دور الإخوان في إصلاح المجتمع والتصدي للرقص والسفور

من | Ikhwan Wiki | الموسوعة التاريخية الرسمية لجماعة الإخوان المسلمين |
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

دور الإخوان في إصلاح المجتمع ومحاربة الفساد (16)

بقلم: عبده مصطفى دسوقي


محاربة الرقص والحفلات الماجنة (2-2)

الإمام الشهيد حسن لبنا

ذكرنا في الحلقة السابقة بعض جهود الإخوان في التصدي لهذه الظاهرة التي انتشرت تحت اسم المدنية والتحضر، والتي دمَّرت الأخلاق وعملت على انهيار المجتمع، وهنا نُكمل هذه الجهود حول هذه الظاهرة لخطورتها وأثرها التي تركته في نفوس أبناء المجتمع، والتي اجتهد الفقراء على تقليد الأغنياء ومجاراتهم لإثبات ذاتيتهم؛ مما أدى إلى انزلاق الشبان والفتيات إلى أخطر الأمراض، كالبغاء وغيرها.


لقد قام الإخوان بواجبهم في محاربة هذه الحفلات، لا يخافون في الله لومة لائم، حتى لو كان مَن يُقيمها الوزراء؛ فعندما أقام وزير الخارجية المصري عبد الفتاح باشا حفلةً ساهرةً تكريمًا لأعضاء البعثة الإيرانية السامية بالقاهرة، وقد بدت السيدات بملابس السهرة مع الرجال جنبًا إلى جنب، أُقيمت في هذه الحفلة مشاهد من الرقص الشرقي والغربي، واعتبر الإخوان ذلك منكرًا كبيرًا.


فتَحْتَ عنوان "أي دين يبيح لكم هذا؟! في حفل وزير الخارجية الرسمي رقص وشراب واختلاط.. اللهم إن الإسلام لا يبيح هذا ولا يرضاه" كتبت "النذير" نقدًا لاذعًا لتلك الحفلة التي تعقد بين دولتين إسلاميتين كبيرتين، وتنتهك فيها تعاليم الإسلام وتهدر أوامره لما يحدث من اختلاط لا يبيحه الشرع، ولا يقرُّه الدين، وشُرب للخمر جهارًا في حفلة رسمية أُقيمت باسم الحكومة المصرية، وأنفق عليها من أموال الفلاح المصري المسكين، وهذا عبث أن يُترك، وعصيان أن يقع، إضافةً إلى الرقص والخلاعة، وطالبت الوزراء أن يثوبوا إلى رشدهم قبل أن تكون فتنة تقتلع الأخضر واليابس، ولن يكون أول وقودها إلا الأكابر من المسرفين والمستهترين.


ولقد رفض الإمام الشهيد حضور أية حفلة يعلم مسبقًا باحتمالية وجود رقص بها أو خمر أو ما يخالف تعاليم الإسلام الواضحة؛ فبعد تولي الملك فاروق سلطاته الدستورية عام 1938م ببلوغه السن القانونية، وقد جعل من يوم توليه "يومًا وطنيًّا" تحتفل به البلاد وتُعطَّل فيه المصالح، واعتاد ضباط الجيش في مصر الاحتفال بهذه الذكرى، وقاموا بتوجيه الدعوة إلى كبار رجال الدولة ورجال السلك الدبلوماسي للحفلة الساهرة الراقصة التي يقيمها سعادة رئيس هيئة أركان حرب الجيش، وضباط القوات المسلحة بثكنات القلعة، وقد دُعِيَ فضيلة المرشد العام إلى هذه الحفلة، إلا أنه اعتذر واكتفى بإرسال البرقية التالية إلى سكرتير نادي الضباط:



حضرة المحترم سكرتير نادي الضباط بالزمالك بالقاهرة..

أشكر لسعادة الفريق إبراهيم عطا الله باشا وحضرات أعضاء النادي دعوتهم الموجَّهة إليَّ لحضور الاحتفال بمناسبة ذكرى تولِّي حضرة صاحب الجلالة الملك المعظَّم سلطتَه الدستورية، وأعتذرُ عن عدم الحضور، وكنت أتمنَّى أن يكون هذا الاحتفال بعرض عسكري قوي يليق بحزم الضباط وشجاعة الجندي، ويبث في النفوس معاني الحماس والإقدام لا بحفل غنائي ساهر.


