هذه الحقيقة المزعجة مظهرا مهما آخر للمأزق الذي يعانيه مبارك في سعيه إلى الشرعية كما أشرت في بداية الفصل .

ثانيا : الإخوان المسلمون في مجلس الشعب ( 1987)

فاز الإخوان الذين باتوا متحالفين الآن مع حزب العمل وحزب الأحرار بستة وثلاثين مقعدا في مجلس الشعب في العام 1987 بالمقارنة بالمقاعد الثمانية التي حصلوا عليها في العام ولأول مرة في السياسة المصرية تحولت الحركة إلى أكبر جماعة معارضة في البرلمان

وكان ذلك بمثابة تطور مهم جدد الآمال في أوساط العديد من الإخوان بأن لجنة الأحزاب ربما تعترف بهم الآن كحزب سياسي ( فكما ذكرت سابقا بموجب الدستور , يحق لقوة سياسية استطاعت تأمين 20 مقعدا تشكيل حزب خاص بها وهو سيناريو أرعب النظام بالتأكيد ).

وقد كان مبارك وأجهزته الأمنية على دراية تامة بالتأثير المتعاظم للإخوان وهو التأثير الذي بدا واضحا إلى حد لا يمكن إنكاره في المساجد وفي الأحياء داخل المدن وفي الاتحادات الطلابية وفي النقابات المهنية وادعي الإخوان أن حصتهم من المقاعد في مجلس الشعب الذي انتخب في العام 1987 تجاوزت 36 مقعدا

وأنه تم التستر على العدد الحقيقي لمشرحين الفائزين عبر تدخل الأجهزة الأمنية وعبر التلاعب بنتائج الانتخابات (وهي تهمة وجهها كافة أعضاء المعارضة تقريبا ) وفي هذا الصدد يشي عبد الحميد الغزالي وهو مرشح من الإخوان ادعي حدوث تلاعب صارخ في النتائج أدي إلى حرمانه من الفوز في الانتخابات في دائرة المنوفية الانتخابية الصغيرة إلى أن " ثلثي أبناء بلدتي الصغيرة في المنوفية تربطهم بي قرابة إما من جهة أمي أو من جهة أبي هل يمكنك تخيل أن تظهر النتائج النهائية للانتخابات فوز الحزب الوطني بنسبة مئة بالمئة من الأصوات ؟ إن هذا لا يعني أن أقاربي صوتوا ضدي فحسب بل تعني نسبة المئة بالمئة أنني صوت ضد نفسي أيضا !

ويصر الغزالي على القول إنه لو أنه جرى الإعلان عن نتائج الانتخابات بطريقة منصفة فإن الإخوان كانوا سيحصلون على أكثر من 150 مقعدا ( ويسيطرون على 33 بالمئة من المقاعد في مجلس الشعب ) على رغم أن الغزالي لم يقدم أى دليل يثبت صحة هذا الرقم ومن المهم في هذه المرحلة أن نتناول تركيبة نواب الإخوان في عام 1987 مقارنة بنواب الجماعة في عام 1984 وأداء النواب الجدد داخل البرلمان .

جاءت تركيبة الأعضاء الإسلاميين الستة والثلاثين في برلمان العام 1987 مختلفة عنها في برلمان العام 1984 الذي كان في العام 1987 مؤلفا من كوادر أصغر سنا وأوسع علما ففي العام 1987 كانت الكوادر الشابة على غرار زملائهم من أعضاء الإخوان في النقابات وفي الاتحادات الطلابية أكثر إلماما بالحاجات الحالية لدوائرهم الانتخابية.

وقد مكن هذا الواقع مضافا إليه العدد الكبير من الإخوان في البرلمان ( المدعوم بالطبع من قبل التحالف الإسلامي ) الحركة من لعب دور أكثر نشاطا في مجلس الشعب بالمقارنة مع دورهم في برلمان العام 1987 وفر للحركة قاعدة انطلاق أوسع مكنها من المطالبة بحقها في الحصول على الاعتراف بأنها قوة شرعية في السياسة المصرية وفي المجتمع المصري مع الإفصاح عن هذه الرغبة في سياق مطالبتها بضرورة أن يحافظ النظام على حريات التجمعات السياسية والاتحادات والنقابات والأحزاب وفي هذا الخصوص وجهت الحركة انتقاداتها إلى الممارسات القمعية التي تقوم بها الأجهزة الأمنية التابعة للدولة في حق المجتمع ( وبخاصة الإسلاميين) وهي الانتقادات التي استخدموها في التشكيك في مزاعم النظام باحترام القانون كما أن الحركة هاجمت طريقة لجوء النظام إلى القانون الطوارئ مجادلة بأن ذلك يتعارض مع منطق الوعود بإدخال إصلاحات حقيقة .

ولم ينجح الإخوان في مجلس الشعب في التقدم بقوانين جديدة في مجلس تشريعي سيطر عليه الحزب الوطني لكنهم نجحوا في " تطبيع " وجودهم في السياسة الرسمية وفي تحويل مصيرهم السياسي إلى نقاش بين دوائر الرأي العام وهذا ما كانت تطمح إليه الحركة وبالتالي, لم تعد المطالبة الإخوان للدولة بأن تعترف بهم مسألة خاصة بالجماعة وإنما صار يتبناها من هم من خارج التنظيم وبدلا من ذلك ونتيجة لأدائهم الناجح في البرلمان وفي المجتمع تحولوا أيضا إلى مطلب شعب بالنسبة إلى أولئك الذين يتطلعون إلى رؤية تعددية سياسية حقيقية في مصر ويعتبر سعد الدين إبراهيم وهو شخص علماني مؤثر واحدا من بين العديد من المصريين يؤيدون حق الحركة المحظورة في أن يعترف بها بشكل رسمي من قبل الدولة .

واستنادا إلى إبراهيم كان أداء الإخوان في البرلمان " بارزا بشكل واضح من خلال فصاحتهم ومهاراتهم البرلمانية التي لا يمكن للأغلبية أو أغلب نواب المعارضة مضاهاتهم بها" ويرجع ذلك جزئيا إلى أن الإخوان تجاوزوا التوقعات النمطية بأنهم متي دخلوا البرلمان فسوف لن يتحدثوا عن شئ سوي عن الحاجة إلى تطبيق الشريعة وأنهم سيتجاهلون القضايا الأكثر أهمية بالنسبة إلى أغلب المصريين

وقد عالج الإسلاميون بالطبع موضوع الشريعة كجزء من خطابهم واهتمامهم بتأكيد مصداقيتهم الدينية وأدانوا ما اعتبروه الممارسات " غير الإسلامية " التي يقرها النظام وتضمنت هذه الممارسات التعامل بالربا أو الفائدة والسماح بشرب الخمور وعرض مواد غير مناسبة على التليفزيون وفي المرحلة التي كان النظام يكافح من أجل مواجهة التأثير المتنامي للعنف الإسلامي فإن الانتقادات التي وجهها الإخوان ساهمت في إضعاف المصداقية الدينية للنظام وهو ما أشعر النظام والأحزاب الرئيسية الأخرى باستثناء حزب التجمع بضرورة تبني عناصر الخطاب الديني للمحافظة على مصداقيتها وبالتالي كرر الحزب الوطني تأكيده أن أغلب القوانين المعمول بها في مصر تتفق والشريعة الإسلامية فضلا عن تشديد مبارك غالبا على التزامه الشخصي بـ " القيم الدينية النبيلة".

ولكن الإخوان في مجلس الشعب ذهبوا إلى ما هو أبعد من القضايا الدينية وبدأو بمناقشة القضايا الأوسع التي تهم الجمهور العام بالإضافة إلى انتقاد سجل النظام في مجال حقوق الإنسان في تعامله مع المعارضين السياسيين انتقدت الحركة سياسات الحكومة في قطاع الصحة ووسائل الإعلام وبخاصة في قطاع التعليم حيث فشلت السلطات في تطوير البنية التحتية العام والمباني الدراسية أو في معالجة مشكلة الأمية المتفشية وأثار الإسلاميون أسئلة جدية عن موقف النظام من المشكلات المتعاظمة والمتعلقة بالبطالة والتضخم والديون والاستهلاك الكبير وخصخصة أقسام رئيسية ن البنية التحتية للقطاع العام تلك كانت مشكلات معاصرة وحقيقية وأراد المصريون كافة مسلمين أو أقباط دينيين أو علمانيين رؤية عمل فوري وملموس لحلها ومع ذلك فإن الإخوان كانوا حريصين على عدم الخلط بين انتقاد سياسات الحكومة وتجنب تعريض شرعية رئيس النظام نفسه للمساءلة وكان ذلك التفريق واضحا من خلال قرار أعضاء نواب الجماعة في مجلس الشعب التصويت لولاية ثانية لمبارك.

ثالثا : الإخوان المسلمون يصوتون لمبارك

حرص الإخوان في سياق توجيه انتقاداتهم كما ذكرت على التمييز بوضوح بين مهاجمة أداء الحكومة والظهور في مظهر من يضعف شرعية الرئيس النظام . فقد كانا ما يزالون في طور التوسع في ميادين السياسة والمجتمع وفي تلك المرحلة كان الإخوان حريصين على عدم تعريض تقدمهم للخطر عبر إيجاد احتكاك مباشر بينهم وبين مبارك وكان ذلك أحد الأسباب التي جعلت الإخوان يقررون خوض الانتخابات كمرشحين على لائحة التحالف الإسلامي بدلا من الترشح كمستقلين وبهذه الطريقة تجنبوا الدخول في مواجهة مع مرشحي الحزب الوطني الديمقراطي الذين كانوا ينافسونهم على المقاعد نفسها ( مما يمكنهم أيضا من تجنب الحاجة إلى تحديد تمثيلهم الأقصى بثمانية وأربعين مقعدا فقط ) والأهم من ذلك أنه على الرغم من إعلانهم عن تحفظاتهم على النظام فإنهم كانوا مدفوعين في النهاية برغبتهم في تجنب الدخول في مواجهة مع رأس النظام وقاموا لذلك بتشريح مبارك لفترة رئاسية ثانية ( أى وافقوا على تمديد فترو حكمه ست سنين إضافية) وبقدر ما كان القرار مرضيا للنظام فإنه لم يكن ليغيب عنه أن هذا الترشيح ليس أكثر من خطوة تكتيكية من جانب الإخوان وهو ما زاد ن قلقه من تداعيات مشاركة الإخوان في الانتخابات البرلمانية المستقبلية .

ويعتقد محمد فؤاد وهو عضو مخضرم في الإخوان يقيم في لندن بأن النظام عرف بشأن الخطوة التكتكية التي قامت بها الحركة وذلك من خلال المناقشات المثيرة للجدل التي دارت داخل التنظيم حول ما إذا كان من الصواب ترشيح مبارك أم لا وهذه النقاشات أكدت أن دعم النظام لم يكن محل إجماع كافة أعضاء الحركة ويقر عبد المنعم أبو الفتوح أيضا بأن العديد من الإخوان بمن فيهم النواب في البرلمان كانوا ضد ترشيح مبارك بسبب أدائه الضعيف في فترة رئاسته السابقة التي دامت ست سنين واثر دعم النظام في مصداقية الحركة في عيون الناس.

كما أصدر طلاب الإخوان في جامعة عين شمس بيانا شديد اللهجة اتهموا فيه مبارك بممارسة سياسات قمعية لا تختلف كثيرا عن ممارسات سابقية وصوتوا ضد ترشيحه ولكن حسابات مكتب الإرشاد ( قيادة التنظيم ) كانت مختلفة تماما فاستنادا إلى أبو الفتوح أراد المكتب تجنب الدخول في مواجهة لا داعي لها مع النظام على اعتبار أنهم لو قرروا عدم ترشيحه فإن سيطرة الحزب الوطني الديمقراطي على مجلس الشعب كفيلة بأن تضمن لمبارك مدة رئاسة ثانية بصورة تلقائية .

وهذا النوع من الحسابات جعل مبارك أكثر إحاطة بالمخاطر المحتملة في حال سمح للإخوان بالمشاركة بحرية في انتخابات مستقبلية وبتأثير ذلك في مصيره السياسي فمن المعلوم أن الدستور ينص على ضرورة توفر ثلثي القاعد في مجلس الشعب لترشيح الرئيس ليصادر إلى تأكيد ذلك الترشيح رسميا بعد ذلك عبر استفتاء شعبي ومن الناحية النظرية يمكن أن يعني ذلك أنه في حال تمكن الإخوان مستقبلا من الحصول على أكثر من ثلث المقاعد في مجلس الشعب ( أى حوالي 140 مقعدا) فإنهم سيكونون عندئذ في موقع قوي يمكنهم من زعزعة ميزان القوي الذي يكافح الحزب الوطني من أجل المحافظة عليه وبالإضافة إلي ما تقدم فإن ارتفاعا كبيرا في عدد أعضاء الإخوان في البرلمان سيقوي قضيتهم المعروضة أمام لجنة الأحزاب أو في المحاكم والتي يطالبون فيها بحق تشكيل حزب سياسي ( وهو حق يمنحه القانون لأية قوة سياسية تحصل على 20 مقعدا على الأقل في البرلمان ) .

رابعا : العنف المتطرف ومجابهته

تزايد عنف المتطرفين ضد الدولة

حملت نهاية الثمانينات تطورا دمويا وهو تنامي أعمال العنف من الجماعات الإسلامية الموجهة ضد النظام وفي هذا السياق انتاب النظام التحفظ ليس من تردد الإخوان في ترشيح مبارك وحسب , بل الغضب أيضا من ترددهم في دعم حملته لمحاربة عمليات الإرهاب التي أصبحت ظاهرة مألوفة في أواخر الثمانينيات ففي العام 1987, بدأ متطرفون بشن حرب ضد الدولة وضد شخصياتها العامة والرسمية بما في ذلك وزيري الداخلية السابقين حسن أبو باشا ومحمد النبوي إسماعيل ورئيس تحرير مجلة المصور مكرم محمد أحمد وفي هذا السياق وقع في العام 1988 تسع حوادث عنف بين الجماعة الإسلامية ورجال الشرطة أدت إلى مقتل وإصابة أفراد من الطرفين فضلا عن 16 عملية شغب وخمس عمليات تمرد من الجماعة الإسلامية واستخدمت فيها السكاكين والقنابل اليدوية وفي العام 1989 تصاعدت وتيرة أعمال العنف مع وقوع تسع عشرة عملية شغب رئيسية و14 اشتباكا دمويا مع قوات الشرطة وتم اعتقال 8000 شخص واكتشاف خمسة مخازن للأسلحة وكانت هذه هي حصيلة أعمال العنف في السنوات الأخيرة للثمانينات فقط.

واعتبر تزايد الممارسات القمعية بمثابة مؤشر مرعب على مدي شرعية النظام الذي أصبح عرضة للمساءلة أصلا بسبب قضايا متنوعة متعلقة بضعف المؤسسات السياسية التمثلية الحقيقية والتعطيل لحكم القانون وغياب الإنجازات والفشل في إحراز تقدم اقتصادي مرض وبهدف الرد على تداعيات العنف بدأ النظام بانتهاج سياسات متناقضة زادت كما تبين في التسعينيات من حدة المشكلات التي تعانيها الدولة

بدلا من أن تحلها ( راجع الفصلين السادس والسابع ) فمن ناحية أعطي النظام الأجهزة الأمنية دورا أكثر بروزا من بداية الثمانينيات في تخويف الإسلاميين والأشخاص الذين يتعاطفون معهم على أساس الفكر أو الولاءات العائلية , ولكن من ناحية أخري أجبر النظام على توسيع جهوده ولو جزئيا لاستيعاب الشرائح الاجتماعية الأكثر معاناة من الإهمال لتخفيف حدة السخط عليه ولكي يكسب مصداقية شعبية في مواجهة الدعاية التي يبثها خصومه المحليون (أى المتطرفون) كان عليه أيضا أعطاء مزيد من الاهتمام لدور الدين ولرجاله ومؤسساته الرسمية ( الأزهر تحديدا) ما جعل الدين شكلا من أشكال شرعية النظام في هذه الفترة كما سنري واحتاج إلى إعادة تعريف تفاعله بصورة جديدة مع شرعية الإنجاز لضمان أن يكون من جملة المستفيدين من أدائه الطبقات الدنيا المحيطة , القوة الأمنية استخدام الدين في مواجهة ومغازلة ولو شكليا الطبقات المحيطة كانت هي طريقة النظام في التعامل مع تطوران الميدان الاجتماعي في نهاية الثمانينات .

استخدام القوة الأمنية

جري تأكيد الدور البارز الذي أعطي للأجهزة الأمنية في محاربة عنف الإسلاميين خاصة عندما عين زكي وزير للداخلية في العام 1986 وقد اشتهر بدر الذي كان محافظ أسيوط ( معقل التطرف ) بوحشيته وشكل تعيينه الذي أعقب إرغام رشدي على الاستقالة في أعقاب أحداث الشغب التي قامت بها قوات الأمن المركزي في العام 1986 نقطة تحول في العلاقة بين الدولة والإسلاميين فبتعيين بدر وزيرا للداخلية ( الذي تلاه في شغل المنصب عبد الحليم موسي وحسن الألفي في التسعينيات وكلاهما كان قد شغل منصب محافظ أسيوط أيضا ) تكون الدولة قد حولت بطريقة فاعلة سياستها المحلية القمعية ضد الإسلاميين في أسيوط ( وفي صعيد مصر عموما ) إلى سياسة قومية لبقية المحافظات والشخصيات التي شغلت منصب وزير الداخلية في أواخر الثمانينات كانت مختلفة عن جيل أبو باشا ورشدي لأن خلفياتها المهنية وتجاربها مع أسيوط المضطربة جعلتها أكثر ميلا إلى استخدام القوة منها إلى التفاوض كخيار عند التعامل مع المعارضين .

وبالفعل فقد ظهرت السياسات القمعية التي اتبعها بدر في كل مكان وبخاصة ف يحرم الجامعات ففي جامعة أسيوط على سبيل المثال أطلق ضابط في قوات الأمن الرصاص على طالب عضو في حركة الجهاد في ما كان يعلق ملصقات تدعو إلى حضور محاضرة يلقيها الشيخ عمر عبد الرحمن ( المعتقل حاليا ف الولايات المتحدة ) وبعد أن شع مبارك بالإحراج من الحادثة سارع إلى النأي بنفسه عن ذلك العمل الفظيع وأمر بإرسال طائرة خاصة لنقل الطالب الجريح من أسيوط إلى مستشفي عسكري خاص في القاهرة لتلقي العلاج ( ولكن الطالب ما لبث أن لقي حتفه ) وباتت مثل هذه الحوادث الفظيعة تتكرر منذ ذلك الحين .

وكان التدخل المتزايد من جانب الأجهزة الأمنية في الجامعات ردا غاضبا على النجاحات التي كان يحققها الإسلاميون في الانتخابات الطلابية وفي هذا السياق فقد شهدت جامعة أسيوط مثلا التي كان يسيطر عليها الإخوان المسلمون بالاشتراك مع الجماعة الإسلامية تدخلا متكررا في نتائج الانتخابات عبر استيعاب أسماء مرشحين يشتبه في أن لهم ميولا إسلامية وتعلم الإخوان لاحقا أن أفضل طريقة لتفادي ذلك هي في طرح أسماء مرشحين جدد لا يعرف لهم انتماءات إسلامية وهي استراتيجية استخدموها في انتخابات مجلس الشعب وانتخابات النقابات لاحقا أيضا كما كان المرشحون يتعرضون للتهديد على نحو متكرر ويتعرضون للأذى الجسدي في بعض الأحيان لمنعهم من خوض الانتخابات الطلابية وفي العام 1988 اعتقلت قوات الأمن 27 طالبا إسلاميا في أثناء حملة انتخابية في جامعة أسيوط وانهالت عليهم بالضرب وهددتهم بالاعتداء الجنسي .

وفي أعقاب إصدار الاتحادات الطلابية بيانا يعارض إعادة انتخاب مبارك في العام 1988 دخلت قوات الأمن حرم جامعة عين شمس في القاهرة واعتقلت وجرحت مئات الطلاب الذين تجمعوا داخل المصلي إحياء لذكري دينية ونشرت الصحافة تقارير عن العديد من هذه الحوادث كما استخدمها الإخوان في البرلمان كدليل على السياسات العنيفة التي يتبعها النظام .

وفيما كانت الأجهزة الأمنية تطارد المتطرفين بدت الشرعية الدينية مهمة للنظام في هذه المرحلة نظرا إلى طبيعة المواجهة.

السعي إلى الشرعية الدينية

فيما كان النظام يستخدم القمع في التعامل مع المعارضين , لجأ على نحو يوحي بالتناقض إلى الدين , وإلى المؤسسات الدينية الرسمية كوسيلة لكسب المصداقية في مواجهة معارضيه , ولطالما كان الإسلام مصدرا للشرعية بدرجات متفاوتة لكافة الأنظمة المصرية من الملك فاروق وعبد الناصر إلى مبارك واستنادا إلى رفعت السعيد الأمين العام لحزب التجمع اليساري " يزداد مستواه وحضوره في لخطاب العام للدولة مع الزيادة في العنف الإسلامي .

