الإخوان المسلمون ردود على تساؤلات واتهامات

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإخوان المسلمون ردود على تساؤلات واتهامات
الإخوان 70 عاما.gif

بقلم / الدكتور يوسف القرضاوي

الإتهامات الظالمة

لا أعرف فى التاريخ الحديث جماعة ظلمت, وكيلت لهم التهم جزافا كما ظلمت جماعة الإخوان لقد ظلمت – كما يقول المثل - ظلم الحسين رضى الله عنه.

وأعجب شئ يلحظه الدارس المراقب أنها تتهم بالشئ ونقيضه فى آن واحد فيتهمها قوم بشئ ويتهمها آخرون بضده تماما, وهذا بدوره يسقط هذه التهم كلها, ولا يجعل لعا اعتبارا.

فهناك من يسمون " التقدميين" الذين يرمون الجماعة بالرجعية والجمود والرجوع بالأمة إلى الوراء والمحافظة على القديم, بل من الكاتبين فى الفكر الإسلامى من يتهمهم بأنهم انتكسوا بحركة التجديد بعد الأفغانى و محمد عبده ومالوا بها إلى المحافظة والتزمت!

على حين نجد من المتدينين وأتباع بعض الجمعيات والاتجاهات الدينية : من يرمى الجماعة بالتحرر الزائد والترخص فى الدين, المسايرة للتطور, ومن ينكر عليهم فتح باب الاجتهاد, والخروج عن تقليد المذاهب المتبوعة, وتبنى بعض الآراء الجديدة.

وهناك من المتصوفة من يعد الجماعة من " الوهابيين" وتلامذة مدرسة الإمامين " ابن تيمية وابن القيم" ويحسبهم على " السلفيين" ويعتبرهم خصوما لذا للتصوف وأهله!.

فى حين نجد من السفليين من يصنف الإخوان مع " الطرق الصوفية" ويحشرهم فى زمرة " القبوريين" لمجرد أن حسن البنا نشأ صوفيا, وأنه اعتبر " التوسل" من الوسائل الخلافية" وأنه خلاف كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة!.

والإخوان فى نظر الأحزاب السياسية والهيئات العلمانية : جماعة دينية غمست يدها فى السياسة والسعى إلى الحكم, وما ينبغى لها أن تلوث نفسها بأوحال السياسة ولا أن تدخل مع الأحزاب فى الصراع من أجل الحكم.

وهى فى نظر آخرين من الإسلاميين قد قصرت فى خوض غمار السياسة ولم تستغل قوتها وشعبيتها كما ينبغى فى السعى إلى الحكم, وانتزاعه بالقوة أو بالقانون من أيدى الطغاة والمنحرفين الذين أفسدوا البلاد وأذلوا العباد.

وهى فى نظر الملك فاروق وحاشيته وحكوماته المتعاقبة , وعند الإقطاع والإقطاعيين: جماعة شعبية ثورية متطرفة, تعادى الملك والملكية والطبقات الارستقراطية من الفلاحين والعمال والرأسمالية المتسلطة, وتحرض الفئات الشعبية المستضعفة من الفلاحين والعمال على السادة الإقطاعيين والرأسماليين وتعمل على قلب نظام الحكم بلا قوة وكم للإخوان من قضايا وتحقيقات سجلت ضدهم تحت هذه الدعوى.

أما فى نظر الشيوعيين واليساريين وأشباههم فهى ( جماعة يمينية) محافظو , موالية للملك والإقطاع والطبقات الحاكمة المتجبرة, ولم يشفع للإخوان عند ( جماعة اليسار) ما قاسوه من محن وتعذيب على يد هذه الطبقات , وما قدموه من ضحايا وشهداء على رأسهم إمام الجماعة ومؤسسها عليه رحمة الله.

والإخوان فى نظر بعض الشباب الملتزمين بالعمل الإسلامى والمنتمين لبعض الجماعات الإسلامية: متساهلون بل مفرطون فى التساهل فى أمور الدين, فكثر منهم يلبسون " البدلة" ولا يقصرون الثياب ويستعملون" الفرشاة" بدل السواك ويحلقون لحاهم, أو يهذبونها ويأخذون منها إن هم أطلقوها.

هذا مع أن آخرين فى الصف المقابل: بعضهم من المسلمين, وبعضهم من غير المسلمين : يرمون الإخوان بالتشدد فى الدين والتصلب فيه, وأنهم لا يجارون العصر ولا يلينون لمقتضيات التطور!

وقد اتهمت الجماعة على ألسنة أجهزة الإعلام الحكومية فى عهد الملكية وعهد الثورة بالدموية والإرهاب واستعمال العنف, واستخدمت لذلك النكت والكاريكاتير. مستغلين بعض حوادث قام بها أفراد من الجماعة, بعضها كان ضد مصالح يهودية أو بريطانية فى مصر, وبعضها كان تصرفا خاصا من بعض أفراد الجماعة مثا قتل الخازندار.

وفى مقابل هؤلاء نجد آخرين من الجماعات المنتسبة إلى الإسلام, مثل جماعة صالح سرية وجماعة شكرى مصطفى التى أطلقوا عليها جماعة التكفير والهجرة- واسمها عند مؤسسها:" جماعة المسلمين"- ومثلها ( جماعة الجهاد)و( الجماعة الإسلامية) فى صعيد مصر: تتهم الإخوان بالضعف والاسترخاء, وخيانة مبدأ ( الجهاد) الذى قامت عليه من قبل وجعلت منه شعاراتها( الجهاد سيبلنا والموت فى سبيل الله أسمى أمانينا) فأصبحت تؤثر المسالمة مع قوى الجاهلية كما اتهموها بالتهاون والتفريط فى حق الأعضاء وتسليمهم لكلاب الصيد, وسلطات التعذيب بلا مقاومة ولا صدام.

ومنذ مدة قرأت كتابا لواحد من رجال " جماعة المسلمين" أو جماعة ( التكفير ) هذه ينقل عن صاحبه وأميره( شكرى) أنه قال فى صدد حديث له عن الإخوان": إنى أتهم بالخيانة العظمى أولئك الرجال من قادة الحركة الإسلامية الذين قادوا رجالهم إلى التهلكة وفرطوا فى أعناقهم, وأوردوهم قيعان السجون وأسلموهم لجلاديهم وللمشانق... الخ فانظر كيف يتهم الإخوان بالخيانة العظمى لأنهم لم يقاتلوا الشرطة الذين قبضوا عليهم, وأسلموهم إلى المشانق أو السجون"

وهذا شأن الأمة الوسط أو الجماعة الوسط والفكرة الوسط: أنها دائما ملومة من الطرفين المتقابلين طرفى الإفراط والتفريط


اتهامات الغربيين للإخوان

وليس هذا شأن الإخوان مع الجماعات الدينية والسياسية داخل بلادنا فحسب بل هذا شأنها مع الآخرين مت الغربيين والشرقيين واليمينيين واليساريين , والرأسماليين والشيوعيين.

يقول د: محمود أبو السعود فى مقدمة ترجمته لكتاب د: ريتشارد.ب ميتشل عن الإخوان:

" وهل الغرب, سواء من اهتم بالفكرة الدينية( المستشرقون) أم من اشتغل بالفكر السياسي: ينظرون إلى حركة الإخوان من زاوية عاطفتهم المسيحية أو اليهودية أو الصائبة أو من خلال مصالح الغرب الاستعمارية وفى الحالتين نجد منهم ذلك الخوف من قيام " الدولة الإسلامية" التى دوخت الغرب قرونا طويلة وتدفعهم الرهبة من انتشار الدعوة الإسلامية الإخوانية التى تؤلب عليهم ذكريات التفوق الإسلامي, ولا ينهض بهم علمهم ولا أمانتهم العلمية حتى يسموا فوق التحيز فى الحكم أو حتى يروا الأمور على حقيقتها.

والمتصفح لكتابات هؤلاء وأمثالهم عن الإخوان يخرج بحصيلة تدعوا العجب بل كثيرا ما تبعث فى النفس الرثاء إن لم تكن السخرية فبينما يعتبرهم اليساريون من الرجعيين الذين رفعوا شعار " العودة إلى الماضي" نرى الرأسماليين يرمونهم باليسارية والثورية, وبينما يرى فريق من كتاب الغرب أنهم فئة تقدمية خطرة على المذاهب الغربية, نجد فريقا آخر يرميهم بالتزمت والعنف والتنظيم العسكري ( أو الفاشى) .. وهكذا دواليك.

فالإخوان فى نظر الشيوعيين : انتهازيون عملاء للإنجليز المستعمرين.

والإخوان فى نظر المنحازين للديمقراطية الرأسمالية: اشتراكيون مقنعون أو فاشيون إرهابيون.

والإخوان فى نظر الأوروبيين : دعاة إلى عودة الإمبراطورية الإسلامية البغيضة التى تحاول أن تكره الناس حتى يكونوا مسلمين مؤمنين.

وأغرب ما سمعت فى هذا الصدد: ما ذكره لى شخصا أحد كبار موظفي القصر فى عهد الملك فاروق وإذ أبلغنى أن فاروق كان يعتقد أن الإخوان يحصلون على مدد مالى سخى... من اليابان!!.

كل هذا هراء وافتراء, ولن يثبت ابدأ فى التاريخ , إذ لن يسجل التاريخ مثل هذه المزاعم الباطلة مهملا ما تركته الدعوة الإخوانية من حركة تجاوبت أصداؤها مع قلوب ملايين من البشر, فدفعتهم إلى المطالبة بضرورة الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله الأمين عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم,وما زالت هذه الدعوة حية قويه تحتل الأفكار والقلوب, تنطلق بها الألسن وإن صدر قرار بحل هيئتها الرسمية, صودرت أموالها وقتل من قادتها من قتل وعذب وشرد واضطهد منهم العدد الغفير.

وسنعرض فى الصحائف التالية للاتهامات التى وجهت إلى الإخوان من خصومهم – على اختلاف ألوانهم ومن ملاحدة وعلمانيين ودنيين!- ونرد عليها بالبيانات التى تأتى عليها من القواعد والله تعالى يقول [ وق جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا] ويقول [ فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض].

1- الإخوان وتسييس الدين

ومن التهم القديمة الجديدة التى وجهت إلى الإخوان : ( سيسوا الدين) أو خلطوا الدين بالسياسة, أو أدخلوا الدين فى السياسة والسياسة فى الدين.

وقد قال أحد الحكام يوما: لا دين فى السياسة ولا السياسة|سياسة فى الدين!!

وشاعت على الألسنة والأقلام فى السنوات الأخيرة هذه العبارة (الإسلام السياسى) يريدون به : الإسلام الذى يدعوا إلى الحكم بما أنزل الله, وإلى تحكيم شرعه فيمن آمن به, وإلى تحرير أرض الإسلام ومقاومة كل معتد عليها, والعمل على توحيد الأمة العربية والإسلامية – أو على الأقل – التقريب بينها بدل أن يجافى بعضها بعضا أو يضرب بعضها وجوه بعض.

وحين يشرح هؤلاء – من خصوم الإخوان – مضمون (الإسلام السياسى) لا يكتفون بما ذكرنا, بل يضمونه معنى العنف والقتل العشوائى ,وإرهاب الآمنين, والتعصب ضد الآخرين والانغلاق على الماضى والانقطاع عن الحاضر وإغفال المستقبل.

فإذا اعترفت بأن السياسة جزء من الإسلام إذا استمدت منه وسارت فى ضوئه : ألزموك بما لم تلتزم به, وحكموا عليك بأنك من أنصار العنف والإرهاب والدموية.

وأحب أن أقول هنا: إن الإخوان ليسوا هم الذين (سيسوا الدين) بل شارع هذا الدين – وهو الله جل جلاله – هو الذى (سيسه) حين شرع فيه من الأحكام ما يتعلق بالسياسة.

وأخبرنى بربك فى أى باب نحسب هاتين الآيتين من كتاب الله إذا لم نحسبهما فى السياسة [إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا. يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم فى شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر]

إن الإمام ابن تيمية جعل هاتين الآيتين محورا لكتابه (السياسةالشرعية فى إصلاح الراعي والرعية).

وبعدها جاءت جملة آيات توجب الاحتكام إلى الله تعالى : ورسوله ختمت بقوله تعالى(فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما)

ومثلها فى سور النور, حيث يقول تعالى ( ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين....) إلى أن يقول(إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون)

أوليست هذه الآيات وأمثالها فى صميم السياسة بل أصول السياسة لأنها تتعلق بتحديد (المرجعية) العليا للأمة والدولة.

وماذا يقول هؤلاء الذين (يلتون ويعجنون) عن تأسيس الدين فى هذه الآيات من سور المائدة (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون...ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون... ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)

سيقولون: إنها نزلت فى أهل الكتاب فى شأن تحكيم التوراة والإنجيل ونقول لهم: نعم هى كذلك ولكن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

ثم هل ما أنزل الله على المسلمين دون ما أنزل على أهل الكتاب حتى إذا تركوا الحكم بما انزل الله كانوا كافرين أو ظالمين أو فاسقين, وإذا ترك المسلمون الحكم بما أنزل عليهم من القرآن, لم يوصفوا بكفر ولا ظلم ولا فسوق؟

أو: هل يكيل الله سبحانه بكيلين فإذا ترك أهل التوراة والإنجيل كتابهم حكم عليهم بما ذكر, وإذا ترك المسلمون قرآنهم لم يحكم عليهم بما حكم على من قبلهم فأين عدل الله على الناس؟!

وقد رددنا على ذلك فى كتبا الأخرى بما يقطع كل شك؟

من قرأ القرآن وجد فيها كثيرا من الآيات التى تتعلق بالسياسة الداخلية والسياسة الخارجية, والعلاقة بالآخرين فى حالة الحرب,وفى حالة السلم وهذا لا يخفى على من له أدنى إلمام بالقرآن الكريم, وقد رأينا القرآن المكى يربط المسلمين – وهم قلة مستضعفة فى مكة – بالصراع السياسة والعسكرى العالمى من حولهم, وصارع الدولتين الكبريين اللتين تتنازعان السيادة على العالم : دولة الفرس فى الشرق ودولة الروم البيزنطية فى الغرب, ويتدخل فى الجدل الذي دار بين المشركين والمسلمين حول المستقبل ولمن يكون النصر في النهاية فقد كان المسلمون ينتصرون للروم, ويؤمنون بأن الغلبة لهم باعتبارهم نصارى أهل كتاب فهم أقرب إليهم وكان المشركون ينتصرون للفرس لأنهم مجوس يعبدون النار فهم أقرب إلى عبدو الأوثان.

ونزل القرآن يؤيد المسلمين فى الآيات الأولى من سورة الروم [الم. غلبت الروم . فى أدنى ألأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون فى بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله]

ومن قرأ السنة النبوية وجد فيها ذلك بتفصيل أكثر كما وجد ذلك واضحا فى سيرة الرسول (عليه الصلاة والسلام) العملية فقد كان هو الإمام الأعظم كما كان القاضي الحكم والمفتى الأعلم على حد تعبير الإمام القرافى رحمه الله.

و(الإمام الأعظم) يعنى الرئيس الأعلى للدولة وقد كان هو ذلك بلا نزاع فلم يكن بجواره ملك أو أمير يدير أمور السياسة على حين يتفرغ هو لشؤون الدين والدعوة بل كانت الدعوة والدولة فى يديه كان هو الذى يؤم الناس فى الصلاة ويقودهم فى الحرب وفى السلم, ويعقد المعاهدات ويلقى الوفود ويعين الولاة والقضاء والمعلمين ويبعثهم إلى البلاد التى دخلت فى الإسلام.

ومن المعروف فى فقه السياسة الشرعية : أن هناك نوعا من التصرفات النبوية يطلق عليها الفقهاء أنها ( تصرف بمقتضى الإمامة ) أى بمقتضى الرئاسة العليا للدولة.

وهذه ليست مثل التصرفات التى تكون بمقتضى التبليغ عن الله تعالى وهذه كما قالوا فى حديث " من أحيا أرضا ميتة فهى له" إذ قال أبو حنيفة ومن وافقه. هذا قاله بمقتضى إمامته, فلا يملك أحد أرضا أحياها إلا بإذن الإمام.

وقرر الفقهاء من جميع المذاهب أن الشريعة حاكمة على جميع أفعال الكلفين لا يخرج فعل منها – فى أى مجال كان – عن دائرة الشريعة إذ لابد أن تعطيه حكما من الأحكام الشرعية الخمسة المعروفة.

والقرآن يؤكد هذه الشمولية حين يقول خطابا للرسول ( ونزلنا عليك الكتاب تبانا لكل شئ وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)

ويقول فى ختام سورة يوسف ( لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شئ وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)

حتى قال ابن عباس ترجمان القرآن: لو ضاع منى عقال بعير لوجدته فى كتاب الله!

فإذا كان الإنجيل يقول:" (دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله) فإن القرآن يجعل قيصرا وما لقيصر لله الواحد الأحد ( قل الأمر كله لله) فلله ما فى السموات وما فى الأرض ومن فى السماوات ومن فى الأرض وهو الحاكم عليهم ومن واجبهم أن يطيعوه طاعة مطلقة تمثل عبوديتهم له وانقيادهم لأمره.

ولقد قرر الأصوليون : أن ( الدين) هو إحدى الضروريات الخمس أو الست التى قام عليها بنيان التكاليف الشرعية وهى : الدين والنفس والنسل والعقل والمال.. وزاد بعضهم : العرض.

فالذين يريدون أن يحصروا الإسلام فى (الدين) وحده ينسون هذه الحقيقى التى اجمع عليها الأصوليون.

إن (شمولية الإسلام) ليست من ابتداع الإخوان بل هى ما قرره القرآن والسنة وأجمعت عليه الأمة, وتأسست عليها ثقافة وحضارة وامتد به تاريخ وتراث.

وكل المصلحين الكبار الذين سطعت نجومهم فى آفاق الأمة, حاولوا النهوض بها فى العصر الحديث, كلهم أدخلوا السياسة فى الدين والدين فى السياسة: محمد عبد الوهاب, والسنوسي والمهدي والأمير عبد القادر والأفغاني , والكواكبى , ومحمد عبده, ورشيد رضا وابن باديس, وغيرهم كلهم نظروا إلى الإسلام تلك النظرة الشاملة التى لا تفرق بين دين وسياسة فم جميعا مشتركون فى (تسييس الدين)

فليس حسن البنا بدعا فى المصلحين , ولا دعوته فى دعوات الإصلاح والتجديد.

والحاكم الذى أعلن أن لا السياسة|سياسة فى الدين, ولا دين فى السياسة, كثيرا رأيناه وسمعناه, يتحدث باسم الدين,تأييدا لسياسته, ويطلب من علماء الدين إصدار الفتاوى تبريرا لموقفه.

والملتزمون بالإسلام شأنهم شأن سائر المواطنين,من حقهم أن يمارسوا السياسة وفق معتقداتهم ومفاهيمهم, ولا يحوز أن يحرموا منها لمجرد أنهم متدينون.

إن المسلم يستطيع أن يدخل فى أعماق السياسة وهو مستغرق فى عبادته لربه, وهذا ما نشاهده فيما يسمى (قنوت النوازل) فيجوز للمسلم أن يدعو فى صلاته على الصهاينة المعتدين على فلسطين, وعلى الصرب المعتدين على البوسنة والهرسك وكوسوفا أو على غيرهم ممن يعتدى على حرمات المسلمين. كما أن المسلم يمكنه أن يقرأ نم القرآن ما يشتمل على آيات فى ميادين الحياة المختلفة كالجهاد وإقامة العدل , والحكم بما أنزل الله وغيرها ولا يستطيع أحد أن يعترض عليه فى قليل أو كثير.

وبهذا تسقط تهمة (تسييس الدين) عن الإخوان كما تسقط غيرها من التهم (وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا)


2- الإخوان وخط المدرسة الإصلاحية

ومن التهم العجيبة التى وجهت إلى الإخوان من بعض المستغلين بالفكر أنهم خرجوا عن خط مدرسة الإصلاح والتجديد الإسلامية, التى مثلها جمال الدين الأفغانى ومحمد عبده ورشيد رضا وكانت تمثل العقلانية الإسلامية المتفتحة على العصر التى لا تقف عند حرفية النصوص ولكن تعمل فيها التأويل فتوازن النص والمصلحة, او بين النقل والعقل, أو بين الشريعة والحكمة كما عبر ابن رشد.

والحق أن الإخوان لن يخرجوا عن خط هذه المدرسة فى الإصلاح والتجديد , والتوفيق صحيح المنقول وصريح المعقول والموازنة بين النصوص الجزئية والقاصد الكلية للشريعة مستفيدين من كل قديم نافع ومرحبين بكل جديد صالح.

ولكن ينبغى أن نلاحظ: أن هذه المدرسة الإصلاحية قد تطورت فى تفكيرها ومفاهيمها وتوجهاتها, فكانت فى أول أمرها تدعو إلى فلسفة عامة تتلخص فى الثورة على الاستعمار وأعوانه من طغاة الحكام, وعلى تفرق الكلمة الذى مزق الأمة الواحدة, ولهذا كان عنوان هذه المدرسة أو شعارها فى مرحلتها الأولى ( الجامعي الإسلامية).

وكان هذه مناسبا للرجل الأول فى هذه المدرسة وهو جمال الدين الأفغاني الذى كان أقرب إلى الفيلسوف أو رجل الحكمة والسياسة منه إلى عالم الشريعة .

فلما كان تلميذه الشيخ الإمام محمد عبده – العالم الأزهري المتمكن – بدأت المدرسة تتضح معالمها الشرعية أكثر, وتستبين سماتها وملامحها بثقافة الشيخ محمد عبده الشرعية المستنيرة التى تنزع نزعة عقلية, وكأنها تجمع بين محافظة الأشاعرة وتحرر المعتزلة. وكان الشيخ المصرى أميل من أستاذه الأفغاني إلى التنوير العقلي منه إلى التغيير السياسي.

ثم جاء تلميذ الشيخ عبده: العلامة الإمام محمد رشيد رضا فضم إلى علم شيخه علوم أهل الأثر, ولا سيما علم الإمامين المجددين: ابن تيمية وابن القيم, وتبحر الشيخ فى علوم السنة, وفقه السلف , ومعارف العصر وبهذا أخذت مدرسة الإصلاح فى ( الانضباط) أكثر وأكثر وأصبحت ترجع إلى الأدلة الشرعية فى كل قضية وتوازن بينها في غير تعصب ولا جمود وتنتهي إلى الرأي الذي يجمع بين السلفية والتجديد حقا.

والشيخ حسن البنا مشى على نهج الشيخ رشيد, واقتفى أثره, وإن بدأ فى بعض الأحيان أقرب إلى التشدد كما فى قضايا المرأة والشورى والتعددية ونحوها, ولا ننسى أن ( المدرسة العقلية) التى يمثلها الشيخ جمال الدين, والشيخ محمد عبده متهمه عند جمهور أهل العلم من المسلمين بالانبهار بالحضارة الغربية إلى حد الإسراف فى تأويل النصوص القطعية مسايرة للفكر الغربى.

والمنصف يرى بينا فى كلام الشيخ محمد عبده عن قصة آدم وعن الملائكة فى سورة البقرة وعن الطير الأبابيل فى سورة الفيل. وهو تأويل غير سائغ, حتى إن الدكتور طه حسين أنكر تأويل الطير الأبابيل بميكروبات مرض الجدرى وما شابه ذلك لبعده عن النسق القرآنى, والأسلوب العربى.

ومن العدل أن نقول : أن الشيخ رشيد – وإن نقل عن شيخه – لام يتبنه ولم يدافع عنه أو يؤيده.

وربما رأى بعض أهل الفكر أن الشيخ جمال الدين كان أكثر تحررا من الشيخ محمد عبده, وأن الشيخ محمد عبده كان أكثر تحررا من الشيخ رشيد وأن الشيخ رشيد كان أكثر تحررا من الشيخ البنا.

وقد يكون هذا صحيحا وربما عبر عن هذا بتعبير آخر, وهى أن الشيخ محمد عبده كان أقرب إلى الانضباط بأصول الشرع من شيخه الأفغاني, وكذلك كان الشيخ رشيد رضا بالنسبة لشيخه محمد عبده وكذلك الشيخ البنا بالنسبة لشيخه رضا.

وهذه أمور نسبية قد تختلف من شيخ إلى آخر, ومن بيئة إلى أخرى ومن عصر إلى آخر, ولكن المهم أن روح هذه المدرسة قائم, وهو الموازنة بين ثوابت الشرع ومتغيرات العصر وبين النقل الصحيح والعقل الصريح وبين النص الجزئي والمقصد الكلى للشريعة وأنها تستلهم الماضي وتعايش الحاضر وتستشرف المستقبل.

كما أن دعوة البنا لم تكن مقصورة على ( النخبة) بل كان من مزاياها أنها تخاطب كل الشعب بكل فئاته من الخاصة والعامة والنخب والجماهير وربما كانت الجماهير فيها أوضح, كما بين ذلك د. اسحاق الحسينى فى دراسته عن الإخوان.

ولا ننسى أن الأستاذ البنا قد توفى, وهو ابن الثالثة والأربعين, وكان عقله مرنا متفتحا, قابلا للتجدد والتطور, ولم يكن رحمه الله جامدا ولا مغلقا كما يبدو من تراثه ومن مواقفه المختلفة. ولقد بدأ صوفيا وانتهى اقرب إلى السلفية, أو انتهى إلى ( صوفية متسلفة) أو ( سلفية متصوفة). وكذلك بدأ بالعموميات, ثم بدأ فى أواخر حياته بالخوض فى بعض التفصيلات كما فى كتابه (مشكلاتنا فى ضوء النظام الإسلامي) ففيه عرض لنظام الحكم ونظام الاقتصاد وغيرهما.

وأستطيع أن أقول : إن روح مدرسة البنا هى الوسطية التى تقوم على التكامل والتوازن والاعتدال, دون غلو ولا تفريط , ولا طغيان ولا خسارة كما فى قول الله تعالى [ ألا تطغوا فى الميزان وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان]

إن الإمام حسن البنا أنسأ هذه المدرسة الفكرية الحركية الدعوية ولكنه لم يجمدها ولم يحنطها ولم يحجر على أحد من أبنائها أن يجتهد, وأن يبدع وإن خالفه فى اجتهاده فلم يدع هو لآرائه وأفكاره القداسة أو العصمة, بل قال فى الأصل السادس من أصوله العشرين التى جعلها أساسا لوحدة الفهم عند العاملين لخدمة الإسلام:" كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم وكل ما جاء عن السلف رضوان الله عليهم, موافقا للكتاب والسنة قبلناه, وإلا فكتاب الله وسنة رسوله أولى بالإتباع ولكنا لا نعرض للأشخاص – فيما اختلف فيه – بطعن أو تجريح ونكلهم إلى نياتهم وقد أفضوا إلى ما قدموا".

فإذا كان يسعنا أن نخالف السلف على فضلهم فخلافنا للخلف مقبول وللمحدثين والمعاصرين أولى.

ومدرسة حسن البنا تسع المختلفين من أهل الفكر, وإن كان بعضهم أقرب من بعض إلى الخط الأصلي للحركة وبعضهم أبعد.

فلا عجب أن وجدنا فى مصر وفى غيرها ممن الأقطار العربية مفكرين متفاوتين فيما بينهم فى التوسعة والتضييق, وفى المرونة والتشديد مثل محمد الغزالي و سيد قطب فى مصر و مصطفى السباعي و سعيد حوى فى سورية و حسن الترابى ومعارضيه فى السودان, و راشد الغنوشي ومعارضيه فى تونس وغيرهم وغيرهم.

وأنا شخصيا قد اجتهد فى قضايا لم ألتزم فيها تماما برأى الإمام البنا وأنا أعلم أنه استقر عينه بذلك فقد كان يسره أن يرى أتباعه أحرار يفكرون ويجدون لا أسارى أو عبيدا يقلدون.

وعلى هذا الأساس اجتهدت فى قضايا الديمقراطية والتعددية وترشيح المرأة للمجالس النيابية, والتعامل مع غير المسلمين وغيرها: اجتهادات قد تخالف اجتهاد إمامنا الشهيد. وأحسب – والعلم عند الله – أنه لو امتد به العمر وعايش ما عايشنا لغير اجتهاده فى كثير من القضايا, كما قال أصحاب أبى حنيفة فى بعض ما خالفوا فيها إمامهم: لو عاش حتى رأى ما رأينا وسمع ما سمعنا, لقال بمثل ما قلنا ! وأحمد الله تعالى أن جماعة الإخوان المسلمين قد تبنت فى سنواتها الأخيرة كثيرا من المفاهيم والآراء لتى اجتهدت فيها وناديت بها مثل قضية التعددية والمرأة.وصدر عن مكتب الإرشاد للإخوان بيانان أو قرران واضحان فى ذلك, يمكن مراجعتها فى ملاحق هذا الكتاب.

وقد قال ذلك الأستاذ البنا فى الأصل الخامس من أصوله العشرين حل العمل برأى الإمام ( ولى الأمر) ومجالاته وشروطه وأكد أنه قد يتغير بتغير الظروف والأوضاع شأ، كل رأى أو اجتهاد بشرى فلابد أن يتأثر بالزمان وبالمكان ومجال الإنسان حتى قالت مجلة الأحكام العدلية فى إحدى موادها: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الزمان.

وقد تحدث الأستاذ البنا فى بعض رسائله عن سعة التشريع الإسلامى وإن الإسلام وضع من القواعد الكلية ما يترك للمسلم بابا واسعا فى الانتفاع بكل تشريع نافع مفيد لا يتعارض مع أصول الإسلام ومقاصده وأثاب على الاجتهاد بشروطه وقرر قاعدة المصالح المرسلة واعتبر العرف واحترم رأى الإمام.

بل نقرأ فى رسائل الإمام البنا الكلمات الرائعة المعبرة عن فقه عميق لرسالة الإسلام, ويتجاوز مؤثرات الزمان والمكان, ولا يحصر الإسلام فى فهم عصر معين أو بيئة معينة فنحجر بذلك ما وسع الله ونعسر ما يسر الدين يقول رحمه الله فى ( رسالة المؤتمر الخامس) الشهيرة

" يعتقد الإخوان المسلمون: أن أساس التعاليم الإسلامية ومعينها هو كتاب الله تبارك وتعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم اللذان إن تمسكت بهما الأمة فلن تضل أبدا. وإن كثيرا من الآراء والعلوم التى اتصلت بالإسلام وتلونت بلونه تحمل لون العصور التى أوجدتها والشعوب التى عاصرتها ولهذا يجب أن نستقى النظم الإسلامية, التي تجمل عليها الأمة من هذا المعين الصافي, معين السهولة الأولى وأن نفهم الإسلام كما كان يفهمه الصحابة والتابعون من السلف الصالح رضوان الله عليهم وأن نقف عند هذه الحدود الربانية حتى لا نقيد أنفسنا ما يقيدنا الله به, ولا نلزم عصرنا لون عصر لا يتفق معه والإسلام دين البشرية جميعا".

هذه فقرة تعبر أبلغ التعبير وأصدقه عن توجه حسن البنا, وسعه أفقه وعمق فهمه لدينه, وأن النظم الإسلامية التي تحمل عليها الأمة فى عصرنا يجب ألا نستقيها من فقه عصر معين أو بلد معين, أو مذهب معين أو كتاب معين, أو مدرسة معينة من مدارس الفقه أو الفكر بل استقاؤها من ( معين السهولة الأولى) على حد تعبير الأستاذ : أى من نصوص القرآن والسنة , كما كان يفهمها الصحابة والتابعون, وقد كانوا افقه الناس لمقاصد الشريعة وروح الإسلام وأكثر الناس تيسيرا على عباد الله وأبعدهم عن التشديد والتعقيد والتعسير مع وجوب الاستفادة من فقد كل العصور وكل البلدان وكل المذاهب والمدارس دون تعصب ولا التزام بما يلزمنا الله به.

اعتراف ونقد ذاتى:

ولا أنكر أن في حركة الإخوان في بعض الأحيان وفي بعض القطار ولدى بعض الأفراد القيادات أحيانا: ميلا إلى التشدد تأثرا بالمدارس الأخرى التي لها وجود في الساحة الإسلامية ويظهر هذا في البقاء على القديم ومقاومة التجديد أو الميل إلى الآراء المتشددة التي تنظر إلى النصوص الجزئية وتغفل المقاصد الكلية أو التي تأخذ دائما بالأحوط وتأخذ بالأيسر رغم حاجة الناس إليه ولكن هؤلاء لا يمثلون – اليوم – التيار الغالب في الحركة.

وهذا ما دعاني في بعض كتبي : (انظر كتابنا ( أولويات الحركة الإسلامية ص 101-106 نشر مكتبة وهبه.

أن أتحدث عن ضرورة التجديد وشرعيته حتى لحق الحق ويزهق الباطل.

ولا بأس أن أقتبس بعض ما كتبته هنا, ولما فيه من دلالة على وجود التجدد والنقد الذاتي في مسيرة الإخوان وقبول الفكر العام في جماعة الإخوان لهذا النقد البناء ولا ريب أن ذلك يعتبر ظاهرة صحية.

الإسلام أقر شرعية التجديد:

لا يقال هنا : إن الحركة إسلامية المصدر والوجهة والأهداف والمبادئ والإسلام واحد لا يتعدد ثابت لا يتجدد.

لأننا نقول أول: إن الإسلام نفسه قد اقر شرعية التجديد بما جاء في الحديث الذي رواه أبو داود والحاكم وغيره وصححه الأئمة الثقات " إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها".

فالتجديد مشروع وثابت وواقع بالنص وليس بعد بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم بيان. فلا ينبغي أن نخاف من كلمة التجديد في الدين بعد أن صح بها الحديث. إنما الذي ينبغي هنا أن نحدد معنى " التجديد في الدين" حتى لا يتلاعب المتلاعبون بالدين وحقائقه باسم تجديد هم المزعوم وما هم من التجديد في كثير ولا قليل.

وقد بينت في دراسة لي حول هذا الحديث الشريف: المراد به" التجديد وجوانبه ومن يقوم به. وخلاصة القول فيه : أن تجديد الشئ ما لا يعنى إزالته واستحداث شئ آخر مكانه, بل تجديده يعنى إعادته أقرب ما يكون إلي صورته الأولي يوم ظهر فيه لأول مرة والمحافظة علي جوهره وخصائصه ومعالمه وعدم المساس بها.