واللهَ أسال أن يغيِّر ما بأنفسنا، لتصلح أحوالنا، وأن يجعل عهد جلالة الملك- حفظه الله- عهد سعادة وإقبال وحرية واستقلال.. آمين- حسن البنا.


كما رفض الإمام البنا حضور حفل زفاف ابن علي ماهر باشا بالإسكندرية لخروجه عما جاء في الشرع ووجود المراقص والخمر والعري.


والأدهى من ذلك هو حضور أحد مشايخ الأزهر ووزير الأوقاف الشيخ مصطفى عبد الرازق حفلة خليعة دُعِيَ إليها في بيت هدى شعراوي، فيها خليط من الفتيات والسيدات مسلمات وغير مسلمات، أجنبيات وغير أجنبيات، سافرات مع أخلاط أخرى من الرجال؛ مما جعل "النذير" تكتب: "هذه العمامة نبرأ منها إلى الله ونستعدي عليها جلالة الملك"؛ إذ كيف لعالم ديني جليل أن يوجد في وسط مثل هذا فضلاً عن محاربته، قائلة له: "إنهم يدعونه في شخصه ليلتمسوا لأنفسهم العذر فيما بعد هذا، وليقيموا به الحجة على الإسلام الذي ينتمي إليه بعمامته، من أجل ذلك وقفت بجانبه سيدة كأنها تراقصه، وصُوِّر في هذا المنظر ونُشرت هذه الصورة في الصحف، وقد رفع الإخوان الشكوى إلى الملك للحفاظ على دين الدولة وتقاليد الأمة ووقار العلماء".


ولم يقف نقد الإخوان لتلك الحفلات عند حدِّ الوزراء، بل هاجم الإخوان حفلة زفاف الأميرة فوزية أخت الملك فاروق على الأمير محمد رضا بهلوي ولي عهد إيران؛ لما في ذلك من إباحية وخروج على تقاليد الإسلام والشرع الحنيف.



الإسلام يرفض أنصاف الحلول

ورفض الإخوان بشدة عزمَ حكومة محمد محمود باشا إقامة مدينةٍ للملاهي عمادها الخمر والميسر، ورأوا أن خطورة هذه المدينة- مع أن الرقص والبغاء موجود في أماكن معلومة- في أن الأسر الكريمة لا ترتاد تلك الأماكن الموبوءة، أما في مدينة الملاهي فهي مصيف الموجودين في القاهرة، ولا يمنع الرجل من أن يصطحب زوجته أو كريمته؛ وبذلك تُذبح الفضيلة ويشيع الفساد والفحشاء؛ حيث هناك ستقع أنظار السيدات والآنسات على مناظر لم يألفوها من قبل.


وعندما أقرَّت اللجنة المختصة رأي وزير الداخلية في ضرورة إجراء الكشف الطبي على كل مَن يعمل في الكباريهات استنكر الإخوان الأمر قائلين: لا ندري ما الذي يفرض علينا وجود هذه الصالات والكباريهات، ولماذا لا تُلغى فتقتلع الفساد من جذوره، ونوفِّر أموال الدولة وجهود بنيها في الكشف الطبي على الراقصات؟!.. كم من مرة نقول: الوقاية خير من العلاج، والإسلام لا يعرف أنصاف الحلول.


لكن ما كان جديدًا على المجتمع وتعجَّب منه الإخوان واستنكروه بشدة أن يُحتفل بالمناسبات الإسلامية عن طريق حفلات الرقص والمجون، فقد كتبت "النذير" في مقال لأحد الإخوان يقول: "أرأيتم إحياء الأعياد العربية في هذا الزمن؟! أرأيتم رأس السنة الهجرية يُحتفل به في ليلة راقصة يخاصر فيها الرجال النساء ويدورون على أنغام الموسيقى في بلادكم.. في مصر.. في القاهرة في أوائل المحرم سنة 1357ه في أوائل مارس 1938م؟! ترى أتكون الاحتفالات الدينية على هذه الحال؟! اللهم إنك تشهد أن هذا الذي تضيق به صدورنا لا يرضيك، فاحكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين.