وابتداء من أواخر الثمانينات فصاعدا شهدت الصحافة ووسائل الإعلام التي تملكها الدولة أسلمة تدريجية كان المراد منها مجابهة التأثير المتنامي للإسلاميين بوجه عام ومن ذلك أن النظام بدأ بتوزيع صحف إسلامية مثل لواء الإسلام وعقيدتي بهدف تقديم رؤيته وتفسيره الخاص للإسلام ولدوره في المجتمع وفي السياسة كما زاد عدد الساعات التي تخصصها الدولة للبرامج الدينية في التلفزيون الحكومي تدريجيا ليصل إلى 14500 ساعة سنويا مقارنة بـ 8000 ساعة خصصت للبرامج الترفيهية التي مالت إلى المحافظة بالتدريج

وتعرض لنا أبو لغد التي درست تأثير الإسلاميين في الإنتاج الثقافي لوسائل الإعلام المصرية مثالا على التحول في الخطاب وفي المظهر الرسمي في ما يتعلق بأخلاق المجتمع كاتبة : " أعطي وزير الإعلام صفوت الشريف تعليمات إلى المذيعات اللاتي يعملن في التلفيزيون بضرورة التقليل من استخدام أدوات التجميل الامتناع من ارتداء ألبسة ذات ألوان براقة أو ساطعة وأبلغ فريق العمل في التلفزيون أن ذلك بهدف إلى إظهار تعاطف المذيعات مع عائلات ضحايا الإرهاب ".

كما أعلن صفوت الشريف ( وزير الإعلام حينئذ) أن المواضيع التي ستناقش في البرامج التلفزيونية خلال الشهور القادمة ينبغي أن تتماشي مع " مزاج الشارع المصري و وتؤكد تعليمات الشريف تأثير الإسلاميين في الدولة والتحولات الضرورية التي تعين الحكومة الشروع فيها لدرء نفوذ الإسلاميين ولتعزيز مصداقيتها الخاصة .

ويضاف إلى ذلك أن النظام واصل التودد إلى الأزهر بوصفه المؤسسة التي تمثل الإسلام ( السني ) في مصر وفي العالم وقد بينت في الفصل الأول كيف أن النظام استخدم الأزهر وعلماءه خلال السنين الأولي من عقد الثمانينيات لدحض الحجج الدينية التي قدمها المتطرفون لتبرير استخدام الصراع المسلح ضد الدولة وإذاعة النقاشات المنظمة معهم على التلفزيون الحكومي ونشرها في الصحافة عبر أن السياسات الأمنية التي اتبعتها الدولة في مواجهة الإسلاميين جعلت من الصعب على الأزهر مواصلة منحه التأييد الشرعي لما كانت تقوم به الدولة, لما لذلك من تأثير سلبي في مصداقية الأزهر نفسه وفي حسنيه الأخيرة التي أمضاها في الأزهر تحول الشيخ الأزهر جاد الحق على جاد الحق الذي أيد الدولة في بادئ الأمر إلى ناقد يجهر برأيه للموقف القمعي الذي اتخذه النظام من المتشددين مجادلا بأن هذه السياسات ثبت فشلها وبأن انتشار التطرف جاء نتيجة أيضا للسلوك الفاسد من جانب الدولة ( وقد توترت العلاقة بين جاد الحق والحكومة إلى حين رحيله المفاجئ ).

وارتبط التحول في موقف الأزهر بالعدد المتزايد من الأزهريين المنتمين إلى الإخوان الذين اعترضوا بقوة على المشاركة في الحملة الأمنية التي شنها الدولة على الإسلاميين وكان يوجد كثير من كبار الشيوخ الأزهريين الذين كان بعضهم منتميا إلى الإخوان ( مثل عبد الحميد كشك والمحلاوي وصلاح أبو إسماعيل) وكان له تأثير في رسم سياسة الأزهر تجاه مسألة التطرف الديني واستغل أزهريون آخرون حاجة الدولة إلى المصداقية الدينية في الضغط من أجل إدخال إصلاحات إسلامية في مقابل دعمهم للدولة حتى إن النظام أرغم في مناسبات على الرضوخ وهذا ما ساعد بالتدريج على الدفع بعملية اسلمة المجتمع كما هو ملاحظ في حالة الإعلام الرسمي وكما أشارت أبو الغد ..

ولكن الصدع المتنامي بين الأزهر والنظام حمل الأخير على الاعتماد أكثر على مؤسسة أخري وهي دار الإفتاء ( التي تحتل المرتبة الثانية من حيث الأهمية في مصر بعد الأزهر ) والتي يرأسها المفتي الأزهري محمد سيد طنطاوي وقد رأي النظام في الشيخ الطنطاوي الذي عين في دار الإفتاء في العام 1986 أكثر قابلية للتسييس ومرونة وواقعية " من جاد الحق ولذلك كان أكثر استعدادا لدعم سياسات الدولة وهذا ما تجلي في الفتاوي المثيرة للجدل التي أطلقها الطنطاوي والمتعلقة باستخدام شهادات الادخار التي تصدرها البنوك التي تملكها الدولة فاستندا إلى الطنطاوي لا تتعارض هذه الشهادات ( أى شهادات الاستثمار ) مع أوامر القرآن وتحريمه للربا واعتبر خطاب الطنطاوي أنه محاولة منسفة مع النظام لإضعاف المصداقية الدينية للبنوك الإسلامية وشركات التوظيف واستعادة ثقة الشعب الضعيفة بالبنوك التي تملكها الدولة .

شرعية اجتماعية إسلامية

بداية توقع النظام مشاركة الإخوان في دعم الحملة التي كانت تشنها الدولة ضد المتطرفين وربما كان تسامحه مع الإخوان إلى حد بعيد قائما على هذا الأساس ولكن الإخوان لم يكونوا مستعين للتخلي عن شرعيتهم الدينية الخاصة من أجل من اجل إنقاذ شرعية النظام ولذلك حرصوا في كل مناسبة يدينون فيها أعمال العنف التي يقوم بها المتطرفون على إدانة العنف الذي تقوم به الدولة أيضا ومن أجل إظهار أنهم يملكون حلا مختلفا لتجنيب الدولة الإرهاب واستغل الإخوان العنف المتصاعد كوسيلة لبذل مزيد من الضغوط على النظام لكي يمنح الحركة اعترافه الرسمي وجادل مصطفي مشهور المرشد السابق للإخوان في غير مرة بأنه ف يحال سمح للإخوان بالعمل بالشكل لمناسب فسيكون من الأسهل عليهم عندئذ كبح جماح الشباب المحبطين وعدا ذلك فلن يكون أمام هؤلاء الشباب سبيل سوي الالتحاق بالجماعات المتشددة وغضب مبارك من هذا النوع من الخطاب واستنادا إلى محمد فؤاد وهو مسئول رفيع في الإخوان فإن هذا الخطاب مهد الطريق لتغيير سياسة الدولة تجاه التنظيم وتأكد حنق النظام من الإخوان مما قاله مكرم محمد أحمد وهو مصدر يتمتع بصلات جيدة مع الدوائر الرسمية وقد اعترف بأن أجواء انعدام الثقة بين الطرفين ازدادا سوءا بسبب رفض الإخوان إدانة عنف المتشددين بوضوح.

وبالرغم مما تقدم لم يكن هذا التطور ليعيق التقدم الذي يحرزه الإخوان في المجتمع فاستمرار الحركة في توفير الخدمات أفضل لجماهيرها من الخدمات التي يوفرها النظام عزّز الشرعية الاجتماعية التي تتمتع بها الجماعة وشهدت المرحلة الأخيرة من الثمانينات تطور عقد اجتماعي إسلامي بديل من عقد الدولة أو مواز له أوضح من ذي قبل كما أن نهاية الثمانينات شهدت تطورا أكثر أهمية وهو استكمال بناء التنظيم وبالتالي تقديم خدماته للجماهير ومن خلال الفضاءات المتاحة بصورة أكثر كفاءة من ذى قبل وسندرس في الفقرة التالية كلا التطورين في فضاءات الجامعات ( الاتحادات الطلابية نوادي أعضاء هيئة التدريس ) والنقابات المهنية .

الفضاء الجامعي : اتحادات الطلبة

على الرغم من التدخلات المتزايدة من جانب الأجهزة الأمنية استمر الإخوان في الفور في الانتخابات الطلابية ففازوا في العام 1987 بأغلبية المقاعد في الاتحادات الطلابية في كل من جامعات القاهرة والإسكندرية والزقازيق وفي العامين 1988 و1989 عززوا سيطرتهم على جامعتي المنصورة والأزهر واستند أغلب التقدم الذي أحرزه الإخوان إلى قدرتهم على تقديم الخدمات للطلاب التي تجاوزت الخطاب السياسي والأيديولوجي ولذلك بدت جذابة بالنسبة إلى قطاعات أوسع من الطلاب بما فيهم غير الملتزمين دينيا وبنت هذه الخدمات سمعة للإخوان بوصفهم ممثلين جديرين بمصالح الطلاب وبناء على هذه الشرعية خاض مرشحوهم الانتخابات وفي أثناء الحملات الانتخابية كان الإسلاميون يعدون ناخبيهم بتقديم خدمات أفضل في حالة إعادة انتخابهم .

وحصل طلاب السنة الأولي في جامعة المنصورة في العام 1988 على بطاقات ترحيبي من اتحادهم الذي يسيطر عليه الإسلاميون وحصلوا على قائمة بالخدمات التي يوفرا الاتحاد إلي التزم بـ توفير المساعدة لكل طالب جديد" وتضمنت الخدمات المذكورة في القائمة مبيعات منتظمة للكتب الدراسية الرخيصة وكتيبات المراجعة بالإضافة إلى معدات طبية وهندسية مكلفة ( كانت تباع بخصم يصل إلى 30 بالمئة) وتكررت هذه الحملة في الجامعات الأخرى مثل الإسكندرية مثلا حيث أوضح المرشحون لمنتخبيهم أن " الهدف من سرد إنجازاتنا " ليس التباهي وإنما القيام بواجبنا في حمل الأمانة ".

ولم يقتصر الأمر على تحسن الخدمات القائمة بل كان غيرها باعثا على إلهام الطلاب أنفسهم من خلال الاستبيانات التقييمية التي أصبحت وسيلة رائجة في إشراك الطلاب في الجامعات في أواخر الثمانينيات تقييم الخدمات التي يوفرها الاتحاد واقتراح طرق لتطويرها وفي مجتمع تقوم ثقافته السياسية على السلطوية وحيث تتحكم الدولة بأغلب الساحات السياسية والاجتماعية أصبحت الجامعات ساحات مهمة للطلاب لكي يعبروا عن همومهم الخاصة ويتخذوا قراراتهم الخاصة بشأن ما يلزم توفيره وهذا ما كان يجعل الخاصة ويتخذوا قراراتهم الخاصة بشأن ما يلزم توفيره وهذا ما كان يجعل لهذه الاستبيانات ولو في عين الطلبة غير الملتزمين دينيا بريقا وجاذبية .

نادي أعضاء هيئات التدريس

وبالإضافة إلى فتح آفاق في اتحادات الطلبة بدأ الإخوان أيضا (علي مستوي مدسين) بدخول نوادي أعضاء هيئات التدريس واستطاعوا بمرور الوقت السيطرة على هذه الهيئات في جامعات القاهرة والإسكندرية وأسيوط وكانت هيئة التدريس في جامعة أسيوط أل هيئة يسيطر عليها الإخوان في العام 1985 وتلتها هيئة التدريس في جامعة القاهرة في العام 1986 عندما فاز أعضاء الجماعة بثمانية مقاعد من أصل اثني عشر مقعدا في النادي .

ومثلما فعل طلبة الإخوان في حملاتهم الانتخابية بتقديم وعود بخدمات أفضل وعد الإخوان ناخبيهم في هيئات التدريس في حملاتهم الانتخابية في عام 1986 مثلا بزيادة مرتباتهم وتنظيم السكن للأساتذة الشباب وتحسين خدمات الرعاية الصحية وكما هي حال بعض النقابات في مستهل الثمانينات كانت هذه النوادي لأعضاء هيئات التدريس في الجامعة قبل مجئ الإسلاميين تحت سيطرة القوميين واليساريين الذين لم يكونوا يعالجون هذه القضايا الملحة بجدية كافية وهو ما عني أن بناء الإخوان حملاتهم على الوعد بتطوعي الخدمات كان بمثابة وهو ما عني أن بناء الإخوان حملاتهم على الوعد بتطوير الخدمات كان بمثابة ضرب على وتر حساس بالنسبة إلى احتياجات أغلب الأساتذة واستنادا إلى بدر غازي وهو أستاذ محاضر في الكيمياء ورئيس هيئة التدريس في جامعة القاهرة في مستهل التسعينيات:

" لم نتحدث عن السياسة في حملاتنا وإنما ركزنا على الهموم الحقيقية للناس وشكلت الرواتب والمساكن والعلاج الصحي الهموم التي كانت تشغل بال العديد من الأساتذة الشباب الذين شكلوا 25 بالمئة من أعضاء النادي وهذه هي بال العديد من الأساتذة الشباب الذين شكلوا 25 بالمئة من أعضاء النادي وهذه هي أهم شريحة كانت تصوت لصالحنا في الانتخابات منذ ذلك الحين .

وعلى غرار أغلب الموظفين المصريين لم يكن أساتذة الجامعات راضيين عن الارتفاع السريع في تكاليف المعيشة في حين بقيت رواتبهم وهو ما كان يدفع الأساتذة إلى البحث عن مصادر إضافية للدخل من الدروس الخصوصية التي كانت تعود عليهم أحيانا بعوائد أعلي من رواتبهم من الجامعة وبعد أن وصل الإخوان إلى هيئة التدريس في جامعة القاهرة شرعوا في حل هذه المشكلة تدني الرواتب وفي التغلب على الآثار الجانبية للدروس الخصوصية المتفشية وكانت أول خطوة قاموا بها عقد لقاء مع فتحي سرور نائب رئيس الجامعة حينئذ ( ورئيس مجلس الشعب حاليا ) ونجحوا في إقناع الجامعة بمنح بدلات تضاف إلى الرواتب الأساسية وتغطي الوقت الذي يمضيه المدرس في مراقبة الامتحانات وفي البحث وهي أوقات لم يكن يتقاضي عليها المدرس قبل ذلك مقابلا ماديا وبحلول التسعينيات زاد الصافي للأساتذة ثلاثة أضعاف بداية من سنة 1986 .

وشكل العثور عل مسكن لائق في مدينة القاهرة المزدحمة مشكلة أخري بالنسبة إلى أغلب أعضاء هيئة التدريس وبخاصة الأساتذة المساعدين (أو المعبدين) وغالبيتهم من الخريجين صغار السن وغير المتزوجين فقد كان أولئك مضطرين إلى الاعتماد على مدخراتهم وعلى رواتبهم لشراء شقة سكنية أو الزواج وكان ذلك شبه مستحيل بالنظر إلى تدني رواتبهم كما قلنا ولذلك عقد الإخوان اجتماعا آخر مع وزير التعليم فتحي محمد وقتئذ وطالبوا بشقق سكنية رخيصة للأعضاء الشباب في الهيئة التعليمية واستنادا إلى بدر غازي مرة أخري وكان ضمن وفد الإخوان الذين مثلوا هيئة التدريس في ذلك اللقاء :" فوجئ الوزير بإثارتنا لهذه القضية وقال لنا :

اعتقدت بأنكم إسلاميون تطلقون لحاكم وترتدون الجلابيات وأنكم أتيم للمطالبة بقضايا متعلقة بالدين والأخلاق فقلنا له : نحن كما تري ك مجموعة من الأساتذة الذين يريدون خدمة زملائهم وعندها سألنا الوزير : وكيف يمكننا أن نساعدكم ؟ فاقترحنا عليه التحدث إلى وزير الإسكان وطلب توفير بعض الشقق السكنية لنا في مدينة السادس من أكتوبر الجديدة وقتها فوافق على ذلك .

وقد وافق وزير الإسكان على منح هيئة التدريس 208 شقق سكنية وقد استخدمها الإخوان في إسكان المعيدين والأساتذة المساعدين الشباب .

وأما المشكلة الرئيسية الثالثة التي واجهت الأساتذة في الجامعات فكانت تأمين رعاية صحية مناسبة له ولعائلاتهم ولم يكن هذا المستوي الجيد من الرعاية في المستشفيات الحكومية متوافرا مما كان يحتم عليهم التوجه إلى المستشفيات الخاصة ودفع كلفة تزيد على الرواتب التي يتقاضونها كأساتذة ولذلك كان على مساعدي الأساتذة من أبناء الطبقات الدنيا الاعتماد في أغلب الحالات على المستشفيات الحكومية التي تعتبر خدماتها غير مرضية وكانت هيئة التدريس في جامعة القاهرة مثلا تفتقر قبل وصول الإسلاميين إلى مجلس إدارة نادي أعضاء الهيئة إلى خدمات الرعاية الصحية الأئقة

وكان على الأساتذة سداد كامل نفقات علاجهم من جيوبهم وفي حال احتاج أستاذ إلى إجراء عملية جراحية وكانت تكاليفها مرتفعة جدا فإنه كان يلجأ إلى تقديم طلب رسمي إلى عميد الكلية يطلب فيها سلفة مالية وبدوره يمرر عميد الكلية الطلب إلى رئيس الجامعة الذي يدفع الطلبة إلى لجنة طبية تقرر ما إذا كانت ستوافق على السلفة وفضلا عن أن العملية كانت مفرطة في البيروقراطية وتستغرق قدرا كبيرا من الوقت فإنها في الوقت نفسه كانت تستثني الأساتذة المساعدين ( الشباب ) بما أن هيئة التدريس لم تكن تعتبرهم أعضاء كاملي العضوية في هيئة التدريس بعد ( أى إلى أن تتم ترقيتهم إلى أساتذة ) وبالتالي كان عليهم الحصول على المال اللازم من مؤسسات خاصة خارج الجامعة وتمثل الإنجاز الذي حققه الإخوان في المطالبة بالحصول على بطاقة طبية تخول جميع الأساتذة بما في ذلك الأساتذة المساعدين حق تلقي العلاج في المستشفيات الخاصة وعلى نفقة الجامعة وكان ذلك بلا شك إنجازا ملحوظا بالنسبة إلى شريحة الشباب من المدرسين في الجامعة.

وبالإضافة إلى الخدمات التي تقدمت الإشارة إليها نظم الإخوان مبيعات سنوية لسلع استهلاكية ومعمرة وهي مناسبة لها شعبية كبيرة خاصة بين صغار الأساتذة واستنادا إلى غزي فقد بلغت أرباح المبيعات من المعرض الأول الذي نظمته هيئة التدريس في جامعة القاهرة في العام 1986 حوالي مليون جنيه مصري وعرض على أحمد لطفي وهو أستاذ محاضر في الاقتصاد بجامعة القاهرة وعضو في الإخوان وعمل أيضا مسئولا في مجلس إدارة هيئة التدريس بجامعة القاهرة التقارير المالية السنوية للنادي بدءا من العام 1984 عندما كان يسيطر عليها اليساريون ووصولا إلى العام 1944 عندما بات يسيطر عليها الإخوان منذ ثماني سنوات ( أى منذ العام 1986 وصاعدا ) وبناء على هذه التقارير التي اطلعت على أرقامها يمكن الاستنتاج أن الإخوان استطاعوا تأمين أساس لشرعية اجتماعية بين شرائح هذه الفضاءات بناء على نادي هيئة التدريس المتأتية من الأرباح الناتجة من المشاريع التي قاموا بها وطوروها

النقابات المهنية

وبالتوازي مع كان يحرزه الإخوان في الجامعات فقد واصلوا أيضا إحراز تقدم في النقابات طوال السنين الأخيرة من عقد الثمانينيات وصاعدا ويعود ذلك بدرجة كبيرة إلى إشرافهم الإداري والمالي المتفوق , وإلى خدمات الرعاية الاجتماعية المتطورة التي كانوا يقدمونها من خلال سيطرتهم على مجلس إدارة النقابات المختلفة والإنجازات التي حققها الإسلاميون في النقابات موثقة جيدا في دراسات أخري وأنا لا أنوي تقديم عرض مفصل لها في هذه الدراسة وتكرار ما قيل لكني بدلا من ذلك أرغب في التشديد على الدور إلي لعبته هذه الخدمات في منح الإخوان الشرعية بين أوساط المهنيين وهو دور فاق دور الخدمات التي وفرها النظام لما كان يسيطر على النقابات .

لقد كانت أكثر الخدمات تقديرا وأوسعها شعبية في النقابات هي الخدمات الخاصة بالرعاية الصحية فمن الناحية الشكلية يحصل أعضاء النقابة على علاج مجاني ولكنه المستوي في المستشفيات الحكومية وفي حال آثروا تلقي العلاج في المستشفيات الخاصة فعليهم ان يدفعوا مبالغ كبيرة من كلفة العلاج وكان كلا الخيارين غير عملي بالنسبة إلى كثير من الخريجين الشباب ومن أبناء الطبقة الوسطي ولذلك طرح الإخوان سنة 1988 رؤيتهم الخاصة بالرعاية الصحية على نقابة الأطباء وقد تضمن مقترحهم دعم علاج أعضاء النقابة وعائلاتهم في المستشفيات والعيادات الخاصة

وفي العام 1988 بلغ عدد المستفيدين من هذا المشروع أكثر من 17600 طبيب و 43960 من أفراد أسرة الأطباء وجري توسيع هذا المشروع في السنة التالية ( أى سنة 1989 ) ليشمل نقابة المهندسين حيث وصل عدد المستفيدين منه إلى 72000 وقد أظهرت أرقام المستفيدين حجم الحاجة إلى هذا النوع من الخدمات الصحية على الرغم من نظام التأمين الصحي القائم الذي ترعاه الدولة .

كما نظم الإخوان معارض مبيعات ضخمة للأثاث والغسالات وغازات المطابخ والثلاجات وغيرها من الأدوات التي يحتاج المهنيون الشباب إلى تزويد منازلهم بها وبأسعار مخفضة أو بالتقسيط ودون فوائد ومرة ثانية جاءت هذه الأفكار تلبية لاحتياجات شريحة طالما أهملها النظام .

