حافظ عبد الحميد

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى: تصفح، ابحث
حافظ عبد الحميد ..أحد ستة بحثوا عن الحقيقة فأسسوا دعوة الإخوان


مقدمة

في وقت كانت فيه القلوب تائهة والعقول حائرة، كانت هناك عيون زائغة تبحث عن ومضات النور المنبثقة وسط ظلمات الليل المدلهم، رجال ودعوات وأوطان .. بذور غرست في مجموعة كانت تبحث عن الحقيقة وسط جموع البشر، تسعي لشاطئ يجمع عليها قلوبها وعقولها، كأرض صالحة تنتظر الغرس فيها.

هكذا تفاعل حسن البنا منذ أن وطأة قدماه في الفهم الشامل للإسلام والذي وجد تربة صالحة، فأراد أن يحقق أمنية صديقة الأستاذ محمد الشرنوبي الذي قال له: [إن الرجل الصالح يترك أثرًا في كل مكان ينزل فيه، ونحن نأمل أن يترك صديقنا أثرًا صالحًا في هذا البلد الجديد عليه]، وهو ما جعل الشاب صاحب العشرين عاما أن ينطلق ينثر بذور الإسلام الطيبة وسط المساجد والمقاهي والطرقات، لم يفكر في اختيار نوعية الناس، بل حمل سبورته تحت أبطه وانطلق ولديه العزم واليقين أنه سيبلغ بدعوته كل قلوب الناس.

وسط هذا الجو المتقلب تستجيب الأرض لبعض هذه البذور فتشق طريقها إلى الفضاء معلنة بصفاء قلوبها أنها على استعداد تام للتضحية من أجل هذا الدين برجال حملتهم فوق ظهورها.

نبتت هذه البذور وسط العمال والفقراء فكانوا أول ستة يتأثروا بالمفهوم الشامل لمعنى الإسلام، ويتفاعلون معه، وتنطلق ألسنتهم وقلوبهم ليس لحسن البنا فحسب بل للأمة كلها [لقد سمعنا ووعينا، وتأثرنا ولا ندري ما الطريقة العملية إلى عزة الإسلام وخير المسلمين، ولقد سئمنا هذه الحياة: حياة الذلة والقيود، وها أنت ترى أن العرب والمسلمين في هذا البلد لا حظ لهم من منزلة أو كرامة، وأنهم لا يعدون مرتبة الأجراء التابعين لهؤلاء الأجانب، ونحن لا نملك إلا هذه الدماء تجري حارة بالعزة في عروقنا، وهذه الأرواح تسري مشرقة بالإيمان والكرامة مع أنفسنا، وهذه الدراهم القليلة، من قوت أبنائنا، ولا نستطيع أن ندرك الطريق إلى العمل كما تدرك، أو نتعرف السبيل إلى خدمة الوطن والدين والأمة كما تعرف، وكل الذي نريده الآن أن نقدم لك ما نملك لنبرأ من التبعة بين يدي الله، وتكون أنت المسؤول بين يديه عنا وعما يجب أن نعمل، وإن جماعة تعاهد الله مخلصة على أن تحيا لدينه، وتموت في سبيله، لا تبتغي بذلك إلا وجهه، لجديرة أن تنتصر، وإن قل عددها وضعفت عدته] (1). هؤلاء الستة الذين طواهم الزمن فأصبحوا في طي النسيان يكاد لا يتذكرهم أحد، بل أن معظمهم لا يعرف سيرته ولا مواقفه أحد.

هؤلاء هم الستة العمال الذين بايعوا الشيخ حسن البنا، فكانوا نواة جماعة الإخوان المسلمين والتي نشأت في شهر ذي القعدة من عام الموافق لشهر مارس من عام 1928م، أنهم حافظ عبد الحميد "نجار بالحي الإفرنجي"، أحمد الحصري (المصري) "حلاق بشارع الجامع بالإسماعيلية"، فؤاد إبراهيم خليل "مكوجي بالحي الإفرنجي"، عبد الرحمن حسب الله "سائق بشركة القنال"، إسماعيل عز "جنايني بشركة القنال"، زكي المغربي "عجلاتي بشارع السوق بالإسماعيلية"، هؤلاء العمال الذين ربوا سخر منهم المثقفين وكيف بنت على أكتافهم جماعة كبيرة مثل جماعة الإخوان المسلمين، بل ولمزوهم وغمزوهم، لكن الإيمان بالله وحب الوطن كان العامل القوي في بناء هذه الجماعة.