ولقد ندَّد الإخوان بهذه الحفلات؛ فقد كتبت صحيفة التعارف تحت عنوان "حفلة زفاف"، جاء فيه:

"أقيمت في الأسبوع الماضي حفلة زفاف لكريمة موظف كبير يشتغل في خدمة جهة عليا اشتهرت بالتديُّن والغيرة على التقاليد الإسلامية، وقد أقيمت هذه الحفلة في إحدى الفنادق الكبرى، وهو تقليد لحفلات الأرستقراطيين في الغرب، وكان مما تكلفته هذه الحفلة 1600 جنيه مصري ثمن عشاء 1600 مدعو، و2000 جنيه مصري ثمن 20 علبة بواقع العلبة مائة جنيه مصري، و2500 جنيه مصري صُرفت في وجوه أخرى، فيكون مجموع ما أُنفق في هذه النواحي الظاهرة من حفلة الزفاف المذكورة هو مبلغ 6100 جنيه مصري.


وأحب أن نقف قليلاً أمام هذا المبلغ الذي أنفق في ليلة واحدة في الظروف العصيبة التي يجتازها العالم وتهدِّد مصر بمصير مجهول، والتي فيها يلتهم الحريق بدا بأسرها الشهداء، والتي يخيم فيها الفقر والبؤس على الفلاح المسكين، ويتعرَّض فيها العمال للتعطل وويلاته، وتتفاقم مشكلة المتعلمين العاطلين.


أحب أن نقف قليلاً لنرى: هل من الحكمة والصواب وهل من الوطنية القومية، بل من الإنسانية المجرَّدة أن يُصرف هذا المبلغ لإدخال السور على قلب شاب وفتاة في حين يُضَنُّ بالجنيهات، بل بالقروش، على مئات الألوف من الفقراء والمرضى والعاطلين والمنكوبين؟!


على أن الأمر لم يقصر على الأموال تُبعثر، بل وصل إلى التقاليد الإسلامية تُهدَر؛ فقد نشرت بعض المجلات الأسبوعية وصف الحفلة فذكرت أنها افتتحت برقصةٍ من العروس والعريس على نغمات الحازباندو.


الشاب والفتاة مسلمان بحكم شهادة الميلاد على الأقل، وقد تم هذا الرقص وفيه تبدو العروس بملابس السهرة عارية الأذرع والظهر أمام الموجودين من الرجال وفيهم المسيحي واليهودي فضلاً عن المسلمين غير المُحْرِم، ثم تلا هذا المنظرَ منظرٌ آخر من الرقص البلدي قامت به راقصة معروفة.. كلنا يعرف كيف تبدو الراقصة شبه عارية وتأتي بحركات تُثير أحطَّ الغرائز الجنسية.


يقولون إن مصر بلد العجائب، ولكنا لا ندري إلى أي حدٍّ ستذهب مصر في إخراج عجائبها للناس؛ فمن يُصدِّق أن هذه حفلة زفاف لعائلة مسلمة في مصر الإسلامية؟!


وقد وقف الإخوان ضد هذه الحفلات حتى ولو كانت لجمع تبرعاتٍ لأعمال خيرية، أو إغاثة منكوبين، أو لأية مصلحة؛ حيث إنها قائمة على حرامٍ لا تبرَّر لأي سبب، وفي حديث مجلة "الإخوان المسلمون" مع صاحب السمو الملكي الأمير محمد علي وافق الإخوانُ الأميرَ على تعزيز كل عمل خيري، ولكن بشرط أن يتوفَّر له الخير في وسائله، وأنه من الواجب ألا تتنافى الحفلات الخيرية التي تقام مع التقاليد الأخلاقية، أو الذوق السليم، وأن الخير لا يجوز أن يبذل التماسًا للتظاهر، ولا أن يستدر بمغريات اللهو العابث كحفلات الرقص وموائد الميسر، وقد يتفاقم الأمر بحيث لا يمكن قبوله، مثل حفلة راقصة في أحد المستشفيات الكبيرة تعزف الموسيقى الصاخبة بالدور الأول من المستشفيات بينما يئن المرضى في الدور الثاني.