ولم تكن شعبية الإخوان تكمن في تقديم هذه الخدمات فحسب وإنما بالطريقة الفعالة التي كانت تقدم بها ولم يتسن للجامعة أن تقوم بذلك من دون الاستناد إلى شبكتها التنظيمية التي وفرت لها حالة من التنسيق والكفاءة ضاعفت من قاعدة شرعيتها بل جعلت هذه الشرعية تتسم بأنها " شرعية منظمة وليست مبعثرة أو عشوائية وهذا يقودني إلى الحديث عن تنظيم الجماعة وكيف كانت تؤدي الخدمات سواء للطلبة والأساتذة في الجامعات أو للمهنيين في النقابات .

خامسا : شرعية منظمة

لم يكن التأثير الذي أحدثه الإسلاميون في النظام وفي شرعيته مرتبطا كما قلت بأدائهم على صعيد الخدمات التي يوفرونها للمجتمع ولكن كان يرتبط بالطريقة المنظمة التي كان يجري فيها توفير تلك الخدمات وقد بينت في الفصل الأول الأقسام الرئيسية للتنظيم التي أعيد بناؤها وكيف تطورت خلال الثمانينات وأثرها في تفعيل دور الإخوان في المجتمع أكثر من ذي قبل.

تعبئة الجماهير الناخبة

من السهل شرح الرابط بين التنظيم وكيفية تأثير الإخوان في المجتمع بتقديم مثال صادفته في أثناء قيامي ببحثي في مصر فقد سمح لي في العام 2002 بالمشاركة بصفة " ضيف " في اجتماع خاص للإخوان في الإسكندرية شارك فيه أعضاء في مجلس الشعب وفي النقابات وفي هيئات التدريس واحدي القضايا التي نوقشت في ذلك الاجتماع كانت كيفية تعبئة المصريين لمقاطعة البضائع الأمريكية كوسيلة لدعم الانتفاضة الفلسطينية وكان يتوقع أن تنظم نقابة الصيادلة التي يسيطر عليها الإخوان سلسلة من المحاضرات تتناول موضوع مقاطعة الأدوية الأمريكية ويدعي إليها متحدثون من خلفيات أيديولوجية وسياسية مختلفة بدلا من دعوة الإسلاميين الذين يعرف عنهم انتماؤهم إلى الحركة .

وقد وافق الأشخاص الذين شاركوا في الاجتماع على أنه من أجل إشراك الجمهور العام , وتعبئة أصحاب الصيدليات الذين كانوا في الأغلب من الأقباط ينبغي أن يكون خطاب الحملة وطنيا وليس دينيا وبما أنه من غير المرجح المضايقات الأمنية وبخاصة عندما يتم الإعلان عن أن هدفها هو دعم المنتجات المصرية ودعم الاقتصاد المحلي بدلا من مجرد مقاطعة المنتجات الأمريكية .

وقد استفاد الإخوان من إمكانات التنظيم وموارده في رفع كفارة خدماتهم وفي إجراء اتصالات بين الساحات التي يشغلونها كوسيلة لزيادة تأثيرهم في المجتمع وفي السياسة فالارتباطات التنظيمية مكنت الإخوان في فضاءات معينة من تعبئة جماهيرهم الناخبة لدعم أهداف الحركة في الفضاءات الأخرى وبناء على ذلك , استخدام الإخوان في حرم الجامعات شعبيتهم ( أو شرعيتهم الخدمية 9 لحشد الطلبة للمشاركة في الانتخابات البرلمانية في العام 1987 مثلا والتصويت لصالح مرشحي الجماعة وأكد عمرو أبو خليل وهو عضو في الإخوان والرئيس السابق لاتحاد الطلاب في جامعة الإسكندرية أن الطلاب كانوا متعاطفين أساسا مع الإسلاميين بحكم الاستفادة من خدماتهم في الجامعات ولذلك كانوا يصوتون لمرشحي الحركة لعضوية البرلمان أنفسهم .

كما تجلت العلاقات التنظيمية أيضا في التنسيق مثلا بين الجامعات والنقابات فجري توعية الطلاب في الجامعات لبناء علاقات مع النقابات الخاصة بمهنهم التي سيعملون فيها بعد التخرج وفي جامعة الإسكندرية على سبيل المثال نظمت نقابة المهندسين محاضرات منتظمة واحتفالات تخرج لطلاب الهندسة الذين كانوا وعي الطلاب بأهمية العمل النقابي وتفعيل عضويتهم في النقابة مستقبلا وكان في نقابة الأطباء , وعلى سبيل المثال وحدة للطلبة الذين ما يزالون يدرسون الطب في الجامعة , حيث يتم منح الطلاب الذين هم في السنة الدراسية الثالثة أو الرابعة ( أى على وشك التخرج ) عضوية غير رسمية في النقابة تؤهلهم دخول بعض النوادي التابعة للنقابة والاستفادة من خدماتها وكانت حصيلة هذه العملية أنه تم إقناع الطلاب الذين صوتوا للإخوان المسلمين في الجامعة بمواصلة القيام بذلك مستقبلا في النقابة .

واستخدم الإخوان أيضا الفضاءات التي سيطروا عليها ( النقابات تحديدا) للتعبير عن الآراء السياسية للتنظيم التي لم يكن يسمح للجماعة بالتعبير عنها في أوضاع طبيعية نظرا إلى غياب مشروعيتهم القانونية وكانت نوادي أعضاء هيئات التدريس في جامعتي القاهرة والإسكندرية تعقد مؤتمرات مشتركة مع الاتحادات الطلابية في هاتين الجامعتين لدعم الانتفاضة الفلسطينية والمجاهدين في أفغانستان وقد استمر هذا التعاون بين الاتحادات ونوادي هيئات التدريس لغاية التسعينيات وكانت جميع الآراء التي عبرت عنها الاتحادات ونوادي هيئات التدريس تعكس آراء الجماعة خارج سور الجامعة حيال الشؤون السياسية في فترة التسعينيات بما في ذلك حرب الخليج في العام 1991 وفي أحد المؤتمرات المشتركة شددت هيئات التدريس في جامعة القاهرة الاتحادات على الحاجة إلى إلغاء التدابير المقيدة مثل قانون الطوارئ وعلى إعطاء الناس الحرية في تشكيل الأحزاب السياسية وكان أحد المتحدثين الرئيسيين في هذا المؤتمر هو عصام العريان ممثلا عن نقابة الأطباء .

كما نسقت نوادي هيئات التدريس ف الجامعات نشاطاتها مع النقابات لرفع مستوي أداء الطرفين وتبادل الأفكار والخبرات المتعلقة ببرامج الرعاية الصحية ومعارض مبيعات التجهيزات المنزلية السلع المعمرة كما كان واضحا التعاون المنظم بين النقابات القوية وبتنسيق من الأقسام المعنية داخل التنظيم وأكد أنور شحاته أمين صندوق نقابة الأطباء وجود تعاون منظم بين الإخوان في النقابات المختلفة ولم ينكره :

" أعتقد بأن هذا أمر عادي بالنسبة إلى أية مجموعة من الأشخاص الذين يتقاسمون الآراء ووجهات النظر نفسها أن ينسقوا في ما بينهم في كل شئ وسيكون الأمر غريبا لو كان هناك إخوان في نقابة المهندسين وإخوان في نقابة المحامين لا يناقشون أية قضية في ما بينهم ينبغي على المحامين الاستفادة من المشاريع التي نفذتها نقابة الأطباء تماما كما أنه ينبغي على الاستفادة من مشاريع المهندسين .

ودفعت حرب الخليج في العام 1991 الإخوان و من خلال تشكيل أسموه " لجنة تنسيق العمل النقابي ط إلى تحويل النقابات إلى جبهة موحدة ضد السياسة المصرية خلال الحرب وكان النظام ينظر إلى هذا النوع من التنسيق والاتصال التنظيمي على أنه منافس لسيطرته العامة على حدود هذه الفضاءات ومنعها من التوسع على حساب سياساته .

أفسح النظام الفضاءات الاجتماعية في مستهل الثمانينات مثل النقابات المهنية والاتحادات الطلابية وهيئات التدريس أن تعمل بحرية نسبية كوسيلة مطلقا بل كان مقيدا من خلال ضوابط بيروقراطية ضمنت عدم تمتع هذه الفضاءات باستقلالية تامة ومطلقة وداخل هذا السياق شغل الإخوان هذه الفضاءات وعملوا داخل ما سمح به من مساحات داخل هذه الضوابط واستطاعوا تطوير عقد اجتماعي إسلامي منحهم عنصرا من الشرعية وكان لهذه الشرعية تأثير قوي في النظام لما بدأ الإخوان بتوظيف شبكة علاقاتهم التنظيمية للربط والتنسيق بين هذه الفضاءات وهو تطور كما قلت تحدي الضوابط التي فرضها النظام وبالتالي أزعجه وهذا التطور مكن الإخوان لاحقا من أن يحشدوا جماهيرهم المستفيدة من خدماتهم داخل هذه الفضاءات ( ويستفيدوا من موارد الفضاءات أيضا ) بما يتجاوز حدود هذه الفضاءات وفي خدمة الأهداف الأوسع للتنظيم .

وهذا التطور تجلي أكثر ما يكون في عمل الإخوان داخل النقابات فاستنادا إلى أماني قنديل التي درست نشاطات الإخوان في النقابات الرئيسية عن قرب ودقة :" تجاوز النشاط النقابي جدران النقابات حيث بدأ الإخوان بتنظيم أنشطة عامة أريد منها جذب جمهور عريض ليس بالضرورة عضوا في النقابات وبالإضافة إلى تشكيل تحالفات نشطة في ما بينها بدأت النقابات أيضا بتشكيل تحالفات مع الأحزاب السياسية .

باختصار تحولت النقابات بفضل شبكة تنظيم الجماعة التي سيطرت عليها إلى فضاءات لتفعيل المجتمع وحشد طبقاته لدعم أهداف الحركة خارج أسوار وحدود الفضاءات التي رسمها النظام وهذا تطور أشعر النظام بالفلق من أن تخرج هذه الفضاءات من تحت سيطرته ولا سيما أن النظام كان يسعي بطريقته إلى تحقيق شرعية اجتماعية من خلال بعض إصلاحات طفيفة ولكن مهمة في الميدان الاقتصادي .

الشرعية من الميدان الاقتصادي

كان تنامي الاضطرابات الاجتماعية والدينية في ناحية منه ردة فعل لحالة التدهور المستمرة للمعيشة للاقتصاد المصري عموما وقد تجلي ذلك في ارتفاع معدل التضخم وتراجع حجم المدخرات والاستثمار والعملة الأجنبية وقد زاد كل من صندوق النقد الدولي البنك العالمي من الضغوط على الحكومة كي تدخل إصلاحات هيكلية جدية ( أى خصخصة القطاع العام ) لكن الرئيس مبارك تردد في القيام بذلك بسبب قلقه من أن تؤدي هذه السياسات إلى تصاعد التوترات الاجتماعية بصورة أكبر وحذر العديد من الخبراء الاقتصاديين في مصر من أنه سيكون للإصلاحات الهيكلية السريعة تأثيرات سلبية قوية تطال شريحة الفقراء الذين يعتمدون على القطاع العام في تلبية حاجاتهم بل ربما وفر الشروع في إصلاحات اقتصادية أيضا كما يريد صندوق النقد الدولي والبنك العالمي حافزا لبعض المحيطين للانخراط في جماعات العنف

وأكدت دراسة رسمية اشرف عليها مجلس الشورى المصري أن أغلب المتطرفين هم شباب مصريون تتراوح أعمارهم بين 16’25 عاما ويتحدرون من خلفيات فقيرة وعاطلون عن العمل ويعيش أغلب هؤلاء في ظروف صعبة لا تتوفر فيها الكهرباء ولا الماء ولا مرافق الصرف الصحي وما من شك في أن لعديد من أبناء المحافظات في الصعيد مثل أسيوط والمنيا التي يجري تجنيد أفراد حركتي الجهاد والجماعة الإسلامية منها تفتقر إلى المسكن اللائقة والخدمات العامة الأساسية وطالبت الدراسة التي طبعها مجلس الشورى والتي اعتمدت نتائجها على مقابلات مع أعضاء سابقين ( تائبين ) في هذه الجماعات العنيفة الدولة بالاستثمار في خدمات الرعاية الاجتماعية وحذرت أيضا من وجوب ألا يكون للإصلاحات الاقتصادية ( الخصخصة) تداعيات سلبية على حياة الطبقات الدنيا في مصر وأنه ينبغي التركيز بالمقابل على بناء بنية تحتية لائقة في المناطق الفقيرة وعلى حل المشكلات الناجمة عن البطالة في مصر .

وأكد إبراهيم عوض على صحة النتائج التي توصلت إليها الدراسة مجادلا بأن النمو البطئ للاقتصاد وسوء توزيع الخدمات الاجتماعية وفرا أرضا خصبة لعودة ظاهرة التطرف في مصر وقد أظهرت تعليقات عوض المزاج الرسمي والوطني العام ( باعتبار صدور الدراسة عن مؤسسة رسمية هي مجلس الشورى ) أنه ينبغي على الدولة أن تلعب دورا أكثر إيجابية في تحسين الاقتصاد المحلي إذا ما كانت تريد تعزيز شرعيتها بين أوساط الشرائح الفقيرة .

وقد شهدت السنوات الأخيرة من عقد الثمانينيات تطورت سريعة فعلا في محاولات مبارك الهادفة إلى تحسين الأداء الاقتصادي للبلاد كجزء من سعيه إلى شرعية الإنجاز . فقام أولا بإقالة على لطفي رئيس الوزراء في حكومته بسبب فشله في تحسين الاقتصاد وعين بدلا منه عاطف صدقي وبرز مبارك تلك الخطوة على أنها جزء من حشد " كافة الموارد المحلية والأجنبية لمعالجة الوضع الاقتصادي بفاعلية " ومجادلا بأن ذلك يحتل الأولوية القصوى لديه حاليا ثانيا , واصل التودد إلى الجهات الدولية المانحة وإلى المقرضين الأجانب ( مثل الولايات المتحدة , وألمانيا الغربية , وفرنسا , وإنجلترا, وإيطاليا وصندوق النقد الدولي 9 من أجل تقديم مزيد من المساعدات لمواجهة تأثير التضخم وتراجع أسعار النفط .

وثالثا وقع النظام على مضض على اتفاقية مع صندوق النقد الدولي وافق فيها على تخفيض الدعم المخصص لبعض المواد الاستهلاكية غير الضرورية مثل السجائر والتبغ ( وهي خطوة أدت في وقت لاحق إلى زيارة أسعار هاتين السلعتين بمقدار 20 بالمئة ).

ولكن العمل بالاتفاقية مع صندوق النقد سرعان ما توقفت لأن النظام كان ما يزال مهيأ لتحمل النتائج , بما في ذلك التأثير في استقرار النظام ( وبسبب العجز في ميزان المصروفات الذي وصل حد 10 مليارات جنيه مصري ) وبالتالي ما من مرة أعلن فيها النظام عن زيادة في أسعار سلع معينة إلا وحرص على ألا تؤثر تلك الزيادات في السلع الضرورية ( مثل الزيت والأرز والسكر وما إلى ذلك 9 التي تدعمها الحكومة وترهق ميزانيتها وكشف مبارك عن أن العائدات الحكومية بلغت 18 مليار جنيه مصري في العام 1987 وأنه جري تخصيص نحو من 11 مليار جنيه مصري منها 61 بالمئة لتغطية دعم هذه السلع تطمينا لمخاوف الناس .

وبالإضافة إلى ما تقدم فقد حرص لنظام على أن يتبع الزيادات في الأسعار عادة ( وليس دائما ) زيادة معينة في الأجور للمساعدة على تضييق الفجوة بين الرواتب وارتفاع تكاليف المعيشة ففي أعقاب التوقيع على اتفاقية العام 1987 مع صندوق النقد الدولي مثلا أعلن النظام عن زيادة مقدارها 20 بالمئة في أجور كافة لموظفين في السلك الحكومي وفي القطاع العام إلا أن ذلك لم يحدث بالضرورة في السنوات اللاحقة ومع ذلك فإن النظام فشل في طمأنة أغلب المصريين الذين اعتبروا تلك الخطوات مجرد مسكنات وليست تغييرات جادة تهدف إلى تحسين مستوي معيشتهم على المدى الطويل وما من شك في أن ظواهر مزمنة لها علاقة بسوء الإدارة والإجراءات البيروقراطية والزيادة السريعة في عدد السكان وغياب التنسيق بين النخب التي تدير القطاعين العام والخاص جميع ذلك وقف عثرة أمام الجهود التي تهدف إلى تحسين الاقتصاد وفي النهاية لم يكن باستطاعة النظام سوى أن يذعن لمطالب وضغوط صندوق النقد الدولي بخصخصة بعض مرافق القطاع العام وتم التوقيع على اتفاقية جديدة مع الصندوق في سنة 1991 .

وبالتوازي مع النظام فلم يكن أداء الإخوان سواء في شركات التوظيف أو البنوك الإسلامية بأحسن حالا إمام يسبب عمليات القمع التي قام بها النظام ضد شركات التوظيف أو بسبب انقسامات وسط النخبة التي كانت تدير البنوك الإسلامية .

النظام يقمع شركات التوظيف

قام النظام في السنة التي تلت التوقيع على اتفاقية العام 1987 مع صندوق النقد الدولي بالتضييق على شركات التوظيف الإسلامية ( القانون الرقم 146 للعام 1988) كجزء من حملة أوسع نطاقا لإصلاح الاقتصاد وتولي السيطرة على الموارد وعلى حركة الأموال في البلد فقد أدي انتشار شركات التوظيف في الثمانينيات والعائدات الكبيرة التي وفرتها للمقرضين إلى إقدام العديد من الأشخاص على سحب مدخراتهم من البنوك الحكومية ووضعوها في شركات لتوظيف وتحت تصرف الإسلاميين ونتيجة لانتشار شركات التوظيف أقفلت البنوك الحكومية بين عامي 1983 , 1986 حسابات بنكية تزيد قيمتها على 8 مليارات جنيه مصري , واستنادا إلى تقارير خاصة فقد جري تحويل أغلب هذه الحسابات إلى شركات التوظيف بسبب الأرباح الكبيرة التي كانت توزعها على المستثمرين ( مقارنة بعوائد بنوك الدولة) وزاد ذلك لا شك من ضعف الدولة ودفعها إلى القيام بعمل جدي ضد توسع شركات التوظيف كخطوة أولية نحو إعادة جذب حركة الأموال وسحبها من الإسلاميين إلى البنوك الحكومية وفي تلك الفترة , كان التضييق على شركات التوظيف جزءا من مخطط أوسع لكبح نمو قوة الإسلاميين بدءا بخطة تجفيف مصادرهم المالية , ولعبت صحيفة الأهالي لسان حال حزب التجمع الشيوعي , إلى جانب الصحف الأخرى التي تملكها الدولة , دورا بارزا في زيادة حدة مخاوف النظام من أن شركات التوظيف تشكل مصدرا لتمويل أعمال الجماعات المسلحة وللحملات الانتخابية للإخوان وفي أواخر الثمانينات كان الريان يفكر في الاستثمار في مشروع للنقل العام في محاولة منه لحل مشكلة الطرقات المزدحمة في مدينة القاهرة وتقدم فعلا باقتراح إلى وزارة النقل لتوفير الرأسمال اللازم لشراء حافلات وقد تم القبول بالاقتراح وحصل الريان على الرخص اللازمة لتأسيس الشركة ولكن النظام تدخل في آخر لحظة وألغي المشروع لما بدا الاتفاق بين وزارة النقل والريان في الأعلام وكأنه علامة على خضوع الدولة للتأثير الإسلامي المتنامي .

واعتبرت الشركات المالية التي يملكها إسلاميون تهديدا لخطط الدولة في المشروع في إصلاحات هيكيلة ولرغبتها في حماية المستثمرين في القطاع الخاص فقد كان معظم هؤلاء المستثمرون من طبقات رأسمالية أو لها صلات أجنبية أقرب إلى توجهات النظام وصندوق النقد الدولي من المستثمرين الإسلاميين كما أن هذه الطبقات لم تكن تشكل تهديد ( بل عاملا مساندا) لهيمنة الدولة على حركة الأموال أو الموارد المالية عموما على عكس شركات التوظيف الإسلامية وفي النهاية فقد شهدت السنوات الأخيرة من عقد الثمانينيات نهاية فعليه لشركات التوظيف وبروز طبقة جديدة من رجال الأعمال الذين سلعبون دورا في عملية الإصلاح الاقتصادي في حقبة التسعينيات ( انظر الفصل الخامس ) ولا شك في أنه بالتوازي مع ظهور طبقة رجال الأعمال الجدد ضمر نفوذ الإسلاميين الاقتصادي .

إضعاف مصادر التمويل الإسلامية

كانت ملكية أكثر من 40 بالمئة من شركات التوظيف تباع لأشخاص إما أنهم إخوان أو متعاطفون معهم وهو ما جعل من تضييق النظام على شركات التوظيف في نهاية الثمانينات بمثابة ضربة قوية لواحد من أهم مصادر التمويل وقد شملت مصادر التمويل الأخرى للجماعة الاشتراكات الشهرية التي يدفعها الأعضاء للتنظيم وتبرعات الإخوان العاملين في الخليج ممن كانوا قادرين على الاستفادة من العلاقات الدولية للتنظيم واتصالاته مع رجال الأعمال والمنظمات الإسلامية خارج مصر وقد قال لى أحد أعضاء الإخوان , وكان قد عاش في مرحلة سابقة في الإمارات العربية المتحدة وكان يتمتع باتصالات جيدة هناك إنه في مرحلة معينة وفي أعقاب تضييق الخناق من قبل النظام على شركات التوظيف قام زكي بدر وزير الداخلية المصري بجولة في الداخلية المصري بجولة في الدول الخليجية حذر فيها المسئولين الأمنيين في المنطقة من أخطار تمويل الإخوان زاعما أنهم يستخدمون هذه الأموال في تمويل العمليات الإرهابية.

