محمد الشاذلي الحسيني

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
العلامة التونسي محمد الشاذلي الصادق النيفر الحسيني (1330 - 1418هـ /1911 - 1997م)


بقلم/ المستشار عبدالله العقيل

مولده ونشأته

هو محمد الشاذلي بن محمد الصادق النيفر، مؤرخ وشاعر.

ولد سنة 1911م بمدينة تونس العامرة في بيت علم وفضل وشرف، ونشأ في رعاية والده أحد أعلام الزيتونيين، فأحسن تربيته على القيم الإسلامية الرفيعة والآداب العالية.

مسيرته العلمية

ففي البيت تعلم مبادئ العلوم الشرعية واللغة العربية، ثم التحق بالمدرسة القرآنية، وفي عام 1924م التحق بجامع الزيتونة لمواصلة دراسته الثانوية، متدرجًا في مراحلها بنجاح مميز حتى أحرز شهادة ختم الدروس الثانوية سنة 1930م، وهي شهادة تؤهل صاحبها للتدريس بجامع الزيتونة بصفة متطوع، ولذلك تسمى شهادة تطويع، وكان من جملة شيوخه بالزيتونة شيخ الإسلام محمد العزيز جعيط1937م)، وقاضي الجماعة العلامة الشيخ محمد البشير النيفر1974م).

وحصل على إجازة من العلامة الشهير الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور1973م)، وفي سنة 1934م باشر التدريس بجامع الزيتونة والمعاهد التابعة له، ولم يزل كذلك حتى سنة 1990م، حيث أقعده المرض.

وقد كانت دروسه عذبة لطيفة في إشاراتها، فصيحة في عباراتها، وكان لواسع علمه يأتي بالعجب العجاب لسامعيه، فهو بحر علم يعب عبابه ويغب ميزابه.

وفي سنة 1936م، شارك في تأسيس جمعية الزيتونيين التي أنشئت لإعداد النشرات وتنظيم المحاضرات والاحتفالات بالمناسبات الدينية، وقد تولى خطة الكاتب العام لهذه الجمعية.

وفي سنة 1937م، ساهم في تأسيس الشبيبة الزيتونية التي ترمي إلى توحيد كلمة أبناء الجامع الأعظم.

وفي سنة 1365ه/ 1946م، أكرمه الله بالحج إلى البيت الحرام، وكانت فرصة للقاء عدد من علماء المسلمين جمعهم هذا الموسم العظيم.

وفي تلك المناسبة فكر في دعوة الحكومة السعودية إلى حمل الجامعة العربية على الاشتغال بقضية الشمال الأفريقي بواسطة الشيخ حسن البنا، فزاره زيارة خاصة، وحادثه في ذلك الشأن، فقال الشيخ حسن: إن الملك عبد العزيز آل سعود عين لي غدًا موعدًا للقائه.

قال الشيخ محمد الشاذلي: فرجوته أن يبلغ ما رغبت من حمل الحكومة السعودية للجامعة العربية على النظر في قضية الشمال الأفريقي بجدية، فوعدني بذلك، وطلب مني أن آتي إليه ليخبرني بنتيجة لقائه، فأتيته من الغد، فأجابني الشيخ البنا بقبول الرغبة من الملك عبد العزيز.

وفي سنة 1953م، أسس الشيخ جريدة الزيتونة الأسبوعية، واختص بتحرير افتتاحيتها؛ ليكتب فيها عن هموم الأمة والمطالبة بإصلاح الزيتونة والذب عنها؛ مما عرضها للإيقاف عن الصدور مرتين، وفي الثالثة أوقفت نهائيًا، وذلك سنة 1957م.

كان الشيخ طيلة حياته مناضلاً شجاعًا يدفعه إيمانه بما يعتقد إلى أن يقف مواقف الرجال في أحلك الفترات، فكانت له مشاركات في الأحداث التاريخية التي وقعت أثناء فترة الاستعمار، فكان فاعلاً للأحداث صانعًا لها غير منفعل بها.