كما أنكر الإخوان بشدة أن تُجمَع التبرعات لفلسطين بحفلات راقصة، فتحْت عنوان: "لا يُنال نصر الله بمعصية الله" كتبت "النذير": أقام النادي الفلسطيني العربي حفلته الساهرة لإعانة منكوبي فلسطين بزعامة بديعة مصابني وأمثالها، وقد طربنا لإنشاء نادٍ للدعاية الفلسطينية في القاهرة، ولكن للأسف البالغ كان هذا النادي دعايةً ضد الحركة الفلسطينية الطاهرة "وليتها لم تزنِ ولم تتصدق".


وقد سُرَّ الإخوان كثيرًا عندما وجدوا لأعمالهم صدى داخل البرلمان، معتبرين أن ذلك هو الطريق القويم؛ فعندما هاجم النائب سعد اللبان الجمعيات التي تطلق على أنفسها جمعيات البر والإحسان، وتقيم حفلات راقصة صاخبة يباح فيها الخمر والميسر أيَّده الإخوان في هذه الحملة، معتبرين أن هذه الجمعيات إنما تنشر الإثم والفسوق باسم البر والإحسان من: عرض فصول من الرقص، والتمثيل، والغناء.


كما شكر الإخوان في ذلك معاليَ وزير الشئون الاجتماعية فؤاد باشا سراج الدين لتصريحه عن أثر هذه الحملة الصادقة بأن الحكومة لن تصرِّح بإقامة مثل هذه الحفلات، معتبرين أن هذه خطوة موفقة، راجين أن يتبعها بخطوات لتطهير سائر المجتمع المصري من المنكرات.



مذكرة إلى رئيس الوزراء

ولعل مجمل موقف الإخوان في هذه القضية ما جاء في المذكرة التي رفعها الإخوان إلى رئيس الوزراء عام 1938م، والتي طالبوا فيها أن تمنع بتاتًا هذه الحفلات الخليعة الساهرة وغير ساهرة التي يُشرب فيها الخمر، وتختلط فيها النساء بالرجال، وتُتَحدَّى بها شعائر الله، وهي مع ذلك حفلات رسمية تقام باسم الحكومة الإسلامية، وينفق عليها من أموال فقراء هذا الشعب، أو شبه رسمية؛ فهي تحت رئاسة وزير أو رعاية أمير أو إشراف زعيم خطير، ويجب ألا تُدعَى إلى الحفلات سيدةٌ أيًّا كانت.. مصرية أم أجنبية، ولئن كان العرف الدبلوماسي يقضي بمثل هذه الدعوات فإن الشرع الإسلامي لا يبيحها بحالٍ من الأحوال، ونحن أحرار في إنفاذ تعاليم ديننا في بلدنا، فمن أجابنا فبها، ومن أعرض عنا فله رأيه ولن يضيرنا إعراضه، وهذه تقاليد معمول بها في الدول الإسلامية دون أن يعترض عليها أحد، بل إن ذلك أدعى للاحترام؛ لما فيه من معنى الشعور بشخصية الأمة والاعتزاز بقوميتها وتقاليدها كدولة مسلمة، وإباء التفريط في هذه الشخصية لإرضاء الأجانب، أو تأليف الغربيين الذين لا يرضيهم منا- مع ذلك- إلا أن ننسى ديننا، وننكر شريعتنا وأخلاقنا ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: من الآية 120).


وكتب الشيخ محمد الغزالي حول هذا المعنى يقول:

إن الذي يرى الحفلات العامة وما تفيض به موائدها من خير، وما يزين جوانبها من أزهار، وما يتحف بها من مرحٍ وقصفٍ، سوف يحكم بأن هذه الأمة لا تعرف شقاوة العيش، ولا تعاسة الحياة المظلمة، ولا تستعمل في لغتها تلك الكلمات الكئيبة، فلا تفتك السخرية مرةً أخرى إذا ذكرت أن الطب يُرجِع كثيرًا من أمراض سواد الفلاحين إلى سوء التغذية، وأن الفقر يحرم أطفال "المدارس الإلزامية" من تناول فطورهم، وهم الكائنات الحية الغضة، وهم الأمة المصرية بعد جيل.