وكما هو شأن شركات التوظيف فقد تعرضت البنوك الإسلامية التي لعب الإخوان دورا في تطويرها أيضا لمضايقات حكومية وقد جردها الشيخ محمد طنطاوي من مؤهلاتها الدينية بفتاوي مثيرة للجدل أنكر فيها وجود شئ اسمه بنوك " إسلامية " وجادل بأن الفوائد التي تعطيها البنوك الحكومية هي أرباع حلال كما شوهت سمعة البنوك الإسلامية بسبب أدائها والصراعات والنزاعات الداخلية فيها وهي ظروف استغلها النظام كعذر لكي يتدخل في شؤونها .

فقد توقف النمو المطرد الذي حققه البنك الإسلامي الدولي في مستهل الثمانينات عندما نشب خلاف سنة 1988 بين أحمد أمين فؤاد رئيس مجلس إدارة البنك , وبين أعضاء المجلس الذين كان أكثرهم من الإخوان ويرجع سبب لخلاف إلى المصاريف والمخصصات الزائدة التي كان فؤاد يحصل عليها واستنادا إلى عبد الحميد الغزالي وهو قيادي من الإخوان وعضو في مجلس إدارة البنك فقد بلغ الراتب الشهري الصافي لفؤاد 1760 دولارا أمريكيا في حين بلغت مخصصاته السنوية التي تغطي تكاليف السفر ومصاريف أخري غير محدودة حوالي 20244 دولارا أمريكيا وما ألمح إليه الغزالي وزملاءه الإسلاميون في مجلس الإدارة هو أن فؤاد كان يستغل منصبه الرفيع في البنك في تخصيص أرباح غير قانونية لنفسه في حين أدعي فؤاد بأن هناك نوايا خبيثة لدي الإسلاميين الذين نشروا هذه الاتهامات الكاذبة بهدف إحكام سيطرتهم على البنك.

وساءت العلاقات بين أعضاء الإدارة ورئيسهم وكان على البنك المركزي أن يتدخل لحل المجلس وتعيين أحد ممثليه رئيسا للبنك الإسلامي الدولي وعلى رغم أن هذه الخطوة أضعفت من نفوذ الإسلاميين فهي لم تكن تعني زوال نفوذهم بالكامل في مساحات أخري وبعد وقت قصير من تعيين حسن استغل الشريف الصعوبات المالية التي يعانيها البنك وتقدم بعرض لشراء حصة كبيرة من أرصدته وقد منحه حجم ملكيته للأرصدة الحق في اختيار تعيين ثلاثة أشخاص في مجلس إدارة البنك فاختار الشريف في حينه تعيين خيرت الشاطر ( من قيادات الإخوان وصاحب نفوذ ملي ) وصالح الحديدي وإسماعيل الهضيبي ( شقيق المرشد الراحل مأمون الهضيبي ) وجميعهم أعضاء في الإخوان المسلمين ولكن ذلك لم يعن الكثير من الناحية العملية باعتبار أن الوضع المالي للشريف كان ضعيفا أصلا بسبب تدهور أوضاع كافة شركات التوظيف التابعة له وبسبب الخسائر التي كان يمني بها البنك بعد التضييق عليه وفي نهاية لمطاف تدخل البنك المركزي من جديد وقرر هذه المرة بيع أغلب أرصدة البنك لبنوك القطاع العام متهيأ بذلك قصة البنك الإسلامي الدولي ( وبعد أن أنهي قبلها قصة شركات التوظيف ).

خلاصة

شهدت الفترة الأخيرة من عقد الثمانينيات مواقف وميولا جديدة في السعي إلى الشرعية من جانب كل من مبارك والإخوان فعلي رغم أن مبارك ظل يواصل بناء قاعدة لشرعية قانونية يدافع من الحاجة إلى تشكيل مجلس شعب دستوري يقوم بترشيحه لفترة رئاسية ثانية ( انتخابات عام 1987 إلا أن بروز عمليات العنف بحدة التي جاءت جزئيا نتيجة للإحباط العام فرض على النظام التركيز على أدائه الاقتصادي أيضا وعلى خط مواز للتنازلات الجزئية أمام الضغوط التي بذلها صندوق النقد الدولي من أجل الشروع في تعديلات هيكلية واصل لنظام المواد الاستهلاكية بهدف تجنب ردود الفعل الاجتماعية ومن أجل دعم استقرار الاقتصاد وكان ذلك طريقة النظام في السعي إلى تحقيق شرعية الإنجاز كما أن النظام تودد للمؤسسات الدينية مثل الأزهر ودار الإفتاء لتعزيز شرعيته الدينية .

وبالإضافة إلى سعي النظام إلى الشرعية بأشكالها المختلفة فإنه بدأ كذلك بالتركيز على استخدام القمع ضد المجتمع وهذا ما تبين في طريقه اختياره لشخصيات معينة لشغل منصب وزير الداخلية اشتهرت بقسوتها ( مثل زكي بدر ) وقد أسفر وجود شخصيات أمنية مثل بدر عن جعل سياسات الدولة نحو المجتمع أكثر عنفا من ذي قبل فضلا عن أن استخدام القمع فشل في حل مشكلات الدولة مع الإرهاب لذي أصبح ظاهرة متفشية بوضوح في التسعينات .

ومن ناحية أخري واصل الإخوان ترسيخ القاعدة الاجتماعية لشرعيتهم عبر تحسين خدمات الاجتماعية وتطوير عقد اجتماعي إسلامي نافس العقد الاجتماعي القديم للنظام وعلى رغم أنه لا يقارن بالعقد الاجتماعي للدولة بما أن موارده محدودة فقد تميز بالكفاءة والتنظيم فقد جري توظيف التنظيم وأقسامه الداخلية وشبكاته في عملية الاتصال والتنسيق بين الإخوان الموجودين في مختلف الفضاءات ( النقابية والجامعية) ما زاد من فاعلية الخدمات التي كانوا يوفرونها وقد ساعدت هذه الشبكات التنظيمية على تحسين الخدمات التي كانوا يؤفرونها وقد ساعدت هذه الشبكات التنظيمية على تحسين الخدمات التي يقدمها الإخوان وعمقت من تعاطف المستفيدين منها مع الإسلاميين المعتدلين وهددت والضوابط المركزية وحدود النظام على هذه الفضاءات .

وزادت حدة مأزق مبارك مع الشرعية نتيجة للتقدم الكبير الذي أحرزه الإخوان في المجتمع وفي السياسة ( بحصولهم على 36 مقعدا في مجلس الشعب ) لكنه لم يتراجع عن سياساته التصالحية بما أن ذلك كان سيؤثر سلبا في صورته داخل مصر وخارجها ومع ذلك فقد وضع مبارك قيودا على روح التسامح هذه ولا سيما في تجربة شركات التوظيف وعموما فقد تسامح مع الشرعية الاجتماعية غير الرسمية التي اكتسبها الإخوان في النقابات واتحادات الطلبة طالما أنها ظلت قائمة على خدمات اجتماعية ولم يجر تسييسها أو استخدامها في معارضة السياسات الإستراتجية للنظام إلا أن ذلك لم يستمر في التسعينيات إذ تخلت الجماعة عن بناء شرعيتها الاجتماعية بهدوء وبدأت في تسييس هذه الشرعية للضغط على النظام للاعتراف بها رسميا وهو تطور استفزز النظام وقادة إلى تغيير علاقته بالإخوان كما سأشرح في الفصل الخامس.

الفصل الخامس

تسييس الشرعية ( 19901994)

يمكن القول ن فترة التسعينيات كانت هي الفترة الجوهرية لتغير علاقة مبارك بالإخوان من المهادنة والتسامح إلى الصراع وعوامل ذلك كثيرة ولكني في هذه الدراسة ركزت على بعد تنافس الطرفين على الشرعية ووصول هذا التنافس في لتسعينات إلى درجة لم يعد يطيقها النظام فابتداء من التسعينيات وصاعدا لم يكتف الإخوان بمراكمة شعبية مجتمعية كما كانوا يفعلون طوال فترة الثمانينيات وإنما بدأوا مرحلة جديدة من " تسييس" هذه الشرعية على نحو متزايد في المجتمع وبتعبئة مناصريهم من الطبقة المتوسطة ( أو المستفيدين من خدماتهم من المهنيين وغيرهم ) ضد السياسات الاستراتيجية التي ينتهجها النظام بما في ذلك سياسة النظام في حرمانهم من الشرعية القانونية وكما ذكرت فإن الدافع من وراء تسييس الشرعية التي حصل عليها الإخوان من النقابات والجامعات هو خلق رأي شعبي عام يدعم مطالب الحركة التاريخية في أن تعترف بها الدولة وقد نظر النظام إلى ذلك التطور على انه خروج الحركة من سيطرة الدولة التي كانت في الماضي تمسك بخيوط مصير الجماعة من خلال هيمنتها على المحاك ( التي طالما رفضت مطالب الإخوان بالشرعية القانونية ) أو لجنة الأحزاب ومجلس الشعب ( الواقع تحت سيطرة الحزب الوطني , الذي لن يسمح بإعطاء شرعية حزبية للجماعة ) وتسييس شرعية الخدمات بالتالي كان يعني للنظام الشارع هذه المرة وليس عن طريق المحاكم أو مجلس الشعب للتحري ضد سياسة النظام وإصرار النظام على حجب المشروعية القانونية عنها وهو ما استفز الرئيس مبارك شخصيا .

ولكن التسعينيات جاءت محملة أيضا بتطورات ا أخري محلية إقليمية ودولية أثرت في تصورات الدولة عموما نحو المعارضة ( ولا سيما المعارضة الإسلامية ) وجعلتها تعتمد بشكل متزايد على القمع بدلا من المصالحة فقد شهد عقد التسعينيات نهاية الحرب الباردة وبروز الولايات المتحدة كقوة عظمي وحيدة في الشرق الأوسط وفي العالم وبطريقة أو بأخرى فرضت أمريكا ضغوطا على العديد من الأنظمة العربية لكي تنصاع إلى الترتيبات الجيوساسية لجديدة وبما أن كان ينظر إلى الإسلاميين على أنهم معارضون أقوياء لأغلب هذه الترتيبات وبخاصة تطبيع العلاقات بين العرب وإسرائيل ( كما تجلي جزئيا في الاتفاقية التي توصل إليها الفلسطينيون والإسرائيليون في العام 1993) برزت الحاجة إلى قمعهم أكثر من أى وقت مضي .

وفي ما يتعلق بالنظام المصري . إزاء بعض التطورات الإقليمية فقد زاد تخوف النظام من الإخوان بسبب العلاقات التنظيمية التي تربط الجماعة بحركة حماس الفلسطينية وبسبب الفوز غير المتوقع الذي أحرزه الإسلاميون في الجزائر في انتخابات العام 1992 وإلى جانب حرب الخليج التي اندلعت في العام 1991 والهزة الأرضية التي ضربت مصر في العام 1992 وفرت هذه التطورات سياقا قويا يمكن للإخوان تسييس شرعيتهم من خلاله كما سنري فعندما وقعت الهزة الأرضية حيث تفوقت جهود الإغاثة التي بذلها الإخوان على الجهود التي بذلتها الدولة اهتزت صورة النظام في الخارج وهو ما زاد من حساسية مبارك تجاه ممارسات التسييس التي قام بها الإخوان خلال هذه الفترة .

وبالإضافة إلى ما تقدم اهتزت صورة النظام بدرجة كبيرة أيضا بسبب تصاعد عمليات العنف من المتطرفين التي استهدفت السياح الغربيين والمسئولين في الدولة كما أن عجز النظام عن السخط العام حملة على زيادة التركيز على أدائه الاقتصادي بدلا من تقديم تنازلات سياسية للمعارضة ويمكن القول إنه في عقد التسعينيات أصبحت شرعية الانجاز هي " الشكل المهيمن" من أشكال الشرعية بالنسبة إلى النظام بدلا من الشكلين القانوني والشعبي اللذين تراجعت أهميتهما نسبيا وقد توقع النظام أن تمكنه التنازلات التي قدمها إلى صندوق النقد الدولي من توليد منافع نعم كافة المصريين مما يمكن أن يعيد ثقتهم بالدولة على المدى الطويل ولكي يشرع النظام في الإصلاح احتاج إلى تعزيز تحالفه مع نخبة جديدة هي فئة رجال الأعمال التي بدأ يبرز نفوذها بشكل متزايد في الميدانيين الاقتصادي والسياسي منذ مستهل عقد التسعينيات وبالتالي أصبح رجال الأعمال هم القوي الجديدة السائدة في هذا العقد وبدأ لنظام باستغلالهم سعيا إلى تعزيز شرعيته ويمكن أن تقول إذا أن نتاج جميع هذه التحولات كان مزيدا من الليبرالية الاقتصادية ومزيدا من القمع السياسي .

أما القمع السياسي فقد تجلي بوضوح في انتخابات 1990 ( مقارنة بانتخابات 1987 وبالتأكيد 1984) التي سنناقشها الآن وأهدف من وراء ذلك أن أشير إلى أن مبارك لم يعد يراهن على الميدان السياسي في تعزيز شرعيته ( كما كان الحال في الثمانينيات ) وإنما باعتبار سعيه إلى تحقيق شكل مهيمن من أشكال الشرعية شرعية الإنجاز بات يعطي اهتماما أكبر للميدان الاقتصادي وتحالفاته مع رجال الأعمال الليبراليين .

أولا : مبارك وانتخابات العام 1990

قبل النظام من جديد وفي ظروف مشابهة للظروف التي كانت سائدة في انتخابات العام 1984, بالحكم الذي أصدرته المحكمة الدستورية العليا بأن النظام الانتخابي الذي جري تبنيه في انتخابات العام 1987 لم يكن دستوريا ( بما أنه لم يضمن المساواة الكاملة بين المرشحين المستقلين المرشحين على القوائم الحزبية) وبناء عليه تم حل مجلس الشعب والدعوة إلى إجراء انتخابات جديدة في العام 1990 , وقد تعامل النظام مع هاذ الحكم باستبدال النظام الانتخابي الذي اعتمد على القوائم , والذي طبق في العامين 1984, 1987 بنظام جديد للمرشحين المستقلين وهذا يعني أنه سيقتصر خوض الانتخابات هذه المرة على أساس فردي , وليس على أساس حزبي كما كان الوضع في انتخابات سنة 1984 وبموجب ذلك يمكن للأحزاب أن تقدم مرشحيها وأن تدعمهم ولكن هؤلاء المرشحين سيخوضون الانتخابات كأفراد في دوائرهم الانتخابية المعنية وإن كان سيسمح لهم بالإعلان عن انتماءاتهم الحزبية وكان من نتائج هذا التغيير أنه ألغي تلقائيا نسبة الثمانية بالمئة من الأصوات التي كان ينبغي أن تحصل عليها الأحزاب كحد أدني كي تدخل إلى مجلس الشعب وبالإضافة إلى ذلك وكما نص القانون الانتخابي السابق فقد زاد عدد الدوائر الانتخابية من 48 دائرة إلى 222 دائرة بحيث صار يحق لكل دائرة انتخاب مرشحين يتعين على أحدهما على الأقل أن ينطبق عليه الوصف الرسمي بأنه من العمال وبالقبول بالأحكام لتي أصدرتها المحكمة بدا أن السلطة التنفيذية ( الحكومة ) تحترم مبدأ فصل السلطات وأنها لا تزال حريصة على شرعيتها القانونية .

شكك الإخوان المسلمون وأحزاب المعارضة الرئيسية الوفد , والعمل , الأحرار في نوايا النظام وقرروا مقاطعة الانتخابات مجادلين بأنه لم يتم التشاور معهم بشأن الإصلاحات وبشأن قانون الطوارئ وبأن الانتخابات ما تزال تجري تحت إشراف وزارة الداخلية وليس وزارة العدل يضاف إلى ذلك أن تقسيم الدوائر الانتخابية اعتبر إستراتيجية أخري من استراتيجيات النظام لتأمين فرص أكبر لفوز مرشحي الحزب الوطني الذين سيترشحون كأفراد ويتمتعون بتمويل خاص من الحكومة .

وفي حين أن النظام تسامح مع المعارضة في العامين 1984, 1987 وتجاوب مع العديد من انتقاداتها فإنه وصل إلى مرحلة كان فيها على استعداد لتجاهل مطالب المعارضة وتهديداتها بالمقاطعة عام 1990 والسبب هو أن مبارك لم يعد متحمسا لمشاركة المعارضة في العملية السياسية كما كان في الثمانينيات ولم يكن قلقا من تداعيات مقاطعتها على شرعيته السياسية كما كان في بداية وصوله إلى السلطة في عام 1981 وبناء على لذلك فقد حقق الحزب الديمقراطي فوزا متوقعا في انتخابات مجلس الشعب سنة 1990 إذ حصل على 360 مقعدا من أصل 444 مقعدا ( بالمقارنة مع 309 مقاعد حصل عليها في العام 1987) في حين أن عدد مقاعد المعارضة تراجع بسبب المقاطعة من 96 مقعدا في العام 1987 إلى 29 مقعدا وهي مقاعد شغلها في الأساس يساريون ( حزب التجمع ) وناصريون قرروا عدم مقاطعة الانتخابات وقد بالغت التقديرات الرسمية في تقدير نسبة مشاركة المصوتين مدعية بأن النسبة وصلت إلى 45 بالمئة في العام 1990 أن تقديرات مستقلة أشارت إلى أن نسبة المصوتين لم تتجاوز 20 بالمئة – مقارنة بنسبة 50 بالمئة في العام 1987 – ممن يحق لهم التصويت وكان ذلك مؤشرا قويا على شرعية العملية السياسية من عدمها في نظر المعارضة والمجتمع .

وجاء التغير في موقف النظام نتيجة التطورات حصلت على مدي عقدين فقد وصل مبارك إلى السلطة في بداية الثمانينيات وفي ظل ظروف مضطربة وقتئذ وكان بحاجة إلى تهدئة العلاقة بين الدولة والمجتمع وإلى التودد إلى المعارضة ولكن كما هو الحال مع أغلب القادة العرب الذين ما يزالون في السلطة منذ وقت طويل واستطاعوا تثبيت مراكزهم في الجيش وفي الأجهزة الأمنية بدأ مع الوقت بتغيير سياساته وتعديل أولوياته كما أن عقد التسعينيات شهد تدهورا في الظروف الاقتصادية أكثر من ذي قبل تطلب تدخلا وإدارة أوسع من قبل الدولة حتي وإن تم على حساب الحريات السياسية والاجتماعية ويضاف إلى ذلك أن النظام عشر بخيبة أمل من المعارضة لأن كان يتوقع منها أن تكون أكثر دعما وتأييدا لسياساته الاجتماعية والاقتصادية واعتبرت المعارضة التي تعاني الضعف الانقسام أصلا أنها تستغل الحرية المحدودة التي منحتها إياها الدولة في انتقاد النظام والمزايدة على أدائه ما أفاد المتطرفين في النهاية وعمق من حالة الإحباط في المجتمع .

وقد فشلت محاولة استيعاب الإسلاميين ( الإخوان ) وباقي أطياف المعارضة في العملية السياسية في منع تنامي العنف الموجه ضد الدولة كما أن عملية استيعاب المعارضة لم تساعد على تحسين الظروف الاقتصادية وفي ما يتعلق بالنقطة الأخيرة فقد استعمل حزب الوفد والإخوان المسلمون مجلس الشعب كمنبر للتحذير من تداعيات دخول مصر في مفاوضات مع صندوق النقد الدولي بشأن خصخصة القطاع العام وجادلوا بأنه ينبغي أن يسبق أى إصلاح اقتصادي المزيد من الإصلاح السياسي وفي الوقت الذي كان فيه مبارك يحذر شعبة من أن الزيادة في عدد السكان ستعني زيادة في استهلاك الدعم الذي تقدمه الدول والوصول إلى مرحلة " تتوفر فيها أموال لدي الدولة لدعم أى شئ " كان حزب الوفد ينظم تجمعات ويقول لمناصريه إن " وحدة البرلمان الشرعي , وليس البرلمان غير الشرعي " هو القادر على إخراج البلاد من أزماتها الاقتصادية وقد رأي النظام أنه لن يستطيع أن يحقق الإصلاح الاقتصادي ( من خلال عملية الخصخصة) من دون أن يضمن درجة أكبر من الانسجام بين السلطتين التنفيذية والتشريعية وأدني قدر من ضجيج المعارضة في المجلس وبناء على ذلك تبين أن وحدة الوجود الضعيف للمعارضة السياسية والحضور المتزايد لرجال الأعمال في مجلس الشعب سيمكن النظام من تسريع مفاوضاته مع صندوق النقد الدولي ويضمن إصدار التشريعات اللازمة لهذه العملية وسيخدم وجود معارضة شكلية برئاسة حزب التجمع اليساري ( بمقاعده الستة في مجلس الشعب وحسب) انتقاد الخصخصة كبرهان على استمرار وجود هامش ديمقراطي في العملية السياسية وسيتم التخفيف من الإحباط الشعبي عن طريق دور التجمع في " تنفيس حالة الاحتقان " في الشارع السياسي .

وقبل أن أتناول تفاعلات الإخوان في الميدان الاجتماعي سأناقش باختصار موقفهم من تفاعلهم في الميدان السياسي بمقاطعة انتخابات عام 1990 والمحاولات الفعلية ( وإن لم تكن ناجحة ) لتشكيل حزب سياسي .