وهذا ينطبق علي الماديات والمعنويات. فتجديد بناء أثرى قصر أو معبد أو مسجد لا يعنى هدمه وبناء آخر مكانه علي أحدث طراز بل ابقاءه والحرص علي إرجاعه إلي صورته الأولي ما أمكن ذلك. فهذا هو التجديد الحقيقى.

وتجديد الدين يشمل تجديد الفهم والفقه فيهو وهذا تجديد فكرى كما يشمل تجديد الإيمان به, وهذا تجديد روحى وتجديد العمل له والدعوة إليه وهذا تجديد عملي.

وكل عصر يحتاج إلي تجديد يناسبه , ليجبر القصور, ويستكمل النواقص ويعالج الأدواء.

علي أن هناك منطقة لا يدخلها التجديد بحال, وهى منطقة ( القطعيات) التي قال فيها الإسلام كلمته البينة الحاسمة سواء في مجال العقائد أو العبادات أم الأخلاق أو التشريع وهى تمثل ( الثوابت) التي تجسد الوحدة العقدية والفكية والشعورية والسلوكية للأمة المسلمة.

وقد شرحت ذلك في كتب أخرى فليرجع إليها.(انظر علي سبيل المثال فصل ( معالم وضوابط الاجتهاد معاصر قويم ) من كتابنا ( الاجتهاد المعاصر بين الانضباط والانفراط) وفصل ( الاجتهاد والتجديد بين الضوابط الشرعية والحاجات المعاصرة)

ضرورة لتجديد في الوسائل:

ونقول ثانيا : إن الحركة- وإن كانت إسلامية المصدر والوجهة والأهداف والمبادئ – تتخذ من المناهج والوسائل والأنظمة الاجتهادية ما تراه اصلح لخدمة دينها والتمكين له في الأرض حسبما يقتضيه الزمان والمكان والحال.

فهذه المناهج والوسائل والأنظمة ليست خالدة خلود الإسلام نفسه,وليس لها ثبات المبادئ والأصول الإسلامية بل هى أدوات أثمرها الاجتهاد البشرى لإحياء الإسلام وتجديده في الأنفس والحياة وهى قابلة للتطعيم والاقتباس من خير ما عند الآخرين كما علا قابلة للتطور والتغير.

والإمام حسن البنا الذي وضع القواعد الأولي للعمل الحركي المنظم لتجديد الإسلام لم يدع العصمة لنفسه ولا الخلود لوسائله التي ألهمه الله الاهتداء إليها وهى وسائل بالغة الروعة والقوة, وحق للشهيد سيد قطب أن يسميها " عبقرية البناء" وحق للمرشد الموفق الأستاذ عمر التلمساني أن يسميه " القائد الملهم الموهوب" وحق لشيخنا الغزالي ان يصفه بأنه "مجدد القرن الرابع عشر الهجرى". ومع هذا يجب أن تخضع هذه الوسائل والأنظمة للتقويم ما بين الحين والحين كما يفعل رجال التربية في مناهجهم التي يقررونها ويؤلفون الكتب في ضوئها, ثم لا تمر سنوات حتى يعيدوا النظر فيها بالإضافة أو الحذف أو التحوير والتعديل, وهذا أمر لازم لكل عمل بشرى مهما بلغ من الدقة والإتقان.

حسن البنا لم يكن جامدا

وحسن البنا نفسه لم يكن جامدا بل كان دائم التجديد والتطوير للوسائل والأساليب في أبنيته الحركة ومؤسساتها وأنظمتها.

ولن يضيق الشهيد حسن البنا في قبره إذا خالفه بعض أبنائه وأتباعه في قضية من القضايا التي كان له فيها رأى من قبل مثل ما ذكرته من اجتهادات قد لا يوافق ظاهرها ما ذهب إليه رحمه الله.

وكذلك إذا أضاف إلي أصوله ما يرى أنه مكمل لها. كما فهل الشيخ الغزالي في شرحه للأصول العشرين في كتابه الذي سماه ( دستور الوحدة الثقافية للمسلمين).

ولا يوجد مانع شرعى ولا عرفي ولا عقلي من إعادة البحث في الوسائل والأنظمة التربوية داخل الجماعة مثل نظام السرة والكتيبة وما يمكن أن يطعم به أو يضاف إليه أو يحذف منه.

وكذلك البحث في الوسائل السياسية في ضوء المستجدات والمتغيرات المحلية والإقليمية والعالمية, ما تقضى به من دخول في جبهات او مخالفات أو مهادنات أو مشاركات حسبما توجبه المصلحة العليا للإسلام وللأمة وللحركة وفي ظل الظروف الآنية والموضعية الحاكمة فلكل قطر ظروفه ولكل مرحلة حكمها ولكل مجموعة قدراتها وضروراتها وملبساتها التي هى أدرى بها من غيرها.

والحركة هنا – مثلها كمثل الفقه وغيره من علوم الشريعة – لا تحيا وتنمو المقلدين الجامدين إن صح أن ما عندهم يسمى " فكرا".

الجمود آفة خطرة:

إن الجمود آفة من آفات الفكر الحركي" المؤطر" وهو عائق من العوائق الداخلية في الحركة الإسلامية كما بينت ذلك في كتابى (الحل الإسلامى فريضة وضرورة) كما أكدت ذلك في رسالتي (أين الخلل

الجمود علي شكل معين في التنظيم وعلي وسائل معينة في التربية وعلي صور معينة في الدعوة, وعلي مراحل معينة في الوصول إلي الهدف وعلي أفكار معينة في السياسة... ومن حاول أن يغير من هذا الشكل أو تلك الوسيلة أو هذه الصورة أو تلك المراحل, أو تلك الأفكار أو يعدل فيها بالزيادة والنقص قوبل بالرفض الشديد, أو الاتهامات والتنديد.

ولا زلت أؤكد أن التجديد الذي نريده لا يعنى إلغاء القديم بل تطويره وتحسينه وتحديثه والإضافة إليه وبخاصة ما يتعلق بالوسائل والأدوات والكيفيات فهى أمور مرنة قابلة للتطوير والتحويل والاستفادة من إمكانات العصر ومما عند الآخرين والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها. ولا يعنى هذا أن نفتعل التجديد ونحن في غير حاجة إليه إلا التظاهر الزائف بأننا من أنصار التجديد!!

ما أخشاه علي الحركة الإسلامية:

ولقد قلت في هذا المقام معبرا عن خشيتى علي الحركة من الجمود:

إن أخشى ما أخشاه علي الحركة الإسلامية أن تضيق بالمفكرين الأحرار من أبنائها وأن تغلق النوافذ في وجه التجديد والاجتهاد وتقف عند لون واحد من التفكير لا يقبل وجهة نظر آخرة, تحمل رأيا مخالفا في ترتيب الأهداف, أو في تحديد الوسائل, أو في تعيين المراحل أو في تقويم الأحداث والمواقف, أو في تقدير الرجال والأشخاص,أو في غير ذلك مما يدخل في دائرة الاجتهاد البشرى الذي من شأنه أن يتطور ويتغير بتغير العوامل والمؤثرات وقديما قال فقهاؤنا:

يجب أن تتغير الفتوى بتغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والعوائد.

وعندئذ تتسرب الكفايات العقلية القادرة علي التجديد والابتكار من بين صفوف الحركة كما يتسرب الماء من بين الأصابع ولا يبقى في النهاية إلا المحافظون المقلدون والذين يحبون أن يبقى كل قديم علي قدمه , وأن ما نعرفه خير مما لا نعرفه وما جربناه أفضل مما لم نجربه.

ونتيجة هذا: أن تحرم الحركة من ثمرات العقول الكبيرة من أبنائها, وأن تصاب في النهاية بالجمود أو العقم الذي أصاب الفقه والأدب في عصور التقليد وأن يتقوقع هؤلاء علي ذواتهم يأسا من أى عمل مثمر للإسلام أو يعملوا فرادى نافضين أيديهم من جدوى أى عمل جماعى, أو يحاولون مع آخرين خوض تجربة جماعية أخرى لا تدرى عواقبها.

إن من أهم ما أضر بالعقل المسلم قديما وأضر به حديثا شيوع تلك المقولة التي تقول: ما ترك الأول للآخر شيئا! وليس في الإمكان أبدع مما كان!

ولا ينفع العقل المسلم شئ مثل شيوع الفكرة المضادة التي تقول أبدا: كم ترك الأول للآخر, وكم في الإمكان أبدع مما كان ( ويخلق ما لا تعلمون)

تطور محمود:

ولقد رأيت الإخوان في السنوات الأخيرة يعقدون حلقات ويقيمون نزوات فيما بينهم لتقويم أداء الجماعة ومراجعة مسيرتها والاجتهاد في معرفة نقاط الضعف في ذلك للعمل علي تلافيها, وعلاج أسبابها ومعرفة نقاط القوة للاستزادة منها, وهو لون إيجابى من النقد الذاتي أو محاسبة النفس التي أمر بها الإسلام.

كما أنشأوا مراكز للبحوث والدراسات يقوم عليها شباب متطلع طموح نرجو لها غدا مشرقا بإذن الله.

وهذا بلا ريب تطور محمود وهو ما يؤمل من جماعة كبيرة مثل الإخوان لها امتداد في أكثر من سبعين بلدا في العالم.

ولقد رأينا قيادة الإخوان تصدر قرارات متميزة تعبر عن هذا التطور وتبتعد عن الحرفية والجمود علي القديم وخصوصا ما يتعلق بالمرأة وبالتعددية السياسية خلافا لما يظن أنه خلاف رأى الإمام البنا عليه رحمه الله.

3- الإخوان والأقليات الدينية

ومن التهم التي قد يشوش بها مشوشون: دعوى أن الإخوان متعصبون ضد الأقليات الدينية, وأنهم لا يعطونهم حق المواطنة كالمسلمين مع أنهم من أهل البلاد الأصليين,وأنهم يطالبونهم بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون ولا يبدءونهم بالسلام, وإذا لقوهم في الطريق اضطروهم إلي أضيقة وأنهم يمنعونهم من وظائف الدولة ولا سيما من الوظائف العسكرية في الجيش أو في الشرطة... الخ

ونقول لهؤلاء : لا ريب أن الإسلام قد اقر تعدد الأديان وجعل ذلك واقعا بمشيئة الله تعالي, ولو شاء لجمع الناس علي الهدى كما أن حساب الضالين علي ضلالهم إنما موعده يوم القيامة فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون.

ومع هذا جعل الإسلام لليهود والنصارى منزلة خاصة وسماهما (أهل الكتاب) أي التوراة والإنجيل وإن حرفا وبدلا ولكن يظل هؤلاء أهل دين سماوي في الأصل يؤمنون – بالجملة – بالله ويؤمنون برسله ويؤمنون بالآخرة ويتعبدون لله, ويعترفون بالقيم الأخلاقية.

فلا غرو أن أباح الإسلام مؤالكتهم ومصاهرتهم حين قال القرآن ( وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم) وبهذا ارتقى الإسلام إلي أفق في التسامح لم يسم إليه أحد من قبل وأجاز للمسلم أن تكون زوجته وربة بيته, وشريكة حياته , وأم أولاده : كتابية . ومعنى هذا: أن يكون أجداد أولاده وجداتهم وأخوالهم وخالاتهم وأولادهم كتابيين ولهم حقوق أولي القربى وصلة الرحم.

واعتبر النصارى أقرب مودة للمسلمين من اليهود الذين وقفوا – للأسف – موقف العداوة والمحاربة الإسلامية ولنبيها عليه الصلاة والسلام.

ولذل دخلت بلاد مسيحية كاملة في الإسلام ولم يدخل إلا أفراد قلائل من اليهود في الإسلام.

ثم إن أهل الذمة من أهل الكتاب لهم حقوق أخص وأعمق من غيرهم بوصفهم من ( أهل دار الإسلام).

ثم كانت الوصية بالأقباط أكثر من غيرهم في عدة أحاديث صحيحة:

منها حديث أم سلمة ان الرسول صلي الله عليه وسلم أوصى عند وفاته فقال" الله الله في قبط مصر فإنكم ستظهرون عليهم, ويكونون لكم عدة وأعوانا في سبيل الله" وفي صحيح مسلم عن ابى ذر مرفوعا:" إنكم ستفتحون مصر فإذا فتحتموها فأحسنوا إلي أهلها فإن لهم ذمة ورحما" وفي رواية " ذمة وصهرا" قال العلماء: الرحم : أن هاجر أم إسماعيل منهم, والصهر : أن مارية أم إبراهيم ابن النبى صلي الله عليه وسلم منهم.

وكان الأستاذ البنا يعلم تعاليم الإسلام جيدا في ذلك ويتعامل مع الأقباط بروح التسامح الإسلامى الأصيل الذي يصدر عن العقيدة لا عن نفاق السياسى الذي يظهر غير ا يبطن.

ولقد كان في اللجنة السياسية للإخوان بعض الأقباط المعروفين من رجال السياسة المحنكين.

ولا زلت أذكر حينما حضر الإمام البنا إلي مدينة طنطا لعقد المؤتمر الوطنى الكبير ( بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية) لشرح الأهداف والمطالب القومية وقد عقد مثل هذا المؤتمر في عواصم المديريات ( المحافظة) في مصر كان يصطحب معه أحد الأقباط المتخصصين ليتحدث في قضية (قناة السويس) واسمه ناصف ميخائيل وذلك ليؤكد معنى التضامن الوطنى بين الأغلبية المسلمة والأقلية القبطية وأن مصر لهم جميعا.

ولقد سئل حسن البنا عن مسألة الجزية , فقال : إن مسألة الجزية أصبحت ليوم غير ذات موضوع ما دام كل المواطنين ينخرطون في الخدمة العسكرية ويدافعون عن الوطن, سواء بسواء, وقد كان المسلمون قديما هم الذين يدفعون ضريبة الدم, فعلي الآخرين أن يدفعوا ضريبة المال.

يريد الأستاذ أن يقول ما قاله بعض الفقهاء من قديم : أن أهل الذمة غذا اشتركوا مع المسلمين في القتال ضد أعدائهم سقطت عنهم الجزية.

وكان الأستاذ البنا يفسر دفع الجزية بأنه (بدل خدمة عسكرية) وقد كان غير المسلمين شهداء بدفع هذا البدل في الزمن الماضى بل كان كثير من موسرى المسلمين يدفعون هذا البدل لإعفاء أبنائهم من الجندية , قبل عصر التجنيد الإجباري.

وكان حفظة القرآن الكريم يعفون من هذه الخدمة فلم يكن الناس ينظرون إلي الجندية نظرتنا إليها اليوم.

موقف حسن البنا

يقول الدكتور حسان حتحوت في مقاله له نشرتها مجلة الأمة القطرية ( عدد 55 – رجب 1405) تحت عنوانه ( تهمة التعصب):

" فماذا عن قنا؟ البداية حفل كبير زاخر, علي رأسه علماء المسلمين وقسس الأقباط... وعلي ذكر قسس الأقباط فإن كثيرين يحاولون ان يلصقوا بالرجل ودعوته تهمة التعصب ضد النصارى, أو التفرقة بين عنصرى الأمة , ويشهد الله ومن حضر من الصادقين أن العكس هو الصحيح , فلم يكن الرجل داعية بغض ولا تفرقة وكان يبرهن أن الدعوة لتطبيق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن تكون مصدر إزعاج للأقباط ,لأنها ستطبق علينا وعليهم علي السواء وانها لا تصادر نصرانية النصرانى....وقد وجدت دعوة الرجل صداها وتصديقها لدى الفهم من المسلمين والأقباط....ويكفي أن أذكر بأن الأستاذ ( لويس فانوس) من زعماء الأقباط كان من الزبائن المستديمين لدرس الثلاثاء الذي يلقيه حسن البنا, وكانت بينهما صداقة وطيدة.

وأن حسن البنا عندما تقدم مرشحاً لإنتخابات البرلمان كان وكيله الذي يمثله في مقر أحد اللجان الانتخابية رجلا قبطيا.

وأن البنا لما اغتيل ومنعت الحكومة أن يشيع في جنازة لم يمش وراء نعشه إلا رجلان هما والده ومكرم عبيد السياسى النصرانى.

وأذكر أننا كنا ونحن طلاب نزور جمعيات الشبان المسيحية لنتحدث عن موقف الإسلام من النصرانية فنخرج وقد شعرنا أنهم أقرب الناس مودة.

وشهادة ثانية:

شكل مكتب إرشاد الجماعة لجنة سياسية عليا برئاسة وكيل الجماعة وعضوية سكرتير الجماعة وعضو من أعضاء مكتب الإرشاد و9 أعضاء آخرون منهم ثلاثة من كبار الأقباط هم الأستاذ وهيب بك دوس المحامى والأستاذ لويس فانوس عضو مجلس النواب والأستاذ كريم ثابت الصحفي الكبير.

وثالثه:

أرسل الإمام حسن البنا رسالة تهنئة إلي توفيق دوس بمناسبة انتخابه عضوا في مجلس الشيوخ المصرى رد عليها دوس بتهنئة بمناسبة صدور (جريدة الإخوان المسلمون) اليومية وتأكيده علي نزعة الإخوان القومية.

ورابعة:

رد توفيق غالي من أقباط مصر علي مقالات لسلامة موسى في عهد الإمام حسن البنا اتهم فيها موسى الإخوان بأنهم يثيرون الفتن الطائفية وقد أكد توفيق غالي في رده:" إنى أعترف بأنهم (الإخوان المسلمون) أشرف الجماعات مقصدا, وأنبلهم خلقا, ولن اقدم دليلا إلا أن شعبتهم يجاروها المسيحيون من كل جانب, ومع ذلك لم نر منهم إلا كل أدب وتقدير لإخوانهم المسيحيين وأن شعبتهم بقسم الصيادين الزقازيق تجاور الكنيسة ولا ينظرون إليها إلا بكل احترام".

حسن الهضيبي

ولم تتوقف هذه السياسة بعد استشهاد الإمام حسن البنا وبل التزم بها الإخوان المسلمون دينا وأصلا, فكان مرشدوا الإخوان: حسن الهضيبي وعمر التلمساني ومحمد حامد أبوالنصر علي نفس السياسة ونفس المنوال....

ففي كتاب (حسن الهضيبي الإمام الممتحن) ذكر الأستاذ جابر رزق رحمه الله تحت عنوان ( مع خلطائه المسيحيين):

" وكانت باكورة ولايته القضاء في مدينة جرجا من صعيد مصر, حيث تعلو في الطبقة المثقفة نسبة المسيحيين الذين تهئ لهم مراكزهم وثقافتهم الاختلاط بقاضي المدينة من كبار الموظفين.. فإذا بهم يلتفون حوله , ويحيطونه بفيض من مشاعر الحب والتقدير ويعلنون أنهم يحسدون عليه إخوانهم المسلمين ويتمنون لو كان في طائفتهم مثله.

عمر التلمساني

وقد نشرت ( مجلة الدعوة) في عددها الرابع عشر الصادر في شعبان 1397هـ تحت عنوان( وأين نصيبنا من هذا الحب) السطور التالية لمرشدنا الراحل عمر التلمساني رحمه الله:

" إن القول بأن الإخوان يقوم تشكليهم علي أساس دينى يسبب الفرقة قول يرده الواقع ويدحضه الكثير من الحجج والبراهين:

أولا: الأمة المصرية تتكون من ديانتين أساسيتين الإسلام والمسيحية, وبلغ التسامح الدينى بالأغلبية المسلمة أن كان من رؤسائها ووزرائها مسيحيون, وكان يرأس مجلس النواب مسيحى..."

ثانيا : قامت جماعة الإخوان عام 1928 م فلم يثبت في تاريخها يوما من الأيام أنها دعت إلي فرقة أو عطفت بعنصرية دينية أو نادت يحرمان غير المسلمين ممن يستمتع به المسلمون بل كان القسس يحضرون احتفالاتها, ويلقون فيها كلماتهم من وجهة نظرهم لا من وجهة نظر الإخوان المسلمين ولم يعترض عليهم أو يقاطعهم أحد.

ثالثا : كيف يكون التشكيل الرسمى للإخوان مدعاة إلي التفريق بين أفراد الأمة وهم لا يحرمون علي مسيحى أن يبتنى كنيسة, أو أن يشتغل بوظيفة أو أن يؤدى شعائره الدينية آمنا مطمئنا إذا طالب المسيحيون بحزب مسيحى فما الخوف من ذلك؟ أليس هذا واقع المة فعلا: مسلمون ومسيحيون وكل ينادى بصلاحية دينه وإصلاح المجتمع؟

محمد حامد أبو النصر

س- العلاقة مع الأقباط تشغل بال كثيرين لدرجة أن عددا من أحزاب المعارضة بدأ يتسابق للحصول علي أصواتهم عل تتصورن تعاونا بين الإخوان والأقباط في الانتخابات؟

ج-علاقاتنا بالأقباط كانت وما زالت طيبة , علي مدى السنوات السبعين الماضية منذ نشأة الجماعة لم يقع حادث يعكر صفوها وكان للإمام حسن البنا مستشارين من الأقباط وكان عدد من الأقباط يحرص علي حضور محافل الجماعة وحين أبعد الإمام البنا إلي قنا كتب القساوسة هناك مذكرات إلي الحكومة تنصفه.

س- هل توافقون علي إنشاء الأقباط حزبا سياسيا خاصا بهم؟

ج_ الحزب السياسى أهم أهدافه الوصول إلي لسلطة والحكم بمقتضى منهج, فهل تعتقد أن الأقباط وهم نحو خمسة في المائة من أبناء مصر يسعون إلي ذلك؟ إن مثل هذه الادعاءات ظهرت في الفترة الأخيرة لتبرير محارية الجماعة والواقع يكذب هذه الادعاءات فمع حرية إنشاء الأحزاب لم يفكر الأقباط في إنشاء حزب في الأربعينات حين كانت الجماعة منتشرة في كل أنحاء مصر ومع ذلك نرحب بحزب الأقباط إذا شاءوا.

مصطفي مشهور

س- إذ وافقت لكم الحكومة بحزب إسلامي سيطالب الأقباط بحزب مما يرشح لوقع فتنة طائفية؟

ج- الفتنة الطائفية تعبير الرئيس الراحل أنور السادات من خياله فليس في الواقع أى توتر طائفي بين المسلمين والأقباط وأتذكر أن الشيخ حسن البنا ذهب ذات مرة إلي الصعيد وألقى سلسلة محاضرات وبعد أن عاد إلي القاهرة علمنا أن عددا من القساوسة في محافظة قنا رفعوا مذكرة إلي رئيس الوزراء يطلبون فيها تطبيق الشريعة الإسلامية لأن محاضرات الشيخ البنا أوضحت لهم الحقوق الكاملة التي يتحصل عليها القبطي في مجتمع إسلامى, ومن هنا اقول أنه لا توجد فتنة طائفية ونحن أحرص الناس علي حقوق المواطن القبطى في مصر.

الأقباط والشيوعيون

س- نفترض جدا أن الأقباط طالبوا بحزب فما هو رأيكم؟

ج- نحن نؤيد ذلك هنا ثلاثة عشر حزبا في مصر فما المانع ان يكون هناك همسة عشر أو حتى عشرون حزبا, وأن نعطى الرأى العام فرصة اختيار الحزب الذي يميل إليه أليست هذه هى الديمقراطية التي تتحدث عنها الحكومة ؟

في حديث إلي جريدة الحياة:

العلاقة بين (الإخوان) والأقباط طيبة جدا منذ أيام البنا, وكانت هناك لجنة سياسية في عهد المرشد الأول ممثل فيها أقباط ولم تحدث طوال تاريخ الجماعة خلافات بيننا وبينهم, والمصريون ما زالوا يذكرون دور (الإخوان) في احتواء الفتنة الطائفية التي تفجرت في حى الزواية الحمراء قبل مقتل السادات ... ( الحياة 24 يناير 1996).

وفي حديث آخر

س: هل معنى ذلم أن الحكومة لو وافقت للجماعة علي إنشاء حزب فإنه سينضم في تنظيمه أقباط؟

جـ: إذا كان هناك أقباط يوافقون علي برنامج الإخوان الإسلامى ويتقبلون مبدأ الإسلام هو الحل فلم لا نقبلهم معنا؟ ( الشرق الأوسط 16/7/96)

كلام حّرف عن موقف الإخوان من الأقباط

ولقد نشرت الصحف كلاما نسب إلي المرشد الحالي للإخوان الأستاذ مصطفي مشهور حول الأقباط والجزية أنكره هو وقال : أنه حرف وهذا يكفينا منه وهو المتفق مع تراث الجماعة ومواقف مؤسسها وتصريحاته وكتابات علمائها لمدة سبعين عاما وخصوصا ما كتبه المرشد الثانى الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله.

موقفنا من الأقليات

هذا وقد عرضنا لموقف الإسلام من الأقليات في أكثر من كتاب منها (غير المسلمين في المجتمع الإسلامي) ورسالة (الأقليات الدينية والحل الإسلامى) وكتاب (أولويات الحركة الإسلامية) وبعض الفتاوى والبحوث في كتابنا ( فتاوى معاصرة) الجزء الثانى وكتابنا (من فقه الدولة في الإسلام) كما ينا ذلك في محاضرات شتى في أكثر من بلد.

وأعتقد أن اجتهادنا في هذه القضية الكبيرة قد استبانت معالمه واتضحت صورته في ضوء الأدلة الشرعية ولقى القبول من جمهرة الإخوان.

كيف تحل مشكلة الأقليات الدينية؟

ويمكن أن أقتبس بعض ما كتبته هنا لإيضاح موقف الاجتهاد الإسلامي المعاصر من هذه القضية الخطيرة التي يشتعلها أعداء الأمى بين الحين والحين لأغراض في أنفسهم لإثارة الفتنة الطائفية مضطهدون دينيا في مصر وهو زعم لا أساس له ويتخلص موقفنا فيما يلي:

1-لا وجه لدعوى بعض الناس وجلهم من العلمانين الذين لا يوالون الإسلام ولا المسيحية : أن الاتجاه إلي الحل الإسلامي والشرع الإسلامى ينافي مبدأ الحرية لغير المسلمين وهو مبدأ مقرر دوليا إسلاميا , فقد نسوا أو تناسوا أمرا أهم وأخطر وهو أن الإعراض عن الشرع الإسلامى والحل الإسلامى من أجل غير المسلمين – وهم أقلية – ينافي مبدأ الحرية للمسلمين في العمل بما يوجبه عليهم دينهم وهم أكثرية.وإذا تعارض حق الأقلية وحث الأكثرية فأيهما نقدم؟

إن منطق الديمقراطية – التي يؤمنون بها ويدعون إليها – أن تقدم حق الأكثرية علي حق الأقلية. هذا هو السائد في كل أقطار الدنيا, فليس هناك نظام يرضى عنه كل الناس, فالناس خلقوا متفاوتين مختلفين وإنما بحسب نظام ما أن ينال قبول الأكثرية ورضاهم بشرط ألا يحيف علي الأقلين, ويظلمهم ويعتدى علي حرماتهم وليس علي المسيحيين ولا غيرهم بأس ولا حرج أن يتنازلوا عن حقهم لمواطنيهم المسلمين ليحكموا أنفسهم يدينهم وينفذوا شريعة ربهم حتى يرضى الله عنهم.

ولو لم تفعل الأقلية ذلك وتمسكت بأن تنبذ الأكثرية ما تعتقده دينا يعاقب الله علي تركه بالنار , لكان معنى هذا أن تفرض الأقلية ديكتاتورية علي الأكثرية وأن يتحكم مثلا ثلاثة ملايين أو أقل في أربعين مليونا أو أكثر وهذا مالا يقبله منطق دينى ولا علمانى.

2-وهذا علي تسليمنا بأن هنا تعارضا بين حق الأكثرية المسلمة وحق الأقلية غير المسلمة.

والواقع أنه لا تعارض بينهما فالمسيحى الذي يقبل أن يحكم حكما علمانيا لا دينيا , ولا يضيره أن يحكم حكما إسلاميا. بل المسيحى الذي يفهم دينه ويحرص عليه حقيقة ينبغي أن يرحب بحكم الإسلام, لأ،ه حكم يقوم علي الإيمان بالله ورسالات السماء والجزاء في الآخرة كما تقوم علي تثبيت القيم الإيمانية والمثل الأخلاقية التي دعا إليها الأنبياء جميعا, ثم هو يحترم المسيح وأمه والإنجيل وينظر إلي أهل الكتاب نظرة خاصة فكيف يكون هذا الحكم – بطابعه الربانى الأخلاقى الإنسانى – مصدر خوف وإزعاج لصاحب دين يؤمن بالله ورسله واليوم الآخر؟ علي حين لا يزعجه حكم دينى علمانى يحتقر الأديان جميعا ولا يسمح بوجودها – إن سيح – إلا في ركن ضيق من أركان الحياة؟!

من الخير للمسيحى المخلص أن يقبل حكم الإسلام , ونظامه للحياة, فأخذه علي أنه نظام وقانون ككل القوانين والأنظمة, ويأخذه المسلم علي أنه دين يرضى به ربه ويتقرب به إليه.

ومن الخير للمسيحى – كما قال الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله يأخذه المسلمون علي أنه دين لأن هذه الفكرة تعصمهم من الزلل في تنفيذه وعين الله الساهرة ترقبهم, لا رهبة الحاكم التي يمكن التخلص منها في كثير من الأحيان.

ومن هنا رحب العقلاء الواسعو الأفق من المسيحيين بالنظام الإسلامى بوصفه السد المنيع في وجه الملاحدة التي تهدد الديانات كلها علي يد الشيوعية العالمية , كما نقلنا ذلك من كلام العلامة فارس الخورى.

وأود أن أصحح هنا خطأ يقع فيه كثيرون وهو الظن بأن القوانين الوضعية المستوردة من الغرب المسيحى قوانين لها رحم موصوله بالمسيحية فهذا خطأ مؤكد والدارسون لأصول القوانين ومصادرها التاريخية يعرفون ذلك جيدا بل الثابت بلا مراء أن الفقه لأصوله الدينية من ناحية ولتأثره بالبيئة المحيطة التي هم جزء منها.

3-والإدعاء بأن سيادة النظام الإسلامى فيه إرغام لغير المسلمين علي ما يخالف دينهم إدعاء غير صحيح.

فالإسلام ذو شعب أربع: عقيدة , وعبادة, وأخلاق و وشريعة فأما العقيدة والعبادة فلا يفرضهما الإسلام علي أحد. وفي ذلك نزلت آيتان صريحتان حاسمتان من كتاب الله : إحداهما مكية والأخرى مدنية, في الأولي يقول تعالي مخاطبا رسوله الكريم صلي الله عليه وسلم(أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)[يونس 99]

وفي الثانية يقول سبحانه وتعالي في أسلوب جازم (لا إكراه في الدين) [ البقرة: 256]

وجاء عن الصحابة في أهل الذمة :" اتركوهم وما يدينون". ومنذ عهد الخلفاء الراشدين, واليهود والنصارى يؤدون عباداتهم ويقيمون شعائرهم في حرية وأمان, كما هو المنصوص عليه في العهود التي كتبت في عهد أبى بكر وعمر, مثل عهد الصلح بين الفاروق وأهل إيلياء (القدس).

ومن شدة حساسية الإسلام أنه لم يفرض الزكاة ولا الجهاد علي غير المسلمين لما لهما من صبغة دينية, باعتبارهما من عبادات الإسلام الكبرى – مع أن الزكاة ضريبة مالية والجهاد خدمة عسكرية – وكلفهم مقابل ذلك ضريبة أخرى علي الرؤوس, أعفي منها النساء والأطفال والفقراء والعاجزين, وهى ما يسمى بالجزية.

ولئن كان بعض الناس يأنف من إطلاق هذا الاسم فليسموه ما يشاءون فإن نصارى بنى تغلب من العرب طلبوا من عمر أن يدفعوا مثل المسلمين صدقة مضاعفة ولا يدفعوا هذه الجزية, وقبل منهم عمر, وعقد معهم صلحا علي ذلك وقال في ذلك: هؤلاء القوم حمقى رضوا بالمعنى, وأبوا الاسم!

أما شعبة الشريعة بالمعنى الخاص: معنى القانون الذين ينظم علائق الناس بعضهم ببعض: علاقة الفرد بأمته وعلاقته بالمجتمع وعلاقته بالدولة وعلاقة الدولة بالرعية, وبالدول الأخرى.

فأما العلاقات الأسرية فيما يتعلق بالزواج والطلاق ونحو ذلك مخيرون بين الاحتكام إلي دينهم والاحتكام إلي شرعنا, ولا يجبرون علي شرع الإسلام.

فمن اختار منهم نظام الإسلام في المواريث مثلا – كما في بعض البلاد العربية – فله ذلك, ومن لم يرد فهو وما يختار. وأما ما عدا ذلك من التشريعات المدنية والتجارية والإدارية ونحوها فشأنهم في ذلك كشأنهم في آية تشريعات أخرى تقتبس من الغرب أو الشرق وترتضيها الأغلبية.

وبعض المذاهب الإسلامي لا تلزم أهل الذمة أو غير المسلمين بالتشريع الجنائى مثل إقامة الحدود والعقوبات الشرعية كقطع يد السارق وجلد الزانى أو القاذف,ونحو ذلك. وإنما فيها التعزيز.

وتستطيع الدولة الإسلامية الأخذ بهذا المذهب إذا وجدت فيه التحقيق مصلحة أو درء مفسدة كم فعلت ذلك جمهورية السودان الإسلامية بالنسبة للمناطق التي تسكنها أغلبية غير إسلامية.

ومن هنا كان لأهل الذمة محاكمهم الخاصة يحتكمون إليها إن شاءوا وإلا لجأوا إلي القضاء الإسلامى كما سجل ذلك التاريخ.

وبهذا نرى أن الإسلام لم يجبرهم علي ترك أمر يرونه في دينهم واجبا ولا علي فعل يرونه عندهم حراما, ولا علي اعتناق أمر دينى لا يرون اعتقاده بمحض اختيارهم.