وإن الذي يسمع أصوات الغناء وألحان الطرب وعربة التمثيل وأضاحيك المهرجين، ترسلها الإذاعة الرسمية كل مساء لتنام عليها الأمة المريضة، سيقول بلا ريب هذه بلاد قد فرغت من تدبير حاضرها، وتأمين مستقبلها، فلا عجب أن تُعنَى بملاهيها، بل لا عجب أن يشكوَ بعض أدبائها حاجتها الملحِّة إلى زعماء اللهو يحكمون لها أسبابه ويبتكرون لها فنونه، ويعلمونها كيف ترسل الضحك العالي وتتذوق طرائف الحياة الممتعة، وكذلك تبتدئ سلسلة مفارقات لا نهاية لها، وتظل الحقيقة الهائلة تصفع كل يوم من يتجاهلها، وتثبت لهؤلاء المفتونين أن للجهل والفقر والمرض دولة طائلة تغتال الأجسام والأفهام، لم يحدّ من سلطانها الجارف أنْ يسبِّحون دائمًا بحمد أوروبا ويشيدون دائمًا بفضها ومآثرها، وينادون بتقليدها فيما يحمد وما يعاب، وما يحب وما يكره.


لئن أصاب غير "المسلمين" شيء من النجاح فيما وضعوه لأنفسهم من النظم، وما ارتضوه لحياتهم من المناهج فإن الله الحكيم الحميد لن يأذن لنا ببذرةٍ من النجاح إن نحن طبَّقنا بيننا هذه النظم؛ ذلك أن ما رضيه الله لنا عن علمٍ خيرٌ وأجدى مما يصل إليه غيرنا عن تجربة، فأما إذا ركب الحمقى رءوسه، ورخَّصوا ما بأيديهم وأضاعوا ما ورثوا من حق في سبيل ما خدعوا به من وَهْم، فقد فتحوا على أنفسهم بابًا ذا عذاب شديد ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)﴾ (الأعراف).


وعجيب أن تمتد هذه اللعنة التي تحيل الخير في يد السفيه شرًّا، فتحيط بكل شيء حتى ميدان "الحياة العلمية"، فترى المبعوثين المصريين الذين تلقوا دروسهم جنبًا إلى جنب مع طلاب أوربيين يرجعون إلينا ويسلكون في حياتهم نهجًا يغاير نهج أولئك الذين شاركوهم في ثقافة واحدة، فبينما الآخرون يستغلون معلوماتهم أبهر استغلال ويضيفون إلى مفاخرهم الصناعية آيات من الابتكار والإتقان، نرى وفودنا الكريمة تأخذ مجالسها المريحة في حجرات الدواوين أو تختبئ في قاعات الدراسة النظرية البحتة، ثم لا شيء وراء لك، اللهم إلا قشورًا لن تغني عن التخلف فتيلاً، كتلك التجارب الهزيلة التي يتسلَّى بها المدرِّسون وطلابهم في معامل الوزارة وكليات الجامعة.


هذه ظاهرة تبعث على التساؤل، فأي شيء يجعل الشعوب الإسلامية تسرع إلى تقليد أحدث الأزياء وأبرع الرقصات، وتجيد قواعد "الإتيكيت" والاجتماعات العامة.


كما وقف طلاب الإخوان بالجامعة ضد الحفلات غير الأخلاقية التي لا تليق بمحراب العلم، واعتبروا أن ذلك أمر يخالف الشرع والعادات والعرف؛ ولذلك يجب وقفه والتصدي له من قِبل المسئولين، فإن لم يقوموا بهذا الواجب فليتركوا مكانهم الذي قصروا فيه إلى مَن يستطيع أن يقوم بما تقتضيه المسئولية.