ثانيا : الإخوان المسلمون يقاطعون الانتخابات

قرر الإخوان المسلمون مقاطعة انتخابات العام 1990 لأسباب لم تكن واضحة , على الرغم من تأكيدهم أن المقاطعة كانت ردا على الفساد السياسي وعلي استمرار العمل بقانون الطوارئ ويجادل حسنين إبراهيم وهو باحث مستقل بأن المقاطعة تعود إلى شعورهم بالإحباط من مجلس الشعب وعدم قدرتهم على طرح تعديلات في ما يختص بالشريعة غير أن حقيقة أن الإخوان قرّروا المشاركة بقوة في الانتخابات في العامين 1995 , 2000 تظهر أن الحركة حافظت على انفتاحها على مجالات التأثير كافة وظلت تتصور البرلمان فضاء لا يستغني عنه في عملية الإصلاح وجادل آخرون بأن الإخوان قرروا مقاطعة الانتخابات بناء على اتفاق مع حزب الوفد ومع التحالف الإسلامي بعد أن أدركوا أنه من المستحيل أن ينجحوا والمعارضة في تغطية جمع الدوائر الـ 222 كما نص النظام الانتخابي الجديد.

ولكن بعيدا عن الأسباب التي وقفت خلف مقاطعة الإخوان للانتخابات فقد شكل القرار في حد ذاته مؤشرا على القوة التي استطاعت الحركة بناءها

بالمقارنة الوضعية الضعيفة التي حكمت نهجها السياسي خلال عقد الثمانينيات ومع شعور مبارك بالارتياح بسبب غياب الإخوان عن مجلس الشعب فقد شكل قرارهم بمقاطعة الانتخابات النزاع أو التوتر الرسمي الأول بينهم وبين النظام وتقر احدي الوثائق الداخلية غير المنشورة للإخوان بأنه بالإضافة إلى موقفهم من حرب الخليج ومعارضتهم للتمديد لمبارك فترة رئاسية ثالثة في العام 1993 فقد شكل قرار الحركة بمقاطعة الانتخابات تفسير آخر لغضب النظام وسببا لكي يتراجع عن سياسته التصالحية نحو الجماعة ( راجع نص الوثيقة في ملحق الكتاب ) .

وقد انتقد عصام العريان وهو قيادي في الإخوان ونائب سابق في مجلس الشعب في العام 1987 قرار الحركة بمقاطعة الانتخابات معتقدا أن غياب الحركة عن البرلمان ساهم في تشجيع النظام لاتخاذ قراره بالدخول في مواجهة معها .

وعلى الرغم من مقاطعة الإخوان لانتخابات عام 1990 إلا أنه كانت هناك محاولات ( وإن كانت فردية ) جادة لتشكيل حزب سياسي للإخوان وهو ما تجلي في تجربتي حزب الأمل وحزب الوسط وقد حرصت على توثيق هذين التجربتين بالالتقاء بمن كان وراءهما لأن الدراسات السابقة عن الإخوان لم تعطهما حقهما من المناقشة وأبدأ بتجربة حزب الأمل التي وقف وراءها عضو الجماعة محمد السمان .

وبرزت فكرة تشكيل حزب الأمل التي طرحها وعمل على تنفيذها في التسعينيات كما قلت محمد السمان ( وهو أخ من الإخوان وعضو ناشط من نقابة المهندسين ) وجاءت الفكرة كردة فعل للسياسات القمعية التي تبناها النظام ف يحق الإسلاميين في النقابات ( التي تجسدت في القانون رقم 100 للعام 1993 ) وكانت الفكرة إذا هي بمثابة محاولة كبح في سياسة قمع النظام للوجود الإخواني في النقابات وغيرها من الفضاءات من خلال تقنين وجود الجماعة في حزب سياسي ويقول السمان إن فكرة الحزب كانت مسعي فرديا لم يجزها التنظيم بصورة رسمية لكنها محاولة حظيت بتأييد العديد من أعضاء النقابات والعمال ( وهم الذين يشكلون50 بالمئة من عضوية الحزب امتثالا لما ينص عليه قانون الأحزاب ) ويقول السمان إنه عض الحزب في البداية على لجنة الأحزاب على أنه يمثل العمال وأنكر أى صلة له بالإخوان المسلمين لكنه اعترف بأنه لو كان الحزب قد حصل على الموافقة من اللجنة لكان على استعدادا لوضعه تحت تصرف الإخوان وإدارتهم :" عندما درست لجنة الأحزاب طلبي حرصت على إبعاد نفسي عن الإخوان , واحتجبت عن الظهور في وسائل الإعلام وشددت في بياناتي ومقابلاتي مع الصحافة على أنه لا علاقة للحزب بالإخوان حتى إن حرصت على أن يكون وكلاء وأنصار الحزب المباشرون من غير الإخوان المسلمين "

وقد أعطاني السمان نسخة من برنامج حزب الأمل الذي بدا أبسط بكثير واقل إثارة للجدل السياسي من برنامج كل من حزب الإصلاح وحزب الشورى ( راجع الفصل الثالث ) فقد ركز برنامج الأمل على خمس قضايا هي : المخدرات والسياحة والإصلاح الاقتصادي ودور الدين والأخلاق في المجتمع المصري وفي ما يتعلق بالإرهاب شدد على الحاجة إلى توسيع المشاركة الشعبية والفرص المتاحة لكافة التيارات الحزبية للتعبير عن نفسها وقيامها بدورها في مساعدة المجتمع تطويره وفي ما يتعلق بالإصلاح الاقتصادي رأي أنه ينبغي إعطاء الأولوية للتنمية الاقتصادية من خلال زيادة الصادرات وتطوير السياحة وتحسين أداء قناة السويس والتركيز على الصناعة والزراعة كمصدرين مهمين للعائدات ورغم عمومية مواد البرنامج إلا أن لجنة الأحزاب رفضت البرنامج لأسباب شكلية على حد تعبير السمان كما رفضته المحكمة لدي استئناف السمان القرار في العام 1988 , ويصر السمان على القول إن حزب الأمل في الحقيقة رفض بناء على افتراض النظام بأنه يمثل واجهة غير مباشرة للإخوان المسلمين .

وفي ما يتعلق بتجربة حزب الوسط فقد التقيت بمؤسسة أبي العلا ماضي الذي أعطاني أيضا نسخة من برنامج الحزب وقد تأسس حزب الوسط في عام 1996 على يد مجموعة من المهندسين بقيادة أو العلا ماضي وصلاح عبد الكريم .

ورفضته كل من لجنة الأحزاب والمحكمة للسبب نفسه – صلته بالإخوان وقد انتمي جيل ماضي وعبد الكريم إلى الجيل نفسه الذي انتمي إليه السمان وكانوا يتمتعون بشعبية قوية في النقابات التي سيطروا عليها إلا أن برنامج حزب الوسط اختلف كثيرا عن برنامج حزب الأمل في أنه طور أكثر من برنامج حزب الوسط اختلف كثيرا عن برنامج حزب الأمل في أنه طور أكثر من برنامج حزب الإصلاح الأكثر شمولية من برنامج حزب الأمل ( راجع الفصل الثالث ) ولا سيما ما مثل الرؤية الجديدة للتنظيم في ما يختص بالحزبية والمرأة والأقباط وإمكانية استيعابهم في عضوية حزب للإخوان .

وقد أكد كل من حزبي الأمل والوسط اللذين ترأسهما ناشطون نقابيون وليس سياسيين بالمعني التقني للنظام أن وجود الإسلاميين في النقابات لم يكن مسعي " بريئا " وإنما وسيلة مبدئية لتحقيق تطلعاتهم السياسية في ما بعد ومنافسة الدولة على السلطة .

ويمكن القول إنه في ظل غياب منابر سياسية رسمية يعبر الإخوان من خلالها عن آرائهم ومطالبهم فقد اتخذ نشاطهم في النقابات وفي الجامعات اتجاها أكثر تسيسا من ذي قبل ولا سيما مع زيادة الدولة إجراءاتها القمعية .

ثالثا : تسييس الشرعية

أحد الأسباب المهمة التي دفعت إلى التسيس المتزايد للنقابات والجامعات هو غياب منبر سياسي بديل وفاعل للإخوان الذين بقوا محرومين من الوجود القانون وإن تم التسامح معهم لأسباب تكتيكية والسبب الذي أعطي عملية التسييس هذا الأثر في النظام هو أنها أعقبت فترة من الأداء المدهش والمنظم في ميدان الخدمات الاجتماعية التي حظيت بدعم قوي من التنظيم وبعبارة أخري لم يكن التسيس ليصبح على هذا القدر من القوة لو لم تتوفر قاعدة اجتماعية من المستفيدين تدعم الحركة هيكل تنظيمي قوي ينقل هذه الإنجازات إلى ما وراء فضاءاتها المحدودة ( تحدثت باستفاضة عن قوة الهيكل التنظيمي للإخوان في الفصل الرابع )

فخلال السنوات الخمس التي غاب فيها الإخوان عن مجلس الشعب ( من العام 1990 إلى العام 1995) زادت الحركة من تركيز أنشطتها في النقابات وعلى الفرص السياسية التي توفرها الفضاءات النقابية العام1992, استطاعت الجماعة تحقيق نجاح غير متوقع في انتخابات مجلس نقابة المحامين واستنادا إلى نبيل عبد الفتاح أحد الذين درسوا الظاهرة الإخوانية في النقابات عن قرب , كان ذلك أحد أبرز الأحداث السياسية في مصر منذ اغتيال السادات في العام1981 وذلك لأن النظام نظر إلى فوز الإخوان في نقابة المحامين بطريقة مختلفة تماما , ويرجع السبب في ذلك إلى أن نقابة المحامين على العكس ربما من نقابة الأطباء أو نقابة المهندسين تشكل فضاء مسيسا بطبيعته ولذلك وفرت بصورة تلقائية أرضية أكثر قابلية للتعبئة والحشد الجماهيري وقال لى رجل حسن الاطلاع ( رفض ذكر اسمه) ولديه اتصالات جيدة في أبو ظبي إن الرئيس مبارك لما زار الإمارات العربية المتحدة في أعقاب فوز الإخوان غير المتوقع في نقابة المحامين أشار إلى الشيخ زايد آل نهيان بالقول مندهشا :" هل يمكنك أن تصدق بأن الإخوان فازوا في الانتخابات في نقابة المحامين ؟ أعتقد أنهم إذا نافسوني في انتخابات رئاسية فسوف يفوزون في تلك الانتخابات أيضا !" وربما كانت تلك رواية مشكوكا في صحتها وربما كان تعليق مبارك مبالغا فيه ولكنه في كل الأحوال يوضح حجم النفوذ الذي وصل إليه الإخوان خلال عقد التسعينيات ووقع ذلك على النظام .

إضافة إلى نقابة المحامين فقد واصل الإخوان توسيع الخدمات التي يوفرونها وذلك قبل أن يتدخل النظام ويوقف كافة نشاطاتهم ففي نقابة المهندسين التي تضم أكثر من 230000 عضو مثلا ارتفع عدد المستفيدين من برنامج الرعاية الصحية بنسبة 36 بالمئة منذ العام 1989 في حين ارتفع عدد المستفيدين من برنامج التكافل الاجتماعي الذي وفر قروضا دون فوائد أو مساعدات في العام 1993 بنسبة 57 بالمئة مقارنة بالعام 1991 عندما بدأ المشروع الأمر نفسه انطبق على نقابة الأطباء التي ارتفع عدد المستفيدين فيها بنسبة 54 بالمئة في العام 1993 مقارنة بالعام 1988 كما تضاعف عدد المستفيدين من برنامج التكافل الاجتماعي وارتفع من 3500 إلى 7000 خلال ستة شهور فقط في العام 1993 .

ويمكن الاستدلال على موقف المنهيين من أداء الإخوان من ارتفاع عدد المشاركين في انتخابات النقابة ففي انتخابات نقابة الطب التي جرت في العام 1990 مثلا أدلي حوالي 22000 بأصواتهم لصالح الإخوان مقارنة بالسنة السابقة عندما صوت 17000 للإخوان .

وسنري الآن كيف عملت الجماعة على تسييس ما اكتسبته من شرعية اجتماعية داخل النقابات ( والجامعات 9 مع التركيز على حادثتين استفز النظام تعامل الإخوان معهما وهما : حرب الخليج في العام1991 والزلزال الذي طال مصر في العام 1992 :

1- حرب الخليج

سارع الإخوان إلى إدانة الغزو العراقي للكويت في 2 أغسطس / آب 1990 , وجاءت مطالبتهم للرئيس لعراقي السابق صدام حسين بسحب قواته من الكويت منسجمة مع الموقف الذي اتخذه النظام المصري ولكن سرعان ما أوجد التدخل التدخل الغربي في الأزمة عامل توتر جديدا بين مبارك والإخوان الذين أدانوا التدخل واحتجوا على قصف العراق وعلى رغم غيابهم عن مجلس الشعب ( بحكم مقاطعتهم لانتخابات لعام 1990) إلا أن الإخوان وظفوا سيطرتهم على النقابات للتعبير عن آرائهم السياسية المعارضة لموقف النظام المؤيد للحرب وقد اعتبر النظام أن الإخوان يستغلون استغلال سيئا الفضاءات التي سمحت الدولة بوجودها ( أى النقابات ) لتحريك وتعبئة الطبقة الوسطي من المهنيين ضد الشرعية الشعبية للرئيس الذي أمر الجيش المصري بالمشاركة في التحالف الغربي ضد بلد عربي مجاور ( وهو ما أزعج مبارك شخصيا ) كما ان النظام اعتبر أن الإخوان بدأوا ينسقون بين موارد هيكلهم التنظيمي كحركة وموارد النقابات ( كأعضاء في مجلس الإدارة ) لشن حملة أكثر قوة وفاعلية ضد النظام .

وبالفعل فقد بدأت النقابات التي يسيطر عليها الإخوان بتشكيل تحالفات تنسيقية بين أنشطتها في ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ النقابات منذ العام 1952 إذ تشكلت لجنة باسم " تنسيق العمل النقابي ط ولم تكن الفكرة من تشكيل هذه اللجنة أمرا جديدا تماما وإنما فكر فيها الإخوان منذ سيطرتهم على النقابات في الثمانينيات ولكن الفكرة تحققت في التسعينيات ردا على الجهود التي بذلتها الدولة لإنشاء اتحاد للنقابات المهنية شبيه باتحادات العمال لتمكينها من امتلاك مزيد من النفوذ ولمواجهة النفوذ النقابي المتنامي للجماعة وأدان اللجنة تنسيق العمل النقابي في بيان شديد اللهجة واعتبر مستفزا للنظام الوجود الغربي وحمل الحكومة المسؤولية عن سلامة المصريين الذين يعملون في الكويت وفي العراق .

وقد أجبر النظام الذي استفزته كما قلت نبرة البيان رؤساء النقابات التي كانت خارج نطاق سيطرة الإخوان على الانسحاب من عضوية اللجنة وعلى الامتثال لسياسة الرسمية التي أعلن عنها النظام ولا شك في أن انسحاب أعضاء بعض النقابات من اللجنة أضعفها ولكنه لم يقو على إنهاء حملتها السياسية التي استمرت ضد النظام وفي بيان ثان صدر طبعا باسم عدد أقل من النقابات هذه المرة أدانت لجنة العمل النقابي شدة مشاركة القوات المصرية في الحرب على العراق ودعت إلى عودة الجيش على الفور وقد ساهم عصام العريان . الأمين العام السابق لنقابة الأطباء في صياغة البيان وهو يعتقد أنه شكل نقطة تحول ( أو القشة التي قصمت ظهر البعير ) في العلاقات بين مبارك والإخوان المسلمين فاستنادا إلى العريان :" أنا أري أن البيان الثاني كانت هو القشة التي قصمت ظهر البعير فعندما اجتمعنا في نقابة الأطباء لكتابة البيان .

صغناه بطريقة استفزازية جدا وعندئذ قلت بأن النظام قال في نفسه ," هذا يكفي " لقد تجاوزت النقابات حدودها " وهذه الحدود أو ما يعتبرها النظام خطوطا حمراء هي : الجيش والسياسة الخارجية للدولة ".

وسرعان ما أصبح الموقعون على البيان ضحايا حملة منظمة لتشويه سمعتهم صاغتها وسائل الإعلام والمسئولون الناقدون مثل يوسف وإلى كمال الشاذلي الذين اتهموا الإخوان بـ " عدم الإخلاص " وبـ " الخيانة" وبتلقي أموال من صدام . وأصبحت النقابات هي المحور الجديد لانتباه الأجهزة الأمنية وتدخلها وتعرض العشرات من الأعضاء الذين كان اغلبهم أعضاء في الحركة أيضا للمضايقة والاعتقال .

ومن ناحية أخري كانت الحركة ما تزال قادرة على الرغم من وحشية النظام في تعامله مع الإخوان على تعريض شريعة النظام الدينية للتساؤل , من خلال ما اعتبرته تحالف دولة مسلمة مع قوة كافرة ( هي الولايات المتحدة) ضد دولة مسلمة أخري ( العراق ) ولا شك في أن النظام انزعج من مثل هذه المقاربات ما اضطر الحزب الوطني الذي يترأسه مبارك إلى التأكيد أن " مصر ليست دولة علمانية وإنما هي دولة إسلامية , وإلى تقديم نفسه كممثل للفهم الصحيح للدين الإسلامي وبالتالي لا تناقض سياساته الدين كما يزعم ذلك معارضوه الإسلاميون وحتى آخر لحظة ظلت الشرعية الدينية مهمة بالنسبة إلى النظام ومع ذلك لم يكف الإخوان عن التسبب في مزيد من إزعاج النظام بتسييس شرعيتهم الاجتماعية كما تجلي بوضوح أكبر في حادثة الزلزال .

2- حادثة الزلزال

شكلت الهزة الأرضية التي طالت مصر في العام 1992 حدثا آخر لم يكشف للدولة عن مدي قوة الهيكل التنظيمي للإخوان وحسب بل أظهر كيف يمكن أن توظف تلك القوة سياسيا أيضا فمرة أخري وظف الإخوان مواردهم في النقابات فضلا عن مواردهم في التنظيم خارج سور النقابات في إنقاذ ضحايا الزلزال فقد استفاد الإخوان من وجودهم داخل نشيج المجتمع وفي المناطق الحضرية والريفية مع وجودهم في النقابات للتنسيق بين هذه المساحات والفضاءات لضمان نقل سريع وفاعل لمواد الإغاثة وتسخيرها في إنقاذ الضحايا والفضاءات الحضرية والريفية مع وجودهم في النقابات للتنسيق بين هذه المساحات والفضاءات لضمان نقل سريع وفاعل لمواد الإغاثة وتسخيرها في إنقاذ الضحايا وجري القيام بذلك بطريقة منسقة ومنظمة فاقت أداء الدولة نفسه واستنادا إلى عضو ناشط من الإخوان الذين كانوا مسئولين عن إيصال المساعدات من نقابة الأطباء إلى المناطق المتضررة كان تنفيذ العملية شبه مستحيل دون شبكة الاتصالات التي وفرها التنظيم :" كيف السبيل إلى الوصول إلى الضحايا لولا أن أعضاءنا الذين يقيمون في تلك المنطقة أعطونا فكرة عن حجم الأضرار؟ من خلال هؤلاء المعارف في الجماعة تمكنا من نقابة الأطباء من توزيع مساعداتنا المالية والعينية بطريقة مناسبة وإلا لما كنا سنعرف المحتاجين وماذا يحتاجون .

واستحوذ أداء الإخوان في أثناء الهزة الأرضية على الانتباه داخل مصر ولكن ما أزعج النظام أنه أستحوذ على الانتباه في الخارج أيضا فقد أشارت وسائل الإعلام الغربية إلى التباين بين نجاح الإسلاميين وفشل النظام في إنقاذ الضحايا واستخدمت ذلك في التلميح إلى إمكانية وصول الإسلاميين إلى السلطة في مصر وهذا النجاح, بالإضافة إلى الأخبار التي تحدثت عن اتصالات وحوار بين مسئولين أمريكيين وقيادة الإخوان المسلمين عمّق لا شك من مخاوف النظام وقد كان مبارك في زيارة إلى الصين لما وقع الزلزال فعاد إلى مصر على الفور ليس بالضرورة من أجل الإشراف أو تنسيق الجهود التي تبذلها الدولة وإنما لأنه بدا قلقا من اهتزاز وتشوه صورته في الخارج .