وفي هذه المناسبة نقف سيرة أحدهم، لم تذكره المصادر ولا الكتب من قبل، فكان الجهد الجهيد في الوصول للمعلومة عنه، إنه حافظ عبدالحميد. ولد حافظ عبد الحميد في مدينة الإسماعيلية في أوائل القرن العشرين، غير أنه لم ينل مثل معظم المصريين القسط الكافي من التعليم، فامتهن حرفة النجارة وعمل في الشق الأوربي من الإسماعيلية –كانت تنقسم لشقين واحد يحوي الأوروبيين ومصمم على الطراز الغربي، وأخر يحوي المصريين حيث الفقر وبيوت الطين.

على الرغم من قلة تعليمه إلا أنه نشأ محبا لدينه، محافظا على صلواته، مستعرا قلبه بلهيب الغيرة على وطنه المحتل، وكانت هذه الصفات التي أهلته أن يباع الشيخ حسن البنا مع رفاقه على العمل لدين الله وتحرير الأوطان، وتأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928م.

اصبح حافظ من أوائل من أسسوا جمعية عمومية للإخوان في الإسماعيلية، بل من أوائل من حملوا الفكرة وتنقلوا بها لنشرها وسط الناس، بل كان رسولا لهذه الدعوة وسط الخواجات.

حينما نقل حسن البنا إلى القاهرة في أكتوبر من عام 1932م انتخب الشيخ علي أحمد الجداوي نائبا للإسماعيلية، كما اختير حافظ عبد الحميد مراقبا لها من قبل مكتب الإرشاد.

وحينما عقد أول مجلس شورى عام لجماعة الإخوان في 22من صفر 1352هـ الموافق 15من يونيو 1933م بمدينة الإسماعيلية شارك فيه الأستاذ حافظ، وتم اختياره عضوا منتدبا في أول تشكيل لمكتب إرشاد الإخوان المسلمين، وشارك في التوقيع على العريضة التي رفعها مكتب الإرشاد إلى الملك وشيخ الأزهر ورئيس الوزراء تناشدهم التصدي للتبشير الذي انتشر في ربوع مصر تحت مسمى مدارس ومستشفيات (2).

وحينما انعقد مجلس الشورى الثاني للإخوان بمدينة بورسعيد في اليوم الثاني من شهر شوال 1352هـ الموافق 18 يناير 1934م كان ضمن من مثلوا مكتب الإسماعيلية.