ولذلك عندما أقامت كلية التجارة حفلة سمر جمعت بين الأساتذة والطالبات والطلبة، وسادها المجون والعبث والمداعبة بين الطلبة والطالبات من خلال الألعاب المختلفة، تقدَّم طلاب الإخوان المسلمين بالكلية بخطابٍ إلى عميد الكلية يعبِّر له فيه عن استنكار انتهاك حرمات العلم بمثل هذا العبث، وما وصلت إليه الكلية من تحوُّلها لتصبح مسرحًا للهو بدلاً من أن تكون منارًا للعلم، رغم ما يعرف عن العميد من محافظة على الأخلاق الحميدة وحبه للشرع، وقد استقبل العميد الأخ استقبالاً جيدًا، شاكرًا له غيرته على الدين والوطن والخلق، وقد شكر الإخوان العميد على قبول النصيحة وحسن التقدير للمحافظة على الأخلاق، آملين أن يضع حدًّا لهذا العبث الجامعي؛ حرصًا على رجال العلم وكرامتهم.


وفي العام الدراسي التالي ما كاد الطلاب يبدءون الدراسة حتى فوجئوا بالإعلانات تملأ الكلية تعلن أن ناديَ التجارة العليا سيحيي ليلة راقصة في 8 نوفمبر 1939م، واعتبر الطلاب الملتزمون، وعلى رأسهم طلاب الإخوان المسلمين، أنَّ هذا الأمر تحدٍّ للشعور العام للطلاب، فثارت ثائرتهم واجتمعوا بالمسجد وقرَّروا الاحتجاج على هذه السياسة اللاهية، بدءوها بكتابة خطاب لرئيس النادي وعميد الكلية يستنكرون فيها ما يحدث، وقدَّموا فيها عدة مطالب تفيد الشباب وتساعده على بناء مستقبل هذا البلد بدلاً من ضياعه بالحفلات اللاهية.


ومن مطالب طلبة الإخوان في خطابهم أن يوجِّه النادي جهوده وماله إلى تقوية النهضة الاقتصادية في مصر بتنظيم المحاضرات الاقتصادية النافعة التي يلقيها كبار رجال الأعمال، ويقومون من خلالها بتوجيه الشباب إلى دراسة المشاكل الاقتصادية المعقَّدة وكيفية حلها.


وأن يبذل النادي- في ذلك الوقت المضطرب- كلَّ جهده في تكوين جماعة الإسعاف والإنقاذ، وبث روح العسكرية بين أعضائه؛ حتى يجعل كل واحد منهم عضوًا عاملاً يدافع عن كيان أمته الاقتصادي، إضافةً إلى توجيه سياسة النادي لبثِّ روح الفضيلة والرجولة والتضحية بين الشباب من أجل الوطن، وقد أرسل الخطاب باسم الإخوان المسلمين بكلية التجارة، وعنهم حسن صادق نائب الإخوان بالكلية.


وتحت عنوان "أضواء" كتب كامل الشافعي يقول:


تتناثر هنا وهناك صيحات ثائرة وهمسات حائرة معلنة سخطها عما وصل إليه مستوى الأخلاق في بلادنا، وليست مصر وحدها هي التي تعاني، إنما هو الشرق كله قد أصيب بنكسة ولوثة أسالها دمع المصلح حزنًا ودمع السفيه انتشاءً.


ومن عجب أن الشرق مَشرق الرسالات ومَنبع النبوات يصل به الحال إلى هذا الحد وقد كان من قبل نورًا يُستضاء به، وهاديًا ما ضلَّ من شرب من عذبه، وما غوى مَن اغتسل من بئره؛ وسبب العلة من غير شكٍّ هو أننا جعلنا من الغرب إمامًا، فأخذنا من نواحينا إلى حيث يريد ليضمن لنفسه لواء القيادة والزعامة على هذه الدنيا.