كل ما في الأمر أن هناك أشياء يحرمها الإسلام مثل الخمر والخنزير وهم يرونها حلالا, والأمر الحلال للإنسان سعة في تركه فللمسيحي أن يدع شرب الخمر ولا حرج عليه في دينه بل لا أظن دينا يشجع شرب الخمور, ويبارك حياة السكر والعربدة. وكل ما في كتبهم: أن قليلا من الخمر يصلح المعدة ولهذا اختلف المسيحيون أنفسهم في موقفهم من الخمر والسكر.

وكذلك بوسع المسيحى أن يعيش عمره كله ولا يأكل لحم الخنزير , فأكله ليس شعيرة في الدين, ولا سنة من سنن النبيين بل هو محرم في اليهودية قبل الإسلام ومع هذا نرى جمهرة من فقهاء الإسلام أباحوا للأهل الذمة من النصارى أن ياكلوا لحم الخنزير ويشربوا الخمر, ويتأجروا فيهما فيما بينهم, وفي القرى التي تخصهم علي أن يظهروا ذلك في البيئات الإسلامية, ولا يتحدوا مشاعر المسلمين. وهذه قمة في التسامح لا مثيل لها.

سؤال .د. جورج إسحاق

ومنذ عدة سنوات دعيت من قبل نقابة الأطباء في مصر لندوة حول ( المشروع الحضارى) في دار الحكمة) بالقاهرة, وكان المفروض أن يشاركنى أحد الأساتذة المعروفين( هو الأستاذ إسماعيل صبري عبد الله وزري التخطيط في عهد عبد الناصر ومن ممثلي الفكر اليسارى في مصر) ولكنه اعتذر فانفردت بإلقاء الموضوع وبيان مقومات مشروعنا الحضارى الإسلامى والذي يعمل علي إصلاح الفرد وإسعاد الأسرة وترقية المجتمع وبناء الأمى الفاضلة وإقامة الدولة العادلة وإنشاء عالم متعارف وعلاقات إنسانية سوية.

وبعد ذلك كانت أسئلة ونقاشات وتعليقات وكان من أبرز هذه الأسئلة : سؤال من الأخ الدكتور جورج إسحاق الذي سأل بصراحة: أين موقعنا, يادكتور قرضاوي – نحن الأقباط – في هذا المشروع ؟ هل نظل أهل ذمة ؟ أو نحن مواطنون؟ هل ستطالبنا بدفع الجزية أو ندفع ما يدفع المسلمون ؟ هل نحرم من وظائف الوطن أو يأخذها من يستحقها منا بأهليته؟... إلخ هذا النوع من الأسئلة.

وقلت للدكتور إسحاق : إن المشروع الحضارى هو لأهل دار الإسلام جميعا المسلمين منهم وغير المسلمين وفقهاء المسلمين متفقون علي أن أهل الذمة من (أهل الدار) أى دار الإسلام وإن لم يكونوا من (أهل الملة) ومعنى أنهم من أهل الدار أنهم مواطنون, ينتمون إلي الوطن الإسلامى فهم مسلمون بحكم انتمائهم إلي الدار أو الثقافة والحضارة. وهذا ما عبر عنه الزعيم المصرى القبطى المعروف مكرم عبيد حين قال: أنا نصرانى دينا , مسلم وطنا! وهذا ما قلته للدكتور لويس عوض حين زارنا في الدوحة مشاركا في إحدى الندوات, وطلب منى أن أعقب علي الندوة, فقلت له: أنا مسلم بمقتضى العقيدة والملة وأنت مسلم بمقضى الثقافة والحضارة.

وكلمة (الذمة) كثيرا ما تفهم خطأ, ويظن بعض الناس أنها كلمة ذم أو انتقاض مع أن مهناها والضمان أى أنهم في عهد الله ورسوله وجماعة المسلمين وفي ضمانهم لا يجوز أن ينتقض عهدهم أو تحفز ذمتهم من أحد.

وإذا كانت كلمة(أهل الذمة) تؤذى الأقباط وأمثالهم , فإن الله لم يتعبدنا بها, وقد حذف الخليفة الثانى عمر بن الخطاب ما هو أهم فيها ( كما ذكرنا من قبل ) وهو كلمة (الجزية) المذكورة في القرآن, حين طلب بنو تغلب ذلك وقالوا: يا أمير المؤمنين, نحن عرب ونأنف من كلمة(جزية) ونريد أن تأخذ منا ما تأخذ باسم الزكاة أو الصدقة, كما تأخذ من المسلمين فقبل منهم ذلك ونظر إلي أصحابه وقال " هؤلاء القوم حمقى رضوا بالمعنى, وأبوا الاسم.

وفي عصرنا يتأذى إخواننا من المسيحيين وغيرهم من هذه التسمية فلا مبرر للإصرار علي بقائها والعبرة للمقاصد والمعانى لا للألفاظ والمبانى.

ولقد ذهبت من قديم في كتابى( فقه الزكاة) إلي أن ولي الأمر المسلم يجوز له أن يأخذ من غير المسلمين في الدولة الإسلامية ضريبة تساوى فريضة الزكاة ولنسمها (ضريبة التكافل) توحيداً للميزانية والإجراءات بين أبناء الوطن الواحد والدار الواحدة وأيدت ذلك بأدلة شرعية من داخل الفقه الإسلامى وهذا ما أخذت به جمهورية السودان منذ عهد نميرى.

وقد ذكرت في ( فقه الزكاة) أن فقهاء المسلمين عددا أجازوا دفع الزكاة لغير المسلمين وقد نقل ذلك عن عمر رضى الله عنه.

ومما يذكره التاريخ أن عناصر من أهل الكتاب أسهمت في بناء الحضارة الإسلامية أيام ازدهارها, لا تزال أسماء بعضهم معروفة مشهورة.

ولقد وصل بعضهم إلي منصب الوزارة وهو ما قرره القاضى المارودى وغيره من فقهاء السياسة الشرعية. والعامل المهم هنا هو: وجود الثقة المتبادلة بين الفريقين وألا يتطلع غير المسلمين إلي المناصب التي لها طبيعة دينية كما لا يحوز للمسلمين أن يتدخلوا في الشؤون الدينية لغير المسلمين أو يضعفوا عليهم فيها بغير حق.

والأصل العام في التعامل هو هذه القاعدة التي يتناقلها المسلمون خاصتهم وعامتهم لهم مالنا,وعليهم ما علينا.

وهذا فيما عدا ما اقتضاه الاختلاف أو التميز الدينى بطبيعة الحال لكل من الطرفين فهم غير مطالبين بالصلاة ولا بالصيام ولا بزكاة الفطر ولا بالكفارات ولا بالحج وغيرها من فرائض الإسلام.

ومن المهم جدا أن يكون من حق الأكثرية المسلمة أن تحتكم إلي شريعة ربها وتطبقها في شؤونها علي ألا تحيف علي حقوق الأقلية ويجب علي الأقلية ألا تضيق صدرا بذلك وهو ما كان عليه الأقباط طوال العصور الماضية والحديثة قبل كيد الاستعمار ومكره, ولم نرهم يتبرمون بالنص علي أن دين الدولة الإسلام بل رأيت كثيرا من عقلاء المسيحيين في مصر وفي غيرها طالبوا مخلصين بوجوب تطبيق الشريعة وأحكامها وحدودها ورأوا في ذلك العلاج الناجع للجرائم والرذائل في مجتمعاتنا.

وكما أن الأقلية رضيت بالقوانين المستوردة من الخارج ولم تجد في ذلك حرجا فأولي بها أن ترضى بالشريعة الإسلام فهى قطعا أقرب إلي المثل العليا التي جاءت بها المسيحية من القوانين الأجنبية , ثم هى قوانين ( الدار) التي تعيش فيها الأقلية وتتعامل معها , فالمسلم يتقبل الشريعة علي أنها دين وانقياد لله, وغير المسلم يتقبلها علي أنها قانون ونظام شأنه شأن سائر الأنظمة والقوانين.

قلت هذا الكلام أو نحوه في الإجابة عن سؤال د. جورج إسحاق , صفق الحاضرون إعجاباً وقبولاً وبعد انتهاء الندوة , جاء الدكتور إسحاق يشد علي يدى, ويقول لي : ليتك يا دكتور قرضاوى تأتى إلي الكنيسة لتقول هذا للأقباط في عقر دارهم فإن عندهم هواجس مخاوف كثيرة من تطبيق شريعة الإسلام وربما ساهم في هذا الخوف بعض المتشددين من المسلمين.

وقلت للدكتور : أنا لا أمتنع عن هذا إذا دعيت والواجب علينا البيان والبلاغ حتى لا تلتبس الأمور وتفهم الحقائق علي غير وجوهها ويستغل أعداء الأمة ليوقدوا نار الفتنة وبيضربوا أبناء الأمة الواحدة بعضهم ببعض وهم المستفيدون أولا وآخرا .

الآراء الفقهية المتشددة مرهونة بظروفها

أما الاراء المتشددة والمضيفة والتي تتمسك بحرفية ما جاء في بعض الكتب التي كتبت في زمن غير زمننا, والمجتمع غير مجتمعنا, وفي ظروف غير ظروفنا فهى لا تلزمنا, وقد قرر المحققون من علمائنا: أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والعرف والحال, وقد تغير كل شئ في حياتنا كما وكيفا عما كان عليه أيام هؤلاء الفقهاء.

وأما حديث " لا تبدأوهم بالسلام واضطرارهم إلي أضيق الطريق" فهذا مقيد بأيام الصراع والحروب لا بأيام الاستقرار والسلام,وقد كان بعض الصحابة يقرأ السلام علي كل من لقيه من مسلم وغير مسلم, عملا بالأمر بإفشاء السلام.

وهل من المعقول أن يبيح الإسلام للمسلم الزواج بالمسيحية ولا يبيح له أن يسلم عليها؟ وهل يمنع الولد أن يسلم علي أمه أو علي خاله أو خالته أو جده أو جدته؟ وقد أمره الله بصلة الرحم وإيتاء ذى القربى؟

وحسبنا هذا النص القرآنى العام المحكم( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة:8] فالقسط هو العدل والبر هو الإحسان وهو شئ فوق العدل والعدل: أن تعطى الحق والبر أن تعطى فوق الحق, والعدل: أن تأخذ مالك من حق , والبر أن تتنازل عن بعض حقك أو عن حقك كله وهذا ما رغب فيه القرآن التعامل مع المسالمين من غير المسلمين.


4- الإخوان والعنف

ومن التهم التي ألصقت بالإخوان – ولا زالت – تهمة استخدام العنف أو الإرهاب وحين تذكر جماعات العنف المسلح في عصرنا , يسارع ذوو الغرض والهوى لإدخال جماعة الإخوان فيهم.

وهذا لعمرى من الاعتساف والتحريف, والظلم المبين الذي لا يخفي علي دارس منصف فالإخوان – من الناحية النظرية – لم يجيزوا استخدام القوة المادية إلا في مجالات معينة, وبشروط واضحة, بينها الإمام البنا في رسائله بوضوح كما في رسالة المؤتمر الخامس وغيرها . ومن هذه المجالات : مقاومة الإحتلال الإنجليزى لمصر والإحتلال الصهيونى في فلسطين.

وقد اشترك الإخوان بالفعل في قتال الصهاينة سنة 1948 م في حرب فلسطين وكان لكتائبهم دور مشهور, وبطولات قارعة رائعة,وشهداء أطهار أبرار شهد لهم بها رجال كبار من قادة الجيش المصري وإن كان جزاؤهم بعد ذلك أنهم أخذوا من الميدان إلي المعتقلات.

كما كان لهم دور معروف غير منكور في معارك القناة, حيث شارك شبابهم في الجامعات والإخوان المسلمون والأزهر وغيرها , وكان لهم شهداء معروفون. وكان لاستخدام العنف في غير الميدان دور محدود قصد به ضرب المصالح اليهودية والبريطانية ردا علي المجازر الهائلة التي وقعت في فلسطين علي أيدى العصابات المسلحة التي استباحت كل المحرمات.

ولو جمع كل ما فعل الإخوان لضرب تلك المصالح لم يبلغ عشر معشار ما كانت تقوم به الجماعات المسلحة اليوم في مصر أو في الجزائر في يوم واحد.

فما عرف عن الإخوان أنهم قتلوا سائحا أو اعتدوا علي قبطى, أو قتلوا امرأة أو طفلا صغيرا, أو شيخا كبيرت كما شاهدنا ما يفعله هؤلاء الوحوش الذين يذبحون الناس بأبشع الآلات واشنع صور القتل ولا يتورعون عن قتل النساء والولدان والزراع والرهبان, ممن لا ناقة لهم في حرب ولا جمل,لا نعجة ولا حمل!. فمن غير المقبول والمعقول: أن يلحق الإخوان بهؤلاء المفترسين . وهناك حوداث معروفة من أعمال العنف منسوبة إلي الإخوان لها ظروفها وملابساتها: ومن العدل أن توضح في إطارها الزمنى فقد كان الاغتيال السياسى معروفا عند الوطنيين منذ اغتيال بطرس باشا غالي, وأمين عثمان وغيرهما وكان الرئيس السادات ممن أتهم في مقتل أمين عثمان.

فمن ذلك: حادثة قتل القاضى الخازندار في ظروف معروفة زينت لبعض الشباب المتحمس أن يقتلوا هذا القاضى, ولم يكن ذلك بأمر الأستاذ البنا ولا بإذنه أو علمه وقد استنكر وقوع هذا احادث ومن الإنصاف أن يوضع الحدث في ظرفه الزمنى, مقرونا بالباعث عليه, حتى لا يأخذ من حجمه , ولم يتكرر هذا من الإخوان قط,ولم يفكروا في أخذ ثأرهم حتى من القضاة العسكريين الذين حكموا عليهم أحكاما لا يشك إنسان موضوعى أنها قاسية ظالمة.

وبعد ذلك كان قتل النقراشي رئيس الوزراء والحاكم العسكرى الذي يحمل تبعة ( حلالإخوان ) واقتيادهم إلي المعتقلات بالآلاف وتعرضهم للتعذيب والفصل والتشريد والتجويع, حتى الذين كانوا يقاتلون الصهاينة في فلسطين نقلوا من الميدان إلي الاعتقالو فقام شاب من الإخوان بمساعدة بعض زملائه في (النظام الخاص) بقتله وهو ما حاول الأستاذ حسن البنا الحيلولة دون وقوعه ولقى بعض الرجال المسئولين وحذرهم من أن يتهور بعض شباب الإخوان ويحدث ما لا تحمد عقباه فقالوا له بعبارة صريحة ماذا يفعلون؟ سيقتلون رئيس الوزراء ليكن إن ذهب عير (أى حمار) فعير في الرباط!.

وقد استدعى الأستاذ البنا بعد مقتل النقراشي وحقق معه, ثم افرج عنه إذ لم تثبت أيه صلة له بالحادث.

والحادثة الثالثة: محاولة نسف محكمة الاستئناف التي كانت تضم أوراق قضايا الإخوان, وهو الحادث الذي أغضب الأستاذ البنا كثيرا وجعله يسارع بإصدار بيانه الشهير الذي نشرته الصحف وفيه يقول: "هؤلاء ليسوا إخوانا وليسوا مسلمين!"

والواقع أن الجماعة بعد حلها ليست مسؤولة عن مقل هذه الحوادث لأنها ليست موجودة حتى تساءل. ولم يحدث بعد ذلك أى حادث عنف إلا ما كان من محاولة موجودة حتى تساءل ولم يحدث بعد ذلك أى حادث عنف إلا ما كان من محاولة اغتيال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية في أكتوبر سنة 1954 م, وهو حادث تكتنفه الشبهات من كل جانب, وقد شكك فيه بعض رجال الثورة أنفسهم مثل حسن التهامي.

ولو أخذنا الأمور علي ظواهرها فليست الجماعة مسؤولة عنه ولم يثبت في التحقيق أنها هى التي دبرته, وإنما هو من تدبير هنداوى دوير ومجموعته.

علي كل حال, هذا تاريخ ولم يثبت بعد ذلك أن الإخوان استخدموا العنف من سنة 1954 م حتى اليوم رغم ما وقع عليهم من عسف وظلم وقتل علنى لقادتهم بحكم القضاء العسكرى, والتعليق علي أعواد المشانق مثل الشهداء: عبدالقادرعودةمحمد فرغلييوسف طلعتإبراهيم الطيب , أو لشبابهم بحكم التحريش المثير داخل السجن كما في حادث سجن طره الشهير الذي قتل فيها السجانون مسجونيهم علانية, وسقط ثلاثة وعشرون شابا من خيرة الشباب شهداء في سبيل الله ولم يصنعوا جرما إلا أنهم طالبوهم بتحسين أحوالهم والسماح لذويهم أن يزورهم كبقية سجناء الدنيا.

وقد أعدم بعد ذلك: سيد قطب وعبدالفتاح إسماعيل,ومحمد يوسف هواش ولم يريقوا قطرة دم واحدة , إلا ما قيل: إنهم كانوا ينوون كذا وكذا .

واقتيد الإخوان بعشرات الألوف إلي السجون والمعتقلات وعذبوا تعذيبا لم يسبق له مثيل. ورغم توسط الكثيرين واحتجاج الكثيرين علي إعدام سيد قطب لم يستجب عبد الناصر لهم وأصر علي قتله.

وهناك الإخوان قتلوا تحت سياط التعذيب في السجن الحربي بعد أن سهر عليهم الجنود القساة يتعاورون عليهم واحد بعد الآخر, كلما تعب هذا من الجلد والإيذاء أخذ عنه صاحبه, فمن هؤلاء المعذبين من تحمل جسده, وإن بقى طوال عمره يعانى آثار العذاب ما يعانى ومنهم من نفذت طاقته, وعجز عن الاحتمال فخر قتيلا بين أيدى هؤلاء الوحوش وهم لا يبالون.

أعرف من هؤلاء صديقنا الشيخ محمد الصوابي الديب خريج كلية الشريعة وزميلنا في بعثة الإخوان المسلمون والأزهر للجهاد في القناة الذي احتيل عليه فجىء به مخلوف مفتى الديار المصرية عليه رحمه الله ولما سئل أخونا: اين قضى تلك الفترة قبل سفره إلي جدة رفض أن يبوح باسم الشيخ حتى لا يؤذى في شيخوخته وصبر علي العذاب حتى لقى ربه.

وقد كان كثيرون يطالبون الإخوان أن يأخذوا بثأرهم من الضباط الذين اشتهروا بتعذيبهم مثل حمزة البسيونى قائد السجن الحربي الذي كان يقول في صلف وغرور: لا قانون هنا: أنا وحدى القانون!. بل تطاول بجرأة ووقاحة علي مقام الألوهية, حين كان الإخوان يقولون تحت وطأة التعذيب : يا رب يا رب فيقول متبجحا: أين ربكم هذا ؟ هاتوه لي, وأنا أحطه في زنزانة!!

هذا الطاغية تركه الإخوان ومن عاونه لقدر الله الأعلي, فسخر منه القدر حيث تحطمت سيارته في طريق الإسكندرية القاهرة وقطع جسمه أشلاء وقد عرف أهل القرية التي قتل أمامها ومزق شر ممزق: من هو صاحب السيارة, فكانوا يقولون : أخزاه الله لقى جزاء ما قدمت يداه.

المهم أن الإخوان لم يفكروا في الانتقام من ظالميهم, وتركوا الأمر لربهم ينتقم لهم إنه عزيز ذو انتقام وهو سبحانه يمهل ولا يهمل.

فسبحان الله جماعة بهذه الروح المتسامحة مع أقسى ظالميها كيف تتهم بالعنف أو بالإرهاب وهى منهما براء؟!!


مسؤولية الإخوان عن جماعات العنف

ومن التهم التي توجه إلي الإخوان باستمرار وتلوكها الألسنة والأقلام: أن (جماعات العنف) ظهرت من تحت عباءتهم, مثل جماعات (جماعة الجهاد) أو (الجماعة الإسلامية) و (جماعة التكفير) وغيرها من الجماعات التي نشأت في مصر واتخذت العنف نهجا لها وسبيلا لتحقيق أهدافها.

والحق الذي لا ريب فيه: أن بعض هذه الجماعات مثل (جماعة التكفير) تعتبر ( انشقاقاً) علي الإخوان وليس ( امتداد ) للإخوان .

وقد بدأت بذور هذه الجماعة في السجن الحربي كما بينا كيف تسلسل تفكيرهم في كتابنا (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) وانتهى بهم الأمر إلي ( تكفير الناس بالجملة) ابتداء بالذين يتولون تعذيبهم بلا رحمة, ثم من يأمرهم بهذا التعذيب من الحكام, ثم من يسكت علي هؤلاء الحكام من الشعوب وقد اعتزلت هذه الفئة الإخوان في السجون, وكانوا لا يصلون معهم وقاموا بينهم وبين الإخوان جدل طويل, ورد عليهم مرشد الجماعة الثانى الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله في مقولات سجلها ونشرها بعد ذلك في كتابه (دعاة لا قضاة)

وقد نقلت فيما سبق أن شكري مصطفي أمير جماعة التكفير ومؤسسها أتهم قادة الإخوان بالخيانة العظمى لأنهم لم يقاوموا رجال الأمن والشرطة وسلموا جلود إخوانهم للسياط ورقابهم للمشانق.

فكيف يعتبر الإخوان مسؤولين عن هؤلاء الذين انشقوا عنهم واتهموهم بأبشع التهم؟

إن هذا أشبه بمن يحمل أمير المؤمنين علي بن أبى طالب رضى الله عنه وكرم الله وجهه وزر جماعة (الخوارج) الذين كانوا جنودا في جيشه ثم انشقوا عنه وخرجوا عليه ورموه بالكفر وتحكيم الرجال في دين الله ثم تآمروا عليه وقتلوه غيلة رضى الله عنه؟

هل يقبل عاقل هذا المنطق الأعوج؟ أن يحمل المرء تبعة من يخرج عنه ويتمرد عليه, وينصب له الحرب والعداء؟

هذا ما تتبناه للأسف الشديد – أجهزة الإعلام المصرية والعربية وتردده ولا تمله, وما يكرره كتاب علمانيون أو ماركسيون يعادون الإخوان بل يعادون رسالة الإسلام.

وأما (جماعة الجهاد) و(الجماعة االإسلامية) في مصر فليست انشقاقا من الإخوان بل هى جماعات نشأت من أول يوم احتجاجاً علي الإخوان وإنكارا عليهم أنهم خانوا ( مبدأ الجهاد) الذي أعلنوه طريقا لهم وشعارا يتغنون به (الجهاد سبيلنا والموت في سبيل الله أسمى أمانينا).

ويفسرون الجهاد باستخدام العنف في مقاومة الحكام الذين لا يحكمون بما أنزل الله باعتبار أن هذا كفر بواح فيها من الله برهان.

والإخوان لم يخونوا مبدأ الجهاد كما زعم هؤلاء ولكن (الجهاد) ليس معناه ( القتال) بل الجهاد مراتب وأنواع أوصلها الإمام ابن القيم في كتابه الشهير (زاد المعاد) إلي ثلاث عشرة مرتبة واحدة منها فقط هى : قتال الكفار بالسيف وهذا له دوافعه وشروطه, :ما في جهاد إخواننا الأفغان ضد الغزو السوفيتى وإخواننا في البوسنة والهرسك ضد التوحش الصربى وكذلك إخواننا في كوسوفا الآن وغيرهم من المسلمين الذين يعانون من الاضطهاد الدينى والعنصرى في أنحاء الأرض وأعظم هذا الجهاد : هو جهاد إخواننا في فلسطين ضد العدوان الإسرائيلي المغتصب والإخوان حيثما كانوا – يؤيدون هذا اللون من الجهاد بأنفسهم وأموالهم وألسنتهم , وبكل ما يستطعون , فالمسلمون أمة واحدة, يسعى بذمتهم أدناهم, وهم علي من سواهم, والمسلم أخو المسلم, لا يظلمه ولا يسلمه أى لا يتخلي عنه ويمثل الإخوان في الجهاد الفلسطينى حركة المقاومة الإسلامية (حماس) التي يؤيدها كل حر شريف مسلما كان أو غير مسلم.

أما فيما عدا هذا الجهاد العسكرى الذي يوجه فيه السلاح إلي أعداء الأمى فعندهم أنواع أخرى من الجهاد الذي تحتاج إليه الأمة ولا يرتاب احد في أنه فريضة وضرورة.

فالجهاد بالدعوة وتبليغ الرسالة وإقامة الحجة إحدى هذه المراتب وعى المذكورة في سورة الفرقان المكية( فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا) وهذا [الجهاد] متاح اليوم بصورة لم تعهد من قبل: عن طريق الكلمة المقروءة والمسموعة والمرئية وعن طريق الإذاعات الموجهة القنوات الفضائية وشبكة الإنترنت وغيرها من الوسائل والآليات التي تحتاج إلي طاقات بشرية هائلة وإلي أموال طائلة وإلي جهود مكثفة لم نقم بواحد في الألف منها مع أن هذا – كما قلت وأقول دائما هو جهاد العصر.

والجهاد بحمل المتاعب والمحن والشدائد في سبيل الدعوة والصبر عليها إحدى هذه المراتب وهى مذكورة في سورة العنكبوت المكية ( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون, ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين. أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون من كان يرجو لقاء الله فإن أجل الله لآت وهو السميع العليم ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغنى عن العالمين)[ الآيات :1-6]

وجهاد الظلمة والفجرة بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر والوقوف في وجه الباطل وقو(لا) للمسرفين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون : إحدى هذه المراتب وهو ما جاء في حديث ابن مسعود الذي رواه مسلم في صحيحه: " ما من نبى بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمرهم ثم أنها يخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

وجهاد الحكام الظلمة باليد – أى بالقوة العسكرية – إنما هو لمن يستطيعه ومن لم تكن معه هذه القوة انقلب فرضه إلي المجاهدة باللسان فمن عجز انتقل فرضه إلي الجهاد بالقلي وذلك أضعف الإيمان.

والإسلام يشدد في استخدام القوة المادية حتى لا تؤذى محاولة إزالة المنكر إلي منكر أكبر منه وهو ما سجله التاريخ والواقع.

وفي عصرنا لا يملك الجهاد باليد إلا (القوات المسلحة) وهى في يد الحكومة لأنها جزء من أجهزتها.

والذين يفكرون أن يقاوموا القوات المسلحة ببعض فئات من الشعب مخطئون يقينا: مخطئون عسكريا لأنهم لم يفهموا إمكانات الجيوش الحديثة وقدراتها, ومخطئون دينيا, لأنهم يلقون بأيديهم إلي التهلكة, ويعرضون أنفسهم لمخاطر لا قبل لهم بها. والحديث الشريف يقول:" لا ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه قيل : وكيف يذل نفيه يا رسول الله؟ قال:" يعرضها من البلاء لما لا تطيق"

كما أنهم هنا قد يقتلون من لا يجوز قتله. والأصل في الدماء الحظر والتشديد. وجماعات الجهاد في مصر والجزائر وفي غيرها ترى – بإمكاناتها المحدودة – أن تقاتل القوات المسلحة, وتنسى الفارق في القدرة المادية عند الطرفين , كما تنسى أن الجندى في القوات المسلحة إنما هو آلة في ترس, لا يملك أن يعصى أمرا لمن فوقه, فعلام يقتل؟

ومن ناحية آخرة , لا يبالي هؤلاء من يقتل من الأبرياء من الرجال والنساء والولدان, الذين لا يستطعيون حيلة ولا يهتدون سبيلا, وقد نهى الرسول الكريم عن قتل النساء والصبيان في الحرب ( الرسمية) بين المسلمين وأعدائهم حين تلتقى الجيوش وجها لوجه في يقتل إلا من يقاتل.

المهم أن فقه الإخوان في الجهاد يخالف فقه هذه الجماعات الجديدة.

كما أن فقه الإخوان في التغيير يخالف فقهها. فالإخوان يرون أن التغيير لابد أن يتم أولا داخل النفس الإنسانية, فالإنسان يقاد من داخله لا من خارجه من ضميره لا من يده, وهذا ما قرره القرآن في صورة قانون اجتماعى عام (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) وهذا طريق طويل ولكن لا طريق غيره يوصل إلي الغاية.

وقد رددت علي فقه هذه الجماعات في استخدام العنف في محاضرات وخطب وحلقات تليفزيونية في الفضائيات المعروفة, مثل برنامج ( الشريعة والحياة) في قطر وبرنامج ( المنتدى) في تليفزيون أبو ظبى, وفي ( دار الرعاية) في لندن وغيرها.

وبينت أن حسن النية والرغبة في نصرة الدين عند هذه الجماعات لا يبرر لها ما تفعل. فقد كان الخوارج صواما عبادا, ولم يغن عنهم ذلك من الله شيئا, وأمر الرسول بقتالهم وقتلهم لخطرهم علي المجتمع, وصحت الأحاديث في ذمهم من عشرة أوجه, كما قال الإمام أحمد.

لا يكفي حسن النية فمن الناس من زين له سوء عمله فرآه حسنا!

بل إن هذه الجماعات يخالف فقهها فقه الإخوان في قضايا كثيرة في السياسة الشرعية وفي الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والفنية والإعلامية وغيرها. فهم متشددون في قضايا المرأى وفي قضايا التعددية السياسية وفي اقتباس بعش أساليب الديمقراطية وضماناتها مثل الانتخاب ,التصويت بالأغلبية وإلزامية الشورى وتحديد مدة الأمير أو الرئيس.. الخ.

وكذلك في العلاقة بغير المسلمين من المواطنين وعلاقة الدولة الإسلامية بغيرها هل أساسه السلم أو الحرب ؟ وإلي أى حد تتدخل الدولة في شئون الاقتصاد؟

فالعجب أن يقال : إن هذه الجماعات خرجت من معطف الإخوان ,وهى تناقض الإخوان فكرا وأسلوبا وتتهم الإخوان بأنهم فرطوا في الدين وتعتبر اجتهادهم في قضايا العصر : ضربا من التبعية والخضوع لتيار التغريب والغزو الفكرى ! أعنى أن هذه الجماعات المسلحة تضاد الإخوان وتناقضها في توجاتها وهى ليست ذلك في مصر وحدها بل هى كذلك في الجزائر وغيرها.

بيانات الإخوان المتكررة تدين العنف

في السنين الأخيرة أوضح الإخوان موقفهم من العنف بكل الصراحة والوضوح في بيانات رسمية معلنة ومنشورة يدينون فيها العنف ويستنكرونه ويرفضونه بكل أشكاله وصوره, ,أيا كانت مصادره وبواعثه, وذلك علي أساس فهمهم لقيم الإسلام ومبادئه وتعاليمه كما سبق أن أكد الإخوان مرارا علي ضرورة إيقاف أعمال العنف المضاد, من منطلق وقاية البلاد من نزيف الدم الذي حرمه الله والحفاظ علي المجتمع من الانهيار الاجتماعي والخراب الاقتصادى والذي لن يستفيد من ورائه إلا أعداء الإسلام وخصوم المسلمين.

لقد أدى الإخوان المسلمون دورهم بالنسبة لهذه القضية علي أكمل وجه ممكن وبما تتيحه طاقاتهم وإمكاناتهم فعقدوا لذلك العديد من الندوات والمحاضرات والمؤتمرات واللقاءات العامة, واصدروا البيانات والنشرات والكتيبات لتوعية المواطنين ( وبخاصة الشباب) وتنبيه الرأى العام لمخاطر العنف والعنف المضاد وأثره السلبى علي أمن واستقرار مصر فضلا عن دورها الريادى تجاه أمتها العربية والإسلامية كما ان الإخوان حالوا – من خلال التربية المستمرة والتوجيه المباشر للشباب – دون وقوع عشرات الآلاف منهم في براثن أعمال العنف, وكم لهذا آثاره وانعكاساته البعيدة المدى علي تحجيم هذه الأعمال وعدم تناميها وانتشارها.

وقد ظهر للشعب المصرى بل للعالم كله في شتى بقاع الأرض ما تحمله دعوة الإخوان المسلمين من حكمة واعتدال وبعد نظر, وحرص علي إسعاد البشر كل البشر ولم يحدث خلال الأزمات الماضية والحالية علي كثرتها – والتي كان من الممكن أن تعصف بأمن الوطن واستقراره – أن استغل الإخوان أية فرصة لتصفية حسابات أو ممارسة أى عمل من أعمال العنف( ولو عل المستوى الفردى) أو عقد اتفاقات أو تشجيع ممارسات من شأنها أن تضر بالصالح العام بل كانوا حريصين كل الحرص علي أمن وسلامة وطنهم وهدوء واستقررار مجتمعهم وذلك من منطلق إيمانهم وحبهم إسلامهم والتزامهم بأصول دعوتهم ( بيان الإخوان بتاريخ 18 يونيو 1994)

وقد تعددت البيانات الصادرة عن الجماعة والتي تدين العنف, وتعبر فيها عن رأيها في هذا الخصوص وقد قامت كل الصحف في مصر الحكومية والحزبية بنشرها في حينها إما كاملة أو مقتطفات منها, بحيث لم يعد في مصر أحد يجهل رأى الإخوان في هذه القضية . وكان من ابرز البيانات التي صدرت ذلك البيان الجامع الصادر في 30 من ذى القعدة 1415 هـ الموافق 30 من أبريل 1995 والذي جاء فيه.

" لقد أعلن الإخوان المسلمون عشرات المرات خلال السنوات الماضية: أ،هم يخوضون الحياة السياسية ملتزمين بالوسائل الشرعية والأساليب السلمية وحدها مسلحين بالكلمة الحرة الصادقة والبذل السخى في جميع ميادين العمل الاجتماعي .. مؤمنين بأن ضمير الأمة ووهى أبنائها هما في نهاية الأمر الحكم العادل بين التيارات الفكرية والسياسية والتي تتنافس تنافسا شريفا في ظل الدستور والقانون وهم لذلك يجددون الإعلان عن رفضهم لأساليب العنف والقسر ولجميع صور العمل الانقلابي الذي يمق وحدة الأمة والذي قد يتيح لأصحابه فرصة القفز علي الحقائق السياسية والمجتمعية ولكنه لا يتيح لهم أبدأ فرصة التوافق مع الإرادة الحرة لجماهير الأمة.. كما أنه يمثل شرخا هائلا في جدار الاستقرار السياسي وانقضاضا غير مقبول علي الشرعية الحقيقية في المجتمع.