ولذلك لم يكن مستغربًا أن يناله الابتلاء، وذلك حين تولى إدارة المدارس الزيتونية لسكنى الطلبة، فاستاءت منه السلطة الاستعمارية، فتعرض بيته للتفتيش، وألقي القبض عليه ثم وضع رهن الإقامة الجبرية.

وبعد الاستقلال شارك في الحياة السياسية، حيث انتخب سنة 1959م نائبًا بمجلس الأمة الأول، وترأس الجلسات الافتتاحية في عدة دورات، وكان محل إكبار الجميع؛ لمواقفه الثابتة وشجاعته.

غير أن ذلك لم يشغله عن مهماته الدعوية والإرشادية والتعليمية، فقد تولى الإمامة والخطابة بجامع باب الأقواس بتونس منذ سنة 1946م، وظل داعيًا إلى الله، مرشدًا وموجهًا، آمرًا وناهيًا، وكان لخطبه الأثر الكبير في نفوس المصلين، فلم يترك الخطابة بهذا الجامع حتى أيامه الأخيرة.

وفي سنة 1977م، انتخب عميدًا للكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، فأظهر براعة فائقة في حسن الإدارة بهمة عالية وعمل دءوب، فاجتمعت حوله القلوب فأعيد انتخابه مرة أخرى.

وكان نشاطه موزعًا بين العمل الإداري والتدريس وإلقاء المحاضرات خارج الكلية في المناسبات المتنوعة. وقد تسلم عمادة الكلية وبها أربع مئة طالب، فارتفع العدد إلى أضعاف مضاعفة أغلبهم من تونس، وكان فيهم طلاب من مختلف البلاد الإسلامية.

وقد تولى تجديد البرامج التعليمية بحيث أصبحت تتناسب مع المستوى العلمي للطلبة الحاصلين على شهادة الثانوية العامة بعد أن انقرضت طبقة الشباب الزيتوني.

ثم وسع دائرة التعليم بالكلية، وأنشأ أقسامًا جديدة أثرى بها الكلية، ولم تكن الكلية يومها تسير وفق قانون رسمي ينظم الدراسة بها، فبادر إلى وضع هذا القانون، واستصدر أمرًا ينص على اعتبار الكلية الزيتونية مؤسسة جامعية تُعْنَى بالدراسات والبحوث الإسلامية.

وفي سنة 1400ه، أقام مهرجانًا علميًا بمناسبة مرور ثلاثة عشر قرنًا على تأسيس جامع الزيتونة أقدم جامعة في العالم، حيث ألقيت بحوث قيمة بهذه المناسبة.

وقد أكرم الله الشيخ بأن حبب إليه العناية بالقرآن الكريم، فأولاه عناية خاصة، حيث ترأس الجمعية القومية للمحافظة على القرآن الكريم قبل أكثر من خمس وعشرين سنة، فكان يسعى لتوفير الاعتمادات المالية لها من تونس ومن خارجها، وكان يطوف بنفسه للإشراف على الإملاءات الليلية التي تنظمها الجمعيات القرآنية بمختلف مساجد تونس، وأنشأ إملاءات قرآنية صيفية صباحية لتلاميذ السنة الخامسة والسادسة من التعليم الابتدائي وجميع مراحل التعليم الثانوي، وكانت هذه الإملاءات تختم بامتحان في الحفظ والتلاوة توزع فيه الجوائز على الفائزين، وقد نظم مباراة قومية سنوية لحفظ كتاب الله تعالى، ويقام لها حفل كبير ينتظم في العاصمة تونس خلال شهر رمضان المعظم منذ تسع سنوات إلى اليوم.

وكان على صلة قوية بمختلف أقطار العالم الإسلامي، حيث يحرص على المشاركة في الملتقيات الإسلامية يشهد له بذلك أبحاثه ومداخلاته القيمة، وكان محل إكبار وتقدير وإجلال، فهو عضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه التابع لها، وقد شارك في أغلب ندواتها.

جهوده العلمية

أما جهوده العلمية، فتتمثل في المصنفات التي نافت على العشرين بين تأليف وتحقيق.