ولم تتفاقم مخاوف مبارك من التقارير الإخبارية التي كانت تذيعها محطة " سي. إن . إن " ومحطة " بي . بي. سي " وحسب . اللتان سلطتا الضوء على إنجازات الإسلاميين وعلى تأثيرهم المتنامي في المجتمع المصري بل مما اعتبره استغلال سياسيا من جانب الإخوان للزلزال ففي غمرة جهود عملهم الإغاثي رفع الإخوان على الخيام التي كانوا ينصبونها للمتضررين وعلى واجهات مقرات ومراكز الإغاثة شعار" الإسلام هو الحل" وهو الشعار الذي استخدمته الحركة خلال حملتها السياسية في انتخابات العام 1987 وقد انتقد أبو العلا ماشي مؤسس حزب الوسط الذي استقال من الإخوان وأصبح إسلاميا مستقلا استخدام الجماعة هذا الشعار في هذه الظروف لأنها أكدت وجهة النظر المشككة التي تقول إن الإخوان يستغلون المآسي في الإدلاء ببيانات سياسية غير مناسبة وليس أبو العلا من انتقد استخدام الشعار السياسي في أثناء حادثة الزلزال وإنما كان يشاركه العريان أيضا فيعتقد العريان أن النظام كان ربما سينظر بعين التقدير إلى الجهود الإغاثية التي بذلها الإخوان لو أن إسهامهم كان إنسانيا صامتا وغير مسيس وكدليل على ذلك أشار العريان الذي لعب دورا نشطا في جهود الإغاثة ( من خلال عضويته في نقابة الأطباء ) إلى محادثة جرت بينه وبين رئيس أمن القاهرة:" أكد لى رئيس أمن القاهرة أن الحكومة سعيدة بما نقوم به ( كإخوان مسلمين) وشجعني على الاستمرار في توزيع البطانيات وتوفير المأوي للناس ولكنه لم يكن سعيدا براياتنا وشعاراتنا السياسية الإسلام هو الحل " ووافقت نقابة الأطباء على إزالة الرايات ولكن من سوء الحظ أنه كان يأتي إخوان من خارج النقابة فيعيدون نصب الرايات مجددا "

لقد بدا للنظام أن الإخوان في النقابات يعملون كـ " حكومة ظل " أو كما قال أحمد النحاس وهو عضو في الإخوان وأمين صندوق نقابة المهندسين في الإسكندرية إن النقابات صارت هي " المتحدث السياسي " باسم الإخوان المسلمين ولم يقتصر هذا التصور للنقابات في أثناء حرب الخليج أو حادثة الزلزال وحسب بل في القضايا العامة الأخرى أيضا فحسب اعتراف النحاس :" بالفعل وفرت لنا النقابات فضاء أو منبرا سياسيا يحظي بشرعية قانونيو وموارد إعلامية فمن خلال هذه النقابات أمكننا نشر صحف يومية ومجلات كما نريد دون تعقيدات الحاجة إلى الحصول على رخصة لو أننا تقدمنا إليها كجماعة إخوان مسلمين وأقول إن هذه الامتيازات التي وفرتها لنا فضاءات النقابات هي التي جعلت النقابات تعمل كمتحدث سياسي لنا ثمانين بالمئة من الوقت " وقد عمل الإخوان على تفعيل الدور السياسي للنقابات كما قلت للتعويض عن غيابهم عن مجلس الشعب وربما عدم فاعلية مجلس الشعب كمؤسسة سياسية واستخدموا جميع الوسائل والموارد المتوفرة في النقابات لخلق حالة من الوعي السياسي بدلا من اللامبالاة السياسية التي كانت مستشرية بين أوساط طبقات المهنيين في بداية الثمانينيات استخدم الإخوان النقابات في عقد لقاءات ومؤتمرات جماهيرية لمناقشة الإصلاح السياسي خاصة بعد قرارهم بمقاطعة انتخابات مجلس الشعب وكان يدعي إلى هذه الملتقات ممثلون عن الأحزاب السياسية وعن قيادة تنظيم الجماعة وكانت نقابة الأطباء ( التي خاض بعض أعضائها النشطين الانتخابات البرلمانية والسابقة وانتخابات العام 1995 مرشحين عن الإخوان المسلمين ) توزع استبيانات شبيهة بما كان الإخوان يوزعونه في الجامعات ( راجع الفصل الرابع) ويطلب فيها من أعضاء النقابات التعليق على انتخابات العام 1990 واستخدمت حيثيات وظروف انتخابات العام1990 في عدد كبير من الاستبيانات التي وزعها الإخوان عل لمهنيين في النقابات كذريعة أو مدخل لإثارة قضايا سياسية عامة تشمل الإخوان المسلمين وحقوقهم الشرعية بالوجود القانوني ولولا النقابات وهي فضاءات تعترف بها الدولة ولما سمح للإخوان القانوني ولولا النقابات وهي فضاءات تعترف بها الدولة لما سمح للإخوان الذين يمثلون تنظيما محظورا بعقد مثل هذه المؤتمرات وتوزيع هذه الاستبيانات وهو تناقض مرة أخري استفز النظام وأزعجه .

وصحيح أن قوانين العمل النقابي تقر بالدور السياسي للنقابات وهو دور كان قائما قبل أن يسيطر الإخوان على النقابات وشاهدنا مثلا كيف لعبت نقابة المحامين التي كان يسيطر عليها القوميون في الثمانينيات دورا نشطا في معارضة اتفاقية السلام التي أبرمتها مصر مع إسرائيل ( راجع الفصل الثاني ) واستخدم القوميون النقابات كمنابر لتنظيم اللقاءات وعقد المؤتمرات حول هذه القضية وبناء على ذلك يرفض عصام حشيش وهو أخ بارز ف نقابة المهندسين , الفكرة التي تقول إن الحركة قامت بتسييس النقابات ويقول إن الإخوان استخدموا حقهم الدستوري في إثارة القضايا السياسية ومناقشتها كما كان عليه الحال في الماضي ولكن يبقي وجه الاختلاف في حالة نقابة المحامين والقوميين هو أن الإخوان الذين يسيطرون على النقابات ليست لهم شرعية قانونية وبالتالي ينظر النظام إلى أنشطتهم بحساسية أكبر ولا سيما أن الآراء بقدر ما كانت في أغلب الحالات إن لم يكن جميعها يعبر عن آراء التنظيم خارج سور النقابة .

ويضاف إلى ذلك أن العضوية المزدوجة للإخوان في النقابات وفي تنظيم الجماعة أدت إلى حالة من الغموض في عقلية كثير من الإخوان لدور النقابات الحقيقي وتعترف دراسة داخلية غير منشورة كتبها عضو معروف في الإخوان ورفعها إلى قيادة الحركة بوجود خلط واضح في ذهن الإخوان بين العمل التنظيمي والعمل النقابي واستشهدت دراسته ( التي حصلت على نسخة منها ) بأمثلة كثيرة لإثبات ذلك فاستنادا إلى الدراسة أغلب الموظفين – الذين تم توظيفهم في النقابات التي يسيطر عليها الإخوان – هم أصلا أعضاء إلى جماعة الإخوان (ب) يستخدم تنظيم الجماعة النقابات كأمكنة لعقد اللقاءات الخاصة بالتنظيم ولا علاقة لها بعمل النقابة ( ج) يجني أصحاب الشركات من الإخوان أرباحا من معارض بيع السلع المعمرة التي تنظمها النقابات ( تحت سيطرة الإخوان) (د) غالبا ما يكون الضيوف المتحدثين في ملتقيات النقابة من الإخوان بصرف النظر ما إذا كانوا مؤهلين للحديث عن القضية المطروحة , أيا كانت.

وعلى رغم أن محمود عبد المقصود لم يطلع على هذه الدراسة وهو عضو في الإخوان والأمين لعام لنقابة الصيادلة فهو يوافق على ما ورد فيها ولكنه يعترف بخلاف عصام حشيش من المهندسين أن التنظيم لعب دورا في تسييس النقابات بما يتماشي وأجندته الخاصة وأن هذا كان أحد الأسباب الرئيسية التي أثارت غضب مبارك شخصيا .

وكشفت أماني قنديل أنه في أعقاب الدور السياسي الذي لعبه الإخوان في أثناء حرب الخليج وفي أثناء حادثة الزلزال والسقوط المفاجئ لنقابة المحامين في يد التنظيم في العام 1992 طلب منها مسئول أمني رفيع المنصب في الحكومة المصرية كتابة تقرير سري عن الإخوان المسلمين وعن استراتيجياتهم التي يستخدمونها في التأثير في النقابات وحسب أماني قنديل :" من الواضح أن النظام لم يكن يعرف شيئا عما يجري داخل النقابات لكنه شعر بالانزعاج والحيرة بسبب قدرة الإسلاميين على تأمين أغلبية في انتخاباتهم داخل النقابات حاولت في تقريري الذي رفعته إلى النظام تحديد آليات التأثير التي يملكها الإخوان وشرح السبب الذي جعل منهم قوة شرعية في النقابات ".

وعلى رغم أن قنديل رفضت بالطبع أن تعطيني نسخة من دراستها الخاصة ولم ترغب حتي في الكشف عما ورد في تقريرها بالتفصيل إلا أنها قالت لي عن النتائج التي توصلت إليها في الدراسة وهي : أولا , كان الإخوان أذكياء في الاستفادة من النقابات كفضاءات ومنابر فاعلة في المجتمع ويبدو من خلال هيكلهم التنظيمي كبديل مغر لنظام سياسي ضعيف وغير عادل ينكر وجودهم وثانيا كان الإخوان قادرين على التعامل مع هموم الطبقتين الدنيا والوسطي بجدارة وثالثا قاموا بالتفاعل مع هاتين الطبقتين بطريقة تتميز بقدر عال من الحرفية والتنظيم .

وبعد مرور عام على كتابة هذا التقرير أصدرت الحكومة قانونا حمل الرقم 100 في لعام 1993 زعم بأنه يهدف إلى ضمان الديمقراطية في الانتخابات النقابية وإلى منع " أقلية منظمة ( في إشارة إلى الإخوان ) من الانتصار على الآخرين الأغلبية لصامتة واشترط القانون لكي تكون الانتخابات شرعية أن يشارك في التصويت 50 بالمئة على الأقل من الأعضاء في الانتخابات وإذا تدنت نسبة التصويت عن الـ 50 بالمئة فتعاد الانتخابات وتكفي عندئذ نسبة 33 بالمئة من المصوتين لضمان صلاحية الانتخابات وف يحال لم تصل نسبة التصويت في الجولة الثانية إلى 33 بالمئة فعندئذ تخضع النقابة لإشراف مسئولين تقوم الحكومة بتعيينهم في مجلس إدارة النقابة إلى حين إجراء انتخابات جديدة . ولضمان نزاهة الانتخابات قرر القانون أن الانتخابات ستتم تحت إشراف القضاء وطبعا فإن القانون جاء ردا واضحا على الفوز غير المتوقع الذي حققه لإخوان في انتخابات نقابة المحامين في العام 1992 وبعد سيطرتهم على 199 فرعا للنقابة في المحافظات الأخرى ورغبة من النظام في وضع حد لمزيد من السيطرة .

رابعا : عقد التحديات : الدولة في صراع مع الجماعة الإسلامية

اتسم عقد التسعينيات ( مقارنة بالثمانينيات ) بأنه عقد التحديات والتحول إلى فترة مضطربة جدا للرئيس مبارك فقد تزامنت الظروف الاقتصادية الصعبة مع تفاقم خطر الجماعات الإسلامية وقد أضرت أعمال العنف ضد الأجانب بالعائدات المتأتية من السياحة والأشد خطورة أنها استهدفت أيضا مسئولين رفيعي المستوي وعلى رأسهم مبارك نفسه واستنادا إلى هالة مصطفي وهي خبيرة في التيارات الإسلامية في مصر فقد شكل الإسلاميون المسلحون التحدي الأكبر لاستقرار البلاد على الصعيدين السياسي والاجتماعي في تلك الفترة .

واستنادا إلى تقرير شبه رسمي فقد شهد العام 1990 وحده 51 حالة تصادم بين الإسلاميين والأمن راح ضحيتها أكثر من 115 قتيلا من الطرفين وتزامنت حادثة اغتيال الإسلاميين للكاتب فرج فودة في العام 1992 وكان ناقدا عنيفا لهم مع تزايد خطر الإسلاميين في الجزائر ومع اغتيال الرئيس الجزائري ( الراحل) محمد يوضياف . وكانت هذه الحادثة بمثابة صدمة شخصية جعلت مبارك باعترافه هو " محطما" وفي السنة التالية شهدت مصر محاولتي اغتيال فاشلتين استهدفتا مسئولين رفيعين هما وزير الإعلام وقتها صفوت الشريف , ووزير الداخلية حسن الألفي الذي خلف زكي بدر .

وسرت تكهنات حول الأسباب التي جعلت عقد التسعينيات يشهد هذا التزايد الاستثنائي في أعمال العنف وعزت بعض الصحف شبه الرسمية مثل صحيفة الجمهورية ذلك التزايد إلى إقالة وزير الداخلية زكي بدر في العام 1990 الذي اعتبرته أنه كان شخصا قادرا على كبح عنف الجماعات الإسلامية إلا أن آخرين مثل الباحث حسن السيد عزوا تزايد أعمال العنف إلى انحسار شرعية النظام في المجتمع المصري وجادل السيد أن أعمال العنف الاجتماعي والديني كانت بمثابة مؤشر حاد على خيبة الأمل والإحباط العام من أداء النظام الذي فشل في تلبية حاجات الناس وهذا العنف المتزايد الموجه ضد الدولة وضد مسؤوليتها أثار ردا متشددا من النظام انعكست آثاره على المجتمع بوجه عام وقد اتضحت علاقة النظام المتوترة بالمجتمع وبالإسلاميين عموما – بمن فيهم المعتدلين من تعامل أجهزة الأمن مع الجامعات سواء على مستوي اتحادات الطلبة أو نوادي أعضاء هيئة التدريس .

قمع الاتحادات الطلابية

ينبغي أن يفهم قمع الاتحادات الطلابية في سياق قمع النظام للنقابات نفسه إذ استخدم الإخوان أيضا الفضاء الجامعي كما, فعلوا في النقابات كمنابر سياسية لانتقاد مواقف النظام ففي أثناء حرب الخليج مثلا انضمت الجامعات إلى النقابات وإلى هيئات التدريس في الجامعات وبتنسيق كل من تنظيم الجماعة في تنظيم تظاهرات للاحتجاج على الحرب التي شنت على العراق وعلى مشاركة القوات المصرية في التحالف وجري توزيع استبيانات على الطلبة في جامعة الإسكندرية مثلا وطلب منهم فيها الإدلاء بتعليقاتهم حول القرار الذي اتخذته الحكومة المصرية بإرسال قواتها إلى الخليج وحول الأسباب التي تقف خلف وجود الولايات المتحدة في الخليج وكيفية تصورهم للوجود الإسرائيلي والأمريكي في المنطقة .

كما استخدمت الاستبيانات في مناقشة قضايا سياسية أخري ففي أثناء الانتفاضة التي اندلعت في العام 1987 وفي الأعوام التي تلته جري تعبئة الطلاب بهدف تحدي الجهود المصرية لإقامة سلام في المنطقة واستخدام الإخوان الجامعات فضاء في إثارة الاهتمام بالقضية الفلسطينية وتم توزيع استبيان عن فلسطين في جامعة القاهرة جاء فيه أنه محاولة لمسح آراء الطلاب في الجامعة " حول قضية شغلت بال لعالم منذ سنين طويلة وسيعكس الاستبيان .. آراء الطلاب الذين يمثلون الجيل المثقف ومستقبل بلدنا الحبيب" وهنا أيضا طلب من الطلاب التعليق على أسئلة مثل " هل تهتم بالقضية الفلسطينية " ؟ و" كيف أثرت الانتفاضة من وجهة نظرك نحو القضية الفلسطينية؟" وما هو دور المواطن المصري في ما يختص بالقضية الفلسطينية فضلا عن الانتفاضة ؟"

وبالإضافة إلى ما تقدم استخدم التنظيم الفضاء الجامعي في تعبئة الطلاب الذين يحق لهم التصويت من أجل دعم مرشحي الإخوان في الانتخابات البرلمانية فحصل الطلاب في جامعة القاهرة على استبيانات تسألهم أن يختاروا من القائمة التي ضمت التحالف الإسلامي وحزب التجمع اسم الحزب الذي سيصوتون له في انتخابات العام 1987 واختار 60 بالمئة من أصل ألفي طالب حينها التحالف الإسلامي بوصفه خيارهم المفضل واعترف حلمي الجزار الرئيس السابق لاتحاد الطلاب في جامعة القاهرة أن نتائج هذا الاستبيان نتائج الاستبيانات المشابهة التي وزعت في الجامعات الأخرى كانت تصل إلى المكتب السياسي في التنظيم فيدرسها ويستفيد منها وهو يؤكد ما أشرت إليه سابقا حول هيكلية التنظيم التنسيق بين أقسامه المنتشرة داخل نسيج المجتمع المصري ( راجع الفصل الرابع ) وقد جذبت مثل هذه الأنشطة الطلابية انتباه الأجهزة الأمنية على نحو متزايد وزادت من تدخلها في الشؤون الخاصة في الجامعة وأصبح استخدام الغاز المسيل للدموع الأسلوب المتبع دائما لصد التظاهرات الطلابية في التسعينيات وبات الطلاب الناشطون يخضعون لرقابة مشددة وتم حظر النشاطات التي كانت تعتبر استنادا إلى جمال محمد وهو عضو في الإخوان وأحد قادة الطلاب في جامعة القاهرة لغاية العام 1995 سياسية بطبيعتها ( مثل عقد المؤتمرات وإقامة المعارض , وتعليق الملصقات )

وشاركت إدارة الجامعة أيضا في الحملة التي شنها الأمن للتضييق على أنشطة الإخوان الطلابية فبدأت بتطبيق سياسة جديدة قصد منها إضعاف استقلالية الاتحادات الطلابية وتقييد حريتها في تنظيم الأنشطة واستخدمت في القيام بذلك وسائل مختلفة شملت طرح ما صار يعرف بالريادة الطلابية اشترطت هذه السياسة على اتحاد الطلبة أن يتقدم بطلب إذن مكتوب إلى إدارة الجامعة كي يؤخذ موافقتها على أى ناشط نريد أن تقوم به وبالإضافة إلى ذلك أعطت الإدارة لنفسها حق الإشراف على أنشطة معينة والتدخل لمنعها اذا اقتضت الضرورة وبالاشتراك مع وزارة الشباب الرياضة ساعدت الجامعات أيضا على الترويج لمجموعة طلابية لمنافسة الإخوان وهي ما غرفت باسم " حورس " ( نسبة إلى إله فرعوني قديم) وجري تقديم دعم وتمويل بمبالغ كبيرة للطلبة هذه المجموعة للقيام بأنشطة اجتماعية لجذب الطلبة بعيدا عن أنشطة الإخوان إلا أن " حوس " فشلت في إيجاد أثر قوي بين الطلبة لأنها لم تكن قادرة على توفير الخدمات نفسها التي يوفرها الاتحاد ولأنها كانت أكثر ميولا إلى التركيز على الأنشطة الترفيهية ( رحلات وحفلات موسيقية ) لم ترق لكافة شرائح الطلبة كما أن سمعة " حورس " تشوهت لكونها واجهة طلابية شاع أنها ممّولة من الحكومة فضلا عن شائعات سرت على نطاق واسع بأن القائمين على ط حورس " اساؤوا استخدام ميزانية المجموعة الطلابية وبدءا من منتصف التسعينيات اعتري " حورس " ضعف متزايد نتيجة للنزاعات الداخلية ولرحيل راعيها الرئيسي عبد المنعم عمارة وزير الشباب والرياضة عن الحكومة فانتهت " حورس " بنهايته "

وبدأ الجهاز الأمني كذلك بزيادة وتيرة تدخلاته في الحملات الانتخابية وفي نتائج انتخابات الاتحاد في محاولة لمنع الإخوان من تحقيق مزيد من المكاسب الانتخابية في الجامعة وفي حين أنه اقتصر على شطب أسماء المرشحين الإسلاميين في الانتخابات التي كانت تجري في الثمانينيات بدأ في التسعينيات بشطب أسماء كافة المرشحين باستثناء أسماء الطلبة المرشحين الذين توافق عليهم إدارة الجامعة باعتبارهم موالين للنظام وكما لو لم يكن ذلك كافيا تواصلت عمليات إزعاج مرشحي التيار الإسلامي ( الإخوان ) واعتقالهم من الجامعة أو من بيوتهم وعلى الرغم من أن هذا ما كان يحدث في جامعة القاهرة بصورة متقطعة منذ العام 1992 إلا أنه بعد العام 1995 صارت ممارسة منتظمة كل عام وفي كل موسم انتخابي .

كما كان يجري ضد المرشحين المحتملين والناخبين ومنعهم من المشاركة في الحملات الانتخابية عبر إطلاق التهديدات الشفهية والعملية إلى درجة أن رجال الأمن كانوا يذهبون إلى منازل المرشحين قبل خوض الانتخابات فسوف تعطل دراستهم في الجامعة ويفصلون وكان يجري اعتقال المرشحين الذين لم تردعهم هذه التهديدات من بداية السنة الدراسية ليطلق سراحهم قبل أيام قلائل من امتحانات نصف السنة وإذا رسبوا في الامتحانات بعد ذلك كان يتوقع منهم إعادة دراسة مقررات السنة بأكملها والأسلوب القمعي الآخر كان إعلان الجامعة عن اليوم الذي يصادف أنه يوم إجراء للانتخابات على أنه يوم إجازة بحيث تغلق الجامعة أبوابها ويلزم الطلاب منازلهم ولا يشاركون في الانتخابات وفي لحالات التي يكون إقبال الطلاب فيها أدني من النصاب القانوني الذي تحدده اللائحة الطلابية فإنه يحق لرئيس الجامعة تعيين أعضاء من الاتحاد الطلابي بنفسه ومن دون انتخابات ولم يكن موقف الأجهزة الأمنية من ألإخوان في هيئات التدريس في الجامعات مختلفا كثيرا عن تعاطيهم مع الاتحادات الطلابية .

قمع هيئات التدريس

كما ذكرت . لم يكن موقف الأجهزة الأمنية من الإخوان في نوادي أعضاء هيئة التدريس مختلفا عن طريقة تعاملهم مع الإخوان في الاتحادات الطلابية ففي أسيوط والإسكندرية الزقازيق تحل المجالس المنتخبة لهيئات التدريس في هذه الجامعات وتعيين أعضاء أكثر موالاة للنظام وعندما يتبين أن تنفيذ هذا الإجراء ( أى حل المجلس المنتخب ) أمر صعب كما كان الحال في جامعة المنصورة وجامعة قناة السويس تتجه إدارة الجامعة إلى تشكيل نواد غير رسمية تدعمها الحكومة كي تنافس نادي هيئة لتدريس المنتخب وكان يجري تأخير إجراء الانتخابات بشكل متكرر وتكون النتيجة هي تعيين مجلس جديد يكون مواليا للحكومة وبالإضافة إلى ذلك فقد حرمت إدارة الجامعة نادي أعضاء هيئة التدريس من حقه السابق في انتخاب عمداء الكليات وأصبح اختيار العمداء يتم بالتعيين من إدارة الجامعة وليس عن طريق الانتخاب .