وإذا كان جو الكبت والقلق والاضطراب الذي يسيطر علي الأمة قد ورط فريقا من أبنائها في ممارسة إرهابية, روعت الأبرياء وهزت امن البلاد وعددت مسيرتها الاقتصادية والسلمية, فإن الإخوان المسلمين يعلنون – في غير تردد ولا مداراة – أنهم براء من شتى أشكال ومصادر العنف, مستنكرون لشتى أشكال ومصادر الإرهاب وأن الذين يسفكون الدم الحرام أو يعينون علي سفكه شركاء في الإثم, واقعون في المعصية, وأنهم مطالبون في غير حزم وبغير إبطاء أن يفيئوا إلي الحق, فإن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده , وليذكروا - وهم في غمرة ما هم فيها – وصية الرسول صلي الله عليه وسلم في حجة الوداع " ايها الناس إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم إلي يوم القيامة كحرمة يومكم هذا في عامكم هذا في بلدكم هذا".

أما الذين يخلطون الأوراق عامدين , ويتهمون الإخوان ظالمين بالمشاركة في هذا العنف والتورط في ذلك الإرهاب متعللين في ذلك بإصرار الإخوان علي مطالبة الحكومة بألا تقابل العنف بالعنف وأن تلتزم بأحكام القانون والقضاء وأن تستوعب في دراستها ومعالجتها لظاهرة العنف جميع الأسباب والملابسات ولا تكتفي بالمواجهة الأمنية – فإن ادعاءاتهم مردودة عليهم بسجل الإخوان الناصع كرابعة النهار علي امتداد سنين طويلة شارك الإخوان خلال بعضها في المجالس النيابية والانتخابات التشريعية, واستبعدوا خلال بعضها الآخر عن تلك المشاركة, ولكنهم ظلوا علي الدوام ملتزمين بأحكام الدستور والقانون حريصين علي أن تظل الكلمة الحرة الصادقة سلاحهم الذي لا سلاح غيره يجاهدون به في سبيل الله (ولا يخافون لومة لائم) والأمر في ذلك كله ليس أمر سياسة أو مناورة ولكنه أمر دين وعقيدة يلقى الإخوان المسلمون عليهما ربهم ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) [ الشعراء 88, 89]


شهادات المسؤولين للإخوان

ولعله من لمناسب هنا أن نورد شهادات للمسؤولين الرسميين في مصر عن موقف جماعة الإخوان المسلمين من هذه القضية يثبت كذلك كذب كل ما يقال عنهم بعد ذلك:

تصريح الرئيس حسنى مبارك:

فقد صرح الرئيس محمد حسنى مبارك لجريدة ( لوموند) الفرنسية أثناء زيارته لفرنسا سنة 1993 بتصريح نشرته الصحف المصرية وفي مقدمتها جريدة ( الأهرام بتاريخ 1/11/ 1993 قال فيه:

"إن هناك حركة إسلامية في مصر تفضل النضال السياسى علي العنف وقد دخلت هذه الحركة بعض المؤسسات الاجتماعية واستطاعوا النجاح في انتخابات النقابات المهنية مثل الأطباء والمهندسين والمحامين".

شهادة وزير الداخلية المصرى:

ولم يكن رئيس الجمهورية هو الوحيد من رجال السلطة الذي أكد انقطاع أى صلة للإخوان بالعنف والإرهاب, بل إن وزير الداخلية الحالي اللواء حسن الألفي في مؤتمره الصحفي الذي عقده ونشرت وقائعه بتاريخ 14 من أبريل سنة 1994 سئل عن علاقة الإخوان بتنظيم الجهاد أو الجماعة االإسلامية – وهما المنظمتان اللتان يتهمها النظام باستخدام العنف – فكان رده:

" الإخوان جماعة لا يرتكب أفرادها أعمال عنف بعكس تلك المنظمات الإرهابية" (جريدة الجمهورية و جريدة الأهرام عدد 14/4/1994 م)

شهادة خبير الأمم المتحدة:

كما أكد ذلك الخبراء والمختصون في هذا المجال وعلي رأسهم خبير الإرهاب الدولي المصرى بالأمم المتحدة اللواء أحمد جلال عز الدين – والذي قام الرئيس مبارك بتعيينه عضوا بالبرلمان عام 1995 ضمن العشرة الذين يحق لرئيس الجمهورية تعيينهم – حيث صرح في مقابلة موسعة له عن (الإرهاب والتطرف) مع جريدة الأنباء الكويتية:

"أن الإخوان المسلمين حركة دينية سياسية ليس لها صلة بالإرهاب والتطرف".. وأن الإخوان في نظر عدد كبير من تنظيمات العنف يعتبرونهم متخاذلين وموالين للسلطة ومتصالحين معها." ( العدد 6560 من جريدة ( الأنباء الكويتية) الصادرة في 13/8/114).

شهادة د. مصطفي الفقي:

كما أن الدكتور مصطفي الفقي مدير مكتب الرئيس حسنى مبارك لشؤون المعلومات قد أعلن في مؤتمر الإدارة العليا بالإسكندرية:

" نحن نقبل نشاركه التيار الإسلامي المعتدل, والممثل في جماعة الإخوان المسلمين ومنحها الشرعية بشروط, أبرزها إعلانهم نبذ العنف ومقاومته علنا وقبول مبدأ الديمقراطية بكل صيغها وفي مقدمتها تداول السلطة والأحزاب والحوار"(صحفية الوفد) المصرية في 1/11/ 1993).

الإخوان والتنظيمات السرية:

فليس لدى الإخوان المسلمين أية تنظيمات سرية أو النية لعمل تنظيمات تعمل تحت الأرض بعيدا عن الأعين فليس هذا من منهاجهم أو توجههم فضلا عن أن العمل السرى يضر بالعمل الدعوى.

فأما أن التنظيمات السرية لا تتفق ومنهج الإخوان, فذلك واضح من خلال حركتهم ونشاطاتهم في مجالات كثيرة ومتعددة عبر العقود الأخيرة, كما أن لافتاتهم وملصقاتهم موضوعة في كل مكان من أرض مصر شاهدة علي أنهم يعملون في وضح النهار وأنهم موجودون وسط الميدان يعيشون مع الناس ويمتزجون بهم ويشاركونهم أفراحهم وأتراحهم.

لقد دخل الإخوان المسلمون انتخابات مجلس الشعب في عامى 84, 87, كما أنهم خاضوا انتخابات مجلس الشورى عام 1989 والمحليات عام 1992 هذا فضلا عن الإنتخابات المتعاقبة للنقابات المهنية المختلفة.

وكان تحرك الإخوان في هذه الإنتخابات جميعها علنيا وظاهرا وبارزا بشعاراتهم ولقاءاتهم وبياناتهم. وهم الآن موجودون في النقابات لمهنية المختلفة ونوادي هيئة تدريس الجامعة والجمعيات والمجالس المحلية ومنم خلال الانتخابات النزيهة الحرة.

ولا يستطيع أحد أن ينكر دورهم أن ينكر دورهم في مجلس الشعب عامى 84,87 وتكوينهم لتكتل نيابى باسم جماعة الإخوان المسلمين وكيف أنهم أثروا الحياة النيابية بأفكارهم وآرائهم وتوجيهاتهم في كل الاتجاهات السياسة والاقتصادية والاجتماعية ولذلك كان لمجلس الشعب في هذين الفصلين التشريعين مكانته ونصيبه في اهتمامات الناس.

ولم يختلف الإخوان المسلمون يوما ما عن الإدلاء بدلوهم وتبيان آرائهم ومواقفهم في آية قضية محلية أو إقليمية أو دولية.

فلماذا بعد كل هذا يلجأ الإخوان لعمل تنظيمات سرية؟

وأما أن التنظيمات السرية تضر بالعمل الدعوى فهذا يرجع إلي أن التنظيمات السرية تعمل في الظلام والظلام بطبيعته يستحيل معه – مهما كانت القيادة نشطة وواعية ومتحركة وجادة – متابعة كل الأفراد (خاصة إذا كان عددهم عظيما) من حيث العقيدة والأفكار والسلوكيات والأخلاق ومدى مطابقة هذا من عدمه مع العقيدة الصحيحة والأفكار الأصيلة للدعوة والسلوكيات والأخلاق الأساسية للإسلام.

ولأن الإخوان المسلمين ينتمون إلي أهل السنة والجماعة ويعتبرون أنفسهم جماعة من المسلمين فإن عقيدتهم وفكرتهم من حيث النقاء والأصالة لا تشوبها شائبة كما أن مناهجهم واضحة ومتميزة من حيث اعتمادها علي الكتاب والسنة والفهم الصحيح الذي أجمع عليه أهل العلم الثقات, وبالتالي فهم حريصون علي ألا تشوه دعوتهم من قبل فرد أو مجموعة ومخافة أن تنحرف الدعوة الدعوة عن مسارها الأصلي, ينبذ الإخوان المسلمون العمل السرى ويرونه خطرا علي دعوتهم وعلي أفرادهم.

إن العمل الدعوى في وضح النهار يكشف في وقت مبكر وبدون عناء أى انحراف يصيب العقيدة أو الفكر كما أنه يفضح اى سلوك يخالف تعاليم الإسلام وهديه, وحتى لو حدث هذا فإنه يمكن معالجته سريعا وبشكل ميسور أو أن تنفي الدعوة عن نفسها الخبث فتتخلص مما يريد أن يعلق بها.

غير أن بعض الكتاب من غير المنصفين يحاول الآن وبشكل مبتسر إبهام الرأى العام بأن جماعة الإخوان صاحبة تاريخ عريق في التنظيمات السرية وأعمال الاغتيالات.. الخ مستشهدين ببعض الأعمال الفردية التي انزلق غليها أفراد من النظام الخاص في الأربعينات والتي أدانتها قيادة الإخوان في حينها.

ومن الحق والإنصاف القول بأن ظروف البلاد في الأربعينات ومطلع الخمسينات من هذا القرن اقتضت أن يشكل الإخوان – كغيرهم من لجماعات الوطنية في ذلك الوقت – نظاما من بعض الأفراد المحبين للتضحية والاستشهاد للقيام بعمليات جهادية ضد المحتل الانجليزي الغاصب الذي كان جاثما علي صدر مصر وأيضا عصابات صهيون التي كانت ولا تزل تعربد بكل الوحشية والإجرام في أرض فلسطين, وقد أدى هذا النظام الخاص دوره علي أروع ما يكون الأداء حيث شهدت ضفاف القناة وثرى أرض فلسطين بطولات خارقة وأعمالا استشهادية فذة للإخوان المسلمين يفخر به كل غيور علي بلاده, وقد انتهى النظام الخاص بانتهاء مسببات قيامه منذ أمثر من أربعين سنة ولم يعد له وجود إلا الذكرى .( الإخوان المسلمون -3- ذى القعدة1415هـ / 30 من ابريل 1995).

المحاكمات العسكرية للإخوان

ويبقى هنا سؤال : إذا كان هذا هو موقف الإخوان بوضوح, فما سر هذه المحاكمات العسكرية, والإجراءات الأمنية التي تتخذ في حق الإخوان بخصوص تنظيمات سرية تكتشف ما بين الحين والحين؟

ولكى أجيب عن هذا السؤال أود أن أسجل هنا خلاصة لقاء تم بينى وبين ضابط مهم مسئول عن الإخوان في أمن الدولة زارنى في بيتى بالقاهرة , في صيف سنة 1995 م وكان في لقائه معى غاية في الأدب وقال لي هل عندك مانع أن أوجه إليك بعض الأسئلة لأسمع إجابتك عنها؟

قلت له : لا مانع قطو أنا رجل من مهمتى أن أتلقى أسئلة الناس وأجيب عنها.

قال: ما رأيك في المحاكمات العسكرية؟ والأحكام التي صدرت فيها؟

قلت : هل تريد رأيى بصراحة؟

قال : نعم.

قلت: الأحكام العسكرية كانت قاسية بل شديدة القسوة علي أناس لم يقترفوا جرما, ولم يمارسوا عنفا, فمن المعلوم لديكم أن الإخوان منذ خرجوا من سجون عبد الناصر إلي اليوم ولم يثبت في حقهم أنهم استخدموا العنف أو شاركوا فيه ولا لمرة واحدة.

بل أنتم – ولا شك – تعلمون الصدامات التي وقعت بين شباب الإخوان في الصعيد وشباب جماعة الجهاد. حيث يتهمون الإخوان بالتخلي عن مبدأ الجهاد والمهادنة للسلطة, والاستسلام للطواغيت..الخ.

قال : ولكن لا يزال في الإخوان جماعات تتدرب علي السلاح؟

قلت: جماعة الإخوان جماعة كبيرة وممتددة في شرائح متنوعة الشهب ولا يبعد أن يوجد فيها عشرة أو عشرون يفكرون مثل هذا التفكير إن صح ذلك, ولا يبعد أن يوجد فيها عشرة أو عشرون يفكرون مثل هذا التفكير إن صح ذلك, وأنا أحكم علي المجموع لا علي الجميع والمهم هو الاتجاه العام في الجماعة الذي تقوم عليه التربية والثقافة والتوجيه العام. وقد كان الإخوان قديما يحتاجون إلي هذا النوع من التدريب العسكرى حين لم يكن هناك تجنيد إجبارى أما في عصر التجنيد الإجبارى فكل المصريين يدخلون الجيش فلا حاجة لمثل هذا التدريب.

ثم عاد الحديث إلي الأحكام العسكرية وقلت له فيما قلت: ولماذا المحاكمات العسكرية لأناس مدنيين ليس فيهم عسكرى واحد, ثم هم لم يمارسوا أى عمليات عسكرية ؟ ولم يتجهوا إلي العنف أو يجيزوه بوجه من الوجوه فيما أعلم عنهم أو عمن أعرفه منهم علي الأقل.

أعرف من الدفعة الأولي الدكتور عصام العريان أعرفه منذ كان طالبا في كلية الطب, وكان أميرا للجماعة الإسلامية وقد كان حريصا علي أن ينتقل بالطلاب من الغلو والتشدد إلي الوسطية, وكان يستعين بى وبشيخنا الغزالي علي ذلك وأعرفه بعد أن نضج وأصبح وجها إسلاميا مشرفا, له حضور واضح في المؤتمرات والندوات التي تعقد داخل مصر وخارجها وماذا ارتكب عصام العريان حتى يحكم عليه بخمس سنوات؟

وأعرف من الدفعة الثانية: الدكتور عبدالحميد الغزالي وهو أستاذ متخصص في الإقتصاد الإسلامي, ومدير لمعهد البحوث والتدريب في البنك الإسلامى للتنمية وقد جمعتنى به حلقات وندوات ومؤتمرات خاصة بالإقتصاد الإسلامي وهو يعيش بجدة منذ سنوات وليس من نشطاء الإخوان.

قال: ولكنه صار من نشطاء الإخوان بعد أن توفيت زوجته.

قلت: هو لحق! إنه عاد من جدة منذ عدة شهور فقط.

قال : ولكن الإخوان يقيمون تنظيمات مخالفة للقانون؟

قلت له: سأسلم معك بما تقول . ولكن لماذا تلجئون الإخوان المخالفة القانون؟

أنتم تعلمون أن الإخوان جماعة موجودة بلا فعل,وتنمو وتتكاثر ككل كائن حى فلماذا لا تسمحون لها بالوجود القانونى؟ أنتم سمحتم بذلك للشيوعيين والناصريين والقوميين وسائر الفئات إلا الإخوان , أليس الإخوان مصريين؟ أهم مستوردون من خارج تراب الوطن أم هم جزء منه؟

إن الصواب في ذلك: أن يسمح للإخوان بالعمل علانية وفوق الأرض وتحت سمع الدولة وبصرها وبإذن من القانون, بدل أن تلجئهم إلي العمل تحت الأرض فهذا من حقهم بوصفهم مصريين والتزامهم بالدين وبالإسلام لا يجوز أن يكون سببا في حرمانهم من ممارسة حقوقهم المشروعة.

ثم قلت: وقد كان الإخوان موجودين بالفعل منذ عهد الرئيس الراحل السادات رحمه اللهو وكان الأستاذ عمر التلمساني يدعى في الاجتماعات المختلفة باعتباره مرشدا للإخوان قال ! قال: ولكن التلمسانى كان عنصرا ملطفا بطبيعته الهادئة, وشخصيته الطيبة, ثم لم يكن التنظيم محكما كما هم محكم اليوم.

قلت: الذي أراه مخلصا: أن علاج هذا كله يكمن في الاعتراف بالإخوان كجماعة لها كيانها وأهدافها ونشاطها في حدود النظام العام والقانون.

ونحن أحوج ما نكون إلي تجمع كل القوى وتوحيد صفوف الأمة للبناء والتنمية والرقى بوطننا بعيدا عن التوترات والصراعات أنا أقول هذا بوصفي مصريا مسلما يحب الخير لوطنه, والإعزاز لدينه وقد علمتنى رحلاتي المختلفة إلي أقطار العالم: أن مصر من أرجى بلاد الله لنصرة الإسلام إن لم تكن أرجاها جميعا.

أنا اقول لك هذا بصراحة العالم لا بمناورة السياسى وأنا ليس لي أى وضع تنظيمى في الإخوان.

قال: نحن نعلم أنه ليس لك أى وضع تنظيمى في الإخوان داخل مصر, ولكن في التنظيم العالمى ألا يوجد لك مشاركة فيه؟

قلت: كان لي مشاركة من قبل ثم استعفيت منذ سنين لأتفرغ لخدمة الإسلام بالعلم والفكر والدعوة, وأعتبر نفسى ملك المسلمين جميعا, لا ملك الإخوان وحدهم,وهذا لا يعنى أنى أتنكر لفكر الإخوان أو لدعوتهم, وهم قد يعتبرونني منظرهم أو مفتيهم, كما أن كتبي تعد من مراجعهم الأولية, وهم أول الناس قراءة لها.

وهناك أسئلة أخرى جرت في هذه المقابلة’ لا تهمنا هنا , إنما الذي يهمنا هو التعليق علي الأحكام العسكرية.

وبعد أكثر من ساعة انتهت المقابلة, وانصرف الضابط المؤول مشكورا ولم نعرف الهدف من وراء المقابلة ولعله مجرد التعرف أو التعارف, المهم أنى قلت ما أعتقد أنه الحق ,بالله التوفيق.

شهادة كاتب منصف

وقبل أن أدفع بهذا الكتاب إلي المطبعة قرأت مقالا يعتبر غاية في العلمية والإنصاف يتحدث عن حسن البنا بمناسبة مضى خمسين سنة علي استشهاده وهو للكاتب الصحفي المعروف الأستاذ صلاح عيسى والرجل لا يتهم بالتحيز للإخوان المسلمين ولا للتيار الإسلامى بل هو محسوب علي الفكر اليسارى ولكنه كتب ما كتب إحقاقا للحق وإبراء للذمة وإنصاف للحقيقة والتاريخ نشرت هذا المقال جريدة الشرق اليومية القطرية يوم الأحد 19/ ذى القعدة 1419 هـ 7/ 3/ 1999 تحت عنوان : حسن البنا .. لا عنف ولا تزمت.

ويسرنى أن أن أسجل هذا المقال وهذه الشهادة العادلة هنا محييا صاحبها علي حياة ونزاهته وعلميته. يقول الكاتب:

"الذين يضعون فأس اتجاهات التيارات الإسلامية في مصر والعلم العربى نحو التزمت ثم العنف , في فنف الشيخ (حسن البنا) مؤسس جماعة الإخوان المسلمين الذي غاب عن دنيانا في مثل هذه الأيام منذ خمسين عاما, يسيئون عن قراءة وقائع التاريخ ويقحمونه في الصراع السياسى القائم الآن, بينهم وبين التيار الإسلامى بمجمل فصائله فلا يسيئون – بوضعهم الجميع في سلة واحدة – لوقائع التاريخ فحسب ولكنهم – وهذا هو الأخطر – يؤججون نيران العنف حيث يتوهمون أنهم سيقضون عليه , ويقودون الأمة إلي صراع عبثى لا جدوى من ورائه , ويتوهم خلاله كل تياراته الرئيسية في الحركة السياسية العربية أن باستطاعته استئصال الآخرين وبذلك تطيش خطواتها نحو المستقبل في الألفية الثالثة كما طاشت في الألفية الثانية.

وما يتجاهله الذين يحملون ( الشيخ البنا ) المسؤولية عن نشأة تيار العنف, هو أن تشكيل المنظمات شبه العسكرية كان موضة لدى كل التيارات السياسية في الثلاثينيات في إطار النتائج الإيجابية التي حققتها نظم الحكم في ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية التي نجحت استنادا إلي عسكرة المجتمع في استعادة ما أضاعته الحرب العالمية الأولي في حقوق البلدين الوطنية وأن فرق الجوالة التي أنشأها (البنا) وعرفت بفرق القمصان الكاكية, لم تكن الوحيدة في الساحة فقد كانت هناك( القمصان الخضراء) التي شكلتها جماعة (مصر الفتاة) وكان من أعضائها (جمال عبد الناصر) بل إن ( الوفد ) وهو الحزب الديمقراطى العتيد قد شكل هو الاخر ( فرق القمصان الزرقاء) وكل الشواهد التاريخية تؤكد أن (جوالة الإخوان ) كانت أكثر هذه الفرق انضباطا سواء من الناحية الأخلاقية أو من ناحية الالتزام بالقانون.

ومما يتجاهلونه كذلك أن الإخوان المسلمين لم يكونوا هم الذين بدأوا باستخدام الرصاص في الحوار السياسى مع القوى السياسية المحلية, فقد كان أول استخدام له, في هذا الإتجاه عام 1922 وقبل ست سنوات من تشكليهم عندما اغتال مجهولون يشك في أنهم من المتعاطفين مع (الوفد ) اثنين من زعماء (الأحرار) الدستوريين إبان الصراع العنيف بين الطرفين.

كما أن أحدا من الإخوان المسلمين لم يشارك في محاولات الاغتيال التي تعرض لها(إسماعيل صدقي) وأركان الانقلاب الديكتاتوري الذي تزعمه طوال النصف الأول من الثلاثينيات وكان أحد أعضاء مصر الفتاة ) هو الذي حاول اغتيال (مصطفي النحاس) عام 1937.

ولم يكن استخدام العنف ضد الاحتلال البريطانى في الأربعينيات قاصرا علي الإخوان فباستثناء الشيوعيين الذين لا يؤمنون .. من حيث المبدأ .. بالعنف الفردى فقد كان اللجوء للعنف لإجبار المحتلين علي الجلاء أو علي الأقل تنفيذ معاهدة 1936, والرحيل عن المدن الكبرى إلي قاعدة قناة السويس يكاد يكون توجا عاما, بين التيارات السياسية الجديدة كالحزب الوطني الجديد , ومصرالفتاة فضلا عن كثير من المنظمات السرية الشابية التي استلهمت تجارب المقاومة السرية ضد الاحتلال النازى لدول أوروبا, وخاصة فرنسا بل إن هذه الموجة قد شملت كذلك قواعد شبابية تنتمى إلي ألأحزاب التقليدية ومنها ( الوفد )

ولم يكن الإخوان وحدهم هم الذين غيروا في النصف الثانى من الأربعينات... اتجاه رصاصاتهم من صدور جنود جيش الإحتلال إلي صدور المصريين فالذي قتل احمد ماهر أول ضحية تسقط نتيجة لهذا التغيير لم يكن هذا التوجه, لأن صاحبها هو ضابط الجيش المفصول آنذاك (أنور السادات) الذي تعرف إلي مجموعة من الشبان يتزعمهم (حسين توفيق) كانوا يقومون بعمليات مقاومة سرية ضد ضباط وجنود البلاد من عملاء الإحتلال ويمكنون له انطلاقا من تصور يرى أن تطهير البلاد من عملاء الإحتلال وجواسيسه هو المقدمة الأولي للانتصار عليه .. وهو التيار الذي تواءم مع سعى القصر الملكى للثأر من خصومه من الوفد يين وأسفر عن اغتيال أمين عثمان وعن محاولتين لاغتيال مصطفي النحاس زعيم الوفد .

وليس (حسن البنا) هو الذي أسس تيار التزمت في الفكر الإسلامي إذ الحقيقة أن هذا التيار قد تأسس ضده ونشأ تمردا علي قيادته, وكان وراء أول انشقاق عن جماعته أسفر عام 1937 عن تشكيل (جماعة شباب محمد) التي اتهمته بالقعود عن الجهاد, وبالإكتفاء بمساندة ثوار فلسطين الذين يجاهدون ضد الصهيونية بالكلمات, وليس بالقتال الفعلي وبمهادنة القوى التي تماطل في تطبيق الشريعة وبالتواطؤ مع الذين لا يحكمون بما أنزل الله وطالبته بالتخلي عن قيادة الدعوة, أو اتخاذ موقف جهادى واضح, يجابه الحكومة بأنها كافرة ويقاوم المنكر في المجتمع بالعنف..

وكانت مصر الفتاة ) في سياق التنافس مع ( الإخوان هى التي ارتادت علي الصعيد الحركي طريق مقاومة المنكر باليد حين قام أنصارها عام 1939 بالهجوم علي الحانات لتحطيمها والاعتداء علي روادها وفي المرتين قاوم (البنا) هذا الإتجاه وأعلن أنه ضد الخروج عن القوانين مهما كان رأيه في رأيه في درجة اسلاميتها.

والذين يضعون فأس المسئولية عن العنف الدينى تفشى منذ ذلك الحين في أنحاء مختلفة من المنطقة العربية في رقبة (حسن البنا) يتجاهلون أن المسئول الأول في ذلك هم الذين شجعوا بل تآمروا علي إقامة دولة دينية في المنطقى عن طريق العنف, والذين سعوا إلي ذلك عن طريق هجرة استيطانية, تحولت إلي أحزاب سياسية صهيونية علنية, لكل منها جناح عسكرى سرى تتعاون جميعها في ممارسة العنف ضد أصحاب البلاد الأصليين, من المسلمين والمسيحيين لكى تطردهم منها وتحل محلهم.

وكان ذلك هو التحدى الذي استجاب له (البنا) فاتبع نفس الطريقة ولكن لهدف مضاد وشرع – بمشورة المجاهدين ليكون الفلسطينيين – في تشكيل الجهاز الخاص للإخوان المسلمين, ليكون بمثابة جناح عسكرى للجماعة, يجند طاقات الشبان الأكثر حماسا واستعدادا للتضحية من خلال دراسات فقهية حول نظرية الجهاد في الفقه الإسلامى, وبرامج للتدريب العسكرى للأسلحة والمتفجرات لكى يكونوا مؤهلين لمواجهة الغزو الصهيونى والاحتلال الأجنبى لبلاد المسلمين وبصرف النظر عن مدى صواب ذلك أو عدم صوابه فإن المسؤول عن نشؤ العنف الدينى في المنطقة ليس صاحب ( رد الفعل ) ولكنه صاحب الفعل 9 الذي يملأ الآن في بلاد الغرب صراخا ضد هذا النوع من العنف.

والشواهد التاريخية تؤكد أن معظم عمليات العنف التي قام بها الجهاز الخاص أو تلك التي قام بها قسم الوحدات الذي يضم ضباط الجيش وجنوده وضباط الشرطة من الإخوان ظلت في إطار الهدف الذي أنشىء من أجله الجهازان وفي السياق نفسه لعمليات مشابهة قام بها أعضاء من فرق سياسية أخرى سواء بصفتهم الحزبية أو الشخصية, إذ توجهت في الأساس تجاه جنود ومؤسسات جيش الإحتلال ثم بعد ذلك وحين نعقد الوضع بين الفلسطينيين والصهاينة في أعقاب صدور قرار التقسيم. توجهت ضد الممتلكات اليهودية ومع أن تحفظا قد يرد علي عمليات من نوع نسف حارة اليهود, أو محلات مثل ( شوكوريل ,(اوركو) فإن الفظائع التي كان يرتكبها الصهاينة ضد الفلسطينيين تجعل وقوعها أمرا واردا وفضلا عن ذلك فقد تطوع عدد كبير من أعضاء القسمين, ضمن أفواج المتطوعين العرب. التي دخلت أرض فلسطين قبل أن تدخلها الجيوش العربية رسميا في 15 مايو 1948.

لكن الجهاز الخاص الذي كان قسما ذا استقلال شبه ذاتى, له قيادته التنفيذية وتشكيلاته الخاصة المستقلة ولا يربطه عمليا بالجماعة سوى مجلس من المستشارين ورئاسة (حسن البنا) ما لبث بعد أن اتسعت عضويته وتعاظم نفوذه, أن بدأ ينحو نحو مزيد من الاستقلال ونشأ لدى بعض قيادته وخاصة (عبدالرحمن السندي) نزوع للإنفراد باتخاذ القرار, تذرعا بأن ضرورات التنفيذ تبيح محظور عدم استشاره المرشد العام.

ومن الإنصاف للرجل أن نقول بأن عمليات العنف التي قام بها الجهاز الخاص, ضد مصريين في حياته لا تتجاوز ثلاثة’ هى قتل القاضى ( أحمد الخازندار ) بسبب أحكام قاسية أصدرها بحق بعض الذين قاموا بأعمال عنف ضد قوات الإحتلال, من أعضاء الجهاز ومن غيرهم واغتيال رئيس الحكومة محمود فهمي النقراشي, ردا علي قراره بحل جماعة الإخوان ومصادرة ممتلكاتها واعتقال قاداتها, وأخيرا محاولة نسف محكمة الاستئناف لإحراق الأوراق السرية للجهاز الخاص, التي كانت قد ضبطت في سيارة جيب لتدمير أدلة الاتهام ضد قياداته وتأمين من لم يقع في أيدى الشرطة من أعضائه.

ولم يكن (البنا) طرفا في هذه العمليات الثلاثة فقد نفذت أولاها دون علمه, وغضب غضبا شديدا لوقوعها ونفذت الثانيى والثالثة بعد حل الجماعة وتفكك روابطها التنظيمية بسبب اعتقال قادتها ومطاردة الآخرين, ووضعه هو نفسه تحت رقابة بوليسية صارمة حالت بين الذين خططوا لهما وبين عرض الأمر عليه, وحالت بينه وبين الاعتراض علي التنفيذ بل إنه اعتبر أن الرصاصات التي وجهت إلي النقراشي قد أصابته هو نفسه, ونظر إلي محاولة [[حادث محكمة الإستئناف يناير 1949م|نسف محكمة الاستئناف]] باعتبارها تحديا له إذ كان يجرى مباحثات سياسية لكى يلغى قرار الحل أبدى خلالها مرونة سياسية وصلت إلي حد أبدى فيه استعداده لأن يقصر نشاطها علي الجانب الدينى وحده ويتوقف عن التدخل في الشؤون السياسية.

ولم يكن استقلال الجهاز السرى للإخوان برؤاه وعملياته بعيدا عن القوانين العامة لهذا النوع من الأجهزة , بل إنه يكاد يكون تكرار لتجربة الجهاز السرى لثورة 1919[[]] الذي نشأ للقيام بعمليات فأعلن الاستقلال ثم الدستور وتولي زعميها سعد زغلول رئاسة الوزارة فقد قامت مجموعة منه باغتيال القائد البريطانى للجيش المصرى وحاكم السودان العام, فكانت النتيجة استقالة وزارة سعد وسحب الجيش المصرى من السودان وتعطيل الدستور.

والحقيقة أن انشغال (البنا) بالحشد والتحريك والتنظيم علي حساب ما كان محتما ألا يتأخر في القيام به, وهو صياغة فقه إسلامى يستجيب لحاجات العصر وخاصة ما يتعلق بالمسألة السياسية, لم يؤد فقط إلي المخاوف التي أشاعها هذا الحشد في نفوس بقية الفرقاء علي الساحة الاجتماعية والسياسية المحلية والدولية ولم يسفر عن تعدد الرؤى داخل جماعته, بل وانعكس كذلك داخل الجهاز الخاص الذي قام بهذه العمليات الثلاث, استنادا إلي اجتهاد خاص ببعض أفراده لم ينظر إلي الإخوان المسلمين كما كان البنا ينظر إليها باعتبارها جماعة المسلمين التي يتوجب حمل السلاح في وجه من يختلف معها.

ومن سوء الحظ التاريخى, أن الذين توجهت إليهم رصاصات الجهاز الخاص للإخوان استنادا إلي هذا الاجتهاد الخاطئ لم يميزوا بين الرجل وبين الذين أساءوا فهم أفكاره ووضعوها في سلة واحدة فاغتالوه وفي ظنهم أنهم يقضون علي العنف فإذا بهم يشعلونه في الأرض إذ المؤكد أنه لولا غياب حسن البنا لتغير وجه النصف الثانى من القرن العشرين عما صار إليه ولاختلف استقبالنا للألفية الثالثة هما نحن فيه!". انتهى مقال الكاتب صلاح عيسى بنصه لم أحذف منه حرفا.

وقد حلل فيه الأحداث تحليلا علميا سليما دل علي علمه بالتاريخ ووعيه به ومعرفته بما وراء الحوادث من بواعث , وما يؤثر فيها من تيارات وأوضاع لقد نظر إلي الأحداث في حجمها الحقيقى لم يحاول أن يكبر الصغير أو يهون الكبير, وربطها بمقدماتها ولواحقها ,ووضعها في سياقها التاريخى المحلي والعالمى فجاءت شهادته – والحق يقال – غاية في تحرى الحقيقة والدقة العلمية والنظرة المستوعبة والإنصاف في زمن فيه المنصفون!

5- الإخوان وإقامة الدولة الإسلامية

بعض المعترضين علي الإخوان يواجههم بسؤال محرج لهم, يقول : لقد مر عليكم سبعون عاما, وأنتم تنادون بإقامة دولة إسلامية تحقق حكم الله في الأرض,وتمكن لدينه في حياة الناس تبنى المجتمع المسلم المنشود الذي يقيم الصلاة ويؤتى الزكاة ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر دولة ترجع إلي الكتاب وتستخدم الحديد والميزان ليقوم الناس بالقسط ومع هذا لم تقيموا هذه الدولة التي سعيتم إليها وناديتم بها؟

ألا يدل هذا علي أن طريقتكم خاطئة أو أن أهدافكم مستحيلة التحقيق؟

والجواب : أن هذا السؤال فيها كثير من الخلل والخطأ من عدة أوجه:

الدولة ليست هى الهدف الأوحد:

الوجه الأول :أن إقامة الدولة المسلمة هدف أصيل, وأمل منشود ولكنه ليس الهدف الأوحد, بحيث تقول إن الحركة كان لها هدف سعت إليه ولم تحققه.