ونحن بدورنا لم نحسن التقليد، فأخذنا الضارَّ وتركنا النافع، نعم.. قلدناهم في الرقص والخمر والمجون والخلاعة ولم نقلدهم في تشييد المصانع والمدافع والدبابات، فصار جوُّنا سوقًا لطائراتهم، وجيشنا سوقًا لأسلحتهم، وأرضنا سوقًا لأسمدتهم، ووجوهنا سوقًا لأبيضهم وأحمرهم، وقلوبنا سوقًا لاستغلالهم واستعمارهم، وبطبيعة الحال أصبحت لهم اليد العليا ولنا السفلى.. هجرنا ديننا ودنيانا، جعلنا دنياهم دينًا ففرَّ من بين أيدينا ديننا ودنيانا معًا، والسبيل الوحيد إلى استرداد كرامتنا هو استرداد عزتنا الدينية، وآنذاك تنطفئ الوقدة وتنحل العقدة.


وجاء في رسالة قضيتنا حول تفنيد الاتهامات التي وُجِّهت لحل الجماعة وبطلان اتهام العمل على قلب نظام الحكم:


وهذه في الواقع أعجب الاتهامات، ولا ندرى أيَّ نظام حكمٍ يعني هؤلاء المتهمون.. إن نظام الحكم في مصر إما ديني، وهو الإسلام الذي ينص الدستور على أنه دين الدولة الرسمي، وإما مدني، وهو النظام الديمقراطي الذي يقوم على إرادة الشعب واحترام حريته، والذي فصَّله الدستور تفصيلاً.. فهل الإخوان المسلمون يعملون على قلب أحد هذين النظامين؟! اللهم لا، وألف مرة: لا!.



فإن أساس دعوة الإخوان هو الإسلام، ولا وسيلة لهذه الدعوة ولا حماية لها إلا بالدستور الذي يكفل الحريات، فكيف يُوجَّه إلى الإخوان مثل هذا الاتهام؟! والحق أن الذي قلب نظام الحكم فعلاً هو هذه الحكومات التي أهملت أحكام الإسلام، وعطَّلت روح الدستور بهذه المنكرات الفاشية وهذه الدُّور المشيدة للهو واللعب والخمر والميسر والرقص والعبث والفساد، وهذه الفرائض المهدرة التي لا يؤديها الكبار ليكونوا قدوةً لغيرهم من الناس، وهذه الأحكام المُستمَدَّة من غير كتاب أحكم الحاكمين.


كل ذلك هدم للإسلام، وقلْبٌ لنظام المجتمع الذي يؤمن بالإسلام، وهذه المظالم الواقعة على الأفراد والجماعات وإهدار الحقوق وكبت الحريات ومنع المجالس والبرلمانات وتزييف إرادة الشعب في الانتخابات قلبٌ لنظام الحكم المدني الذي يقوم على الدستور، وليس المسئول عن ذلك الإخوان المسلمين، لكن الحاكمين المسيطرين، وإنما يريد الإخوان صلاح الحال واستقامة الأوضاع الدينية والدنيوية في هذا البلد الأمين بوسيلة معروفة مشروعة هي الدعوة والاجتماع والتربية وحسن التوجيه، وذلك حقٌّ لكل مواطن؛ لا يحول بينهما إلا كل ظالم معتدٍ جبار، والله من ورائهم محيط.


المراجع

1- جمعة أمين عبد العزيز: أوراق من تاريخ الإخوان المسلمين، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2003م.

2- البصائر للبحوث والدراسات: مجموعة رسائل الإمام البنا، دار التوزيع والنشر الإسلامية، 2006م.

3- مجلة التعارف، 1940م.

4- مجلة الإخوان المسلمين النصف شهرية، 1364ه/ 1945م.

5- مجلة المباحث القضائية 1950م.

إقرأ أيضا

للمزيد عن دور الإخوان في الإصلاح

كتب متعلقة

من رسائل الإمام حسن البنا

ملفات وأبحاث متعلقة

مقالات متعلقة

الإصلاح السياسي:

الإصلاح الإجتماعي ومحاربة الفساد:

تابع مقالات متعلقة

رؤية الإمام البنا لنهضة الأمة

قضايا المرأة والأسرة:

الإخوان وإصلاح التعليم:

موقف الإخوان من الوطنية:

متفرقات:

أحداث في صور

.