فمنها تفسير مدرسي لجزأي "عم وتبارك"، ومنها (شرح همزية البوصيري)، و(عمل أهل المدينة: معناه وحجيته)، و(المازري الفقيه المتكلم)، و(مختصر تاريخ الزيتونة وعلماء قفصة)، و(علماء سوسة)، و(الحركة الأدبية بتونس في القرن الرابع عشر)، ومنها (حكم التجنس) قال عنه: ذهبت فيه إلى أن الأمم الإسلامية إذا وقع البعض منها تحت حكم الكفر لا يبارحون ديارهم؛ لأن ذلك مؤد إلى إقرار الكفرة في ديارهم كما وقع في الأندلس، ومنها تقديم وتحقيق كتاب (مسامرات الظريف بحسن التعريف) للسنوسي، وهو كتاب أَلَمَّ بالحياة العلمية والأدبية بتونس في أربعة أجزاء، ومنها تقديم وتحقيق كتاب (المعلم بفوائد مسلم) للإمام المازري في ثلاثة أجزاء، و(تنبيه الغافلين وإرشاد الجاهلين) للسفاقسي، وقطعة من موطأ ابن زياد، ورسائل ابن عبدون المكناسي.

وله ما يزيد على خمسين بحثًا في شتى العلوم.

فمنها (أحاديث فضل إفريقية)، ومنها (عناية أهل المغرب بمسلم)، ومنها (تفتح الفقه الإسلامي على الحياة الإنسانية)، وله رحمه الله ديوان شعر في جزءين يدل على أنه شاعر من الطراز الأول.

يقول في مطلع قصيدة نبوية:

أتتك القوافي قد حداها نزوعها

وأشرق في مدح الجناب طلوعها

أنزه شعري أن أشيد بغيركم

أعز القوافي إنني لا أضيعها

وللشيخ ولع شديد بجمع نوادر الكتب من مخطوط ومطبوع، حتى بلغ ما لديه اثني عشر ألف كتاب مطبوع، وثمان مئة مخطوط، منها ما لا يوجد في غير مكتبته.

ومن نبل هذا الإمام وكرمه وفضله أن حرص على حفظ هذه الكتب وتسهيل الوصول إليها للباحثين، فبنى من حر ماله بناءً جميلاً، وجعله بيتًا لهذه الكتب، واستأجر من يقوم بترتيبها وفهرستها، واستعان بالحاسب الآلي في ذلك، وجعل لها من يقوم عليها؛ تيسيرًا للمطالعة فيها لمن شاء من الباحثين.

وقد جرى افتتاح هذه المكتبة في الثاني من جمادى الآخرة من عام 1412ه، وأقيم لذلك حفل بهيج بحضور عدد كبير من رجال العلم والفكر والأدب.

معرفتي به

كانت معرفتي بالأخ الشيخ "محمد الصادق النيفر" من خلال زيارة لي إلى "فرنسا" لحضور مؤتمر إسلامي، حيث التقيته ووجدت فيه الخلق الرفيع والأدب الجم، فضلاً عن أنه كان عضوًا في المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي والمجمع الفقهي التابع لها، وكان يشارك في الندوات التي يقيمها، وكنت أسمع من الشباب التونسي المسلم الثناء العطر عليه حين زيارتي لتونس، قبل أن ألتقيه؛ مما حببني فيه وقربه إلى نفسي، وبخاصة أنه حرص على الحكمة في مداراة الحكام ببلاده؛ لئلا يزدادوا بطشًا بالشباب التونسي المسلم الذي أقبل على الإسلام برغبة وشوق بعد معاناة طويلة مع الاستعمار وأذناب المستعمرين من المستغربين من أهل البلاد.

وفاته

توفي في (4-8-1418ه/ 3-12-1997م) في "تونس"، ودفن بها، حيث شيعه الكثير من العلماء وطلبة العلم وجماهير المسلمين، رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.

للمزيد عن الإخوان في تونس

روابط داخلية

كتب متعلقة

ملفات متعلقة

.

مقالات متعلقة

.

تابع مقالات متعلقة

أخبار متعلقة

أهم أعلام الإخوان في تونس

وصلات فيديو

.

تابع وصلات فيديو