إذ الواقع أن للحركة جملة أهداف دعت إليها وحرصت عليها, وجاهدت لتحقيقها فحققت بعضها ولم تحقق بعضا آخر.

فقد أعلن مؤسس الدعوة أنه يسعى لإيجاد : الفرد المسلم, والبيت المسلم والشعب المسلم والحكومة المسلمة والأمة المسلمة.

وقد نقلنا من الإمام البنا في رسالته إلي الشباب:

1- نريد أولا: الفرد المسلم في تفكيره وعقيدته, وفي خلقه وعاطفته وفي عمله وتصرفه, فهذا هو تكويننا الفردى.

2- ونريد بعد ذلك: البيت المسلم في تفكيره وعقيدته وفي خلقه وعاطفته, وفي عمله وتصرفه ونحن لهذا نعنى بالمرأة عنايتنا بالرجل ونعنى بالطفولة عنايتنا بالشباب وهذا هو تكويننا الأسرى.

3- ونريد بعد ذلك: الشعب المسلم في ذلك كله أيضا, ونحن لهذا نعمل علي أن تصل دعوتنا إلي كل بيت, وأن يسمع صوتنا في كل مكان وأن تنتشر فكرتنا وتتغلغل في القرى والنجوع والمدن والمراكز والحواضر والأمصار ولا نألو في ذلك جهدا ولا نترك وسيلة.

4- ونريد بعد ذلك: الحكومة المسلمة التي تقوم هذا الشعب غلي المسجد وتحمل به الناس علي هدى الإسلام من بعد, كما حملتهم علي ذلك بأصحاب رسول الله صلي الله عليه وسلم من قبل.

ونحن بهذا لا نعترف بأى نظام حكومة لا يرتكز علي أساس الإسلام ولا يستمد منه.

5- ونريد بعد ذلك أن نضم إلينا كل جزء من وطننا الإسلامي الذي فرقته السياسية الغربية, وأضاعت وحدته المطامع الأوروبية ونحن بهذا لا نعترف بهذه التقسيمات السياسية التي تجعل من الوطن الإسلامي دويلات ضعيفة يسهل ابتلاعها علي الغاصبين.

ولا نزاع في أن الإخوان قد حققوا – إلي حد كبير – بعض هذه ا الأهداف بالنظر إلي تكوين الفرد المسلم والبيت والمسلم والشعب المسلم.

ولا يشك منصف في تأثير الحركة الإسلامية في تغير الأفكار والمشاعر والسلوك لدى الكثير ممن كانوا قد استسلموا لتيار الحضارة الغربية الزاحف وساروا وراءها شبرا شبرا , وذراعا بذراع وظهر أثر ذلك في الأسرى المسلمة والمجتمع المسلم.

والحكومة الإسلامية التي تقم بالفعل في مصر ولكن تهيأ الرأى العام لها تهيؤا كبيرا بحيث لو ترك الناس أحرارا ليختاروا لأنفسهم لاختاروا الإسلام وممثليه كما ظهر ذلك بوضوح في الجزائر وكما ظهر في مصر في انتخابات النقابات المهنية واتحادات الطلاب الجامعية وانتخابات نوادى هيئات التدريس بالجامعات.

والأمة الإسلامية الواحدة لم تقم بالفعل ولكن وجدت هذه الأمى في عقول الكثيرين من المسلمين ومشاعرهم كما بينت ذلك في كتيب لنا بحق (الأمة الإسلامية حقيقة لا وهم).

قيام حكومات إسلامية

2- علي أننا ينبغي ألا ننسى أن هناك حكومة إسلامية قامت – علي أساس المذهب الشيعى – في غيران وحكومة أخرى قامت علي أساس المذهب السنى في السودان وتأثير الحركة الإسلامية في إقامة هاتين الحكومتين لا ينكر حتى حكومة إيران الشعبية فقد تأثروا بفكر الإخوان.

وقام في فترة من الزمن حكم إسلامى جزئى في الأردن ومثله في اليمن, ومثله في تركيا ولو ان الأمر بيد الشعوب الإسلامية, تقضى أمرها بنفسها وتختار لنفسها ما تريد, ومن تريد ما اختارت إلا الإسلام , ولكن القوى الغالبة علي أمر المسلمين لا تمكنهم من ذلك, ولا تمنحهم الفرصة لذلك ابدأ وبهذا أصبحوا كما قال الشاعر في قبلية تيم:

ويقضى الأمر حين تغيب تيم ولا يستأذنوا وهم شهود!

الدولة المسلمة مسؤولية الجميع:

علي أن عدم إقامة الحكومة المسلمة أو الدولة المسلمة,ليس مسؤولية الإخوان وحدهم فهذا الأمر فريضة علي كل المسلمين: أن تقودهم حكومة مسلمة تحكم بما أنزل اللهو ولا تتبع الهوى فيضلها عن سبيل الله.

ويجب أن يسأل الجميع أنفسهم: ماذا قدمنا لإقامة دولة الإسلام, فليس يكفي أن يسال المسلمون الإخوان :

لماذا لم يقيموا دولة الإسلام التي دعوتهم إليها؟ فقد يجيبهم الإخوان وماذا عملتم أو بذلتم لنا حتى نقيمها معا؟!

وأذكر أن الداعية الموفق: وأنتم صار لكم عشرون سنة وأنتم تسمعون فماذا عملتم؟!

إن السامع شريك المتكلم في تحمل التبعة وإن المدعو شريك الداعى في المسؤولية

بذر البذرة أم قطف الثمرة؟

بقى نا أمر مهم, بل في غاية الأهمية هو: أن المطلوب من المسلم والواجب شرعا : أن يسعى لإقامة دولة الإسلام, ,حكم الإسلام, حتى يكون للمسلمين إمام يقود أمتهم ويجسد وحدتهم ويحكم شريعتهم فرارا من أن يموتوا ( ميتة جاهلية) وهو ما حذر منه رسول الإسلام حين قال:" من مات وليس في عنقه بيعة فقد مات ميتة جاهلية" وينجى المسلم من الإثم هنا أن يسعى مع الساعين لإيجاد هذا الإمام.

والإنسان يملك أن يسعى ويجهد ولكنه لا يملك أني يكلل سعيه بالنجاح وهذا ما قاله الناس من قديم وتحدث عنه الشعراء كما قال القائل:

علي السعى فيما فيه نفعى وليس علي إدراك النجاح!

ولقد ناقشت بعض الإخوة من حزب التحرير سنة 1952 حين زرت الأردن لأول مرة وقد كانوا يتبنون فكرة : أن أى دعوة أو حركة تعمل لإقامة الدول الإسلامية ثم تمضى عليها 23 سنة (وبعضهم قال: 13 سنة) ولا تحقق هدفها لابد أن يكون طريقها خطأ.

قلت لهؤلاء الإخوة: ما قولكم في سيدنا نوح؟ قالوا رسول من أولي العزم من الرسل قلت وما رأيكم في دعوته؟ قالوا: دعوة حق وخير وهدى. قلت: وما رأيكم في أسلوبه وطريقته؟ قالوا أسلوب بليغ متميز قلت: ولكن نوحا عليه السلام ظل ألف سنة إلا خمسين عاما يدعو قومه فلم يستجيبوا له وسجل ذلك القرآن حين قال [ قال رب إنى دعوت قومى ليلا ونهارا. فلم يزدهم دعائي إلا فرارا.

وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا] نوح :5-7)

ورغم مرور نحو ثلاثين جيلا عليه ما آمن معه إلا قليل, حتى امرأته وابنه, لم يؤمنا به, ولا غرو أن دعا علي قومه قائلا[ رب لا تذر علي الأرض من الكافرين ديارا. إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا] نوح : 26 -27)

إن الداعية عليه أن يبذر البذرة ويتعهدها بالسقى والتسميد والرعاية ولكن قد تحول حوائل سماوية أو قدرية أو بشرية دون نضج الثمرة أو قطف الثمرة فهو يبذر الحب ويرجو الثمار من الرب.

إن الله تعالي لن يسأل عباده يوم الحساب : لماذا لم تنجحوا؟ ولماذا لم تنتصروا؟ ولكنه سبحانه سيسألهم: لماذا لم تعملوا؟ لماذا لم تجاهدوا؟ لماذا لم تحاولوا؟

فإذا عملوا وجاهدوا وحاولوا فقد ارتفع الإثم عنهم, إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.

وهنا يقول الأستاذ البنا: إن العامل يعمل لأداء الواجب أولا ثم للأجر الأخروي ثانيا ثم للإفادة ( أى تحقيق الهدف في الدنيا) ثالثا.

وهو إن عمل فقد أدى الواجب وفاز بثواب الله , ما في ذلك من شك متى توافرت شروطه وبقيت الإفادة وأمرها إلي الله فقد تأتى فرصة لم تكن في حسبانه تجعل عمله يأتى بأبرك الثمرات علي حين أنه إذا قعد عن العمل فقد لذمه إثم التقصير وضاع منه أجر الجهاد وحرم الإفادة قطعا فأي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا؟ وقد أشار القرآن إلي ذلك بصراحة ووضوح[ لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلي ربكم ولعلهم يتقون فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وآخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون][ الأعراف 164, 165]

الإخوان والمشروع الحضارى

ومن التهم التي وجهت إلي الإخوان: أنه ليس لديهم ( مشروع حضارى) متميز يقدمونه للناس ويحلون به المشكلات المعقدة للجتمعات التي نشأوا فيها. إنما كل ما عندهم مبادئ عامة وأفكار ( هلامية) وبيانات عاطفية تهز المشاعر ولا تعالج المشاكل.

عند الإخوان خاصة – خطب ومحاضرات ورسائل ومقالات وكتب ومطبوعات تشرح بعض جوانب من الإسلام, وربما كان شرح بعضها جيدا أو ممتازا, ولكنها لا تقدم مشروعا متكاملا للنهضة والإصلاح والتجديد الحضارى وبناء الأمة من جديد علي أسس واضحة وركائز معلومة تقتنع بها العقول قبل أن تستثار بها العواطف!

وربما خدع بعض الناس بهذا الكلام وتصورا أن الإخوان لم يقدموا ( مشروعا) للناس.

والواقع أن الإخوان قدموا مشروعا متكاملا للناس في مضمونه وإن لم يكن متكاملا في شكله وصورته.

وهذا كما يقال : إن الإسلام ليس لديه نظرية سياسية أو نظري اقتصادية وهذا قد يكون مسلما بالنسبة للشكل فليس في التراث الإسلامى شئ اسمه ( النظرية السياسية) أو ( النظرية الاقتصادية) ولكن مادة هذه النظرية وتلك موجودة في تعاليم الإسلام وأحكامه, ومبثوثة في مصادره ومراجعه.

دعائم المشروع الحضارى للإخوان:

مشروع الإخوان الحضارى موجود في مصادرهم وهو يقوم علي جملة دعائم:

1- الإيمان بالمرجعية العليا للإسلام المجسدة في القرآن والسنة في بناء حياتنا كلها, ثقافية وتربوية واجتماعية وسياسية واقتصادية.

2- الدعوة إلي تجديد الدين وإلي الاجتهاد في فهمه لمن يملك شروطه وفي مجال الاجتهاد والنظر إلي الإسلام وأصوله وإلي العصر ومشكلاته بعين آخرى.

3- الاستفادة من كل المدارس الإسلامية في علاج مشكلاتنا المعاصرة وخصوصا المدارس التحديدية في تراثنا الفكرى والفقهى, والانتفاع بإبداعاتها والإضافة إليها.

4- رفض ما ألصق بالإسلام من أفهام خاطئة من رواسب عصور الهزيمة والتراجع الحضارى عملا بالقول المأثور : خذ ما صفا ودع ما كدر.

5- الانتقاء مما جاءتنا به الحضارة الغربية فلا نقبل كل ما جاءت به’ ولا نرفضه بل نأخذ منها ما ينفعنا وما يتفق مع قيمنا وشريعتنا, وندع ما يضرنا وما يخالف ديننا ومن أهم ما نأخذ منها : الجوانب العلمية والتكنولوجية والإدارية فاقتباس هذه الجوانب وإتقانها فريضة وضرورة وهى في الواقع بضاعتنا ترد إلينا.

6- المشروع للأمة الإسلاميى كلها ,لكن مصر هى نقطة الانطلاق لموقعها الدينى والحضارى والتاريخى والجغرافي ,ولأنها بلد الأزهر والوطن الأم للحركة الإسلامية ولتجاوب جماهير شعبها مع الإسلام فكرا وشعورا وسلوكا.

7- تقوم النهضة أول ما تقوم علي تحرير الوطن – المصرى والعربى والإسلامى – من الاستعمار وآثاره الثقافية والتشريعية والتربوية والاجتماعية وإعادة بنائها في شتى نواحى الحياة.

8- أن تقوم فيها للإسلام دولة قوية تبنى عقيدته وتحكم شريعته وتثبت قيمه, دولة شورية مجددة وملتزمة, تستلهم التراث, وتعايش العصر , تؤمن بالله ربا وبالإنسان خليفة في الأرض, وتؤدى الواجبات وترعى الحقوق,وتصون الحريات, وتؤمن الحرمات وتقوم بمهمتها في تعبئة قوى الشعب, وجمع كلمة العرب والمسلمين وتبليغ رسالة الإسلام إلي العالم.

9- العمل علي إقامة مجتمع فاضل راق جدير بالانتماء للإسلام متحرر من الظلم والقهر والخوف تتحقق فيها تنمية إنسانية شاملة وعدالة اجتماعية كاملة وتكافل إنسانى عميق مجتمع يحارب الفقر والجهل والمرض والرذيلة ويجد فيها الجائع خبرة والمريض دواءه والقادر عمله, والمشرد مأواه والمحتاج كفايته والمظلوم عدالته والمكبوت حريته.

10- يهدف المشروع الإسلامى إلي توحيد أمة الإسلام, كما أراد لها الله تعالي وكما كانت في التاريخ وكما يوجبه منطق العصر في ضرورة التكتلات الكبرى ولكنه يؤمن سنة التدرج ويرى أن وحدة العرب وتحررهم وعزتهم مقدمة ضرورية لوحدة الأمة الإسلامية عزتها فالعروبة وعاء الإسلام والعربية لسانه والعرب هم عصبة الإسلام, ,حملة رسالته الأولون وفي ألثر : إذا ذل العرب ذل الإسلام.

11- يبدأ المشروع بإصلاح الفرد وبنائه بناء متكاملا: روحيا بالعبادة وعقليا بالثقافة, وجسميا بالرياضة, وخلقيا بالفضيلة مع التركيز علي التغيير النفسى والعقلي فهو أساس كل تغيير( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) ( الرعد :11) ثم بناء البيت المسلم فالمجتمع المسلم فالأمة المسلمة في خطوات متدرجة, ومراحل مدروسة وفق سنن الله في خلقه بلا قفز علي الواقع ولا إنكار للعوائق والصعوبات.

12- يقوم المشروع الحضارى الإسلامى علي التوعية والتثقيف للجماهير وعلي التربية والتكوين للطلائع وعلي الكفاح السلمى والنضال الدستورى والتلاحم مع الشعب حتى تتغير الأمة بداخلها وتتحقق آمالها.

الإسلام الذي ندعو إليه:

وفي مناقشاتنا أو مناظراتنا مع العلمانيين في مصر, كانوا يقولون لنا إنكم تدعوننا إلي الإسلام ولكن لم نعرف بالضبط أى إسلام تدعوننا إليه؟ إنكم تدعوننا إلي ( ضبابية) غائمة أو معتمة لا نرى فيها حاضرنا ولا مستقبلنا بوضوح ناصع.

إن الإسلام له صور عدة في بلاد تزعم أنها تطبقه هل تدعوننا إلي إسلام إيران وإسلام باكستان أو إسلام السودان أو إسلام السعودية... الخ؟

وأحيانا ينسبون هذا الإسلام إلي أشخاص القائمين علي هذه البلدان الإسلامية, فيقولون: تدعونا إلي إسلام الخميينى أم إسلام ضياء الحق, أم إسلام النميرى..الخ

والحق أننا لا ندعو إلي إسلام مقيد ببلد أو بشخص أو بمذهب, أو بعصر نحن ندعو إلي إسلام القرآن والسنة موصولا بالواقع, مربوطا بالزمان والمكان والإنسان, مشروحا بلغة العصر مفتوحا للتجديد والاجتهاد من أهله في محله مستلهما للماضى, معايشا للحاضر مستشرقا للمستقبل, جامعا بين الأصالة والمعاصرة محافظا في الأهداف متطورا في الوسائل ثابتا في الكليات مرنا في الجزئيات مشددا في الأصول, ميسرا في الفروع رابطا بين النصوص الجزئية والمقاصد الكلية منتفعا بكل قديم صالح مرحبا بكل جديد نافع. موفقا بين النقل الصحيح والعقل الصريح , ملتمسا الحكمة من أى وعاء خرجت, ومستفيدا العلوم من أى جهة جاءت في غير تعصب لرأى قديم ولا عبودية لفكر جديد.

ولم نكتف بهذا الإجمال بل قدمنا معالم للإسلام الذي ندعو إليه في عشرين أصلا, نبين الملامح ونضع النقاط علي الحروف ويمكن للقارىء أن يطلع علي هذه المعالم العشرين للإسلام الذي ندعو إليه في كتابنا ( الإسلام والعلمانية وجها لوجه).

وفي دراستنا هذه قد وضحت مواقف الإخوان من جملة من القضايا المهمة والكبيرة من خلال رسائل الأستاذ البنا وتراث الإخوان مثل : موقف الإخوان من استخدام القوة وموقفهم من الحكم, ومن الدستور ومن القانون ومن الأحزاب السياسية ومن الهيئات الإسلامية ومن الخلافات الدينية ومن الغربيين والحضارة الغربية وموقفهم من الوحدات الثلاث: الوحدة الوطنية ( المصرية) والوحدة العربية والوحدة الإسلامية , وموقفهم من الخلافة وعودتها وأخيرا موقفهم من النزعة العالمية الإنسانية

لقد أزحنا الضباب الذي يتعمد البعض أن يلف به هذه القضايا وموقف الإخوان منها وبيناه من مصادره بما لا يدع مجالا للشك أو التشكيك.

ولابد لمن ير أن يستبين مشروع الإخوان للحضارة والنهضة بالأمة أن يراجع هذا الفصل تحت عنوان ( وضوح المواقف ) وهو المقوم السابع من مقومات الدعوة المكتملة والحركة الناجحة والجماعة الموفقة. هيكل والمشروع الحضارى الإسلامى:

الأستاذ محمد حسنين هيكل كاتب كبير في مجال السياسة ,ولا يختلف اثنان في عمقه ومقدرته علي الرصد والتحليل والتفسير ,استخلاص النتائج التي قلما يقدر عليها غيره وخصوصا في السياسة المصرية والعربية وإن كان هناك كثيرون يخالفونه فيما ينتهى إليه لسبب وآخر.

ولكنه إذا خاض في الجوانب الإسلامية لا يحلق كما يحلق في آفاق السياسة ولا يغوص ويتعمق كما يغوص ويتعمق في الجوانب السياسية داخلية وخارجية.

وهو لا يدعى أنه عالم بالإسلام أو خبير فيه, ولكنه قد يدخل في بعض الجوانب المتعلقة بالإسلام من قريب أو من بعيد, ويبدى فيها رايه فيصيب أحيانا أو يخطىء أحيانا في اجتهاداته, وكل ميسر لما خلق له.

ومن ذلك: ما ذكره لجريدة( السفير) اللبنانية – في الصيف الفائت 1998 – خاصا بالتيار الإسلامى " فهو لا يرى هذا التيار يصلح لشئ إلا للمقاومة , ولا يقوم غيره مقامه في هذه الناحية وهو قد أنصف التيار الإسلامى في ذلك, ولكنه بخسه حقه في الجوانب الأخرى ويبدو من سيرة الأستاذ هيكل : أنه ليس لديه وقت يفرغه لمتابعة التراث الفكرى الضخم للتيار الإسلامى في شتى مجالات الحياة : الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية والدينية.

ومما عجبت له ما قاله في حواره هذا لصحيفة ( السفير) : أنه لقى الشيخ حسن البنا وأنه وجده رجلا طيبا وظريفا جدا! ولكن لم يكن لديه مشروع يقدمه للناس!

هل كان حسن البنا غير ذى مشروع؟

أحسب أن الأستاذ هيكلا ظلم الأستاذ البنا بهذا الحكم الذي ذكره وأحسب أنه لم يفهم الشيخ البنا أو أنه لم يسبر أغواره ولم يقرأ فكره , كما ينبغي,قبل أن يحكم عليه هذا الحكم الجائر القاسى.

علماء المنطق يقولون: الحكم علي الشئ فرع عن تصوره وأظن ( هيكلا) لم يتصور ( البنا) تماما, وربما كان عذره أنه كان في ذلك الوقت شابا في مقتبل العمر ولم يجشم نفسه عناء البحث في دعوة البنا ومشروعه.

والواقع أن حسن البنا كان لديه ( مشروع) واضح في ذهنه, راسخ في وجدانه مستقر في أعماقه اتضحت له أهدافه واتضحت له وسائله ومناهجه وجهده ونفسه وجماعته فكان يعرف ماذا يريد؟ وكيف يصل إل ما يريد وبمن يصل إلي ما يريد؟

وقد تحدثنا في القسم الأول من هذا الكتاب عن دعوة البنا, واكتمال مقوماتها ومن ذلك وضوح أهدافها ووضوح وسائلها ووضوح مواقفها من القضايا الكبيرة.

كان البنا يعرف عن خصائص مشروعة : أنه ( إسلامى بحت) في غاياته وفي وسائله , وفي أسسه ومنطلقاته, فهو يعتمد الإسلام مصدرا أول وأوحد لمشروعه.

ولكنه ( الإسلام الصحيح) كما سماه الأديب الفلسطينى إسعاف التشاشينى أو ( الإسلام الأول) كما سماه حسن البنا نفسه, إسلام الرسول وأصحابه قبل أن تشوبه الشوائب, وتلحق به الزوائد ورواسب القرون, مفرغا في قالب يلائم العصر ويواكب التطور ويفتح باب ( الاجتهاد) لعلاج مشاكل الحياة بطب الإسلام ووسطية الإسلام.

وإذا كان الإسلام هو المعيار, وهو المرجع الأعلي , فلا أظن أن هناك من يتهم حسن البنا بعدم فهم الإسلام أو أنه يفهمه علي غير وجهه الصحيح , أو يفهمه فهما يناقض منطق العصر في التقدم الحضارى والرقى العمرانى, علي أساس من النهوض العلمى, والنمو الاقتصادي والاجتماعي.

فالحقيقة أن منطق العصر هذا هو منطق الإسلام ,والمنهج العلمى أو التجريبى الذي نهض الغرب علي ركائزه هو منهج اقتبسه أصلا من الحضارة العربية الإسلامية, كما شهد بذلك مؤرخو العلم الغربيون من أمثال بريفولت لوبون وجورج سارتون.

ومن قرأ الأستاذ البنا – علي صغر حجمها – وجد فيها معالم مشروع شامل متكامل متوزان للنهضة والتقدم والبناء يمزج المادى بالروح ويوفق بين العقل والقلب ويقرن بين المثالية والواقعية , كما يجمع بين الدين والدنيا يوازن بين حقوق الفرد ومصلحة المجتمع. وبين النظرة القومية والنظرة الإسلامية والنظرية العالمية.

ولو قرأ الأستاذ هيكل رسالتين صغيرتين من رسائل البنا إحداهما كتبت سنة 1936 وهى رسالة ( المؤتمر الخامس) الشهيرة والأخرى عنوانها " دعوتنا في طور جديد" كتبت سنة 1942, لوجد فيهما رؤية مركزة لمشروع حضارى متميز. في منطلقاته, متميز في أهدافه متميز في رسائله.

في هذه الرسالة الثانية نظرة عميقة تتحدث عن العقلية الغيبية الخرافية ,والعقلية العلمية الحسية الوضعية, وعن خصائص العقلية الإسلامية التي يريدها ويكونها الإسلام. زهى عقلية متوزانة تؤمن بالغيب ولكن لا إلي حد التصديق بالخرافة وتؤمن بسلطان العقل والحسن ولكن إلي حد إنكار الوحى.

وترسم طريق النهضة للأمة المسلمة بدءا بمصر التي انتهت إليها زعامة الشعوب الإسلامية والتي ردت عن حمى الإسلام كيد المعتدين من تتار الشرق وصليبى الغرب والتي تحيا حياة تتذبذب فيها وتتأرجح بين الإسلام الأصيل والتغريب الدخيل والذي كان من ثمراته وجود تعليميين: دينى ومدنى وقضاءين: شرعى وأهلي , وحياتين : إسلامية وأفرنجية.

ولا مناص لمصر من التحرر من هذه الثنائية الغربية ومن تأسيس حياتنا كلها علي قواعد الإسلام ونعنى به: الإسلام المؤسس علي الاجتهاد والتجديد هذا ما نادى به حسن البنا بوضوح وجلاء.

ربما قيل: إن اعتماد الإسلام مصدرا, ومعيارا لا يحل المشكلة, لأن كل فئة تفسر الإسلام حسب منظروها فلا تعرف بالضبط موقف الإسلام من القضايا الكبرى والمشكلات المعقدة التي تتطلب حلا وعلاجا, يقدم للناس في صورة مشروع ولم يفعل هذا الإمام البنا, لأنه كان مشغولا بجمع الناس علي الكليات والمبادئ العامة ولا يعنى بعلاج الأمور التفصيلية خشية أن يختلف الناس عليها في وقت هم فيه أحوج إلي التجمع والتوحد.

وهذا صحيح – إلي حد ما – في وقت من الأوقات, ولكن الشيخ البنا في أواخر حياته بدأ يفصل مشروعه للناس في مقالات نشرها في جريدة ( الإخوان المسلمون) اليومية ,وجمعت بعد ذلك في كتاب تحت عنوان ( مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامى).

وفي هذا المبحث قد تحدث الأستاذ البنا عن القضية الوطنية وقضية الوحدة والقضية الدستورية والقضية الاقتصادية وقدم حلولا لكل منها في ضوء الإسلام وعرضها في الجريدة اليومية لتناقش.

ولنأخذ هنا مثلا: علاجه للقضية الوطنية قضية الصراع مع الاحتلال الانجليزى وتحددت في محورين: الجىء ووحدة وادى النيل.

وقدم الأستاذ حله لقضية الجلاء في ضوء رؤيته الإسلامية: المفاوضة فإن لم تفلح فالمقاطعة , ثم ( النبذ علي السواء) بإعلانهم بالخصومة الصريحة وإلغاء ما بيننا وبينهم من معاهدات , واعتبار الأمة في حالة حرب, وتنظيم حياتها علي هذا الاعتبار اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا.

وقدم الأستاذ حله للمشكلة السياسية الداخلية, أو مشكلة ( نظام الحكم) وتتلخص في قبوله : (النظام الدستوري) وقبول الدستور المصري بصفة عامة مع التنبيه علي وجوب إزالة الغموض في بعض مواده وعلي ضرورة تعديل ( القانون) ليتفق مع الدستور الذي لم يره يناقض الإسلام مناقضة صريحة.

ويقول المرشد : ليس في قواعد هذا النظام النيابى أو الدستورى ما يتنافي مع القواعد التي وضعها الإسلام لنظام الحكم وهو بهذا الاعتبار ليس بعيدا عن النظام الإسلامى ولا غريبا عنه وبهذا يمكن أن نقول في اطمئنان إن القواعد الأساسية التي قام عليها الدستور المصرى لا تتنافي مع قواعد الإسلام .

بل إن واضعى الدستور المصرى قد توخوا فيه ألا يصطدم أى نص من نصوصه بالقواعد الإسلامية فهى إما متمشية معه بصراحة أو قابلة للتفسير بما يتفق معه


الإصلاح السياسى لدى الإخوان:

وفي الإصلاح الداخلي حسبنا أن نذكر عنا فقرات مما ذكره ريتشارد .ب. ميتشل في كتابه عن ( الإخوان) حوا آرائهم في الإصلاح البرلمانى والسياسى والإدارى فيقول:

تضمنت اقتراحات إصلاح البرلمان والأحزاب ما يلي:

1- وضع قائمة من " الصفات" التي يجب أن تتوافر في المرشحين سواء أكانوا ممثلين لهيئات أم لم يكونوا.

2- وضع حدود للدعاية الانتخابية.

3- إصلاح الجداول الانتخابية وطرق التصويت لتكون في منأى عن تلاعب ذوى المصالح الشخصية وعن التصويت الإجبارى.

4- فرض عقوبات رادعة علي التزوير والرشوة في الانتخابات.

كذلك اقترح البنا تطبيق نظام الانتخابات" بالقائمة" مفضلا إياه علي الانتخاب المباشر حيث ينتمى الفرد إلي حزب سياسة, ,:أن يرى أن هذه الطريقة " تحرر النائب من ضغط الذين انتخبوه" وتؤمن خدمة المصلحة العامة دون المصالح الشخصية"؟

أما ميدان الإصلاح الحكومى الآخر, فهو الجهاز الإدارى عموما والتوظيف الحكومة بصفة خاصة. فالوجه الأول للإصلاح هو تطبيق الإسلام من ناحيته المعنوية والوجه الثانى هو معالجة مسائل العمل والإجراءات وقد تحدث البنا طويلا عن الوجه الأول فحبذ:

(1) نشر الروح الإسلامية في جميع المصالح الحكومية.

(2) مراقبة السلوك الشخصى للموظف حتى لا يوجد ثلمة في سلوكه تميز بينكم وظف حكومى وكإنسان.

(3) إعادة تنظيم أوقات العمل لتسهيل أدائه وحتى يمتنع العامل من السهر ليلا.

(4) مراقبة جميع الأعمال الحكومية بحيث تتفق مع روح التعاليم الدينية.

(5) استخدام عدد أكبر من خريجى الأزهر في الوظائف العسكرية والمدنية.

كانت هذه الإصلاحات السمة الغالبة في موقف البنا من مشكلة الإصلاح في عمومها كما تعرض لما يمس أتباعه مباشرة من المشاكل الدنيوية اليومية للوظيفة العامة, وتضمنت آراؤه في الإصلاح بالنسبة لهذه المشاكل الإجراءات التالية:

(1) اختيار الموظفين الحكوميين علي أساس الكفاءة دون القرابة

(2) استقرار ظروف العمل وتبسيط اجراءته عن طريق تحديد المسؤولية وإلغاء المركزية.

(3) تحسين أحوال صغار موظفي الدولة برفع رواتبهم وعلاوتهم وذلك لسد الهوة بينهم وبين كبار الموظفين, وبإيجاد تأمين قانونى ومالي مضمون لهم بحماية المرؤوسين من عسف ونزعات الرؤساء.

(4) تقليل عدد الوظائف الحكومية وتوزيع العمل علي من يبقى توزيعا أعدل وأقوم.

(5) إلغاء ما هو جار من " استثناءات" من القوانين يتمتع بها المقربون والأصدقاء والأقرباء.

قامت اللجنة الفرعية للوظيفة العامة المنبثقة من قسم المهن بالجماعة بوضع الكثير من البرامج لإصلاح الوظيفة الحكومية – كما قررت اللجان الخاصة التي شكلت في المدن الكبرى ( والتي كان مزمعا تشكيلها أيضا في القرى) بع الحرب العالمية الثانية – قررت تقديم مساعدة فعلية اتخذت شكل دفع مصروفات التعليم الجامعى لأولاد الموظفين الذين يقل راتبهم عن ثلاثين جنيها في الشهر وذلك " لمحاربة غلاء المعيشة" وكانت هذه اللجان الخاصة تعمل في مجالاتها علاوة علي ما كانت تقوم به الجماعة من دعوة إلي الإصلاح – خصوصا فيما يتعلق بالأجور والضمان الاجتماعى وهى دعوة كثيرا ما امتلأت بها صحافة الجماعة.

وإذ كان التحرر السياسى من الاستعمار وثيق الصلة بالإصلاح السياسى فقد كان هذا الإصلاح يتضمن دائما أفكارا عن الإصلاح العسكرى وقد نادى البنا بتعميم هذا الوضع علي الصعيد الوطنى حينما دعا إلي " تقوية الجيش وإشعال الحماس فيه علي أساس الجهاد الإسلامى".

كان الدفاع " عن الوطن" والدفاع " عن حقائق الإسلام" هما الفكرتين اللتين رددتهما المقالات العديدة في صحافة الجماعة كلما حثت علي إصلاح عسكرى وهما فكرتان اكتسبتا أهمية أعظم بعد ثورة عام 1952 واقترحت الجماعة في ذلك الوقت:

(1) تعزيز قوى الجيش وزيادة عدده دون اعتبار لما يتضمنه ذلك علي أساس الأخوة.

(2) أن يتم تدريب الضباط والجنود بحيث تقوم العلاقة بينهم جميعا علي أساس الأخوة

(3) أن يتم يتسع نطاق التجنيد بحيث لا يبقى فرد في الأمة بعد وقت معين يكون قادرا علي حمل السلاح ولا يحمله.

(4) وجوب جعل التدريب العسكرى بما في ذلك الفنون الحربية وطرائق القتال الفعلية إجباريا في الجامعات والمدارس.

(5) إنشاء جيش إقليمى للذين لا ينخرطون في الجيش النظامى.

(6) التزام الحكومة بإنشاء الصناعات الحربية.(انظر الإخوان المسلمون لميتشل ص219, 221 وقد اعتمد المؤلف علي رسائل الأستاذ البنا وبيان الإخوان الشهير بعد الثورة الذي يتضمن رأيهم في الإصلاح السياسى الإقتصادى والاجتماعى .. الخ.

الإصلاح الاقتصادى

وتحدث الدكتور ميتشال عن الإصلاح الاقتصادى الذي يقترحه الإخوان لإصلاح مصر والنهوض بها فقال:

لم تكد الإجراءات الاقتصادية تتغير سواء في مداها في أهميتها النسبية ضمن الفكرة الاجمالية للإصلاح طوال السنين التي دعت خلالها الجماعة إلي الإصلاح في مصر علي أنه بينما قدم البنا الإصلاحات الخلفية والسياسية والثقافية علي الإقتصادية اعتبر بعض أتباعه الإصلاح الاقتصادى أحق بالتقديم بل اعتبره أساسا للإصلاح.