مواقف حية

كان من جميل الأخوة أن يسطر الشيخ حسن البنا بعض مواقف إخوانه والتي وضحت مدى الفهم لحقيقة الإسلام والتفاعل العملي معه، فيقول عن حافظ عبد الحميد: استدعى المسيو "سولنت - مهندس القنال ورئيس قسم السكسيون - حافظ عبد الحميد ليصلح له بعض أدوات النجارة في منزله وسأله عما يطلب من أجر فقال: 130 قرشًا، فقال المسيو "سولنت" بالعربي: "أنت حرامي"، فتمالك الأخ نفسه وقال له بكل هدوء: ولماذا؟ فقال: لأنك تأخذ أكثر من حقك، فقال له: لن آخذ منك شيئًا ومع ذلك فإنك تستطيع أن تسأل أحد المهندسين من مرءوسيك، فإن رأى أنني طلبت أكثر من القدر المناسب فإن عقوبتي أن أقوم بالعمل مجانًا، وإن رأى أنني طلبت أقل مما يصح أن أطلب فأسامحك في الزيادة، واستدعى الرجل فعلاً مهندسًا وسأله فقدر أن العمل يستوجب 200 قرش، فتأكد المسيو "سولنت" مما قاله حافظ وأمره أن يبتدئ العمل، فقال له: سأفعل ولكنك أهنتني فعليك أن تعتذر وأن تسحب كلمتك، فاستشاط الرجل غضبًا وغلبه الطابع الفرنسي الحاد، وأخذته العزة بالإثم وقال: تريد أن أعتذر لك ومن أنت؟! لو كان الملك فؤاد نفسه ما اعتذرت له، فقال حافظ في هدوء أيضًا: وهذه غلطة أخرى يا مسيو "سولنت"، فأنت في بلد الملك فؤاد وكان أدب الضيافة وعرفان الجميل يفرضان عليك ألا تقول مثل هذا الكلام، وأنا لا أسمح لك أن تذكر اسمه إلا بكل أدب واحترام، فتركه وأخذ يتمشى في البهو الفسيح ويداه في جيب بنطلونه، ووضع حافظ عدته وجلس على كرسي واتكأ على منضدة، وسادت فترة سكوت لا يتخللها إلا وقع أقدام المسيو الثائر الحائر، وبعد قليل تقدم من حافظ وقال له: افرض أنني لم أعتذر لك فماذا تفعل؟ فقال: الأمر هين سأكتب تقريرًا إلى قنصلكم هنا وإلى سفارتكم أولاً ثم إلى مجلس إدارة قناة السويس بباريس، ثم الجرائد الفرنسية المحلية والأجنبية ثم أترقب كل قادم من أعضاء هذا المجلس فأشكو له، فإذا لم أصل إلى حقي بعد ذلك استطعت أن أهينك في الشارع وعلى ملأ من الناس، وأكون بذلك قد وصلت إلى ما أريد، ولا تنتظر أن أشكوك إلى الحكومة المصرية التي قيدتموها بسلاسل الامتيازات الأجنبية الظالمة، ولكني لن أهدأ حتى أصل إلى حقي بأي طريق، فقال الرجل: يظهر أنني أتكلم مع "أفوكاتو" لا نجار، ألا تعلم أنني كبير المهندسين في قناة السويس، فكيف تتصور أن أعتذر لك؟ فقال حافظ: وألا تعلم أن قناة السويس في وطني لا في وطنك وأن مدة استيلائكم عليها مؤقتة وستنتهي ثم تعود إلينا، فتكون أنت وأمثالك موظفين عندنا، فكيف تتصور أن أدع حقي لك؟ وانصرف الرجل إلى مشيته الأولى وبعد فترة عاد مرة ثانية وعلى وجهه أمارات التأثر وطرق المنضدة بيده في عنف مرات وهو يقول: أعتذر يا حافظ سحبت كلمتي، فقام الأخ حافظ بكل هدوء وقال: متشكر يا مسيو "سولنت" وزاول عمله حتى أتمه.

وبعد الانتهاء أعطاه المسيو سولنت مائة وخمسين قرشًا فأخذ منها مائة وثلاثين قرشًا ورد له العشرين، فقال له: خذها "بقشيشًا" فقال: لا، حتى لا آخذ أكثر من حقي فأكون "حرامي". فدهش الرجل، وقال: إني مستغرب لماذا لا يكون كل الصناع أولاد العرب مثلك؟ أنت "فاميلي محمد" فقال حافظ: يا مسيو "سولنت" كل المسلمين "فاميلي محمد" ولكن الكثير منهم عاشروا "الخواجات" وقلدوهم ففسدت أخلاقهم، فلم يرد الرجل بأكثر من أن مد يده مصافحًا قائلاً: متشكر، متشكر، كتر خيرك، كان فيها الإذن بالانصراف (3).

كان حافظ عبدالحميد يصطحب الإمام في زياراته لشعب الإسماعيلية، حيث استقل الإمام البنا في أحد الأيام سيارة الحاج عبد الحميد لزيارة خاطفة لإخوان البلاح بالإسماعيلية، إلا أننا لم نعثر على مصدر يكمل لنا تاريخه ومتى توفي.


المراجع

  1. حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية، دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2002م، صـ83.
  2. جريدة الإخوان المسلمين: العدد 3، السنة الأولى، الخميس 6ربيع أول 1352هـ / 29يونيو 1933م.
  3. حسن البنا: مذكرات الدعوة والداعية صـ86، 87.

للمزيد عن دور الإخوان في الإصلاح

كتب متعلقة

من رسائل الإمام حسن البنا

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

الإصلاح السياسي:

الإصلاح الإجتماعي ومحاربة الفساد:

تابع مقالات متعلقة

رؤية الإمام البنا لنهضة الأمة

قضايا المرأة والأسرة:

الإخوان وإصلاح التعليم:

موقف الإخوان من الوطنية:

متفرقات:

أحداث في صور

.