وسأتناول في ما تبقي من الفصل لحالة الاقتصادية في بداية التسعينات ومساعي النظام في تعزيز استقرار البلد من خلال الإصلاح الاقتصادي الذي هدد مصير العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع وابرز طبقة جديدة من المنتفعين وهي طبقة رجال الأعمال كما شملت إجراءات الإصلاح الاقتصادي التي قام بها النظام تصفية بقية الكيانات الاقتصادية الإسلامية التي كانت تدعم وتمول أنشطة الإخوان .

خامسا : الإصلاح الاقتصادي

شرع النظام المصري في التسعينيات في إصلاح اقتصادي أكثر جدية من فترة الثمانينيات على رغم أن بعض المحليين مثل لوفغرين وحريق محقون في المجادلة بأنه وجدت مظاهر من الإصلاحات الهيكلية منذ منتصف الثمانينات .

أداء النظام في الميدان الاقتصادي

ولدي مناقشة أداء النظام في الميدان الاقتصادي خلال التسعينيات ينبغي أن تميز بين إنجازات النظام على المستوي الاقتصادي الكلي وإنجازاته على المستوي الاقتصادي الجزئي فقط اتفاقيات النظام مع صندوق النقد الدولي ومع البنك العالمي في العام 1991 معينة بإصلاحات هيكلية في الاقتصاد المصري الكلي وأمور تتعلق بالتقليل من اختلال التوازن في الميزانية وف التعاملات المالية الخارجية ومعدلات الفائدة معدل الصرف وسندات الخزينة والضرائب لعامة على المبيعات وهنا يمكن القول إنه على هذا الصعيد من الإصلاحات في الاقتصاد الكلي أحرز النظام بعض التقدم بالفعل ففي أثناء السنوات السبع التي تلت بدء الإصلاحات التي تم الاتفاق عليها في لعام 1991 تراجع معدل التضخم من 20 بالمئة إلى 4 بالمئة وارتفعت قيمة الجنية المصري وارتفع حجم الاحتياطات من العملة الأجنبية من 6 مليارات دولار إلى 20 مليار دولار وانخفض العجز في الميزانية من 15 بالمئة إلى نحو 1,3 بالمئة من الناتج المحلي الإجمال وقد ساعد هذا التقدم مصر على الاستفادة من عروض تقسيط الديون المتنوعة التي وفرها صندوق النقد الدولي ومن الإعفاءات التدريجية عن ديونها الخارجية كما يعود جزء من هذا التقدم إلى المكافآت السخية التي حصلن عليها مصر نتيجة لدعمها لحرب الخليج على رغم أنه سرعان ما طغي على هذه المكاسب تراجع التحويلات لخارجية على إثر عودة أعداد كبيرة من المصريين الذين كانوا يعملون في الخليج وفي العراق .

ولكن على رغم ذلك بقي النظام عاجزا عن ترجمة هذا التقدم في الاقتصاد الكلي إلى نجاح على مستوي الاقتصادي الجزئي الأكثر ارتباطا بلقمة العيش والظروف الحياتية للمصريين العاديين وبخاصة أولئك الذين يعتمدون على القطاع العام والذين وقعوا بلا شك ضحية تآكله واستنادا إلى دراسة ممولة من الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية ارتفع معدل الفقر في المناطق الحضرية وفي المناطق الريفية في مصر من 20,7 بالمئة في العام 19901991 إلى 44,3 بالمئة في العام 19951996 وهذا يعني أنه في النصف الأول من عقد التسعينيات أصبحت شريحة أكبر من السكان تعيش دون مستوي الفقر وهو تطور كان يحدث بالتوازي مع ما كانت الدولة تحققه على مستوي إصلاحاتها الهيكلية , فقد ارتفع عدد الإضرابات عن العمل من 13 إضرابا في العام 1990 إلى 40 إضرابا في العام 1993 وارتفع عدد التظاهرات خلال الفترة ذاتها من 30 تظاهرة إلى 40 تظاهرة هذا بالإضافة إلى تصاعد عمليات العنف والأشكال الأخرى للقلاقل الاجتماعية وهو يشير إلى أن شرعية النظام باتت محل تساؤل ولا سيما أن هذه الشرعية لم يسعفها على المدي القصير التقدم الذي يحرزه النظام على المستوي الاقتصادي الكلي كما ذكرت ( زاد معدل الإضرابات في 2005 -2007 على معدلات الإضرابات في التسعينيات بكثير راجع الفصل السابع )

وكان النظام واعيا العلاقة بين شرعية وقدرته على المحافظة على عقده الاجتماعي مع المجتمع وبخاصة مع الطبقات الفقيرة على عكس ما يقال من أن النظام لا يكترث بالفقراء فالنظام مهما كان ظل يهتم باستقراره وظل يدرك أن قدرته على استيعاب غضب الشرائح البسيطة هو رقم مهم في معادلة استقراره ( يبالغ بعض المحللين في التعويل على الدعم الخارجي وحده تفسيرا لعملية الحفاظ على بقاء النظام ) وعندما التقيت بخالد منير وهو صحافي مصري لديه صلات مع الدوائر الرسمية ومع المعارضة في مكتبه في مقر صحيفة الحياة بالقاهرة شدد على أن المسئولين الحكوميين اعتراهم خوف شديد" ممن أسماهم بالحرافيش وهم الذين يعيشون في فقر مدقع ولا يجدون عملا , ولا يجدون مأوي ويعيشون في المقابر وعبر منير عن اعتقاده بأن النظام لن يذعن للضغوط التي يمارسها صندوق النقد الدولي إذا كانت تهدد استقراره:" ربما تتخلي الدولة في حالة مصر عنك وعني لكنها لن تتخلي عن وجودها وربما تذعن للضغوط في القضايا الدولية لكنها لن تذعن في القضايا المحلية التي ستؤدي إلى حالة مواجهة مع المصريين فالنظام يذعن لصندوق النقد الدولي فقط عندما يعتقد بأن استقراره لن يهتز إذا قام بذلك .

وهذا يعني أن مبارك لن يذعن للدعم الخارجي وحده إذا كان الدعم يهدد على المدي البعيد استقراره الداخلي بين أوساط الشعب ويؤكد وجهة النظر هذه دنسيس سوليفان الذي يجادل بأن خوف الدولة من الاضطرابات الاجتماعية يعد أحد الأسباب التي تجعل النظام يفكر دائما باستقراره السياسي بدلا من التفكير بإجراء إصلاحات هيكلية في الاقتصاد ولهذا السبب لم يكن الإصلاح الاقتصادي في التسعينيات جذريا 0 أى 100 بالمئة ) خوفا من تداعيات ذلك على الرغم مما كان يقوله النظام ليطمئن به المنظمات الدولية ( صندوق النقد) والمستثمرين الأجانب ففي العام 1992 أعلنت حكومة مبارك أنها ستبيع على مدي السنوات الخمس الممتدة بين العامين 1992 , 1997 الأرصدة أو الأسهم التي تملكها الحكومة في 74 شركة ولكن في ما يتعلق بالقطاع العام , , لم تحدث عمليات خصخصة جدية من الناحية الفعلية إلا بعد العام 1995 .

ومع ذلك من المهم أن ندرك أن الزيادة في عمليات الخصخصة لم تكن تعني انسحاب الدولة تماما من المجتمع فاستنادا إلى مارات تير تروف الذي زودني بأعداد الشركات التي شملتها الخصخصة فإنه على الرغم من تشجيع القطاع الخاص على المشاركة في إدارة القطاع العام وتطويره بقي أغلب حصص الملكية في يد الدولة ولكن يمكن المجادلة أيضا بأن خصخصة القطاع العام أضعف دور الدولة في تقديم الخدمات الاجتماعية والذي كان قد اعتراه الضعف أصلا منذ منتصف الثمانينات بسبب أزمة النقط وسوء إدارة القطاع العام ومع ذلك ظلال التسعينيات حريصا على شرعيته وذلك باتخاذه إجراءات ( وإن شكلية ) تسكن من الاستياء الشعبي من تأثير الإصلاح الاقتصادي وتأكل العقد الاجتماعي .

الإجراءات المسكنة

أكد الخطاب السياسي للنظام – المحل على الأقل – أن الإصلاح الاقتصادي لن يكون على حساب الدور الاجتماعي للدولة التي ستواصل دعم المحرومين والخريجين العاطلين عن العمل وأولئك الذين يعتمدون على القطاع العام وظلت حريصة على التخفيف من حدة الآثار السلبية للإصلاح الاقتصادي في شرائح المستفيدين من خدماتها عبر مرافقها الحكومية والقطاع العام فطرحت مثلا سلسلة من برامج الدعم وتمويل المشاريع للشباب والخرجين وتدريبهم على اكتساب مهارات جديدة ومن ضمن البرامج التي طرحتها الحكومة برنامج الصندوق الاجتماعي بميزانية 600 مليون دولار وبرنامج الصندوق الاجتماعي للتنمية بميزانية 613 مليون دولار وبرنامج الصندوق الاجتماعي للأعمال العامة الذي يقدم قروضا لدعم المشاريع الصغيرة في المناطق الريفية واتخذت الحكومة سياسة تشجيع الشباب والخريجين للحصول على قروض حسنة للبدء في مشاريع صغيرة أو الحصول على ما يصل إلى خمسة فدادين من أرضاي المناطق التي تم تعميرها حديثا واستصلاحها بدعم حكومي .

كما ساهم برنامج الصندوق الاجتماعي في تغطية جزء من تكاليف ونفقات خدمات المرافق العامة في مناطق الريف والقرى والنجوع ( مثل تزويدها بشبكات المياه , والصرف الصحي , والكهرباء ) التي كانت الدولة قد أهملتها في فترة الثمانينات وإضافة إلى جميع ذلك قامت وزارة التأمين الاجتماعي والشؤون الاجتماعية بتقديم مساعدات بسيطة لكن مهمة للفقراء وحصل أبناء هذه الشريحة على تعليم مجاني وعلى فرص للانضمام إلى برامج محو الأمية من قبل وزارة التعليم وعلى رعاية صحية مجانية في العيادات المحلية وفي المستشفيات العامة من قبل وزارة الصحة كما حصلوا أيضا على دعم للحاجات الأساسية من الخبز والطحين والسكر من وزارة التجارة والتموين ومنحتهم لحكومة الحق بالحصول على مساعدات لاستصلاح الأراضي الريفية بدعم من وزارة الزراعة .

وعلى الرغم من أن هذه الصناديق الاجتماعية هدفت إلى التخفيف من وطأة الإصلاحات إلا أنها في الواقع لم تفعل الكثير لتحسين صورة النظام فمع وجود هذه البرامج وصناديق الإعانة استمرت الظروف المعيشية بالتدهور وارتفع معدل البطالة من 8,6 بالمئة في العام 1990 إلى 11,3 بالمئة في العام 1995 فيما بقيت معاشات موظفين الحكومة على حالها على الرغم من غلاء الأسعار وعلى الرغم من مشاريع استصلاح الأراضي الزراعية والريفية التي رعتها لدولة استمرت الحكومة تولي أهمية أكبر في الإنفاق على تحديث المراكز العمرانية والحضرية في القاهرة والإسكندرية لجذب المستثمرين الأجانب والسياح فعلي الرغم من اهتمام النظام بالمحافظة على ما تبقي من عقده الاجتماعي مع الطبقات الفقيرة والمتوسطة إلا أن اهتمامه بالإصلاحات الهيكلية التي ترضي صندوق النقد وتجذب المستثمرين الأجانب والسياح ظل في مرتبة أعلي .

وكما عمل النظام في سياق إصلاحاته الهيكلية التي أفسحت المجال لبروز فئة رجال الأعمال في السياسة كما في الاقتصاد المصري عمل في الوقت نفسه على التضييق على الكثير من إنجازات الإخوان ( وإن كانت جزئية ) في المجالات الاقتصادية .

التضييق على إنجازات الإخوان المسلمين

استغل الإخوان إخفاقات النظام واستفادوا من انسحاب الدولة الجزئي – الذي فرضته الإصلاحات الاقتصادية – لتوسيع دورهم الخدمي وتعزيز عقدهم الاجتماعي مع الناس فبالإضافة إلى الإنجازات التي حققوها في النقابات .


حقق الإخوان أيضا انجازات على مستوي الرعاية الاجتماعية داخل الأحياء السكنية وفي مناطق الحضر والريف على السواء وارتفعت مثلا نسبة المنظمات والهيئات الخيرية التي يسيطرون عليها من 35 بالمئة في منصف الثمانينيات إلى 43 بالمئة في لعم 1991 ولم يمانع النظام مبدئيا في تزايد أعداد هذه الجمعيات لخيرية طالما أنها تعوض الناس عن تراجع خدمات الحكومة وانسحاب دور الدولة والأهم من ذلك طالما أنها ظلت تعمل بصمت ومن دون تسييس خدماتها كما حصل مع النقابات ولكن الإخوان لم يكن لديهم الاستعداد للقيام بما ارتضته الدولة ونما وظفوا الفضاءات التي سيطروا عليها بصرف النظر عما إذا كان طبيعتها تسمح بذلك في توجيه انتقادات سياسية لاذعة إلى إجراءات الإصلاح الاقتصادي التي تقوم بها الدولة .

وواصل الإخوان الجهر بانتقاداتهم للإصلاحات الاقتصادية والتحذير بشدة من خطط الحكومة لبيع القطاع العام المستثمرين أجانب ( غربيين) وأصرّ المرشد السابق مأمون الهضيبي على انه إذا سمحت الحكومة للأجانب بشراء الشركات المصرية فإنها ملزمة على الأقل باطلاع الشعب على أسماء هذه الشركات الأجنبية ( وعلى هويات أصحابها ) لطمأنة المصريين على استقلالهم الوطني وشكك عصام العريان في نزاهة واستقلالية صندوق الدولي والبنك العالمي اللذين يري أنهما يخضعان لهيمنة الولايات المتحدة ورغبتها في ضم مصر إلى السوق العالمية دونما اعتبار لخصوصيات الثقافة والاقتصاد المحلي وحذر شهاب الدين وهو صحافي من الإخوان في كتابه الذي ناقش فيه خصخصة القطاع العام من النتائج التي ستعود على الدولة وعلى المجتمع من جزاء خصخصة قطاعات الصحة والإسكان والتعليم .

وقد انزعج النظام من الصوت الزاعق للإخوان إزاء الميدان الاقتصادي وشن حملة أمنية استهدفت الكيانات الاقتصادية للجماعة أو لبعض أعضائها المستنفذين وفي شباط / فبراير 1992 أغارت أجهزة المخابرات على شركة " سلسبيل " للكومبيوتر واعتقلت صاحبيها حسن مالك وخيرت الشاطر ( وهو عضو رفيع في التنظيم وعضو سابق في مجلس إدارة البنك الدولي الإسلامي للاستثمار ) ووجهت الاتهامات إلى الاثنين بأنهما ينتميان غلى جماعة سرية ويعقدان اجتماعات خاصة داخل الشركة للتخطيط لقلب نظام الحكم .

وادعت الأجهزة الأمنية بأنها عثرت على أقراص تحتوي على خطة مفصلة للاستيلاء على البلاد وإقامة دولة إسلامية أطلق على الخطة التي احتوت عليها الأقراص اسم " خطة التمكين " وهي تشرح الطرق لتي تمكن الحركة من إحكام سيطرتها على الدولة وعلى المجتمع وكيفية مواصلة اختراق مؤسسات الدولة والنقابات ووجدت أيضا وثائق تتعلق بموقف الإخوان من " الآخرين " بما في ذلك النظام والأقباط والأحزاب السياسية وجماعات الضغط والحركات الإسلامية واليهود والولايات المتحدة , ولو وضعنا هذه الخطة جانبا نجد أن مخاوف النظام تفاقمت عندما اكتشف في وقت لاحق ان شركة " سلسبيل" باعت عددا من أجهزة الكومبيوتر للجيش ولأجهزة المخابرات وتحولت قضية شركة " سلسبيل" إلى مبرر كي يشن النظام حملة أكثر تنظيما على المشاريع الاقتصادية التي يديرها إسلاميون والتي وفقا للدعاية التي بثها النظام لم تكن أكثر من واجهات لأنشطة عسكرية تستهدف إسقاط النظام.

وأوقفت الحكومة تعاملها مع خالد عودة رجل الأعمال الإخواني من أسيوط من خلال وقف مشروع " كساء العاملين بالدولة " الذي كان مصنع عودة ينتج منه ملابس الموظفين العاملين في القطاع الحكومي ( راجع الفصل الثالث ) ولم يؤد انتهاء المشروع الذي كانت تدعمه وزارة التموين إلى إفلاس المصنع وإقفاله وحسب بل أدي أيضا إلى خسارة العمال لوظائفهم في المصنع وعندما اشتكي عودة شخصيا إلى الرئيس مما حصل قيل لم تعد مسئولة كما كانت في الماضي عن توفير ملابس بأسعار مدعومة لموظفي القطاع العام .

واتهم عودة مبارك بأنه " كذب " ( والتعبير له ) على المصريين عندما وعد في الثمانينيات بأنه لن يبيع القطاع العام ولا سيما تلك الشركات التي تحقق أرباحا مثل مشروع " مساء العاملين بالدولة" الذي كان يأتي بعائدات جيدة للقطاع العام ويعتقد عودة أن مشاريعه التجارية تضررت هي الأخرى نتيجة سوء إدارة الاقتصاد المصري فخلال الثمانينيات وبمباركة من الدولة ازدهرت مصانعه لكن أوضاعها تدهورت ف التسعينيات لنقص القوة العاملة في مصانعه إما بسبب الخوف من مضايقه الأجهزة الأمنية أو بسبب الركود الذي خلفته الإصلاحات الاقتصادية ففي مصنع " البنيان المرصوص" للطوب انخفض عدد العاملين من 100 عامل في العام 1988 إلى 25 عاملا فقط في العام 1991 وانخفض عدد العاملين في مصنع " الفتح" للأخشاب من 120 عاملا إلى 50 عاملا في الفترة نفسها أيضا وأقفل مصنع " البلاط " للمنسوجات أبوابه في العام 1991 وكان يعمل فيه في العام 1988 حوالي 100 وذلك بسبب وقف الحكومة لمشروع " كساء العاملين بالدولة" الذي أشرت إليه .

وإلى جانب تقلص عدد العاملين في مصانع عودة فقد تعرض بعضهم أيضا لمزيد من المضايقات من الشرطة عندما قرر عودة خوض انتخابات مجلس الشعب في العام 2000 مرشحا عن محافظة أسيوط وعندما التقيت بعودة في منزله بالقاهرة تحدث باستياء عن تجاربه المريرة مع قوي الأمن في أسيوط خلال حملته الانتخابية قائلا :" اعتقلت الأجهزة الأمنية 26 عاملا في أحد مصانعي ووضعتهم في السجن حتى يوم بعد إجراء الانتخابات لأنهم كانوا يساعدونني في الحملة وجري اعتقال آخرين مما كانوا يعلقون الملصقات على الجدران يوزعون المناشير وقد شعر أغلب العاملين بالخوف بالطبع بحيث إنهم لم يتخلوا عن مساعدتي في حملتي وحسب بل ترك بعضهم العمل في المصنع أيضا ".

واستهدفت الأجهزة الأمنية عودة وعملت على مضايقته وعرقلة جهوده الاقتصادية في توسيع مشاريعه وتمثلت احدي الإجراءات التي اتبعت معه ومع رجال أعمال آخرين من الإخوان بعرقلتهم وأحيانا بحرمانهم من الحصول على الرخص المطلوبة من السجل لتجاري لتأسيس مشروع جديد لقد كان عقد التسعينيات بالتأكيد هو عقد التضييق على الإخوان على الصعيد كافة وقد تجلي ذلك أكثر بحلول منتصف التسعينيات كما سنري في الفصل السادس .

خلاصة

شهد مستهل التسعينيات بداية قصة الصراع بين الإخوان المسلمين ومبارك ولا سيما على شرعية الإنجاز ولم يأت سياق التصادم من فراغ وإنما سرعت من وتيرته تطورات وعوامل محلية وخارجية وتفاعل النظام مع تلك التطورات من خلال مجموعة سياسات جديدة أهمها التخلي عن سياسة احتواء المعارضة السياسية وصياغة تحالفات جديدة مع فئة رجال الأعمال وكانت حصيلة ذلك مجلس شعب ضعيف ( قاطعت انتخاباته المعارضة ) في العام 1990 وتوقيع اتفاقية جديدة مع صندوق النقد الدولي في العام 1991 وأحكم النظام قبضته الأمنية على المجتمع وعلى فضاءات المعارضة واعتمد أكثر من ذي قبل على سياسة القمع لمواجهة أعمال عنف الجماعات الإسلامية ولم ينس وسط مواجهته للتيارات الإسلامية المتشددة أن يلتمس شرعية دينية من مؤسستي الأزهر ودار الإفتاء المصرية واقتصاديا وفي الوقت نفسه الذي خضع فيه النظام لضغوط صندوق النقد واصل مبارك في خطاباته التصريح بأن ما يقوم به من إصلاحات هيكلية في الاقتصاد المصري لا يعني تخلي الدولة عن دورها الاجتماعي وطرح إجراءات مسكنة لإثبات ذلك ( برنامج صندوق الرعاية الاجتماعية مثلا )

إلا أن أهم تحد واجه النظام في مستهل التسعينيات وحول العلاقة من مهادنة إلى تصادم كان ما حققه الإخوان من شرعية اجتماعية اتخذت صيغة سياسية حادة أزعجت مبارك شخصيا واستطاع الإخوان بفضل كفاءة هيكلهم التنظيمي وسيطرتهم على فضاءات الطبقة الوسطي من طلبة ( اتحادات الطلبة ) ومهنين النقابات من بناء عقد اجتماعي بديل من العقد الاجتماعي التاريخي بين الدولة والمجتمع الذي كان يتعرض للتآكل بسبب إصلاحات النظام الاقتصادية ثم أسفرت أحداث مثل حرب الخليج والزلزال إلى التعبير عن العقد الاجتماعي الإخواني بخطاب سياسي سعي إلى ممارسة ضغط على النظام إزاء رفضه منح شرعية قانونية للجماعة .