وعلي كل حال , أخذت المشكلة الإقتصادية تحتل مكانا أكبر في اهتمام الجماعة حتى من قبل البنا,وكان ذلك رجعا لصدى ما يشغل الأعضاء ولما هم في حاجة إليه إبان الأزمة الإقتصادية المتزايدة في مصر عقب الحرب العالمية الثانية.

وقد رأى الإخوان تحقيق الإصلاح الاقتصادى في عاملين:

(1) أن الاستقلال أساس الاستقلال السياسى.

(2) أن التحسن الاقتصادى في صوره نوع من الضمان الاقتصادى والإجتماعى – بالنسبة للجماهير التي صرعها الفقر في مصر – أمر ضروري لملء الفراغ في البناء الطبقى.

(3) وبهذا تتجنب البلاد فرقة وطنية جديدة باسم الصراع الطبقى. وفي هذا النطاق اقترحت الجماعة بعض إجراءات الإصلاح الاقتصادى لتصدر الدولة قوانين بها إما عن طريق السلطة التشريعية أو السلطة الادارية وهى قوانين ترمى إلي جعل مصر أكثر انسجاما مع تراثها الإسلامى:

1- يجب إلغاء الربا في كل صوره وعلي الحكومة أن تكون رائدة في هذا المجال بأن لا تقبل الفائدة في جميع معاملاتها.

ولكن إذا سلمنا جدلا بأن الدولة أصدرت قانونا بإلغاء الفائدة علي الودائع في المصارف وإلغائها في الشركات والمؤسسات العامة والقروض الخاصة فماذا يحدث حينئذ؟ سيحدث أن تجد رؤوس الأموال نفسها غير قادرة علي زيادة الثروة إلا بوسيلتين عامتين, أولهما: أن توظف الأموال مباشرة في بعض المشروعات المثمرة والمفيدة, وذلك باستثمارها في الصناعة أو التجارة أو الزراعة وثانيهما : أن توظف هذه الأموال بطريقة مربحة نافعة باستثمارها في أسهم الشركات حيث ترتفع قيمة السهم أو تنخفض وكلتا الطريقتين مشروعة في الإسلام حيث تضر إحداهما بالحياة الإقتصادية أى ضرر.

2- يجب تأميم مصادرة الثروة في البلاد وإنهاء السيطرة الأجنبية علي المرافق العامة والثروات المعدنية كما يجب إحلال رأس المال الوطنى محل رأس المال الأجنبى ويجب أن يصحب هذه الإجراءات استغلال الثروات الطبيعية في البلاد علي نطاق واسع سواء في المجال الزراعى أم التعدينى.

3- يجب تصنيع البلاد فورا مع إعطاء الصناعات التي تعتمد علي المواد الأولية المحلية والصناعات الحربية أهمية خاصة, كما يجب تشجيع الصناعية المنزلية المحلية لا لمجرد مساعدة الفقراء والمعدمين, ولكن للتمهيد لشق طريق التغيير نحو خلق الروح الصناعية والعصر الصناعى الجديد, ويمكن أن يتم هذا التشجيع في ميادين الغزل والنسيج وصناعة الصابون والعطور وأعمال الصيانة.

4- يجب تأميم البنك الأهلي المصرى كخطوة أخرى في سبيل الإصلاح المالي ويجب أن يكون لمصر مطبعتها لطبع أوراقها النقدية, وأن يكون لها دارها الخاصة لسك النقود المعدنية.

5- يجب إلغاء بورصة العقود وإصلاح السياسة القطنية.

6- يجب إصلاح قانون الضرائب بحيث تفرض بشكل تصاعدى علي رأس المال كما تفرض علي الأرباح ويجب استعمال حصيلة الضرائب لأغراض الدولة العامة ولرفع مستوى المعيشة ولخدمة مصالح الشعب.

كذلك يجب أن يكون من أهداف الضرائب الحد من الإنفاق المفرط ومن البذخ.

7- تجب متابعة الإصلاح الزراعى دون هوادة: فيقرر حد أقصى للملكية الزراعية ويباع ما زاد إلي من لا يملكون أرضا بأسعار معقوله علي آماد طويلة.

8- يجب إصدار قانون خاص بكراء الأرض وذلك لحماية المستأجرين من سوء استغلال أصحاب الأرض لهم بأخذهم حصة غير عادلة من محصول الفلاحين.

9- يجب إعادة النظر في قانون العمل والإهتمام بالإصلاحات التي:

(أ) تضمن للعمال جميعا( بما فيهم العمال الزراعيون) تأمينا ضد البطالة والإصابات والمرض والشيخوخة والموت

(ب) تحتم تنظيم العمل

(ج) تؤمن للأجير حصة عادلة من الكفاية الإنتاجية المتزايدة ويجب تدريب العمال الصناعيين والزراعيين في مهنتهم تدريبا أو في حتى تضمن زيادة كفايتهم الإنتاجية.

10- وأخيرا يجب أن يضمن لكل عامل " تأمين اجتماعى" فلو عجز إنسان عن العمل أو لو كان عمله غير كاف أو كان غير قادر علي العمل فيجب علي الدولة حينئذ أن تقوم بحاجاته من معين الزكاة .

ويجب أن تتفق الزكاة علي المحتاجين في المنطقة التي جبيت فيها حتى يحس الأغنياء والفقراء علي سواء الشعور :" بالمسؤولية المتبادلة".

فإن لم تكف المقابلة حاجات المعوزين كان للدولة الحق في إرغام الموسرين علي زيادة ما يدفعون إلي الفقراء إن لم يفعلوا ذلك عن طواعية واختيار.

هذه بعض الملامح للمشروع الإخوانى للإصلاح والتقدم وهى قليل من كثير.

أعتقد أن الأستاذ هيكل لو قرأ ما كتبه الأستاذ البنا من رسائل وخطابات ومقالات ودرسه بتأمل وإنصاف لغير رأيه الذي أعلنه وأيقن أن عند الأستاذ البنا مشروعا أنضج وأعمق وأوسع وأوضح مما كان لعبد الناصر ودوائرها الثلاث العربية والإفريقية والإسلامية وقد قيل : إن الذي صاغ هذه الفلسفة هو الأستاذ هيكل نفسه.

أما إن كان الأستاذ هيكل يريد: أن الأستاذ البنا لم يقدم برنامجا مفصلا لعلاج كل الجوانب الحياة السياسية والإقتصادية والاجتماعية والثقافية فهذا قد رددنا عليه في كتابنا ( بينات الحل الإسلامى وشبهات العلمانيين والمتغربين) وذكرنا هناك أن كل الدعوات التغييرية الكبرى ليبرالية أو اشتراكية لم يأت الذي ينشدونه فلماذا يطلب هذا من البنا أو من الإسلاميين وحدهم؟ ولا أحسب هيكلا يقصد بالمشروع البرنامج المتصل.

علي أن المكتبة الإسلامية الآن حافلة بأعمال كبيرة وتفصيلات جمة للمشروع الإسلامى, ولكن الأستاذ هيكل وأمثاله لا يتنازلون ليقرأوا ما كتبه الإسلاميون.

6- الإخوان والعقيدة

العلمونيون يتهمون الإخوان بأنهم مسلمون متعصبون لعقيدتهم متصلبون في إيمانهم متشددون في نظرتهم إلي الطوائف الأخرى.

وبعض الفصائل الأخرى من الإسلاميين – مثل بعض السلفيين والتحرريين – يتهمون الإخوان بأنهم متهاونون في أمر العقيدة كما في قضية الأولياء والقبور, وقضية التوسل بالنبى صلي الله عليه وسلم والملائكة وأولياء الله الصالحين وقضية الآيات والأحاديث التي يطلق عليها: آيات الصفات ,وأحاديث الصفات فهم في هذا من الأشاعرة وليسوا من أهل السنة! وكذلك قضية الولاء والبراء فهم يتهمون الإخوان بأنهم لا يبرأون من الكفار ومن اليهود والنصارى وغيرهم ويقولون عنهم: هم إخواننا ولا أخوة بين مسلم وكافر.

وهم يؤولون النصوص القطعية – فهم في نظر المدعين – التي تطالب بقتال هؤلاء وأخذ الجزية منهم وهم لا يكفرون الحكام الذين لا يحكمون شرع الله تعالي في جوانب الحياة كلها: اجتماعية واقتصادية وسياسية مخالفين لما نطق به القرآن بل تقول هؤلاء إن العقيدة لا تأخذ في فكر الإخوان حيزا كافيا ولا في أدبياتهم مكانا يليق بها.

إلي غير ذلك من التهم التي يلصقها هؤلاء بالإخوان وهى تهم لا تقف علي رجلين سليمتين ولا تستند إلي برهان بين أو إلي فقه صحيح.

ولا أدل علي تهافت هذه الاتهامات من تناقضها فيما بينها فتهم العلمانيين يرد عليها تهم المتشددين والعكس بالعكس.

وسنلقى شيئا من الضوء علي ذلك فيما يلي:

العقيدة أس البناء:

إن العقيدة في فكر الإخوان وفي دعوتهم هى : راس الأمر وأس البناء وروح الإسلام.

فالإسلام عقيدة تقوم علي أساسها شريعة تتفرع عنها أخلاق وأعمال وينبثق منها مجتمع تحكمه دولة.

والإخوان مؤمنون كل الإيمان بعقيدة الإسلام ولكنهم غير متعصبين ضد مخالفيهم إلا إذا اعتبر الاعتزاز بالعقيدة والحماس لها والثقة بتفوقها , واليقين بنصر الله إياها: تعصبا فهم حينئذ أول المتعصبين.

والعقيدة يعبر عنها في القرآن والسنة باسم ( الإيمان) والشريعة والعبادة والأخلاق يعبر عنها باسم ( العمل) ولا يقبل عمل بلا إيمان . كما لا ينفع إيمان بلا عمل.

وقد ركز الإمام البنا منذ فجر دعوته علي بناء الإيمان لدى الدعوة, اقتداء بما فعله رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي ظل ثلاثة عشر عاما في العهد المكى يغرس فيها – قبل كل شئ – أصول الإيمان وحقائق التوحيد وعبادة اله وحده واجتناب الطاغوت كما يغرس في النفوس والعقول أصول الفضائل ومكارم الأخلاق. وكانت (دار الأرقم) في مكة هى معهد التربية الأول ولغرس الإيمان وتثبيته في الرعيل الأول من المسلمين.

كان من ( الشعارات) التي تجمل دعوة الإخوان في كلمات ( الله غايتنا والقرآن شرعتنا, والرسول قدوتنا, والجهاد سبيلنا).. ,:أن الهتاف الإخوان المحبب: ( الله أكبر . ولله الحمد) حيث كان الناس يهتفون بحياة الزعماء والملوك وكانت صيحاتهم الجهيرة تقول( لا إله إلا اللهو محمد رسول الله عليها نحيا وعليها نموت وفي سبيلها نجاهد حتى نلقى الله).

وكانت مناهج التربية في جماعة الإخوان تقوم علي أن الإيمان هو الركن الركين والحصن الحصين, وأن ( الجانب الربانى) في التربية مقدم علي كل الجوانب وهو أصلها الأصيل وأن رضوان الله تعالي هو ( غاية الغايات) فإذا كان من غايات الإخوان إقامة مجتمع الأمة الإسلامية أو غير ذلك من الأهداف والغايات فإن الغاية القصوى من وراء ذلك كله : ابتغاء رضوان الله تبارك وتعالي, وهذا معنى( الله غايتنا).

وقد كتب الأستاذ البنا – وهو ابن ست وعشرين سنة – رسالة مركزة وميسرة في ( العقائد) وأشار في كثير من رسائله ومقالاته إلي أهمية العقيدة ودورها وفي محاضراته التي عرفت باسم ( أحاديث الثلاثاء) ركز علي هذا الجانب. وحينما أصدر مجلته الشهرية( الشهاب) لتخلف مجلة ( المنار) في تثقيف الآمة وتوجهها كان من أبرز الأبواب فيها : ( الله) وهو بحث في عقيدة الألوهية والتوحيد.

ولا يكاد يوجد كاتب من كتاب الإخوان إلا وكتب عن العقيدة: الشيخ الغزالي كتب ( عقيدة المسلم) و(ركائز الإيمان بين العقل والقلب) وغيرهما والشيخ سيد سابق ( العقائد الإسلامية) والشهيد سيد قطب( خصائص التصور الإسلامى) و(مقومات التصور الإسلامى) والشيخ سعيد حوا ( الله) و ( الرسول) في عدة أجزاء.

والشيخ عبد المنعم تعليب ( العقائد في القرآن) في عدة أجزاء والدكتور عمر الأشقر عن العقيدة في عدة أجزاء والشيخ عبد المجيد الزنداني( بناء الإيمان) والدكتور محمد نعيم ياسين عن ( الإيمان) وأركانه, والفقير إليه تعالي ( الإيمان والحياة) و( وجود الله) و( حقيقى التوحيد) إلي ما ذكر في الكتب الأخرى.

وهناك كتب كثيرة أخرى غير مباشرة تتحدث عن العقيدة والإيمان , مثل كتب التفسير والحديث والدعوة والتربية والسلوك. فكلها مشحونة ببناء الإيمان وتجديد الإيمان وتثبيت الإيمان.

يعتمد الإخوان في عرض العقيدة وشرحها علي دعامتين:

الأولي: النصوص النقلية من القرآن الكريم والحديث الصحيح, ولا سيما القرآن. فهو الينبوع الأول للعقيدة, وصحيح السنة هى البيان والتفسير.

والثانية: البراهين العقلية والعلمية, التي لفت إليها القرآن بقوة, والتي أمدنا فيها العلم الحديث بذخيرة هائلة تقمع لماديين وتفحم الملاحدة والمشككين والداعية الموفق هو الذي يجمع بين النقل والعقل في عرض العقيدة وبناء الإيمان وهو منهج القرآن.

كيف يقدم الإخوان العقيدة

لا يريد الإخوان من تقديم العقيدة وشرحها: أن تكون كلمات تحفظ وتردد, وى مجادلات مع الآخرين دون أن يكون لها اثر في حياة أصحابها بحيث يقتنع بها عقله ويطمئن بها قلبه وينفعل بها وجدانه وتتحرك بها إرادته.

إن القرآن الكريم حين عرض لنا إيمان جسده في أخلاق وأعمال باطنة وظاهرة[ إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلي ربهم يتوكلون. الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا]

وكذلك أوائل سورة المؤمنين[ قد افلح المؤمنون . الذين هم في صلاتهم خاشعون. والذين هم عن اللغو معرضون. والذين هم للزكاة فاعلون. والذين هم لفروجهم حافظون.)

يرفض الإخوان الشركيات والخرافات والأباطيل التي ألصقت بعقيدة التوحيد مثل ما يفعل كثير من العوام في كثير من بلاد المسلمين ويبرره لهم بعض الخواص, من الطواف بقبور الصالحين والنذر لها, ودعاء أصحابها والإستغاثة بهم وغير ذلك من المنكرات.

وقد بين الأستاذ البنا في ( أصوله العشرين) برغم وجازتها وتركيزها : أن هذه الأعمال من المنكرات والكبائر التي يجب محاربتها.

يقول رحمه الله:

" وكل بدعة في دين الله لا أصل لها استحسنها الناس بأهوائهم – سواء بالزيادة فيه أو بالنقص منه ضلالة تجب محاربتها والقضاء عليها بأفضل الوسائل التي لا تؤدى إلي ما هو شر منها ( ولا شك البدعة تشمل ك البدعة الاعتقادية كما تشمل البدعة العملية).

ومحبة الصالحين واحترامهم والثناء عليهم بما عرف من طيب أعمالهم: قربة إلي الله تبارك وتعالي, والأولياء هم المذكورون في قوله تعالي (الذين آمنوا وكانوا يتقون) (يونس 63) والكرامة ثابتة لهم بشرائطها الشرعية مع اعتقاد أنهم رضوان الله عليهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا في حياتهم أو بعد مماتهم فضلا عن أن يهبوا شيئا من ذلك لغيرهم.

وزيارة القبور أيا كانت : سنة مشروعة بالكيفية المأثورة ولكن الإستعانة بالمقبورين أياما نوا ونداءهم لذلك, وطلب قضاء الحاجات منهم عن قرب أو بعد والنذر لهم وتشييد القبور وسترها وإضاءتها والتمسح بها والحلف بغير الله وما يلحق بذلك من المبتدعات : كبائر تجب محاربتها ولا نتأول لهذه الأعمال سدا للذريعة.

والدعاء إذا قرن بالتوسل إلي الله بأحد من خلقه خلاف فرعى في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة. والعقيدة أساس العمل وعمل القلب أهم من عمل الجارحة وتحصيل الكمال في كليهما مطلوب شرعا وإن اختلفت مرتبتا الطلب. انتهى.

قضية التوسل:

وأما قضية التوسل بالرسول صلي الله عليه وسلم والأنبياء والملائكة والصالحين من عباد الله فقد ذكر الأستاذ البنا : أن هذا من الأمور الخلافية بين الأئمة وأنه خلاف في كيفية الدعاء وليس من مسائل العقيدة.

وقد أنكر إخواننا السلفيون علي الأستاذ البنا هذا القول, واشتد نكيرهم عليه وعلا صوتهم في معارضته والتشنيع علي قائله ولا أدرى لهم هذا كله؟

ولم يقل الرجل شيئا يستوجب الطعن أو التشنيع.

أولا: لأن الأمر خلافي بالفعل ومن قرأ كتب المذاهب المتبوعة من الحنفية والمالكية والشافعية بل حتى الحنابلة: وجد هذا واضحا فالكثيرون أجازوا التوسل بالرسول وبالصالحين من عباد الله.

وهناك من كره التوسل, وهناك من منعه.

ولكل فريق من هؤلاء أدلته أو شبهاته – علي الأقل – في تأييد ما ذهب إليه وللمخالفين ردودهم عليه كما هو الشأن في المسائل الخلافية.

وهناك دليل قوى لمن قالوا بالتوسل وهو حديث عثمان بن حنيف وقد صححه الشيخ الألباني وهو من منكر التوسل , وإن وجهة أخرى هى في نظرى أقوى وأحرى وهو هذا الحديث:

أخرج أحمد وغيره بسند صحيح عن عثمان بن حنيف أن رجلا ضرير البصر أتى النبى صلي الله عليه وسلم فقال : ادع الله أن يعافينى قال : إن شئت دعوت لك, وإن شئت أخرت ذاك فهو خير ( وفي رواية: وإن شئت صبرت فهو خير لك) فقال : ادعه .

فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه فيصلي ركعتين ويدعو بهذا الدعاء: اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبى الرحمة يا محمد إنى توجهت بك إلي ربى في حاجتى هذه فتقضى لي, اللهم فشفعه في ( وشفعنى فيه) قال ففعل الرجل , فبرأ.

يرى الكثثيرون: أن هذا الحديث يدل علي جواز التوسل في الدعاء بجاه النبى صلي الله عليه وسلم وقد فعل الأعمى فعاد بصيرا.

أما الشيخ الألباني فقال:

( وأما نحن فنرى أن هذا الحديث لا حجة لهم فيه علي التوسل المختلف فيه, وهو التوسل بالذات بل هو دليل آخر علي النوع الثالث من أنواع التوسل المشروع الذي أسلفناه لأن توسل العمى إنما كان بدعائه.

والأدلة علي ما نقول من الحديث نفسه كثيرة) أ.هـ وقد فصلها في كتابه ( التوسل وأنواعه وأحكامه) فليرجع إليه.

وثانيا : لأن التوسل يتعلق بالعمل ولا يتعلق بالعقيدة فهو من بحوث علم الفقه لا من بحوث علم التوحيد.

أما إن التوسل من مسائل العلم, وليس من مسائل العقيدة, فهذا توجيه صحيح لأنه خلاف في كيفية الدعاء, ما دام المدعو والمتوسل هو الله تبارك وتعالي.

لكن بقى البحث في مشروعيته هل يقال: أتوسلك إليك بنبيك محمد أو بملائكتك المقربين أو بعبادك الصالحين او لا يجوز؟ فهذا بحث فقهى وليس يبحث عقدى.

وليس الإمام البنا هو أول من قال فذلك بل قال به الإمام محمد بن عبد الوهاب نفسه كما نقل في مجموع فتاويه.حيث قال في المسألة لعاشرة ( قولهم في الاستسقاء: لا بأس بالتوسل بالصالحين وقول أحمد يتوسل بالنبى صلي الله عليه وسلم وأكثر العلماء بنهى عن ذلك ويكرونه فهذه المسألة وبعضهم من مسائل الفقه. ولو كان الصواب عندنا قول الجمهور أنه مكروه فلا ننكر علي من فعله)

فقد تضمن كلام الشيخ أن التوسل بالصالحين أو بالنبى صلي الله عليه وسلم هو موضع خلاف بين العلماء وإن هو صوب قول الجمهور أنه مكروه وأن هذه المسألة من مسائل الفقه وهذا عين ما قرره ]]البنا[[ فلا رجعة و للإنكار عليه.

وقال به أيضا المحدث السلفي الشهير الشيخ ناصر الدين الألباني في مقدمته لشرح العقيدة الطحاوية لابن أبى العز الحنفي فقد تحدث عن سبع مسائل هامة .

قال: كلها في العقيدة إلا الأخيرة منها. يعنى بالأخيرة : ما قاله شارح الطحاوية من كراهية التوسل بحق الأنبياء وجاههم تبعا لإماممة أبى حنيفة.

ولأن موضوع التوسل فقهى لا عقدة تكلمت عنه جميع كتب المذاهب الفقهية علي اختلاف أحكامها فيه ودخل الموسوعات الفقهية, باعتباره من المسائل الفروعية العملية, التي تدخل في إطار البحث الفقهي.

وهناك الكثيروين من لامستقلين عن المذاهب قالوا بإجازة التوسل منهم الإمام الشوكانى – وهو سلفي معروف – في كتابه ( تحفة الذاكرين) شرح( الحصن الحصين) وعناك غيره من القدامى والمحدثين ومنهم من أجاز التوسل وحده ولم يجز التوسل بغيره من الأنبياء والصالحين كما هو رأى الإمام عز الدين بن عبد السلام.

والخلاف في المسالة ظاهر يمكنك أن تراجعه في بحث ( التوسل) في الموسوعة الفقهية الكويتية في الجزء الرابع عشر وبهذا يتضح لنا سلامة ما قاله الشيخ البنابميزان العلم والتحقيق.

وأنا شخصيا أميل إلي ترجيح عدم التوسل بذات النبى وبالصالحين.

وأتنبى رأى شيخ الإسلام ابن تيمية في ذلك لعدو أمور:

الأول: أن أدلة المنع – أعنى منع التوسل بذات النبى وذوات الصالحين – أرجح في الميزان العلمى . وخصوصا أن باب الله تعالي مفتوح لكل خلقه, وليس عليه حاجب ولا بواب, مثل أبواب الملوك والأمراء حتى العصاة فتح الله تعالي لهم أبواب رحمته ونسبهم إلي ذاته فقال تعالي:( قل يا عبادى الذين أسرفوا علي أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله)[ الزمر : 52]

والثانى : إن إجازة التوسل قد تكون ذريعة إلي دعاء غير الله تعالي والإستغاثة به وكثير من الناس يخلط بين الأمرين فسد الذريعة بالنظر إلي العوام أولي.

والثالث: أن المنهج الذي أخذته وسرت عليه في التعليم والدعوة والفتوى : أننا إذا أستطعنا أن نتعبد لله تعالي بالأمر المتفق عليه فلا داعى لأن ندخل في الأمر المختلف فيه.

وعلي هذا الأساس لا أفضل التعبد بصلاة التسابيح لأن في الصلوات الأخرى المتفق عليها والتي تواتر عن رسول الله التعبد بها ما يغنى عنها.

ولكنى لا أوثم من أداة اجتهاده إلي جواز التوسل أو جواز التعبد بصلاة التسابيح ونحوها ولا أنكر عليه إلا من باب الإرشاد إلي الأرجح والأفضل إذا لا إنكار في المسائل الخلافية كما هو معلوم.

وشيخ الإسلام ابن تيمية وإن أنكر التوسل بالذات لم يشتد في نكيره إلي حد التكفير أو التأثيم كما يفعل بعض من يدعون الانتساب إلي مدرسته.

وقد قال في ( فتاويه) بعد أن ذكر الخلاف في المسألة :" ولم أحد: إن من قال بالقول الأول فقد كفر.

ولا وجه لتكفيره فإن هذه مسألة خفية ليست أدلتها جلية ظاهرة والكفر إنما عليها ونحو ذلك.. بل المكفر بمثل هذه الأمور يستحق من تغليظ العقوبة والتعزير ما يستحق أمثاله من المفترين علي الدين لا سيما مع قول النبى :" أيما رجل قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما"

قضية الولاء والبراء:

وأما قضية الولاء والبراء فالإخوان كانوا أسبق الجماعات إلي تقريرها فهم يوالون كل من والي الله ورسوله وجماعة المؤمنين كما قال تعالي:" ( إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) [المائدة : 55 ,56]

وهم يعادون كل من عادى الله ورسوله والمؤمنين: ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء) [ الممتحنة:1]

ويؤكد الأستاذ البنا في رسائله علي هذه القضية فأوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله وهل الإيمان إلا الحب والبغض؟

وفي رسالة التعاليم في ركن ( التجرد) يقول ك أريد بالتجرد : أن تتخلص لفكرتنا مما سواها من المبادئ والأشخاص و لأنها أسمى الفكر وأجمعها وأعلاها[ صبغة الله ومن أحسن من اله صبغة] [ البقرة 138]( قد كانت لكم أسوة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم وما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) الممتحنة :4) والناس عند الأخ الصادق واحد من ستة أصناف : مسلم مجاهد أو مسلم قاعد, أو مسلم آثم, أو ذمى معاهد, أو محايد, أو محارب, ولكل حكمه في ميزان الإسلام وفي حدود هذه الأقسام نوزن الأشخاص والهيئات ويكون الولاء والعداء)هـ.

لا أحسب عالما أو منصفا يتهم صاحب هذا الكلام بأنه لا يعرف الولاء والبراء أو المولاة والمعاداة في الله بل لقد ربى جيلا يحب في الله ويبغض في الله ويوالي في الله ويعادى في الله.

و الإخوان كانوا أشد الناس علي المستعمرين والصهاينة الذين احتلوا ديار المسلمين وهم الذين قادوا الجهاد وحركوه في ديار الإسلام لمقاومة هؤلاء فلا يتصور أن يتهموا بدعوى الولاء لهم.

أخوة المواطنين من غير المسلمين:

ولكن الإخوان يفرقون بين هؤلاء وبين مواطنيهم الذين يعيشون في دار الإسلام وهم من أهل البلاد الأصليين وقد دخل الإسلام عليهم وهم فيها وأعطاهم الذمة والأمان أن يعيشوا مع المسلمين وفي ظل حكمهم لهم ما لهم وعليهم ما عليهم إلا ما اقتضاه التميز الدينى.

فهؤلاء لم ينه الله تعالي عن برهم والإقساط إليهم كما في قوله تعالي ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين) الممتحنة:8)

فهؤلاء لهم حق البر والقسط , والقسط هو العدل , والبر فوق العدل وهو الإحسان.

القسط : أن تعطيهم حقهم والبر : أن تزيد علي ما هو حق لهم!

القسط : أن يأخذ منهم الحق الذي عليهم, والبر: أن تتنازل عن بع حقك عليهم.

فهؤلاء- إذا كانوا من أهل وطنك – لك أن تقول : هم إخواننا أى إخواننا في الوطن كما أن المسلمين – حيثما كانوا – هم إخواننا في الدين .

( الفقهاء يقولون عن أهل الذمة: هم من أهل الدار أى دار الإسلام) فالأخوة ليست دينية فقط كالتي بين أهل الإيمان بعضهم وبعض وهى التي جاء فيها قول الله تعالي ( إنما المؤمنون إخوة) ( الحجرات: 10) بل هناك أخوة قومية وأخوة وطنية وأخوة بشرية.

والقرآن الكريم يحدثنا في قصص الرسل مع أقوامهم الذين كذبوهم وكفروا بهم فيقول : ( كذبت قوم نوح المرسلين . إذ قال لهم أخوهم نوح ألا تتقون) ( الشعراء :105 ,106) ( كذبت عاد المرسلين. إذ قال لهم أخوهم هود ألا تتقون)[ الشعراء 123’124] ( كذبت ثمود المرسلين.

إذ قال لهم أخوهم صالح) [ الشعراء : 141, 142) ( كذبت قوم لوط المرسلين. غذ قال لهم أخوهم لوط..) [ الشعراء : 160, 161].

كيف أثبت الله الإخوة لهؤلاء الرسل مع أقوامهم مع تكذيبهم لهم وكفرهم بهم؟ لأنهم كانوا منهم فهم إخوتهم من هذه الناحية فهى أخوة قومية, ولذا قال عن شعيب في نفس السورة (كذب أصحاب الأيكة المرسلين .

إذ قال لهم شعيب ألا تتقون) [ الشعراء : [176, 177] وذلك أنه لم يكن منهم وإنما كان من مدين ولذا قال في سورة أخرى ( وإلي مدين أخاهم شعيبا) [ هود:84] وإذا أثبت القرآن هذه الأخوة القومية بين الرسل وأقوامهم فلا حرج أن نثبت أخوة وطنية بين المسلمين ومواطنيهم من الأقباط في مصر , أو أمثالهم في البلاد الإسلامية الأخرى.

ولا يكون ذلك سببا للطعن في عقيدة الإخوان وأنهم لا يعرفون الولاء والبراء في عقيدتهم بل يكون هذا من حسن فقه الإخوان وفهمهم عن الله ورسوله مالا يفهم الآخرون.


تكفير الحكام:

وأما اتهام الإخوان بأنهم لا يسارعون ب( تكفير الحكام ) الذين لا ينفذون شرع الله ولا يحكمون بما أنزل الله ويتهاونون في ذلك ممالاة للحكام ومداهنة في الدين.

فيعلم الله, ويعلم المؤمنون ويعلم الناس أجمعون: كم لقى الإخوان من الحكام وكم بذلوا من تضحيات وكم قدموا من شهداء , وكم أضاعوا أعمارهم سنوات وسنوات في سجون الحكام ومعتقلاتهم, وكم ارتوت السياط من دمائهم ,أكلت الآلات من لحومهم وسحقت أدوات التعذيب من عظامهم.

سواء في ذلك الحكومات الملكية , والحكومات الجمهورية والحكومات في عهد الليبرالية اليمينية, والحكومات في عهد الثورية الاشتراكية اليسارية فليس الإخوان هم الذين يتهمون بالمداهنة في الدين أو الممالاة للحكام.

ولكن الإخوان لهم أصول يرجعون إليها في تقويم الحكام, وفي الحكم عليهم وعن هذه الأصول يصدرون وعلي أحكامها ينزلون ولا يحرفونها من أجل ظلم الحكام لهم وانتهاكهم لحرماتهم وسفكهم لدمائهم , وأكلهم لأموالهم بالباطل.

ومن هذه الأصول: أن التكفير قضية لها خطرها ويترتب عليها آثارها , ولا يجوز التساهل فيها وإلقاء الأحكام علي عواهنها دون الاعتماد علي الأدلة القاطعة والبراهين الناصعة.

فإن الذي نحكم عليه بالكفر: نخرجه من الملة ونسلخه من الأمة ونفصله عن الأسرة ونفرق بينه وبين زوجه وولده, ونحرمه من موالاة المسلمين ونجعله عدوا لهم, وهم أعداء له.

وأكثر من ذلك: أن جمهور الأمة يحكمون عليه بالقتل , فهو محكوم عليه بالإعدام الأدبى بالإجماع وبالإعدام المادى بالأكثرية.

لهذا قال الأستاذ البنا في آخر أصل من أصوله العشرين:

" لا تكفر مسلما أقر بالشهادتين ,وعمل يمقتضاها برأى أو معصية إلا إذا أنكر معلوما من الدين بالضرورة أو كذب صريح القرآن, أو فسره تفسيرا لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال, أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر".

والتضييق في التكفير هو اتجاه المحققين من علماء الأمة من جميع المذاهب.

ولنا رسالة موجزة مركزة حول ( ظاهرة الغلو في التكفير) بينا فيها حقائق مهمة حول هذا الأمر الخطير الذي أسرفت فيها بعض الجماعات في عصرنا فكفرت الأمة أو كادت .

كفرت الحكام لأنهم لم يحكموا بما أنزل الله وكفرت الجماهير لأنهم سكتوا علي الحكام بدعوى أن من لم يكفر الكافر فهو كافر وجهل هؤلاء أن هذا إنما هو في الكافر الأصلي المعلوم كفره بالضرورة مثل الملاحدة والوثنيين والمحرفين من أهل الكتاب وغيرهم.

وقد عرض الإمام ابن القيم لتكفير الحكام في كتابه ( مدارج السالكين) ونظر في قوله تعالي ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) ( المائدة :44)وكان مما قاله في تأويلها:

" فأما الكفر فنوعان: كفر أكبر, وكفر اصغر.

فالكفر الأكبر هو الموجب للخلود في النار.

والأصغر: موجب لاستحقاق الوعيد دون الخلود... كما في قوله صلي الله عليه وسلم في الحديث:" اثنتان في أمتى هما بهم كفر : الطعن في النسب والنياحة" وقوله في السنن:" من أتى كاهنا أو عرافا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل الله علي محمد" وقوله : لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض".

وهذا تأويل ابن عباس وعامة الصحابة في قوله تعالي ك ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) [ المائدة :44] قال ابن عباس " ليس بكفر ينقل عن الملة, بل إذا فعله فهو به كفر, وليس كمن كفر بالله واليوم الآخر" وكذلك قال طاووس وقال عطاء:" هو كفر دون كفر وظلم دون ظلم وفسق دون فسق".

ومنهم : من تأول الآية علي ترك الحكم بما أنزل الله جاحدا له . وهو قول عكرمة وهو تأويل مرجوح فإن جحوده كفر سواء حكم أو لم يحكم.

