الغنوشي وأطوار من نشأة الحركة الإسلامية في تونس

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الغنوشي وأطوار من نشأة الحركة الإسلامية في تونس


من القرية إلى الزيتونة

غني عن الذكر التنبيه إلى الطابع الشخصي لهذا النص سواء أكان من جهة رواية الأحداث أم كان من جهة الحكم عليها أم كان من جهة الاستنتاجات والتوجيهات. ولأنها كذلك فتبعتها شخصية بحته. والخطأ وسوء التقدير عليها واردان. كما يشير صاحبها إلى أنه سعيد بكل تقويم أونصح أوإضافة أوتصحيح، معتذر سلفا عما قد يكون ورد فيها مما يسيء لشخص أو هيأة.

في مغارة- احتماء من القصف المتبادل بين الألمان والحلفاء خلال الحرب العالمية الثانية- كان المشهد الأول من حياتي. ولم يلبث الفرنسيون أن عادوا ينتقمون من "الخونة" أي الذين تعاملوا مع الألمان، فشهدت منطقتنا "الحامة" انطلاقة الشرارة الأولى للمقاومة المسلحة ضدهم التي انخرط فيها بعض أقاربي. ومع الاستقلال تجدد القصف على السكان الأصليين أهل الثقافة العربية الإسلامية من طرف خلفاء الاستعمار بأشكال أشد توحشا لم تزدها الأيام إلا شراسة لا سيما بعد ظهور الصحوة الإسلامية التي لا يزال القصف على حملة لوائها مستعرا. ومع كل ذلك يمكن أن أعتبر أن طفولتي كانت عادية، فقد عشت في أسرةٍ مستقرة، يسودها الوئام، فلم أر قط والدي - مثلا-ً يصيح في هياج على والدتي فضلاً عن أن يضربها. كانت والدتي رحمها الله محترمة جداً في البيت، كانت نافذة جداً ومطيعة جداً لوالدي.

ومع أن والدي تزوج أكثر من امرأة إلا أن الانسجام بين الزوجتين كان انسجاماً كبيراً، حتى أنني كنت أدعو زوجة والدي الثانية «أمي»، وكانت محترمة جداً وتحبنا حباً شديداً. ولم يكن في البيت أزمات، وكان العنف قليلاً جداً في البيت، فلا أذكر أن والدي ضربني قط، ولا أذكر أن والدتي شتمتني أو دعت علي بسوء حتى وأنا طفل. وكانت عائلتنا متوسطة الحال ليست بالمعدمة.

كنا في قريتنا نشتغل في الحقل. كنا مستورين لم نكن من الأغنياء ولم نكن بالفقراء بين الفلاحين، ولكن عيش الفلاحين في ذلك الزمان كان عيشاً متواضعاً جداً ما كانوا يشعرون بالحرمان، إذ كان الناس يعيشون في قناعة، فلم يكن هناك مجتمع استهلاكي يجعل الناس يزهدون في ما بين أيديهم لأنهم يرون أن هناك من هو أعلى منهم، بل كان المجتمع كله متقارباً، وكان هناك من هو أكثر غنى ولكنه كان يعيش عيشة الآخرين. ولم يكن هنالك أيضاً المعدم الذي لا يجد قوت يومه أو ينام على قارعة الطريق، فالمجتمع كان متضامناً وكأنه مجرد مجموعة عوائل كبرى شديدة الارتباط والتراحم، قليلة الحاجات.

كان تناول اللحم مثلا عزيزاً جداً، لا يدخل البيت إلا مرات معدودة في السنة، ولا سيما في عيد الأضحى حيث كان والدي عندما يتيسر أمره قليلا يشتري الذبيحة ويتقاسمها مع عشرات من الجيران والأقارب. وكان العرف يقتضي أن من اشترى لحماً عليه أن يطعم منه كل الجيران. وكان بيتنا كبيراً يضم والدي وأعمامي، إذ كانوا كلهم يعيشون في نفس البيت في جو من التضامن العائلي. وكان بيتنا يتميز عن غيره من بيوت القرية بجوه الديني، فوالدي كان الوحيد في القرية الذي يعرف القراءة والكتابة، وكان يحفظ القرآن وكان إماماً للناس ومفتياً لهم، وكان غايةً في العفة والتقوى، ولم يحترف التدين، بل كان يدرس الأطفال القرآن مجاناً ويؤم الناس مجاناً في البيت شتاءً وفي المصلى تحت أشجار النخيل صيفاً.

تعاطى والدي التجارة لفترة ولكن أفلست تجارته فعاد إلى الحقل يشتغل فيه من الصباح الباكر حتى المساء، ومعه أفراد العائلة جميعهم كباراً وصغاراً، رجالاً ونساءً. حتى إذا آوينا إلى البيت متعبين، وتناولنا طعام العشاء، وكان دائماً كسكساً نقبل عليه في شراهة ونجد فيه لذة عجيبة نفتقدها اليوم، بدأت السهرة فينخرط الجميع في صناعة السلال من سعف النخل. وتمتد السهرة، خاصة في ليالي الشتاء، إلى ما بعد منتصف الليل، تدور خلالها كؤوس الشاي، وتتردد الأناشيد والمدائح الدينية في نغمات جماعية توحي بالوجد والخشوع، من مثل «اللهم صل على المصطفى بديع الجمال وبحر الوفا، وصل عليه كما ينبغي، الصادق محمد عليه السلام، صلاة تدوم وتبلغ إليه، مرور الليالي وطول الدوام»، ونكرر هذا المقطع مئات المرات في إنشاد جماعي لذيذ تقوده والدتي بصوتها الجميل الذي يفيض خشوعا وحنانا.

ولم يكن يعكر صفو السهرة بالنسبة لي غير حصة استظهار ما حدده لي والدي من آيات للحفظ، إذ كان صارماً في المحاسبة، ولا ينقذني من المأزق عندما يكون اللعب قد شغلني عن الحفظ غير قدوم ضيف ينزل عليّ كالرحمة من السماء. وحتى لسعة عقرب تصيبه أحياناً خلال السهرة لا تنقذني، إذ سرعان ما يتحامل على نفسه ويعود إلي. ولا أدري لماذا كانت حصة القرآن، كالصلاة، ثقيلتين على نفسي في طفولتي. ولكن بعد أن طوفت في الآفاق وتحررت منهما ومن سلطة والدي، لم ألبث أن عدت إليهما في شغف، وضمن رؤية كاملة. والحمد الله، ورحم الله والدي، فلقد أحسن إلي أن حملني حملاً على ما أكره، رغم قناعتي الآن أن ذلك ليس هو المنهج الأفضل للتربية، ولكن التجربة قد تكون لصالحه بالنتيجة، فليست الفلسفة الليبرالية في التربية الأنموذج الذي يشهد الواقع المتفسخ لصالحه، بل هو يشهد لإخضاعه إلى قدر غير يسير من المراجعة والاستدراك.

للمزيد عن الإخوان في تونس

روابط داخلية

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

.

مقالات متعلقة

.

تابع مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

أهم أعلام الإخوان في تونس

وصلات فيديو

.

تابع وصلات فيديو