وقد أسفرت الممارسات الإخوانية التي اعتبرها النظام تحديا سافرا له إلى مصادرة الوجود الإخواني من الفضاءات التي سمح بها النظام في الثمانينات وربما أضعفت إجراءات المصادرة هذه من الوجود الإخواني بالفعل ولكن التضييق الأمني على الفضاءات السياسية والاجتماعية والاقتصادية قلص من شعبية النظام في الوقت نفسه وزاد من أزمته في تعزيز شرعيته وهي أزمة ازدادت بروزا في منتصف التسعينيات عندما وصل صراع النظام مع الإخوان إلى قمته بتحويل قيادات تنظيم الجماعة إلى محاكمات عسكرية كما سنري في الفصل السادس .

الفصل السادس

تصفية نفوذ الإخوان المسلمين (19952000)

إن علاقة الإخوان المسلمين بالأنظمة المصرية عادة ما اتبعت نمطا دوريا بدأ بالتعايش والمهادنة وانتهت بمواجهة وصدام و علاقة الإخوان بنظام مبارك لم تشد عن هذا النمط فبدأت بالتهادن في الثمانينيات وانتهت بالصدام في التسعينيات , ويمكن القول أيضا إن ذروة الصدام كانت في العام 1995 عندما قرر النظام لأول مرة اعتقال مئات من الإخوان من أعمار ومناطق ومحافظات مختلفة وتحويل بعضهم على المحاكم العسكرية وهي كما قلت إجراء غير مسبوق سوي في عهد عبد الناصر لما قام بتحويل مجموعة من أعضاء الحركة على محاكمات عسكرية في العام 1965 انتهت بإعدام المنظر الفكري والحركي للجماعة سيد قطب .

وقد شهد منتصف التسعينيات مجموعة أحداث جعلت النظام يتصرف بعصبية شديدة وبطريقة خارجة عن السيطرة أحيانا , من ذلك مثلا أن الانتخابات البرلمانية لمجلس الشعب في العام 1995 التي قرر الإخوان المشاركة فيها بعدد كبير نسبيا بلغ 170 مرشحا خاضوا الانتخابات كأفراد مستقلين ( وليس ضمن قوائم حزبية) وعلى الرغم من القانون الرقم 100 – السئ السمعة 0 لسنة 1993 الذي أريد منه التضييق على استمرار صعود الإخوان إلى مجالس إدارة النقابات فقد واصل الإسلاميون ترسيخ وجودهم في هذه الفضاءات وغيرها ولذلك كان احتمال تحقيق حالة الصعود نفسها ولكن إلى مجلس الشعب هذه المرة بمثابة كابوس للنظام وإلى جانب ذلك استمر قلق النظام أيضا من التصاعد المستمر لعمليات العنف التي بدأت في منتصف التسعينيات اتسعت ضمن قواعد وشبكات خارج مصر في دول مثل السودان واليمن وأفغانستان واستهدفت حياة مبارك نفسه في السنة نفسه (1995) فيما كان في زيارة إلى أثيوبيا .

اقتصاديا فشل رجال الأعمال ( شريحة المتحالفين الجدد) في دورهم الذي كان يتطلع إليه النظام في التخفيف من الآثار السلبية للإصلاحات الاقتصادية ما ترتب عليه تزايد حالة السخط الشعبي من هذه الشريحة , ومن النظام المتحالف معها وإزاء هذه التطورات في الميادين السياسية ( انتخابات مجلس الشعب ) والاجتماعية ( تزايد أعمال العنف ) والاقتصادية ( تدهور الأوضاع المعيشية ) ظل النظام مهتما بشرعيته إلا أنه أخذ يتصرف إزاءها بعصبية فلبت سياسة القمع على سياسة التفاوض – وهي حالة عمقت في النهاية مما أسميته بـ " أزمة الشرعية لدي النظام " ( ذكرته في لمقدمة وسيتضح أمثر في هذا الفصل ) .

وكما فعلت في الفصول السابقة سأتناول الميدان السياسي في الفترة من العام 1995 إلى العام 2000 وكيف تفاعل فيه النظام والإخوان في سعي كل منهما لتعزيز شرعيته .

أولا : مبارك وانتخابات العام 1995

اتسمت انتخابات العام 1995 بمشاركة ملحوظة من المرشحين المستقلين صنف عدد كبير منهم بانتمائه إلى فئة رجال الأعمال وأشارت التقديرات الرسمية إلى مشاركة أكثر من 4000 مرشح في المنافسة على مقاعد مجلس الشعب التي يبلغ عددها 444 منهم 439 مرشحا من الحزب الوطني ( الحاكم ) و181 مرشحا من حزب الوفد الجديد , و107 مرشحين من حزب العمل وانتمي الباقون إما إلى أحزاب صغيرة أو ترشحوا كمستقلين. وبالإضافة إلى هذا العدد الكبير من المرشحين من المستقلين ومن رجال الأعمال غابت عن الانتخابات التحالفات السياسية التي برزت في انتخابات العامين 1984, 1987 وهذا ما أكد ضعف الأحزاب السياسية المصرية وبروز قوي جديدة أكثر فاعلية بكلمة واحدة لقد غلب على انتخابات العام 1995 الاقتصادي على السياسي .

ومع هذه التغيرات أحرز الحزب الوطني نصرا مريحا بحصوله على 417 مقعدا في مقابل 6 لحزب الوفد الجديد و5 مقاعد لحزب التجمع ومن بين 170 مرشحا ينتمون إلى الإخوان لم تستطع الحركة بسبب تضييق النظام سوي من الحصول على مقعد واحد فقط ( خسرته بعد ذلك بناء على أن النائب البرلماني ينتمي إلى جماعة محظورة ) وعلى الرغم من حقيقة أن الحزب الوطني احتل 94 بالمئة من المقاعد – وهي نسبة مرتفعة مقارنة بالانتخابات السابقة – إلا أن قاعدته الشعبية تراجعت بدرجة كبيرة فقد حصل الحزب بداية على 317 مقعدا فقط شكلت 81 بالمئة من المقاعد في مجلس الشعب ( مقارنة مثلا بنسبة 78 بالمئة في انتخابات العام 1987, 87 بالمئة في انتخابات العام 1984) ولكن أضيف 100 مقعد لصالح الحزب الحاكم لاحقا عندما قرر بعض النواب المستقلين وغالبيتهم من رجال الأعمال , الانضمام إلى الحزب الوطني لحصد ا أمكنهم من مكتسبات من وراء عضويتهم في حزب النظام , ويشير هذا التراجع الابتدائي في دعم الحزب الوطني إلى خيبة أمل الناس من النظام مقارنة بمستهل الثمانينيات .

زد على ذلك أنه بخلاف الانتخابات السابقة التي هدف النظام من ورائها إلى تأمين السيطرة على مجلس الشعب بطريقة ذكية , فإن انتخابات العام 1995 شهدت أسوأ التدخلات وأكثرها قمعا لمنع المعارضة من الفوز فإلى جانب المئات الذين تعرضوا لمضايقات من رجال الشرطة وقوات الأمن قتل 51 شخصا على الأقل خلال عملية التصويت التي دامت يومين ( لقي 28 منهم مصرعه برصاص الشرطة وأصيب حوالي 878 بجروح) وابرز مستوي العنف تزايد مشاعر العدائية بين الدولة والمجتمع وانعدام الثقة بين الدولة والعارضة السياسية التي قاطعت انتخابات لعام 1990 ( راجع الفصل الخامس ) كما جاء عنف الدوائر الأمنية ردا على إعلان الإخوان أنهم سيخوضون الانتخابات بمائة وسبعين مرشحا لأنهم لو تركوا يخوضون المعركة الانتخابية بحرية فسيكون فوزهم أمرا شبه مؤكد ( كذا تصور النظام 9 وسيتجاوز تأثيرهم في مجلس الشعب في العام 1995 تأثيرهم في العام 1987.

وبالإضافة إلى ما تقدم أريد من مجلس الشعب في العام 1995 ترشيح مبارك لفترة رئاسية رابعة في العام 1999, وخشي النظام من أنه في حال سيطر الإخوان على أكثر من ثلث المقاعد في مجلس لشعب ( أى على نحو 140 مقعدا) فسيكون في مقدورهم عندئذ إعاقة ترشيح مبارك على اعتبار أنهم سبق أن صوتوا ضد ترشيحه لفترة ولاية ثالثة في العام 1993 كما أن عددا كبيرا من الإسلاميين تحت قيادة التحالف الإسلامي وبدعم من حزب الوفد سيطعنون في القوانين القمعية مثل قانون الطوارئ الذي جري تمديد العمل به في العام 1997 والعام 2000 وقانون الصحافة للعام 1995 الذي يفرض غرامات شديدة على الصحف في حال نشرت ما تعتبره السلطات معلومات كاذبة .

وعلى الرغم من إشراف وزارة العدل على الانتخابات وهو تطور دأبت المعارضة على المطالبة به طوال سنوات فإن وزارة الداخلية تمكنت من التدخل في سير عمليات التصويت وأسقطت كافة مرشحي الإخوان المائة والسبعين عدا مرشح واحد ( جري تجريده من عضويته في مجلس الشعب كما سبق أن أشرت على أساس أنه ينتمي إلى تنظيم محظور ) وجري اعتقال مرشحين مثل عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح سرعان ما أعلنوا عن نيتهم لخوض الانتخابان وجري تقديمهم إلى المحاكم العسكرية بناء على عضويتهم في تنظيم سري وأدانت المنظمات القومية والدولية المدافعة عن حقوق الإنسان تحويل مدنيين إلى محاكم عسكرية لم يفعلوا شيئا سوي معارضة الحكومة في آراء ومواقف سياسية وسعت شخصيات لديها اتصالات مع النظام ومع الإخوان إلى التوفيق بين الطرفين وإلى إقناع النظام بوقف المحاكمات العسكرية في حال وافق الإخوان على تقليص عدد مرشحيهم الذي اعتبره النظام رقما مستفزا ( 170 مرشحا ) وكان كمال أبو المج وهو عضو سابق في الإخوان ويتمتع بعلاقات جيدة مع النظام أيضا أحد هذه الشخصيات وقد التقيت بأبي المجد مرات في جيدة مع النظام أيضا أحد هذه الشخصيات وقد التقيت بأبي المجد مرات في مكتبة بالقاهرة وتحدث عن الجهود التي بذلها لإقناع الرئيس مبارك بوقف محاكمات الإخوان في مقابل التوصل إلى صفقة سياسية مع الحركة :" ذكرت لمبارك أن الإخوان كانوا فعلا على استعداد لخفض عدد مرشحيهم من 170 مرشحا إلى ما يصل إلى 10 مرشحين فقط واستبعاد أسماء مثيرة للجدل بالنسبة إلى النظام من قائمة مشرحي الجماعة مثل مأمون الهضيبي ومختار نوح وسيف الإسلام حسن البنا وذلك في مقابل أن يلغي النظام المحاكمات العسكرية ولكن جهودي أخفقت بسبب مؤولين معينين مثل صفوت الشريف وزير الإعلام حينئذ الذي سرب للصحافة فكرة الصفقة قبل أن تبدأ بالتبلور ".

ويعتقد أبو المجد أن مبارك رأي في الإسلاميين تهديدا لقيادته وخشي من سيناريو شبيه بما حدث في الجزائر مع جبهة الإنقاذ الإسلامية يمكن أن يؤدي فوز الإخوان فيه إلى تحويل مصر إلى إيران ثانية وأكد وجهة النظر هذه مكرم محمد أحمد رئيس تحرير مجلة المصور ويتمتع بصلات وثيقة مع مبارك فقد أكد مكرم كذلك على خوف النظام من الإخوان وعلى قلقه من تداعيات شعبيتهم " الإخوان منظمون للغاية ويتمتعون بشعبية واسعة جدا وفي حال خاضوا الانتخابات فسوف يفوزون على الحزب الديمقراطي الوطني بسهولة وهناك تيار داخل النظام يري أن الإخوان يشكلون التهديد السياسي الأكبر لمبارك ويخشي من أن ما حصل في الجزائر ( في العام 1992 ) يمكن أن يحصل في مصر ( العام 1995) .

لذلك سأتناول تفاعل الإخوان مع إصرار النظام على إقصائهم من انتخابات العام 1995 وهو إصرار ستري تصاعد وتيرته في الانتخابات التالية أيضا ( راجع العامين 2000 , 2205 في الفصل السابع ) .

منع الإخوان المسلمين من دخول البرلمان ( 1995)

كان نزول الإخوان بـ 170 مرشحا في انتخابات العام 1995 ( بعد مقاطعة انتخابات العام 1990 ) صدمة للنظام كما أنه بالإضافة إلى هؤلاء المرشحين الـ 170 الذين عزموا على خوض الانتخابات كمستقلين خاض عدد آخر من المرشحين الإخوان الانتخابات بالتحالف مع حزب الوفد ما عزز من استفزاز النظام وتعزيز مخاوفه من أن الجماعة تهدف إلى زيادة نفوذها السياسي والتشريعي في مجلس الشعب وكانت شعبية الحركة أخذة في التنامي بعد النجاحات التي حققها أعضاؤها في النقابات بسبب أنشطتهم الخدمية المنظمة وذات الكفاءة العالية بالمقارنة مع الخدمات التي تقدمها الدولة ولم تقتصر خدمات الجماعة على أعضاء بالمقارنة مع الخدمات التي تقدمها الدولة ولم تقتصر خدمات الجماعة على أعضاء النقابات فقط وإنما امتدت إلى عوام الناس في الحياء السكنية الفقيرة والمتوسطة والرقية من خلال الجمعيات الخيرية والعيادات والمدارس والمصانع ومحلات السوبر ماركت التي يشرف عليها الإخوان كـ " آفاق مشتركة " للاستقطاب وفضاءات لاكتساب الشعبية ( أ الشرعية ) وتعبئة الجماهير أضف إلى ذلك أن وجودهم المتسمر في المساجد المحلية ومشاركتهم أبناء المجتمع في مناسباتهم الأفراح والعزاء زاد من شعبية مرشحي الإخوان بدرجة كبيرة ويعتقد خالد منير صحافي في الحياة أن أغلب الدعم الذي تمتع به الإخوان يرجع إلى أن " الشعب يجدهم متي ما احتاج إليهم في حياته اليومي وليس في مراسم الحملات الانتخابية فقط " وأشار منير قائلا " لدينا في مصر من نسميهم بـ " نواب الخدمات" وهؤلاء هم أعضاء البرلمان الذين لا يفوزون في الانتخابات بالضرورة لأن لديهم مشاريع سياسية جيدة – فالكثير منهم لا يعرف شيئا عن السياسة أساسا – وإنما بسبب توفيرهم خدمات للناخبين ومشاركتهم هموم مجتمعهم وهذا ما يجعلهم يتمتعون بشعبية واسعة ويرغب الناس في التصويت لهم , بصرف النظر عما إذا خاضوا الانتخابات كأعضاء صمن قائمة حزبية أو كمستقلين ".

وإزاء شعبية الإخوان المتزايدة تدخلت دوائر أمنية بقسوة في انتخابات العام 1995 , وقامت باعتقال وتحويل أعضاء " مفصليين" وفاعلين في التنظيم إلى محاكم عسكرية في محاولة غير مسبوقة في عهد الرئيس مبارك لشل حركة الجماعة وتصف نفوذها المقلق .

تأثير المحاكم العسكرية

قام النظام في العام 1995 باعتقال عدد من الأفراد تضمن 95 عضوا فاعلا في الجماعة وحولهم إلى محاكمات عسكرية وقد شملت قائمة المحاكمين عسكريا عصام العريان الأمين العام السابق لنقابة الأطباء ومحمد حبيب رئيس هيئة التدريس في جامعة أسيوط وخيرت الشاطر صاحب شركة " سلسبيل " للكومبيوتر , وعبد المنعم أبو الفتوح الأمين العام السابق لاتحاد الأطباء العرب ومحمود عزت الأساتذة الجامعي وعبد الوهاب شرف الدين , وهو رجل أعمال وبالإضافة غلى مناصبهم العامة فإن معظم المعتقلين يحتلون مناصب رفيعة في الحركة وكانوا مسئولين عن مكاتب وأقسام داخل هيكل التنظيم فعلي سبيل المثال كان عصام لعريان عضوا في مكتب الإرشاد وكان في السابق عضوا في قسم الطلاب قسم النقابات المهنية وكان حبيب عضوا في مكتب الإرشاد ومسئولا أيضا عن قسم هيئات التدريس في الجامعات في حين كان الشاطر عضوا في مكتب الإرشاد ومسئولا عن قسم التخطيط ( حبيب والشاطر هما الآن نائبان للمرشد العام مهدي عاكف )

وقد وجهت المحاكمات العسكرية ضربة قوية إلى التنظيم وشكلت نقطة تحول في الصراع مع النظام وأثرت في تصورات الإخوان والكثير من مواقفهم خلال التسعينيات وربما العقد الذي تلاها وافترض أغلب الإخوان في المرحلة الأولي من الاعتقالات والمحاكمات في العام 1995 أن مبارك لن يمضي في هذه الخطوة إلى نهايتها ( أى حكم المحكمة بالسجن لسنوات ) ويخاطر بالتالي بتشويه صورته داخل مصر وخارجها وإنما سيتدخل ويعفو عن المتهمين ما إن تنتهي الانتخابات ولكن سرعان ما أدرك الإخوان أنهم كانوا مخطئين في افتراضهم حيث أدين أغلب الأشخاص الذين مثلوا أمام المحاكم العسكرية وسجنوا لفترات تراوحت ما بين ثلاث وخمس سنوات ( بعضهم مع الأشغال الشاقة ) وهو ما أكد أن نوايا النظام باتت في الحقيقة أوسع من مجرد منع الإخوان من خوض الانتخابات .

وفي أعقاب إصدار الأحكام العسكرية طلب التنظيم من القسم السياسي داخل الجماعة عمل دراسات وإطلاعه على ما يعتقد أنها الأسباب التي أدت إلى تغيير النظام موقفه من الحركة وعلى الخيارات المتاحة أمام الإخوان للمحافظة على وجودهم في ظل الظروف السلطوية التي سادت في التسعينيات .

ولقد تمكنت من الالتقاء في أثناء زيارتي لمصر في العام 2001 بعبد المنعم سليم جبارة ( الراحل ) وكان عضوا في مكتب الإرشاد ومسئولا أيضا عن المكتب السياسي وعرض على بارة في شقة في منطقة الجيزة حيث كان أعضاء من القسم السياسي يلتقون ويديرون نشاطاتهم التقارير الأسبوعية والتعليقات المتعلقة بالشؤون السياسية الحالية التي أعدها القسم ووزعها على أعضاء التنظيم وعكست أغلب تلك التقارير موقف الإخوان من التطورات لحالية على رغم أنه لم يكن يجري الإعلان عن وجهات النظر هذه دائما في خطابهم للناس والصحافة وافق جبارة على إطلاعي على بعض الدراسات التي أعدها القسم الخاصة بموضوع وأبلغني جبارة أن الوثائق والدراسات الأكثر أهمية صادرتها الأجهزة الأمنية في أثناء حملة الاعتقالات والبحث عن معلومات تتعلق بالتنظيم ولذلك لم ير ضررا في نشر بعض من هذه الدراسات لأغراض هذا الكتاب شريطة حذف أسماء الأشخاص المنتمين إلى التنظيم وتفاصيل أخري حساسة .

وسأعرض في القسم التالي بعض ما جاء في هذه الوثائق التي لم يكن يراد نشرها السياسي وتقييم الأسباب التي قادت إلى المواجهة كما يراها القسم السياسي ف التنظيم والخيارات المطروحة وتعني الوثائق الأربع التي أناقشها هنا بنظام مبارك وبعلاقاته مع الإخوان ولذلك فهو يوفر للباحثين المهتمين بدراسة العلاقة بين الدولة والمجتمع في الوطن العربي بعض الرؤي المفيدة خاصة في ما يتعلق بطريقة الإسلاميين عموما في التفكير وتناقش الوثائق أيضا دور الغرب وإسرائيل في المواجهة بين مبارك والإخوان وأذكر بأن هذه الوثائق خاصة وبالتالي تكمن قيمتها في أن بعض الآراء الموجودة فيها لا يتم التعبير عنها أمام الناس وفي الصحافة وأؤكد أن الأفكار والبيانات المذكورة في هذه الوثائق لا تعكس بالضرورة الآراء الرسمية للتنظيم ولكنها تكشف عن ملاحظات وآراء أعضاء القسم السياسي الذين كتبوها ويمكن القول في الوقت نفسه إنه قد جري تدوالها بين كبار الأعضاء في التنظيم بما في ذلك قيادته وبالتالي أثرت حتما في تصورات وآراء الإخوان ولو دون وعي وقد أوردت النصوص الكاملة لهذه الوثائق ( وتنشر لأول مرة ) في ملحق هذا الكتاب .

الإخوان المسلمون يكشفون أسرارهم

وفي ما يلي عرض بأهم الأفكار والتصورات التي وردت في الوثائق الداخلية للإخوان والتي كتبها أعضاء القسم السياسي بعد اعتقالات العام 1995 الشهيرة وطبقا للوثيقة فإنه ربما أمكن القول إن المواجهة بين مبارك والإخوان كانت هي النتيجة المتوقعة بسبب عدم قدر