ومنهم : من تأويلها علي ترك الحكم بجميع ما أنزل الله .

قال ويدخل في ذلك الحكم بالتوحيد والإسلام وهذا تأويل عبد العزيز الكناني وهو أيضا بعيد إذ الوعيد علي نفي الحكم بالمنزل وهو يتناول تعطيل الحكم بجميعه وببعضه.

ومنهم: من تأويلها علي الحكم بمخالفة النص تعمدا من غير جهل به ولا خطأ في التأويل . حكاه البغوى عن العلماء عموما.

ومنهم : من تأويلها علي أهل الكتاب. هو قول قتادة والضحاك وغيرهما وهو بعيد وهو خلاف ظاهر اللفظ فلا يصار إليه.

ومنهم: من جعله كفر ينقل عن الملة.

والصحيح: أن الحكم بغير ما أنول الله يتناول الكفرين, الأصغر والأكبر بحسب حال الحاكم فإنه إن أعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله في هذه الواقعة وعدل عنه عصيانا مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة فهذا كفر اصغر وإن اعتقد أنه غير واجب وأنه مخير فيه, مع تيقنه أنه حكم الله فهذا كفر أكبر ز وإن جهله وأخطأه فهذا مخطئ له حكم المخطئين.

قال ابن القيم : والقصد : أن المعاصى كلها من نوع الكفر الصغر فإنها ضد الشكر الذي هو العمل بالطاعة. فالسعى إما شكر وإما كفر وإما ثالث لا من هذا ولا من هذا. والله أعلم(أ. هـ.

آيات الصفات وأحاديثها:

وأما الموضوع الذي آثار لغطا كبيرا فهو ما يتعلق بموقف الإخوان مما سمى ( آيات الصفات وأحاديث الصفات) فقد عرض الأستاذ البنا عليه رحمه الله وضوانه – لها في موضعين أساسيين:

أولها : في الأصول العشرين من رسالة التعاليم. وذلك في الأصل العاشر وفيه يقول:

" معرفة الله تبارك وتعالي وتوحيده وتنزيهه: أسمى عقائد الإسلام وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يليق لذلك من المتشابه : نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء ويسعنا ما وسع رسول الله صلي الله عليه وسلم وأصحابه ( والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من ربنا) ( آل عمران :7)

وثانى الموضعين: في رسالة ( العقائد) التي كتبها مقالات في سنة 1932, أى بعد تأسيس الإخوان بثلاث سنوات وكان في العشرينات من عمره. ورغم أن الرسالة موجزة فقد عرض للموضوع بالتفصيل المناسب ولا بأس أن نذكر أهم عناصره هنا.

مذاهب لناس حول آيات الصفات وأحاديثها:

ذكر الأستاذ البنا أن الناس انقسموا في هذه المسألة علي أربع فرق أو أربعة مذاهب.

مذهب المشبهة:

1- الفرقة الأولي : فرقة أخذت بظواهر هذه النصوص كما هى , ونسبتها إلي الله تعالي : وجها كوجوه الخلق, يدا أو أيديا كأيديهم وضحكا كضحكهمّ! وهكذا حتى فرضوا الإله شيخا وبعضهم فرضه شابا! وهؤلاء هم المجسمة والمشبهة وليسوا من الإسلام في شئ وليس لقولهم نصيب من الصحة.

ويكفي في الرد عليهم قول الله تبارك وتعالي ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير) [ الشورى : 11] وقوله تعالي ( قل هو الله أحد . الله الصمد لم يلد ولم يولد. ولم يكن له كفوا أحد) الإخلاص 1:4]

مذهب المعطلة:

2- والفرقة الثانية : فرقة عطلت معانى هذه الألفاظ علي أى وجه يقصدون بذلك نفي مدلولاتها مطلقا عن الله تبارك وتعالي , فالله تبارك وتعالي لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر لأن ذلك لا يكون إلا بجارحة والجوارح يجب أن تنفي عنه سبحانه فبذلك يعطلون صفات الله تبارك وتعالي ويتظاهرون بتقديسه وهؤلاء هم المعطلة.

ويطلق عليهم بعض علماء تاريخ العقائد الإسلامية : الجهمية ولا أظن أن أحدا عنده مسكه من عقل يستسيغ هذا القول المتهافت! وها قد ثبت الكلام لبعض الخلائق بغير جارحة فكيف يتوقف كلام الحق تبارك وتعالي علي الجوارح؟! تعالي الله عن ذلك علوا كبيرا.

هذان رأيان باطلان لاحظ لهما من النظر وبقى أمامنا رأيان هما محل أنظار العلماء في العقائد وهما رأى السلف ورأى الخلف.

مذهب السلف:

3- أما السلف رضوان الله عليهم فقالوا: نؤمن بهذه الآيات والأحاديث كما وردت ونترك بيان المقصود منها لله تبارك وتعالي فهم يثبتون اليد والعين والأعين والإستواء والضحك والتعجب. الخ وكل ذلك بمعان لا ندركها ونترك الله تبارك وتعالي الإحاطة بعلمها ولا سيما وقد نهينا عن ذلك في قول النبى صلي الله عليه وسلم " تفكروا في خلق الله ولا تتفكروا في الله فإنكم لن تقدروه قدره"

(أ‌) روى أبو القاسم اللالائى في ( أصول السنة) عن محمد ابن الحسن صاحب أبى حنيفة رضى الله عنهما قال:" اتفق الفقهاء كلهم من المشرق غلي المغرب علي الإيمان بالقرآن والأحاديث التي حدث بها الثقات عن رسول الله صلي الله عليه وسلم في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولا تشبيه فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبى صلي الله عليه وسلم وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا".

(ب‌) وذكر الخلال في كتاب " السنة" عن جنبل وذكره حنبل في كتبه مثل كتاب" السنة والمحنة" قال حنبل:" سألت أبا عبد الله عن ألأحاديث التي تروى : إن الله تبارك وتعالي ينزل إلي سماء الدنيا".

" وإن الله يرى"و" إن الله يضع قدمه" وما أشبه هذه الأحاديث؟ فقال أبو عبد الله : نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى, ولا نرد منها شيئا ونعلم أن ما جاء به الرسول صلي الله عليه وسلم حق إذا كان بأسانيد صحاح, ولا نرد علي الله قوله ولا يوصف الله تبارك وتعالي بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ليس كمثله شئ".

(جـ) وروى حرملة بن يحيى قال ك سمعت عبد الله بن وعب يقول: سمعت مالك بن أنس يقول: من وصف شيئا من ذات الله مثل قوله: ( وقالت اليهود يد الله مغلولة) [ المائدة: 64] فأشار بيده إلي عنقه ومثل قوله: ( وهو السميع البصير)[ الشورى : 11] فأشار إلي عينه ألي أذنه أو شئ من بدنه قطع ذلك منه لأنه شبه الله بنفسه.

ثم قال مالك: أما سمعت قول البراء حين ذكر أن البنى صلي الله عليه وسلم قال : لا يضحى بأربع من الضحايا,وأشار البراء بيده كما أشار النبى صلي الله عليه وسلم قال : لا يضحى بأربع من الضحايا, وأشار البراء بيده أن يصف يد رسول الله صلي الله عليه وسلم إجلالا له وهو مخلوق فكيف الخالق الذي ليس كمثله شئ؟!

(د)وروى أبو بكر الأثرم, وأبو عمرو الطلمنكى ,أبو عبد الله بن أبى سلمة الماجشون لاما طويلا في هذا المعنى ختمه بقوله :" فما وصف الله من نفسه فسماه علي لسان رسوله سميناه كما سماه,ولم نتكلف منه صفة ما سواه لا هذا ولا هذا ولا نجحد ما وصف ولا نتكلف معرفة ما لم يصف".

مذهب الخلف:

وأما الخلف فقد قالوا : إننا نقطع بأنى معانى ألفاظ هذه الآيات والأحاديث لا يراد بها ظواهرها, وعلي ذلك فهى مجازات لا مانع من تأويلها فأخذوا يؤولون " الوجه" بالذات" اليد" بالقدرة وما إلي ذلك هربا من شبهة التشبيه. وإليك نماذج من أقوالهم في ذلك:

1- أبو الفرج بن الجوزى الحنبلي في كتابه ط دفع شبهة التشبيه": قال الله تعالي: (ويبقى وجه ربك) [ الرحمن: 27] قال المفسرون يبقى ربك وكذلك قالوا في قوله تعالي: (يريدون وجهه) [ الكهف :28] وقال الضحاك وأبو عبيدة ( كل شئ هالك إلا وجهه) [ القصص :88] أى إلا هو وعقد في أول الكتاب فصلا ضافيا في الرد علي من قالوا : إن الأخذ بظاهر هذه الآيات والأحاديث هو مذهب السلف وخلاصة ما قاله : أن الأخذ بالظاهر هو تجسيم وتشبيه لأن ظاهر اللفظ هو ما وضع لهو فلا معنى لليد حقيقة إلا الجارحة وهكذا وأما مذهب السلف فليس أخذها علي ظاهرها , ولكن السكوت جملة عن البحث فيها.

وأيضا فقد ذهب إلي أن تسميتها آيات صفات: وأحاديث صفات تسمية مبتدعة لم ترد في كتاب ولا في سنة وليست حقيقة فإنها إضافات ليس غير واستدل علي كلامه في ذلك بأدلة كثيرة لا مجال لذكرها هنا.

2- وقال فخر الدين الرازى في كتابه " أساس التقديس": وأعلم أن نصوص القرآن لا يمكن إجراؤها علي ظاهرها لوجوه: الأول ظاهر قوله تعالي ( ولتصنع علي عينى) [ طه: 39] يقتضى أن يكون آلة تلك الصنعة هى تلك العين , والثالث أن إثبات الأعين في الوجه الواحد قبيح فثبت أنه لابد من المصير إلي التأويل وذلك هو أن تحمل هذه الألفاظ علي شدة العناية والحراسة.

3- قال الإمام الغزالي في الجزء الأول من كتابه" إحياء علوم الدين" عند كلامه علي نسبه العلم الظاهر إلي الباطن وأقسام ما يتأتى فيها الظهور والبطون والتأويل وغير التأويل: القسم الثالث أن يكون الشئ بحيث لو ذكر صريحا لفهم ولم يكن فيه ضرر, ولكن يكنى عنه علي سبيل الإستعارة والرمز وليكون وقعه في قلب المستمع أغلب.. ومنه قوله صلي الله عليه وسلم :" إن المسجد لينزوى من النخامة كما تنزوى الجلدة علي النار".. ومعناه أن روح الجسد وكونه معظما ورمى النخامة فيها تحقير له فيضاد معنى المسجدية مضادة النار لاتصال أجزاء الجلدة. وأنت ترى أن ساحة لا تنقبض من نخامة وكذلك قوله صلي الله عليه وسلم"

أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار"وذلك من حيث الصورة لم يكن قط ولا يكون ولكن من حيث المعنى هو كائن إذ رأس الحمار لم يكن بحقيقته وكونه وشكله بل بخاصيته , وهى البلادة والحمق وهو المقصود دون الشكل.

وإنما يعرف أن هذا السر علي خلاف الظاهر إما بدليل عقلي وشرعى .

أما العقلي فإن يكون حمله علي الظاهر غير ممكن كقوله صلي الله عليه وسلم: قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن" إذ لو فتشنا عن قلوب المؤمنين لم نجد فيها اصابع فعلم أنها كناية عن القدرة التي هى سر الأصابع وروحها لخفي وكنى بالأصابع عن القدرة لأن ذلك أعظم وقعا في تفهم تمام الأقدار.

إلي هنا وضح أمامك طريقا السلف والخلف وقد كان هذان الطريقان مثار خلاف شديد بين علماء الكلام من أئمة المسلمين , وأخذ كل يدعم مذهبه بالحجج والأدلة ولو بحثت الأمر لعلمت أن مسافة الخلف بين الطرفين لا تحتمل شيئا من هذا لو ترك أهل كل منهما التطرف والغلو وأن البحث في مثل هذا الشأن, مهما طال فيه القول,ولا يؤدى في النهاية إلا إلي نتيجة واحدة وهى التفويض لله تبارك وتعالي وذلك ما سنفصله لك إن شاء الله تعالي.

بين السلف والخلف:

قد علمت أ ن مذهب السلف في الآيات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله تبارك وتعالي أن يمروها علي ما جاءت عليه ويسكتوا عن تفسيرها أو تأويلها وأن مذهب الخلف أن يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله تبارك وتعالي عن مشابهة خلقه وعلمت أن الخلاف شديد بين أهل الرأيين حتى أدى بينهما إلي التناثر بالألقاب العصبية وبيان ذلك من عدة أوجه:

أولا: اتفق الفريقان علي تنزيه الله تبارك وتعالي عن المشابهة لخلقه.

ثانيا: كل منهما يقطع بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله تبارك وتعالي غير ظواهرها التي وضعت لها هذه الألفاظ في حق المخلوقات , وذلك مترتب علي اتفاقهما علي نفي التشبيه.

ثالثا: كل من الفريقين يعلم أن الألفاظ توضع للتعبير عما يجول في النفوس أو يقع تحت الحواس مما يتعلق بأصحاب اللغة وواضعيها وأن اللغات مهما اتسعت لا تحيط بما ليس لأهلها بحقائقه علم وحقائق ما يتعلق بذات الله تبارك وتعالي من هذا القبيل, فاللغة أقصر من أن تواتينا بالألفاظ التي تدل علي هذه الحقائق فالتحكم في تحديد المعانى بهذه الألفاظ تغرير.

وإذا تقرر هذا فقد اتفق السلف والخلف علي أصل التأويل وانحصر الخلاف بينهما في أن الخلف زادوا تحديد المعنى المراد حيثما ألجائهم ضرورة التنزيه إلي حفظا العقائد العوام من شبهة التشبيه وهو خلاف لا يستحق ضجة ولا إعناتا.

ترجيح مذهب السلف:

قال الشيخ البنا رحمه الله:

" ونحن نعتقد أن رأى السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعانى إلي الله تبارك وتعالي: اسلم وأولي بالاتباع حسما لمادة التأويل والتعطيل فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان وأثلج صدره ببرد اليقين فلا تعدل به بديلا.

ونعتقد إلي جانب هذا أن تأويلات الخلف لا توجب الحكم عليهم بكفر ولا فسوق ولا تستدعى هذا النزاع الطويل بينهم وبين غيرهم قديما وحديثا وصدر فسلام أوسع من هذا كله.

وقد لجأ أشد الناس تمسكا برأى السلف, رضوان الله عليهم إلي التأويل في عدة مواطنو وهو الإمام أحمد بن حنبل رضى الله عنه من ذلك تأويله لحديث :" الحجر الأسود يمين الله في أرضه" وقوله صلي الله عليه وسلم :" قلب المؤمن بين إصبعين من اصابع الرحمن" وقوله صلي الله عليه وسلم :" إنى لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن"

وقد رايت للإمام النووى رضى الله عنه ما يفيد قرب مسافة الخلاف بين الرأيين مما لا يدع مجالا للنزاع والجدال ولا سيما وقد قيد الخلف أنفسهم في التأويل بجوازه عقلا وشرعا بحيث لا يصطدم بأصل من اصول الدين.

قال الرازى في كتابه " أساس التقديس":" ثم إن جوزنا التأويل اشتغلنا علي سبيل التبرع بذكر تلك التأويلات علي التفصيل وإن لم نجز التأويل فوضنا العلم بها إلي الله تعالي فهذا هو القانون الكلي المرجوع إليه في جميع المتشابهات وبالله التوفيق".

وخلاصة هذا البحث أن السلف والخلف قد اتفقنا علي أن المراد غير الظاهر المتعارف بين الخلق وهو تأويل في الجملة, واتفقا كذلك علي أن كل تأويل يصطدم بالأصول الشرعية غير جائز فانحصر الخلاف في تأويل الألفاظ بما يجوز في الشرع وهو هين كما ترى وأمر لجأ إليه بعض السلف أنفسهم.

وأهم ما يجب أن نتوجه إليه همم المسلمين الآن توحيد الصفوف وجميع الكلمة ما استطعنا إلي ذلك سبيلا والله حسبنا ونعم الوكيل) انتهى.

أوجه اعتراض الإخوة السلفيين علي البنا:

والإخوة السلفيون – عفا الله عنا وعنهم – يعترضون علي كلام الإمام البنا من عدة أوجه:

الأول : أنه اعتبر موقف السلف هو السكوت عن بيان المعنى وتفويض معرفته إلي الله تبارك وتعالي فالبشر أعجز من أن يحيطوا بصفاته عزوجل وهم ينكرون نسبة هذا التفويض إلي السلف يقولون : إن موقف السلف هو الإثبات وليس التفويض.

والثانى: محاولته التقريب بين الموقفين, وأن الشقة ليست بعيدة جدا بينهما لأن موقف السلف فيه تأويل في الجملة.

والثالث : هو عدم تأثيم وتضليل المؤولين من الخلف والتماس الأعذار لهم مع خروجهم عن سلف الأمة من الصحابة وتابعيهم بإحسان.

وسأبين فيما يلي سلامة موقف الشيخ البنا رحمه الله وأنه لم يجاوز الصواب فيما ذهب إليه من هذه الأوجه وأنه لم يبتدع هذا الكلام من عنده بل هو متبع الأئمة كبار وصلوا إلي ما وصل إليه.

التفويض والإثبات:

أما الوجه الأول , وهو نسبى التفويض إلي السلف فليس هذا موقف البنا وحده إنما هو الموقف المروى عن كثير من الأئمة والعلماء الكبار.

وقد بين ذلك بوضوح وتفصيل علامة الحنابلة في عصره الشيخ مرعى بن يوسف ألكرمي المقدسي الحنبلي المتوفي سنة ( 1032هـ) وذلك في كتابه القيم (أقاويل الثقات في تأويل الأسماء والصفات) فقد قال بعد كلام عن المحكم والمتشابه والتأويل وعدمه:

( إذا تقرر هذا فاعلم : أن من المتشابهات , آيات الصفات التي التأويل فيها بعيد فلا تؤول ولا تفسر.

وجمهور أهل السنة منهم السلف وأهل الحديث علي الإيمان بها وتفويض معناها المراد منها إلي الله تعالي ولا تفسرها مع تنزيهنا له عن حقيقيتها.

فقد روى الإمام اللالكائى الحافظ عن محمد بن الحسن قال : اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلي المغرب علي الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه.

وقد روى اللالكائى أيضا في السنة بسنده عن أم سلمة رضى الله عنها في قوله تعالي : ( الرحمن علي العرش استوي) [طه:5] قالت :" الاستواء معلوم, والكيف مجهول , والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة والبحث عنه كفر".

وهذا له حكم الحديث المرفوع لأن مثله لا يقال من قبيل الرأى.

وقال الإمام الترمذى في الكلام علي حديث الرؤية: المذهب في هذا عند أهل العلم من الأئمة مثل سفيان الثورى وابن المبارك,ومالك , وابن عيينه ووكيع وغيرهم أنهم قالوا: نروى هذه الأحاديث كما جاءت ونؤمن بها ولا يقال : كيف؟ ولا نفسر ولا نتوهم.

قال الشيخ مرعى:

وذكرت في كتابى (البرهان في تفسير القرآن) عند قوله تعالي: ( هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام)[ البقرة : 210) وبعد أن ذكرت مذاهب المتأولين-: أن مذهب السلف هو عدم الخوض في مثل هذا والسكوت عنه وتفويض علمه إلي الله تعالي.

قال ابن عباس:" هذا من المكتوم الذي لا يفسر" فالأولي في هذه الآية وما شاكلها أن يؤمن الإنسان بظاهرها ويكل علمها إلي الله تعالي وعلي ذلك مضت أئمة السلف.

وكان الزهرى ومالك والاوزاعى وسفيان والليث بن سعد وابن المبارك وأحمد بن حنبل وإسحاق يقولون في هذه الآية وأمثالها: أمروها كما جاءت.

وقال سفيان بن عيينة وناهيك به: كل واصف الله به نفسه في كتابه فتفسيره قرأءته, والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله

وسئل الإمام ابن خزيمة عن الكلام في السماء والصفات فقال : ولم يكن أئمة المسلمين وأرباب المذاهب أئمة الدين مثل مالك وسفيان والأوزاعى والشافعى وأحمد وإسحاق ويحيى بن يحيى وابن المبارك وأبى حنيفة ومحمد ابن الحسن وأبى يوسف يتكلمون في ذلك, وينهون أصحابهم عن الخوض فيه ولونهم علي الكتاب والسنة.

وسمع الإمام أحمد شخصا يروى حديث النزول ويقول ينزل بغير حركة ولا انتقال ولا تغير حالك فأنكر أحمد ذلك وقال قل كما قال رسول صلي الله عليه وسلم فهو كان أغير علي ربه منك ! انتهى

فهذه النقول كلها تدل بجلاء علي أن السلف لم يكونوا يخوضون في تفسير هذه النصوص بل كانوا يسكتون عنها ويمرونها كما جاءت ويفوضون معناها إلي الله تبارك وتعالي لعلمهم ان عقل الإنسان مجدود وعلمه قاصر وقد قال تعالي ( يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما).

التقريب بين السلف والخلف:

وأما محاولة التقريب بين السلف فليس الأستاذ البنا أول من حاول ذلك فقد وجدنا أن كبار القدامى والمحدثين من اجتهد في ذلك ومنهم العلامة الواسطى السلفي الصوفي (ت712هـ) الي كان الإمام ابن تيمية يسميه ( جنيد زمانه) في رسالته ( النصيحة) وقد تحدث فيها عن معنى ( العلو) و ( الفوقية) التي يثبتها السلف لله تعالي فقال كلاما في غاية الروعة والقوة وقرب هذا الأمر تقريبا كاد يذيب الفوارق بين الفريقين.

وقد نقل خلاصة ذلك العلامة السفارينى الحنبلي ( ت1188هـ) في كتابه الشهير في العقائد (لوامع الأنوار الإلهية) ونقلها عنه مؤيدا : العلامة السيد رشيد رضا في ( تفسير المنار) في تفسير الاية السابعة من سورة آل عمرآن. ثم قال: إن ما ذكر يشبه تأويل المتكلمين في قولهم : إن العلو علو المرتبة أو هو هو! وأقرأ الشيخ رشيد أنه يتفق معه في الجوهر ولكنه يفارقه بعدم حظر استعمال ما جاءت به النصوص للعامة والخاصة مه اعتقاد التنزيه. انتهى.

المسافة غذت ليست بعيدة بين الفريقين كما يتصور بعض الكاتبين أو يتصورون من المتحمسين من كلا الفريقين.

ونقرأ للمصلح السلفي العلامة جمال الدين القاسمي ( ت 1332هـ) في تفسيره المعروف ( محاسن التأويل) قوله: قال ابن كثير في قوله تعالي في سورة الفجر: ( وجاء ربك والملك صفا صفا) [ الآية : 22] أى وجاء الرب تبارك وتعالي لفصل القضاء كما يشاء والملائكة بين يديه صفوفا صفوفا.

وسبقه ابن جرير إلي ذلك وعضده بآثار عن ابن عباس وأبى هريرة والضحاك في نزوله تعالي من السماء يومئذ في ظلل من الغمام والملائكة بين يديه وإشراق الأرض بنور ربها.

ومذهب الخلف في ذلك معروف من جعل الكلام علي حذف مضاف للتهويل أى جاء أمره وقضاؤه. أو استعارة تمثيلية لظهور عساكره كلها وورائه وخواصه عن بكره أبيهم . انتهى.

قال العلامة القاسمى معلقا:

وكان الخلاف بين المذهبين لفظى غذ مبنى الخلف علي أن الظاهر غير مراد.

ويعنون بالظاهر : ما للخلق مما يستحيل علي الخالق فوجب تأويله . وأما السلف فينكرون أن معنى الظاهر منها ما للخلق بل هو ما يتبادر إلي فهم المؤمن الذي يعلم أن ذاته تعالي كما أنها لا تشبه الذوات فكذلك صفاته لا تشبه الصفات. لأنها لا تكيف ولا تعلم بوجه ما فهى حقيقة بالنسبة إليه سبحانه علي ما يليق به كالعلم والقدرة ولا تمثيل ولا تعطيل.

قال الإمام ابن تيمية رضى الله عنه: واعلم أن من المتأخرين نم يقول : إن مذهب السلف إقرارها علي ما جاءت به مع اعتقاد أن ظاهرها غير مراد. وهذا لفظ مجمل. فإن قوله ( ظاهرها غير مراد) يحتمل أنه راد بالظاهر نعوت المخلوقين وصفات المحدثين. مثل أن يراد بكون الله قبل وجه المصلي, أنه مستقر في الحائط الذي يصلي إليه, و( إن الله معنا) ظاهره أنه إلي جانبنا ونحو ذلك فلا شك أن هذا غير مراد, فقد أصاب في المعنى, لكن اخطأ في إطلاق القول بان هذا ظاهر الايات والأحاديث .

فإن هذا المحال ليس هو الظاهر, علي ما قد بيناه في غير هذاالموضع اللهم إلا أن يكون عذاالمعنى الممتنع صار يظهر لبعض الناس فيكون القائل لذلك مصيبا بهذا الاعتبار معذورا في هذا الإطلاق. فإن الظهور والبطون قد يختلف باختلاف أحوال الناس وهو من الأمور النسبية. انتهى

وقد بسط رحمه الله الكلام علي ذلك في ( الرسالة المدنية) وأوضح أن الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذى حذوه ويتبع فيه مثاله فإذا كان إثبات الذات إثبات وجود كيفية فكذلك إثبات الصفات إثبات وجود لا إثبات كيفية.

وقال رحمه الله في بعض فتاويه: نحن نقول بالمجاز الذي قام دليله وبالتأويل لجارى علي نهج السبيل. ولم يوجد في شئ من كلامنا وكلام أحد منا, أنا لا نقول بالمجاز والتأويل والله عند لسان كل قائل ولكن ننكر من ذلك ما خالف الحق والصواب, وما فتح به الباب إلي هدم السنة والكتاب واللحاق بمحرفة أهل الكتاب. والمنصوص عن الإمام أحمد وجمهور أصحابه : أن القرآن مشتمل علي المجاز.

ولم يعرف عن غيره من الأئمة نص في هذه المسألة وقد ذهب طائفة من العلماء من أصحابه وغيرهم كأبى بكر بن أبى داود وأبى الحسن الخرزى وابى الفضل التميمى وابن حامد فيما أظن وغيرهم إلي إنكار أن يكون في القرآن مجاز وإنما دعاهم إلي ذلك ما رأوه من تحريف المحرفين للقرآن بدعوى المجاز, فقابلوا الضلال والفساد بحسم المراد. وخيار الأمور التوسط والإقتصاد.انتهى.

وبهذا نرى أن حسن البنا لم يحد عن نهج الأئمة المحققين الذين يحرصون علي البناء لا الهدم وعلي الجمع لا التفريق.

عدم تأثيم المؤولين وتضليلهم.

وأما الوجه الثالث وهو عدم الحكم بالإثم أو الفسق – فسق التأويل – أو الضلال علي المؤولين فهذا هو توجه شيخ الإسلام ابن تيمية نفسه , توجه تلميذه الإمام ابن القيم في عدم تأثيم المخطئ في تأويله في المسائل الأصولية أو العلمية ويراد بها: المسائل المتعلقة بالعقائد وأصول الدين.

وقد رد ابن تيمية علي الذين عذروا المخطئين في الاجتهاد في الأحكام الفروعية العملية, بل جعلوا لهم أجر المجتهد المخطئ, ولم يعدوا ذلك إلي من اجتهد في المسائل العلمية أو الإعتقادية, فأخطأ . وأكد أن كل عالم اجتهد في طاعة الله ورسوله والفهم عنهما, في مسائل العلم أو العمل الفروع أو الأصول فأخطأ في اجتهاده أو أصاب فهو دائر بين الأجر والأجرين.

وكان من فضل الشيخ مرعى في كتابه ( أقاويل الثقات) الذي نقلنا منه من قيل: أنه لم يتعقب بعض النقول التي أوردها في كتابه, وهى بمنأى عن منهج السلف الذي صرح بالأخذ به, والعدول عما سواه ولا سيما في نقله عن الإمام ابن الجوزى ( ت597هـ) الذي اضطرب رأيه في مسألة الصفات فمرة ينحو منحى السلف في الإثبات وتارة يخالفهم, ويجنح إلي التأويل , وهو متابع في ذلك شيخه أبا الوفاء ابن عقيل الذي جالس المعتزلة وتأثر بهم ووافقهم في بعض ما ذهبوا إليه ومع هذا كان موضع التجلة والتقدير من الحنابلة وغيرهم من علماء الأمة...

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ( درء تعارض العقل والنقل) 8/ 60, 61 : ولابن عقيل أنواع من الكلام فإنه كان من أذكياء العالم , كثير الفكر والنظر في كلام الناس فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية , وينكر علي من يسميها صفات ويقول : إنما هى إضافات موافقة للمعتزلة كما فعله في كتابه ( ذم التشبيه وإثبات التنزيه) وغيره من كتبه واتبعه علي ذلك أبو الفرج ابن الجوزى في ( كف التشبيه بكف التنزيه) وفي كتابه ( منهاج الوصول) وتارة يثبت الصفات الخبرية, ويرد علي النفاة والمعتزلة بأنواع من الأدلة الواضحات , وتارة يوجب التأويل كما فعله في كتابه الواضح وغيره وتارة يحرم التأويل ويذمه وينهى عنه كما فعله في كتابه (الانتصار لأصحاب الحديث) فيوجد في كلامه من الكلام الحسن البليغ ما هو معظم ومشكور ومن الكلام المخالف للسنة والحق ما هو مذموم ومدحور. انتهى.

وإذا كنا نعيب علي بعض السلفيين غلوهم في تكفير بعض المسلمين المؤولين وغيرهم, أو تفسيقهم وتأثيمهم, فإنا نعيب كذلك علي بعض مخالفيهم الغلو في اتهام هؤلاء السلفيين بل أئمتهم وشيوخهم – بالضلال والمروق وتقويلهم ما لم يقولوه في دين الله ورميهم بالتجسيم والتشبيه وهم يبرأون منهما في كل ما كتبوه حتى قالوا عن الإمام الربانى علامة الأمة و شيخ الإسلام ابن تيمية ما لا يجوز ولا يقبل أن يقال : بحال من الأحوال.

وإنى أشارك الأخ الشيخ شعيب الأرناؤوط كلمته التي وجهها في مقدمة تحقيقه لكتاب الشيخ مرعى ( أقاويل الثقات ) ووجه فيها النصح مخلصا إلي الذين قضوا شوطا من حياتهم في قراءة كتب الخلف, وتمرسوا بها,ولم يدخروا شيئا من الوقت للنظر في الكتب لاتى تناولت مذهب السلف بالبيان والشرح وعرضته بأمانة وصدق ودللت علي صحته بالأدلة العقلية النقلية المقنعة, حتى يتاح لهم المقارنة بين المذهبين واختيار ما هو أحكم وأسلم وأعلم لو أنهم فعلوا ذلك لكان خيرا لهم ولأتباعهم الذين يأخذون عنهم لو أنهم يتأثرون بهم ولكانوا يكفون ألسنتهم عن تقويل العلماء الثبات الذين انتهجوا منهج السلف وألفوا فيه ودافعوا عنه ما لم يقولوه وإلزامهم بتلك الأقوال التي نسبوها إليهم والحكم عليهم بموجب تلك الإلزامات بالكفر والمروق والشذوذ.

مع أن هؤلاء الأئمة ينفون تلك الإلزامات بصريح القول ومنطوقه في كتبهم التي تناولوا فيها مسألة الصفات وغيرها من مسائل الإعتقاد.

وأهل العلم متتفقون علي أنه لا يجوز التكفير باللوازم لا سيما إذا كان المطعون فيه يصرح بنفيها وردها.

ولا أدرى كيف يجرؤ طالب العلم علي الحكم بالكفر والمروق والشذوذ علي من كان له سابقة فضل في الإسلام وأهله بما حباه الله من علم وفضل وتقوى, وبما دبجته براعته من العلوم المختلفة النافعة التي تحيى موات القلوب وتبصر الناس بمراشد الحق ومهيع الصدق مع أنه ليس له مستند في الحكم عليه وحقد وأقامها علي الوجه الذي يروق له بغية التشويه والتهويش وتنفير الناس من علمه وإضعاف الثقة به.

ومما يزيد الطين بلة أن هؤلاء الطلبة يتشبثون بتلك الأقوال , ولا يكلفون أنفسهم عناء البحث في مراجعتها في مظانها الموثوقة, ليتبين لهم وجه الحق وقول الصدق, وليشهدوا بأنفسهم تدليس هؤلاء الحاقدين وتحريفهم وافتراءهم

وهم إلي ذلك لا يلقون بالا ولا يعيرون اهتماما لما حكاه العلماء الثقات لاذين عاصروا ذلك الإمام وخالطوه في بيان عظم إمامته في الدين والعلم والفضل والصلاح والسداد والاستقامة.

وما أظن أن أى طالب علم يستشعر خوف الله, ويتحلي بالتقوى والإنصاف يرتضى لنفسه أن يقف إلي صف هذا النفر الذي يمضى علي غير هدى ويلتمس للبرآء العيب , ويتهالك عصبية وحقدا ( ربنا اغفر لنا وإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رءوف رحيم)(سورة الحشر : 10)


اتباع نهج القرآ في عدم التجميع

وأريد أن أنبه عنا علي حقيقة ذات أهمية كبيرة في قضية الصفات والإيمان بها وتعليمها للناس علي مذهب السلف.

وتلك الحقيقة: أن تعرض هذه الصفات كما وردت في كتاب الله تعالي وسنة رسول صلي الله عليه وسلم أعنى : أن تذكر مفرقة لا مجموعة فكل مسلم مؤمن بها ويثبتها لله تعالي كما جاءت.

فليس مما يوافق الكتاب والسنة جمعها في نسق واحد يوهم تصور ما لا يليق بكمال الله تعالي. كما يقول بعضهم: يجب أن تؤمن بأن لله تعالي وجها وأعينا, ويدين, وأصابعو وقدما , وساقا... الخ فإن سياقها مجتمعة بهذه الصورة قد يوهم بأن الله تعالي وتقدس كل ركب من أجزاء, أو جشم مكون من أعضاء..

ولم يعرضها القرآن لاكريم ولا الحديث الشريف بهذه الصورة. ولم يشترط الرسول لدخول أحد في الإسلام أن يؤمن بالله تعالي بهذا التفصيل المذكور.

ولم يرد أنا الصحابة وتابعيهم بإحسان كانوا يعلمون الناس العقيدة بجمع هذه الصفات ما تجمع في الكتب المؤلفة في ذلك.

ولكن المسلم إذا قرأ القرآن الكريم أو الحديث الصحيح, انتهى إلي آية مشتملة علي صفة من هذه الصفات أو إلي حديث من هذا النوع, آمن به كما ورد دون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. وبهذا يكون سلفيا حقا, لأمة لم يعد ما كان عليه الصحابة والتابعون وخير القرون في هذه الأمة.

الإخوان والأشاعرة

واتهام الإخوان بأنهم من الأشاعرة لا ينتقص من قدرهم فالأمة الإسلامية في معظمها أشاعرة أو ماتريدية. فالمالكية والشافعية أشاعرة. والحنفية ماتريدية.

والجامعات الدينية في العالم الإسلامى أشعرية أو ماتريدية: الأزهر في مصر والزيتونة في تونس والقرويين في المغرب , وديوبند وغيرها من المدارس والجامعات الدينية.

فلو قلنا: إن الأشاعرة ليسوا من أهل السنة, لحكمنا بالضلال علي الأمة كلها , أو جلها ووقعنا فيما تقع فيه الفرق التي نتهمها بالانحراف.

ومن ذا الذي حمل لواء الدفاع عن السنة ومقاومة خصومها طوال العصور الماضية غير الأشاعرة والماتريدية؟

وكل علمائنا وأئمتنا الكبار كانوا من هؤلاء الباقلانى الاسفرايينى إمام الحرمين الجوينى أبو حامد الغزالي الفخر الرازى البيضاوى الآمدى, الشهرستانى, البغدادى, ابن عبد السلام , ابن دقيق العيد, ابن سيد الناس, البلقينى , العراقي, النووي, الرافعي , ابن حجر العسقلاني, السيوطي , ومن المغرب : الطرطوشى والمازرى والباجى وابن رشد ( الجد) وابن العربى والقاضى عياض والقرطبى والقرافي والشاطبى وغيرهم.

ومن الجنفية الكرخى والجصاص والدبوسى والسرخسى والسمرقندي والكاسانى وابن الهمام وابن نجيم والتفتازانى والبزدوى وغيرهم .

والإخوة السلفيون الذين يمون الأشاعرة بإطلاق . مخطئون متجاوزون فالأشاعرة فئة من أهل السنة والجماعة ارتضتهم الأمة لأنهم ارتضوا المتاب والسنة مصدرا لهم ولا يضيرهم أن يخطئوا في بعض المسائل أو يختاروا الرأى المرجوح أو حتى الخطأ فهم بشر مجتهدون غير معصومين ولا توجد فئة سلمت من الزلل والخطأ فيما اجتهدت فيه سواء في مسائل الفروع أم في مسائل الأصول وكل واحد يؤخذ من كلامه ويرد عليه إلا الرسول المعصوم صلي الله عليه وسلم.

علي أن الحقيقة أن الإخوان في اتجاههم العام ليسوا أشاعرة ولا ضد الأشاعرة إنهم يستمدون عقائدهم من القرآن أولا, ثم من صحيح السنة ثانيا ويأخذون من كل طائفة أفضل ما عندهم مرجحين ما يرجحه الدليل وما يؤيده البرهان مؤثرين مذهب السلف علي مذهب الخلف غير متعصبين ولا منغفلين داعين إلي التوحيد بريئين من الشرك كله أكبره وأصغره جليه وخفيه ولله الحمد أولا وأخيرا.

7- الإخوان والتصوف

الذين يعادون التصوف من أنصار (السلفية الصارمة) يتهمون الإخوان بأنهم (جماعة صوفية) ويستدلون بان حسن البنا نشأ في طريقة صوفية كما حدثنا بقلمه عن نفسه في مذكراته, وهى حقيقة صوفية. وبأن للتربية الصوفية أثرها لدى الإخوان في كثير من المظاهر ومنها : المبالغة في حب بعضهم لبعض والغلو في تعظيم شيخهم البنا إلي درجة التقديس , واعتبار رسائله وكلماته وكأنها وحى منزل!

أما جماعات (الطرق الصوفية) فهم علي العكس من ذلك تماما فهم يرون الإخوان جماعة (سلفية وهابية) تنكر علي المتصوفة كثيرا من أفكارهم وأذكارهم وسلوكياتهم وتصف ذلك بانه بدع وضلالات, مثل طوافهم حول أضرحة الأولياء واستغاثتهم بهم وعمل الموالد لهم, إلي آخر هذه السلوكيات المعهودة عند طرق االصوفية في شتى البلاد الإسلامية,

والحقيقة أن دعوة الإخوان مزيج رائع من (السلفية المتصوفة) و(الصوفية المتلسفة) وهى كما شرحها مؤسسها رحمه الله دعوة سلفية, حقيقة صوفية.هى دعوة سلفية. لأن الإخوان يدعون إلي العودة بالإسلام إلي معينه الصافي من كتاب الله , وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم.

وهى حقيقة صوفية لأنهم يعملون علي أساس التزكية وطهارة النفس ونقاء القلب والمواظبة علي العمل والإعراض عن الخلق والحب في الله والارتباط علي الخير.

فهذا هو التصوف, وهذه هى الصوفية الحقيقية عند حسن البنا إنها ليست الموالد والعوائد وليست ( الشركيات) في العقيدة, ولا ( البدعيات) في العبادة ولا ( السلبيات) في التربية, التي تجعل المريد بين يدى الشيخ كالميت بين يدى مغسله!

التصوف الحق عند حسن البنا يتمثل أول ما يتمثل في طهارة النفس ونقاء القلب , فتزكية النفس هى أول سبيل الفلاح[ ونفس وما سواها . فألهمها فجورها وتقواها. قد افلح من زكاها. وقد خاب من دساها] الشمس : 7:10]

والقلب هو المضغة التي إذا صلحت صلح الإنسان كله, وإذا فسدت فسد الإنسان كله وسلامته أساس النجاة يوم القيامة[ يوم لا ينفع مال ولا بنون, إلا من أتى الله بقلب سليم] [ الشعراء: 88, 89] فلابد من المجاهدة لنقاء هذا القلب وصفاته وطهارته من معاصى القلوب وأخطارها.

والمواظبة علي العمل الصالح واجب علي المسلم , فإن أحب الأعمال إلي الله أدومها وإن قل.

والإعراض عن الخلق بالإقبال علي الخالق: من صفات الربانيين من أصحاب الرسالات[ الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله] [ الأحزاب : 39]

وهم الموصوفون في قوله تعالي( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتى الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة علي المؤمنين أعزة علي الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم)( المائدة: 54)

فهم لإعراضهم عن الخلق لا يخافون لومة لائم منهم, ولا يخشون أحدا إلا الله سبحانه, لأنهم يوقنون أن الخلق لا يملكون لهم ضرا ولا نفعا, ولا حياة ولا موتا , وأن الأرزاق التي يطمع الناس فسها والأعمار التي يخاف الناس عليها كلتاهما بيد الله وحده, ولا يملك أحد أن ينقصهم لقمة من رزقهم ولا أن يقدم من أجلهم لحظة أو يؤخر [ فإذا أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون][ الأعراف : 34]

والحب في الله : دعامة من الدعائم التي تقوم عليها الجماعة المؤمنة فكما تربد بينها المفاهيم المشتركة والفكرة الواحدة تربط بين أبنهائها العواطف المشتركة وأعظم هذه العواطف وأخلدها وأعمقها هو الحب في الله .

فهو حب لا يقوم علي عرض من الدنيا أو مال أو جاه أو متعة , أو نحو ذلك بل يقوم علي الإيمان باللع تعالي, والتقرب إليه, والرغبة في نصرة الإسلام, وأوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله.

والأرتباط علي الخير من دلائل هذا التوجه الخير وهذا الارتباط يعنى التفاهم والتواصى والتضامن علي الخير فعلا ونية ودعوة. فقد قال تعالي [ وافعلوا الخير لعلكم تفلحون] [ الحج : 77].

وقال عزوجل: [ ولتكن منكم أمة يدعون إلي الخير][آل عمران : 104]وقال عليه الصلاة والسلام:" من دل علي خير فله مثل أجر فاعله"

وقال عليه الصلاة والسلام :" إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نزى"

وقال تعالي:" وتعاونوا علي البر والتقوى ولا تعاونوا علي الإثم والعدوان"[المائدة :2]

وقال عز من قائل ( والعصر . إن الإنسان لفي خسر. إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر)

لقد استفاد الأستاذ البنا من تجربته الصوفية, وأخذ منها ما صفا, وترك منها ما كدر, وهو موقف كل الرجال الربانيين كما رأينا عند شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه الإمام ابن القيم, فلم يكونا ضد التصوف بإطلاق , كما يتصور أو يصور بعض من يزعم الإنتساب إلي مدرستها, بل كانا من أهل المعرفة بالله, والحب له, ومن رجال التربية الإيمانية والسلوك الربانى كما بدا ذلك في مجلدين من مجموع فتاوى ابن تيمية, وفي عدد من كتب ابن القيم أعظمها: مدارج السالكين شرح منازل السائرين إلي مقامات ( إياك نعبد وإياك نستعين)

بل كان الإمام أبو الفرج ابن الجوزى ( ت 597هـ) من هؤلاء الربانيين برغم نقده للتصوف بعنف في كتابه الشهير ( تلبيس إبليس كما بين ذلك العلامة أبو الحسن الندوى في كتابه الممتع ( ربانية لا رهبانية ) وظهرت استفادة البنا في مظاهر شتى في حركته منها في شعارات الحركة : الله غايتنا, والرسول قدوتنا: أى أن رضوان الله هو غاية الغايات من وراء الدعوة والعمل كله. كما نرى ذلك واضحا في جملة من أركان الدعوة أو أركان البيعة, مثل : الإخلاص والتجرد والإخوة والعمل , والجهاد, والثبات , والثقة.

وكثير من دعاة الإخوان نجد عندهم ما ليس عند غيرهم من الذوق الوجدانى , والشوق الإيمانى, والتألق النورانى, والتوجه الربانى, الذي يجعل كلامهم يمس شغاف القلوب, ويلمس أوتار الأرواح , فيؤثر فيها رغبة ورهبة وجدنا ذلك عند شيخنا البهى الخولي في كتابه ( تذكرة الدعاة) وحديثه الفياض فيه عن ( الروحانية الاجتماعية) وكتابه ( آدم عليه السلام) ومقالاته في مجلة (المسلمون) عن ( العارفين* وحديثه معنا في طنطا قديما ونحن طلاب في ( كتيبة الذبيح) يعنى إسماعيل عليه السلام.

ووجدنا ذلك عند الداعية المحبوب الذي كان في شبابه شعلة متقدة سعيد رمضان, ووجدنا ذلك عند شيخنا محمد الغزالي, كما بينت ذلك في كتابى ( الغزالي كما عرفته) ووجدنا ذلك في كتابات عبد العزيز كامل قديما والتلمسانى ومشهور والسيسى وغيرهم وقد بدأنا منذ سنوات كتابة سلسلة ( في الطريق إلي الله) أصدرنا فيها أربعة كتب عن ( الحياة الربانية والعلم) وعن ( النية والإخلاص) , و( التوكل)و ( التوبى إلي الله) ونسأل الله أن يعيننا علي إكمالها , ونحن نسير فيها إلي ( تصويف السلفية)و( تسليف الصوفية) كما قال الأستاذ محمد المبارك رحمه الله.

ومن ابرز ما يتميز به الصوفية الصادقون ثلاثة أشياء : الإستقامة, والمحبة وطاعة الشيخ وهذه مقومات أساسية في التربية الإخوانية.

وللأستاذ البنا رأى في التصوف والصوفية سجله في مذاكراته يحسن بنا أن ننقله هنا لما يعرفنا بموقف الرجل النظرى والعملي من التصوف والطرق الصوفية وأهلها والرغبة في إصلاحها.

رأى في التصوف للأستاذ حسن البنا:

قال رحمه الله:" حين اتسع عمران الدولة الإسلامية صدر القرن الأول, وكثرت فتوجها وأقبلت الدنيا علي المسلمين من كل مكان ,وجبيت إليهم ثمرات كل شئ وكان خليفتهم بعد ذلك يقول للسحابة ف كبد السماء: شرقى أو غربى فحيثما وقع مطرك جاءنى خراجه كان طبيعيا أن يقبلوا علي هذه الدنيا يتمتعون بنعيمها ويتذوقون حلاوتها وخيراتها في اقتصاد أحيانا وفي إسراف أحيانا أخرى وكان طبيعيا أمام هذا التحول الاجتماعى من تقشف عصر النبوة الزاهدة إلي لين الحياة ونضارها فيما بعد ذلك: أن يقوم من الصالحين الأتقياء العلماء الفضلاء دعاة مؤثرون يزهدون الناس في متاع هذه الحياة الزائل ويذكرونهم بما قد يمسونه من متع الآخرة الباقى( وإن الدار الآخرة لهى الحيوان لو كانوا يعلمون) [ العنكبوت : 64] ومن أول هؤلاء الذين عرفت عنهم أضرابه الدعاة الصالحين , فكانت طائفة في الناس معروفة بهذه الدعوة إلي ذكر الله واليوم الآخر . والزهاد في الدنيا وتربية النفوس علي طاعة الله وتقواه.

وطرأ علي هذه الحقائق كما طرأ علي غيرها من حقائق المعارف الإسلامية فأخذت صورة العلم الذي ينظم سلوكك الإنسان ويرسم به طريقا من الحياة خاصا: مراحله الذكر والعبادة ومعرفة الله ونهايته الوصول إلي الجنة ومرضاة الله.

وهذا القسم من علوم التصوف – وأسميه ( علوم التربية والسلوك) – لا شك أنه من لب الإسلام وصميمه, وشك أن الصوفية قد بلغوا به مرتبة من علاج النفوس ودوائها والطب لها والرقى بها, ولم يبلغ إليها غيرهم من المربين ولا شك أنهم حملوا الناس بهذا الأسلوب علي خطة عملية من حيث أداء فرائض الله واجتناب نواهيه ,صدق التوجه إليه, وإن كان ذلك لم يخل من المبالغة في كثير من الأحيان تأثرا بروح العصور التي عاشت فيها هذه الدعوات: كالمبالغة في الصمت والجوع والسهر والعزلة.

ولذلك كله أصل في الدين يرد إليه, فالصمت أصله الإعراض عن اللغو, والجوع أصله لتطوع بالصوم والسهر أصله قيام الليل والعزلة أصلها كف الأذى عن النفس ووجوب العناية بها. ولو وقف التطبيق العملي عند هذه الحدود التي رسمها الشارع لكان في ذلك كل الخير.

ولكن فكرة الدعوة الصوفية لم تقف عند حد علم السلوك والتربية, ولو وقفت عند هذا الحد لكان خيرا لها وللناس, ولكنها جاوزت ذلك بعد العصور الأولي إلي تحليل الأذواق والمواجد ومزج ذلك بعلوم الفلسفة والمنطق ومواريث الأمم الماضية وأفكارها فخلطت بذلك الدين بما ليس منه, وفحت الثغرات الواسعة إلي الزهد التقشف والرغبة في الحصول علي هذه النتائج الروحية الباهرة.

وأصبح كل ما يكتب او يقال في هذه الناحية يجب أن يكون محل نظر دقيق من الناظرين في دين الله والحريصين علي صفائه ونقائه.

وجاء بعد ذلك دور التشكيل العملي للفكرة, فنشأت فرق الصوفية وطوائفهم كل علي حسب أسلوبه في التربية. وتدخلت السياسة بعد ذلك لتتخذ من هذه الشكيلات تكأة عند اللزوم ونظمت الطوائف أحيانا علي هيئة النظم العسكرية وأخرى علي هيئة الجمعيات الخاصة. حتى انتهت إلي ما انتهيت إليه اليوم من هذه الصورة الأثرية التي جمعت بقية ألوان هذا التاريخ الطويل والتي يمثلها الآن في مصر ( مشيخة الطرق الصوفية) ورجالها وأتباعها.

ولا شك أن التصوف والطرق كانت من أكبر العوامل في نشر الإسلام في كثير من البلدان, وإيصاله إلي جهات نائية ما كان إلا علي يد هؤلاء الدعاة كما حدث ويحدث في بلدان إفريقيا وصحاريها ووسطها وفي كثير من جهات آسيا كذلك.

ولا شك أن الأخذ بقواعد التصوف من ناحية التربية والسلوك له الأثر القوى في النفوس والقلوب والكلام في هذا الباب صوله ليست لكلام غيرهم من الناس ولكن هذا الخلط أفسد كثيرا من هذه الفوائد وقضى عليها .

من واجب المصلحين أن يطيلوا التفكير فإصلاح هذه الطوائف من الناس, وإصلاحهم سهل ميسور وعندهم الاستعداد الكامل له, ولعلهم أقرب الناس إليه لو وجهوا نحوه توجيها صحيحا, وذلك لا يستلزم أكثر من أن يتفرغ نفر من العلماء الصالحين العاملين , والوعاظ الصادقين المخلصين مما علق بها, وقيادة هذه الجماهير بعد ذلك قيادة صالحة. وأذكر أن السيد توفيق البكري رحمه الله فكر في ذلك وقد عمل دراسات علمية عملية لشيوخ الطرق, وألف لهم كتابا في هذا الباب , ولكن المشروع لم يتم ولم يهتم به من بعده الشيوخ , واذكر من ذلك أن الشيخ عبد الله عفيفي رحمه الله كان معينا بهذه الناحية وكان يطيل الحديث فيها مع شيوخ الأزهر وعلماء الدين, ولكنه كان مجرد تفكير نظرى لا أثر للتوجه إلي العمل فيه. ولو أراد الله والتقت قوة الأزهر العلمية بقوة الطرق الروحية بقوة الجماعات الإسلامية العملية لكانت أمة لا نظير لها توجه ولا تتوجه وتقود ولا تنقاد , وتؤثر في غيرها ولا يؤثر شئ فيها, وترشد هذا المجتمع الضال إلي سواء السبيل.أ.هـ

وفي مقال قديم للأستاذ البنا تحدث عن التصوف في ضوء تعاليم الكتاب والسنة وذلك في جريدة الإخوان المسلمين الأسبوعية نقل منه هذه الفقرات : حيث قال رحمه الله:

" التصوف الإسلامى بمعناه الصحيح يستمد أصوله وقواعده من كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسم ككل علم إسلامى وذلك هو الذي تظاهرت عليه أقوال شيوخه وأئمته.

قال الجنيد قدس الله سره:" علمنا هذ امقيد بالكتاب والسنة. فمن لم يسمع الحديث وبجالس الفقهاء, ويأخذ أدبه عن المتأدبين أفسد من اتبعه".

وقال سهل بن عبد الله:" بنيت أصولنا علي ست أشياء: كتاب الله’ وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وكف الأذى وأكل الحلال , واجتناب الآثام , والتوبة ,وأداء الحقوق".

وقال أبو عثمان الخيري:" من أمر السنة علي نفسه نطق بالحكمة ,من أمر الهوى عل نفسه قولا وفعلا نطق بالبدعة".

وقال أبو القاسم النصر أبادي:" أصل التصوف ملازمة الكتاب والسنة وترك الأهواء والبدع"

والأقوال في ذلك كثيرة حتى قال أبو الحسن الشاذلي:"إذا استند كشف الولي إلي غير الكتاب والسنة فهو كشف شيطانى ولا يؤخذ عنه ولا يسلم".

والقاعدة عندهم أن السنة هى الأصل لأن صاحبها صلوات الله عليه معصوم من الخطأ وما عداها تابع لأن قائليه غير معصومين فكل كلام عيرها يعرض عليها فإن وافقها قبل وإلا رفض.

وقد صار الناس يطلقون كلمة صوفي, وابن طريق , وولي, ودرويش ( وهى كلمة فارسية معناها: مريد او ما يقرب من ذلك) علي كل من ظهرت عليه دلائل البلة بشؤون الحياة, أو كل من تكاسل عن أداء الفرائض الدينية وارتكب المخالفات , وادعى أن المعصية مقدرة عليه فهو ينفذها لذلك أو أنه وصل إلي درجة رفع عنه فيها التكليف أو أن حقائق الأشياء تنقلب له فيصير الخمر ماء وإلي غير ذلك من المزاعم. وقد يستدل بعضهم بما بنسب لبعض الشيوخ من قوله:

فلا تلم السكران في حال سكره

فقد رفع التكليف في سكرنا عنا

وقد علمت ما سبق أن التصوف برئ من هذه المزاعم مشيد بكتاب الله وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم وأن الصوفي لا يكون صوفيا إلا بالتمسك بهما, والولي لا يكون وليا إلا إذا اهتدى بهديهما. فهما عماد الوصول ومنار طريق السلوك ولن يصل السالك إلي شئ من نور الهداية والمعرفة إلا بصدق التوجه والعمل بهما.

هذه أقوال المحققين من الصوفية أنقلها إليك وهى قليل من كثير لتعلم كيف تعلق بالأسماء وتركوا الحقائق , ,اخذوا القشور ورموا اللباب.

وما أظرف قول القائل:

ليس التصوف لبس الصوف ترقعه ولا بكاؤك إن غنى المغنون

ولا صياح ولا رقص ولا طرب

ولا اضطراب كأن قد صرت مجنونا

بل التوصف أن تصفو بلا كدر

وتتبع الحق والقرآن والدينا

وأن ترى خاشعا لله مكتئبا

علي ذنوبك طول الدهر محزونا

وقول الآخر :

ألم يعلموا أن الطريق كناية

عن العمل الجارى علي وفق شرعنا

وذبح النفوس الضاريات بمدية

من الخلف حتى لا تميل الخنا

فما أشد الغفلة , وما أعظم سلطان الألفاظ!

وما ابعد العرف عن الحقيقة فاعرف ذلك جيدا وطلب لباب الأمور لتكون من الصادقين في الطلب الواصلين إلي درجات القرب إن شاء الله أ.هـ.وقد أبديت رأيى في التصوف في فتويين من كتابى ( فتاوى معاصرة) الجزء الأول ,ووضحت موقفي أكثر وأكثر في مقدمة الجزء الأول من سلسلة ( في الطريق إلي الله تحت عنوان ( الحياة الربانية والعلم فليراجعه من أراد.

أما قول المعترضين علي الإخوان بأنهم يبالغون في حب بعضهم لبعض وأن هذا من اثر التصوف عليهم فهذه مزية تحسب للإخوان , وليس عيبا يؤخذ عليهم وهذا الحب هو الذي نفع الإخوان في المحن والشدائد التي خاضوا لججها, واكتووا بنارها فلم ينس بعضهم بعضا ولم يقل أحدهم : نفسى نفسى, بل إخوانهم المسجونين والمعتقلين, منضجين مغامرين, وكثيرا ما ضبطوا وقيدوا إلي المحاكمة وإلي السجون فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله.

لقد قيل عن ترابط الإخوان وتوادهم وتعاطفهم في مصر: هذه الجماعة التي إذا عطس أحدهم في الإسكندرية قال من في أسوان يرحمك الله.

وأذكر أن الداعية الفقيه الشيخ مصطفي السباعى رحمه الله ذكر لي : أنه سافر في سنواته الأخيرة للعلاج في أوربا, وكان يعانى من آلام مضنية, فوجد إخوة ينتظرونه في كل مطار ينزل به ويرتبون له الأمور يقول الشيخ: وأنا والله لا أعرفهم ولا هم من وطنى ولكنه ( الحب في الله) الذي تميزت به هذه الدعوة قال ذلك وعيناه مغرورقتان بالدموع.

وإما قولهم : إن الإخوان غلوا في حب حسن البنا إلي درحة التقديس, فهذه مبالغة غير مقبولة ولا يرضاها أى أخ مسلم يعرف دينه. ولكنها المحبة الفطرية للقائد, والتوقير له شرعا, لأنه من الحب في الله, ومن توقير الكبير, والمعرفة بقدر العالم. وفي الحديث :" ليس منا من لم يرحم صغيرنا , ويوقر كبيرنا" وفي لفظ : ويعرف شرف مرفوض لا يسأل عنه حسن البنا رضى الله عنه وقديما قال فقهاؤنا : النادر لا حكم له فكيف بالشاذ؟!

وأنا واحد من الإخوان وتلميذ لحسن البنا ولم أجد حرجا في أن أخالفه في بعض ما جتهد فليت شعرى أين التقديس الذي يعمونه من الإخوان لمرشدهم؟

الحق أن لا تقديس ولا اعتقاد يعصمه ولكنه الحب والتقدير للقائد وهو أدب من آداب الإسلام ( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت لوهاب).

خاتمة: لماذا يعادون الإخوان؟

وأختم هذه المباحث بالجواب عن سؤال كبير : لماذا تعادى هذه الفئات المختلفة في الداخل والخارج: حركة الإخوان المسلمين؟ ومن المسئول عن هذه العداوة : أهم الإخوان أم الذين يعاونهم؟

رضا الناس غاية لا تدرك:

ويهمنى أن أبين هنا حقيقتين ناصعتين:

الأول  : أن أحد لا يستطع ان يرضى جميع الناس وقديما قالوا في الأمثال رضا الناس غاية لا تدرك وقال الشاعر:

ومن في الناس يرضى كل نفس

وبين هوى النفوس مدى بعيد؟

وقال الاخر:

إذا رضيت عنى كرام عشيرتى

فلا زال غضبان علي لئامها!

وفي الآثار الإسرائيلية: أن موسى عليه السلام قال : يا رب, كف عنى ألسنة الناس ورضهم عنى, قال : يا موسى هذا شئ لم أختصه لنفسى فكيف أجعله لك؟!

وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا:

والحقيقة الثانية: أن الكون كله قائم علي التباين والتقابل, فالنهار يقابله الليل , والنور يقابله الظلام, والخصب يقابله الجدب, والبصر يقابله العمى والحياة يقابلها الموت. وكذلك الحق يقابله الباطل والهدى يقابله الضلال والتوحيد يقابله الشرك والتقوى يقابلها الفجور والمؤمنون يقابلهم الكفار والمتقون يقابلهم الفجار, وهذه سنة الله في خلقه.

ولهذا خلق الله آدم وإبليس وإبراهيم ونمرود وموسى وفرعون , ومحمد أ وابا جهل وأكد القرآن هذه الحقيقة بقوله تعالي: ( وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلي بعض زخرف القول غرورا)

وقال تعالي : ( وكذلك جعلنا لكل نبى عدوا من الجرمين وكفي بربك هاديا ونصيرا) [ الفرقان :31] وإذا كان في الناس من عادى الله تعالي, خالقهم ورازقهم ومدبر أمرهم كما قال تعالي [ يا أهيا الذين آمنوا لا تتخذوا عدوى وعدوكم أولياء) [ الممتحنة : 1] فبين أن هناك أعداء لله فكيف يطمع المخلوق ألا يكون له أعداء مهما تكن صفحته بيضاء؟

فكيف بجماعة جاءت بدعوة لها أهداف ومبادئ لا يمكن أن يرضى عنها كل الناس؟

إن هناك إناسا وجدوا في هذه الدعوة قيودا علي سرقاتهم وأطماعهم ومصالحهم وامتيازاتهم فلا غرو أن يعدوا دعوة الإخوان دفاعا عن مصالحهم التي كسبوها بلباطل ولكنهم يعلنون ذلك بصراحة بل يغلقون ذلك بأغلفة شتى, حتى لا تظهر لصوصيتهم ولا فجورهم للناس.

وهناك آخرون رأوا في دعوة الإخوان : قيودا علي ملذاتهم وشهواتهم المحرمة , من الخمر والميسر والنساء وغيرها مما تتيحه لهم الأنظمة الوضعية فهم لذلك يقاومون هذه الدعوة التي تضيق عليهم ما كان موسعا لهم, علي طريقة قوم لوط الذين دعاهم إلي الإيمان والطهارة من القذارة, فقالوا: أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون!

وهناك من يعادون الإخوان , لأنهم يجهلون حقيقة دعوتهم, ولا يعرفون أهدافها ولا مناهجها ووسائلها, ولا القائمين عليها وقد قال العرب: من جهل شيئا عاداه والله تعالي يقول: ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله)ب يونس 39]

وقد ساعد الإعلام المعادى للإخوان – في الغرب والشرق ومن الداخل والخارج – علي تشويه صورتهم وجهل الناس بحقيقة أمرهم, وإظهارهم في شكل منفرو وكأنهم يعوقون التقدم ويرجعون بالناس القهقرى ويقفون ضد الحريات ويجمدون الحياة ويعادون غير المسلمين ويريدون أن يعلنوا الحرب علي العالم كله.

وهناك من يعادون الإخوان, لأنهم يعادون الإسلام: رسالته وحضارته وأمته ويتوجسون خيفة من انبعاثه وصحوته, أو يتميزون غيظا كلما نهض من عثرته أو قرب من جمع كلمته , وهؤلاء تحركهم أحقاد قديمة , وأطماع جديدة ومخاوف دائمة, ونرى هذا تجسيد في القوى الصهيونية, والصليبية والشيوعية ومن دار في فلكها وحطب في حبالها فلا يتصور من هؤلاء أ، يفتحوا قلوبهم للإخوان ,أن يرحبوا بدعوتهم بل هى مصنفة في قائمة الأعداء أبدا, وهو ما لا نزال نشاهده إلي اليوم مهما حاول الإخوان أن يبينوا وجه المرونة في دعوتهم والانفتاح في وجهتهم, ويفتحوا صفحة للحوار مع أخر ويتبنوا فكرة الوسطية والاعتدال في موقفهم حتى اتهمهم المتشددون بتمييع الإسم, وتقديم التنازلات دون مقابل.

ومع هذا رأينا الغرب المعادى والمتأثر باللوبى الصهيونى يزداد بعدا كما ازددنا منه قربا, ويخوف من الصحوة الإسلامية ومما سماه ( الخطر الإسلامى الذي أطلق عليه ( الخطر الأخضر) بل غدا يحذر من ( الإسلام المعتدل) بعد أن كان يحذر من ( الإسلام المتطرف) ويقول ك إن الإسلام المعتدل أشد خطرا لأنه أبقى أثرا وأطول عمرا.

ومن كان عميلا لهذه القوى المعادية للإسلام وأمته أ و من عبيد فكرها وأسارى فلسفتها فهو يحتضن أفكارها ويروج أخبارها عن وعى وقصد أو عن تقليد كتقليد القردة ومحاكاة الببغاء.

ومثل هؤلاء : من يعادى الإخوان – ممن ينسب إلي أبنائه – لأنه يعادى الإسلام ويكره الإسلام, وإن تسمى بأسماء أهله , فهو لا يحب للإسلام أن يسود, ولا لأمته, أن تقود ولا لدولته أن تعود ولا ذنب للإخوان لدى هؤلاء إلا أنهم يدعون إلي الإسلام ويجادون في سبيله.

ولكن من مكر هؤلاء الكارهين للإسلام ولتعاليمه وشرائعه: أنهم لا يسطتعون أن يظهروا أمام الناس علي حقيقتهم, ولا أن يكشفوا اللثام عن وجوههم وأن يعلنوا عن عدواتهم للإسلام, فلا غرو أن يصبوا عدواتهم كلها علي الإخوان ويفرغوا كل أحقادهم وكراهيتهم في جماعتهم تنفيسا عن الحقد والبغضاء لهذا الدين. وهلاء لا علاج لهم ولا دواء لأحقادهم إلا أن يتخلي عن الإسلام وعن الدعوة إليه وعن جمع الأمة عليه هنا يكونون سمنا علي عسل ويصبحون موضع الرضا والقبول.

وقديما قال معاوية: أستطيع أن أرضى كل خصومى إلا واحدا! قيل : من هو؟ قال : الحاسد لأنه لا يرضى إلا زوال نعمتى!

وكذلك تستطيع أن ترضى أى خصم بطريقة وأخرى إلا من يكره الإسلام فهذا لا يرضيه إلا سقوط رأية الإسلام وانطفاء جذوة الإسلام ( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون) ( التوبة32)

وفي مثل هؤلاء جاء قوله تعالي ( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم) [ البقرة : 120) أى لا يرضيهم شيء إلا ترك الإسلام تماما والدخول في دينهم وهو مستحيل.

ولقد بين القرآن نية أعداء الإسلام الكارهين له, فقال عز من قائل ( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا) [ البقرة: 217]

فانظر إلي هذه الصيغة ( لا يزالون) التي تشعر بالاستمرار, وغلي الهدف ( حتى يردوكم عن دينكم) والمعركة دائرة الرحى ومستمرة ما دام في الدنيا حق وباطل , وإيمان وكفر.

ومن فضل الله تعال أن قال ( إن استطاعوا) فقديها ب( إن) الشرطية التي تفيد التشكيك, ولن يستطيعوا إن شاء الله, وعندنا آيات ثلاث في كتاب الله تبشرنا بأن الله سيظهر الإسلام علي الأديان كلها( هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره علي الدين كله ولو كره المشركون) [ التوبة : 33والصف : 9] ( ليظهره علي الدين كله وكفي بالله شهيدا)[ الفتح : 28].

اللهم منزل الكتاب , ومجرى السحاب, سريع الحساب, وهازم الأحزاب اخذل أعداءك وأعداءنا المتربصين بنا, الكائدين لنا . اللهم اجعل كيدهم في نحورهم, ورد سهامهم المسمومة إلي صدورهم . اللهم اهدنا صراطا مستقيما وانصرنا نصرا عزيزا( ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين. ونجنا برحمتك من القوم الكافرين) [ يونس : 85, 86].

وصل اللهم علي سيدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا ومعلمنا محمد ,علي آل وصحبه ومن اتبعهم بإحسان إلي يوم الدين.

إقرأ أيضاً

وصلات داخلية

كتب متعلقة

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

متعلقات أخري

وصلات خارجية

مقالات خارجية

.

تابع مقالات خارجية

تابع مقالات خارجية

.

وصلات فيديو